|
المتقون -
العدد السادس عشر
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – قبسات من القرآن الكريم .
2 – قبسات من السنة النبوية .
3 – توجيهات ومواقف أخلاقية .
4 – مواقف دعوية من السيرة النبوية .
- قبسات من القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله تعالى (لَّيْسَ
بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ
بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً{123} وَمَن
يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ
يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً{124} وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً
مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ
حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً{125} وَللّهِ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً{126})
[ النساء :123-126] .
[123] في هذه الآية بيان أن الفوز برضوان الله تعالى والسعادة الأخروية ليس
بالأماني ، فلا ينال هذا المطلب الكبير بمجرد افتخار المسلمين بأنهم خير أمة أخرجت
للناس وأن كتابهم الكريم هو المهمين على الكتب السماوية ، ولا بقول أهل الكتاب (نَحْنُ
أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)
[المائدة : 18] ولا بقولهم (لَن
يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى)
[البقرة : 111] ثم ذكر الله سبحانه أن المعوَّل عليه في تحصيل سعادة الآخرة أو
شقائها هو العمل فقال (مَن
يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ)
يعني : من يرتكب معصية – من مؤمن أو كافر – فإنه يُجزَى بها في دار الحساب والجزاء
وهي الآخرة على قدر معصيته ، فأما عصاة المؤمنين فإنهم – إن ماتوا ولم يتوبوا –
يعذَّبون في النار على قدر ذنوبهم إذا شاء الله ذلك ولا يخلدون فيها ، وأما الكفار
فإنهم يخلَّدون في نار جهنم (وَلاَ
يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً)
يعني : ولا يجد ذلك الذي يرتكب المعاصي ويخالف أوامر الله تعالى من أحد سوى الله عز
وجل وليا يتولى أمره ولا ناصرا ينصره مما يحلُّ به من عقوبة الله تعالى .
هذا وقد يغفر الله جل وعلا لعصاة المؤمنين ويكفر عنهم سيئاتهم بما يصيبهم من
المصائب ، وقد وردت في ذلك أحاديث منها مارواه الإمامان أحمد ومسلم من حديث أبي
هريرة رضي الله عنه قال : لما نزلت (مَن
يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ)
بلغت من المسلمين مبلغًا شديدًا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قاربوا
وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة ، حتى النكبة يُنكبُها أو الشوكة يُشاكها".
(صحيح مسلم ، رقم 2574 (ص1993) ، مسند أحمد / رقم 7386 ( 12/341)).
وقوله " قاربوا " أي اقتصدوا فلا تغْلوا ولا تُقصِّروا بل توسطوا .
وقوله " وسددوا " أي اقصدوا السداد وهو الصواب .
ومن المعلوم من الأدلة الشرعية أن المصائب تكون كفارات للذنوب إذا تحلَّى المصاب
بها بالصبر واتَّصف بالرضا بقضاء الله تعالى وقدره ، ومما جاء في ذلك ما أخرجه
الإمام مالك من حديث عطاء بن يسار رحمه الله : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال : إذا مرض العبد بعث الله تعالى إليه ملكين فقال : انظرا ماذا قال لعواده ؟ فإن
هو إذا جاؤوه حمد الله وأثنى عليه رفعا ذلك إلى الله عز وجل – وهو أعلم – فيقول :
لعبدي عليَّ إن توفيته أن أدخله الجنة ، وإن أنا شفيته أن أبدل له لحما خيرا من
لحمه ودما خيرا من دمه وأن أُكفِّر عنه سيئاته " ( الموطأ ، كتاب المعين 2/940 باب
أجر المريض ، رقم 3 ، وقال محققه : وصله ابن عبد البر من طريق عباد بن كثير المكي).
أما إذا لم يصبر على المصائب أو اعترض على قضاء الله تعالى وقدره فإنه يكون آثما
بذلك ، وبهذا نعلم أن المصائب قد تكون كفارات لأصحابها وقد تكون سببا في ارتكابهم
الإثم .
[124]
(وَمَن
يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ
يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ)
فأما المؤمن الصادق الذي يعمل الصالحات سواء أكان من الذكور أم من الإناث فإن هؤلاء
مأواهم في الآخرة الجنة (وَلاَ
يُظْلَمُونَ نَقِيراً
) أي إن الله سبحانه من كمال عدله لا يظلم عباده شيئا من أعمالهم حتى ما كان بمقدار
النقرة التي تكون في ظهر النواة ، بل يوفيهم جزاء أعمالهم الصالحة كاملة .
وقوله تعالى (مِن
ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى)
دليل على أنه لافرق بين الرجال والنساء في أحكام الآخرة ، والحياة الآخرة هي الحياة
الحقيقية الخالدة التي يجب أن تأخذ جل اهتمام المسلم أما الحياة الدنيا فإنما هي
معبر إلى الآخرة ، وإقامة كل إنسان فيها محدودة وقصيرة جدا ، وقد اقتضت مشيئة الله
تعالى أن تكون هناك فروق بين الرجال والنساء في أصل خلقهم التكويني ، وبناء على هذه
الفروق جاءت التوجيهات في الشريعة الإسلامية متضمنة بيان الفروق بينهما والمهام
والتكاليف بناء على التفاوت في القدرات ، وهم في المحصلة النهائية للعمل في هذه
الحياة يكوِّنون كيانا واحدا لابد لكل واحد من الجنسين من الوجود فيه بحيث يكمل
أحدهما الآخر ، وأي خلل في القيام بالمهمات من أحد الجنسين حسب اختصاصهما يُعدُّ
خللا في ذلك الكيان كله .
وفي قوله تعالى (وَهُوَ
مُؤْمِنٌ)
إشارة إلى ضرورة الجمع بين الإيمان الصادق والعمل الصالح ، فإن العمل بلا إيمان
صادق لا قيمة له ، وهو كعمل المنافقين .
[125] (وَمَنْ
أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله
)
أي لا أحد أفضل دينا ممن انقاد لله تعالى انقيادا كاملا بقلبه وجوارحه (وَهُوَ
مُحْسِنٌ)
في عمله بحيث يكون مخلصا لله تعالى وعلى وفق شريعته(واتَّبَعَ
مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ)
التي أوحاها الله تعالى إليه وهي الإسلام الكامل والتوحيد الخالص (حَنِيفاً)
مائلا عن الاتجاهات المنحرفة عن الصراط المستقيم (وَاتَّخَذَ
اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً)
أي صفيا ، حيث نصره على كل من عاداه وكادَ له .
وفي هذه الآية رَدٌّ على أهل الكتاب الذين ادَّعوا أن دينهم المحرف هو أفضل الأديان
.
[126] (وَللّهِ
مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)
فليس بحاجة إلى أحد من خلقه وإنما اتخذ إبراهيم عليه السلام خليلا لإخلاصه القوي
وطاعته التامة لربه جل وعلا ، وكذلك فسارعوا أيها الناس إلى طلب رضوان الله عز وجل
واجتناب سخطه ليتخذكم أولياء (وَكَانَ
اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً)
ولم يزل سبحانه محصيًا لكل شيء ، ومن ذلك ما يفعله عباده من خير أو شر وسيجازيهم
على ذلك.
* * *
-قبسات من السنة النبوية –
-من مكارم الأخلاق –
الحمد له والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : فهذه توجيهات سلوكية في بعض مكارم الأخلاق , فمن ذلك ما أخرجه الحافظ أبو
عيسى الترمذي رحمه الله وحسَّنه من حديث عبد الله بن سرجس المزني رضي الله عنه قال:
"السَّمْت الحسن والتُّؤَدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءًا من النبوة" .( سنن
الترمذي , رقم 2010 , كتاب البر , باب 66, (4/366 )
فهذه ثلاثة أمور ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أنها جزء من أربعة
وعشرين جزءًا من النبوة , وهذا يفيد بأن هذه أمور عظيمة لأن النبوة أمرها عظيم .
أولها : السمت الحسن , وهو الهيئة المعنوية الحسنة التي يكون عليها الإنسان .. من
السكينة والوقار والتفكير المتَّزن والسير مع مقتضى الحكمة في القول والعمل .
والثاني : التؤدة وهي التأني في أمور الدنيا , ومن ذلك التريث في الحكم على الأمور
وإصدار القرارات , والتأني في هذه الأمور يتيح الفرصة للتفكير المتزن والنظر إلى
الأمور بحكمة .
والثالث : الاقتصاد وهو الاعتدال في الإنفاق , وذلك بأن تكون نفقة الإنسان وسطا بين
التقتير والتبذير , كما قال الله تعالى (وَالَّذِينَ
إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً)
[الفرقان : 67] . (ومما يشمله الاقتصاد التوسط في أمور الدين بين الغلو والتقصير).
ومما جاء في مكارم الأخلاق ما أخرجه الحافظ أبو عبد الله البخاري رحمه الله من حديث
أنس بن مالك رضي الله عنه قال : "قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة , فآخى النبي صلى
الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري , وكان سعد ذا غنى , فقال لعبد
الرحمن : أقاسمك مالي نصفين وأزوجك , قال: بارك الله لك في أهلك ومالك , دلوني على
السوق , فما رجع حتى استفضل أقطا وسمنا , فأتى به أهل منـزله , فمكثنا يسيرا – أو
ما شاء الله – فجاء وعليه وَضَر من صفرة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :
مهْيَمْ ؟ قال: يا رسول الله تزوجت امرأة من الأنصار , قال: ماسُقْتَ إليها؟ قال:
نواة من ذهب – أو وزن نواة من ذهب – قال: أوْلِمْ ولو بشاة" .( صحيح البخاري , رقم
2049 , كتاب البيوع , باب 1 (4/288 ) ).
فهذا مثل جيد من الإيثار يقدمه سعد بن الربيع رضي الله عنه وهذا يبين لنا كيف أن
الأنصار رضي الله عنهم بعدما هداهم الله تعالى للإسلام تجردوا من مصالحهم الذاتية ,
وتخلوا عن أعرافهم الجاهلية , وانصهروا تماما في بوتقة الإسلام , فسعدٌ في جاهليته
لم يكن ليقَدِّم لأحد كائنا من كان نصف ماله , ولا ليتنازل له عن إحدى زوجتيه كما
جاء في رواية أخرى للبخاري , ولكنه قدَّم ذلك بعدما أسلم سخيَّة به نفسه , وهذا
يبين لنا عظمة الإسلام وقوة تأثيره على من آمن به حقا , حيث يصحح المفاهيم ويُجلِّي
التصورات , ويدفع بالسلوك نحو القيَم العليا والأهداف السامية .
وبهذه الأخلاق العالية التي ربِّى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه نجح
الصحابة في فتح القلوب قبل فتح الممالك , وقضوا على كل مظاهر التخلف الخلقي من
الظلم والتجبر والطبقية المقيتة التي نتج عنها تعطيل الطاقات , وإخماد المدارك
الفكرية والتخلق بالأخلاق السيئة , كالغل والحسد من المظلومين , والكبر والخيلاء
من الظالمين .
وفي هذا الخبر مثل من العفة والشهامة والاعتماد بعد الله تعالى على النفس في طلب
الرزق, حيث لم يقبل عبد الرحمن بن عوف ما عرضه عليه سعد بن الربيع رضي الله عنهما ,
وفضَّل أن يُؤَمِّن احتياجاته بنفسه , وهو مثل من بذل الطاقة في الإسهام في عمارة
الأرض وتكوين القوة المادية للمسلمين .
وأخرج أبو عيسى الترمذي رحمه الله من حديث المكي بن إبراهيم رحمه الله قال : كنا
عند ابن جريج المكي فجاء سائل فسأله , فقال ابن جريج لخازنه : أعطه دينارا , فقال:
ماعندي إلا دينار إن أعطيته جعت وعيالك , قال: فغضب وقال: أعطه , قال المكي : فنحن
عند ابن جريج إذ جاءه رجل بكتاب وصرَّة وقد بعث إليه بعض إخوانه , وفي الكتاب : إني
قد بعثت خمسين دينارًا , قال: فحلَّ ابن جريج الصرة فعدَّها فإذا هي أحد وخمسون
دينارا , قال: فقال ابن جريج لخازنه : قد أعطيت واحد فرد الله عليك وزادك خمسين
دينارًا. ( سنن الترمذي 2035 , كتاب البر , باب 87 ( 4/380 )).
فهذا مثل من أمثلة سخاء العلماء الذي أصبح مضرب الأمثال , وصورةٌ من صور اليقين,
حيث كان العالم الحافظ عبد الملك بن عبد العزيز ابن جريج رحمه الله واثقا فيما عند
الله جل وعلا من رزق وخير .. ومثل من لطف الله تعالى بأوليائه حيث وصل إليه في
الحال ذلك المبلغ من المال , وكأنه كان مكافأة على الإحسان والمعروف وتحريضا على
الاستمرار على ذلك.
ومن مكارم الأخلاق ملاطفة الأطفال والرفع من شخصياتهم , ومما جاء في ذلك ما أخرجه
الحافظ أبو عيسى الترمذي رحمه الله وحسَّنه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
"إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى إن كان ليقول لأخ لي صغير : يا
أبا عمير مافعل النُّغير؟". (سنن الترمذي , رقم 1989 , كتاب البر , باب 57 (
4/357)).
فهذا مثل من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم العظيم حيث يخاطب ذلك الطفل ويداعبه
بسؤاله عن ذلك الطائر الذي يحبه . وهذا جانب من عظمة النبي صلى الله عليه وسلم ,
فبينما هو يدير أمور دولة الإسلام ويجابه الأهوال ويخطط للأمور الجسام ويقابل عظماء
العرب إذا هو يداعب الأطفال ويلاطفهم ويرفع من معنوياتهم .
وفي حديث آخر نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم يمازح أحد الرجال , وذلك فيما أخرجه
الحافظ أبو عيسى الترمذي وحسَّنه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه : " أن رجلا
استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم [أي طلب منه أن يحمله] فقال: إني حاملك على
ولد الناقة , فقال: يا رسول الله ما أصنع بولد الناقة ؟ [يعني أنه صغير لا يحمل]
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وهل تلد الإبلَ إلا النوقُ؟" [سنن الترمذي ,
رقم 1991 , كتاب البر , باب 57 (4/357)] وكذلك أخرجه أبو داود السجستاني من حديث
أنس رضي الله عنه. (سنن أبي داود , رقم 4998 , كتاب الأدب , باب 92 ( 5/270 )).
يعني وإن كان كبيرا فهو ولد الناقة , وهذا المزاح المعتدل اللطيف له فوائد منها
إزالة الكلفة والهيبة التي تستقر في النفوس للرجال العظماء , وهذه الهيبة قد تُحرج
بعض الناس أو تمنعهم من كلامٍ يريدون أن يقولوه أو تصرُّف يريدون أن يفعلوه .
وكان صلى الله عليه وسلم معتدلا في مزحه وبقدر معين ومع أناس معينين , ولايقول إلا
حقا , كما أخرج الحافظ أبو عيسى الترمذي رحمه الله وحسَّنه من حديث أبي هريرة رضي
الله عنه قال: قالوا : يارسول الله إنك تداعبنا , قال: إني لاأقول إلا حقا . (سنن
الترمذي , رقم 1990 , كتاب البر , باب 57 (4/357 )).
ومن ماجاء في أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم العالية في معاملة أهله ما أخرجه أبو
داود السجستاني رحمه الله من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : "استأذن أبو
بكر رحمة الله عليه على النبي صلى الله عليه وسلم , فسمع صوت عائشة عاليا , فلما
دخل تناولها ليلطمها وقال : ألا أراك ترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وسلم
! فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يحجزه , وخرج أبو بكر مغضبا , فقال النبي صلى الله
عليه وسلم حين خرج أبو بكر : كيف رأيتني أنقذتك من الرجل ؟ قال: فمكث أبو بكر أياما
ثم استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدهما قد اصطلحا , فقال لهما :
أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قد
فعلنا , قد فعلنا ". (سنن أبي داود , رقم 4999 , كتاب الأدب , باب 92 ( 5/271 ))
* * *
- توجيهات ومواقف أخلاقية –
- مواقف في التواضع والرحمة –
من مواقف مطرِّف بن عبد الله رحمه الله :
أخرج الحافظ أبو نعيم الأصبهاني من خبر ثابت البناني أن مطرِّف بن عبد الله بن
الشِّخِّير قال لابن أبي مسلم : مامدحني أحد قط إلا تصاغرت على نفسي. (حلية
الأولياء 2/198 - حلية الأولياء 2/273).
وهذا دليل على قوة إيمان مطرف بن عبد الله رحمه الله , حيث غلب نفسه وحجَّمها
ومنعها من أن تطمح نحو الجاه والشرف , وهو مثل جيد في التواضع المبني على قطع موارد
الكبرياء التي من أهمها الإعجاب بالنفس .
من مواقف محمد بن سيرين رحمه الله :
أخرج الحافظ أبو نعيم الأصبهاني من خبر هشام بن حسام قال : حدثني بعض آل سيرين قال:
مارأيت محمد بن سيرين يكلم أمه قط إلا وهو يتضرع .
وأخرج أيضًا من خبر ابن عون قال: دخل رجل على محمد وهو عند أمه , فقال: ماشأن محمد
أيشتكي شيئًا ؟ قالوا : لا ولكن هكذا يكون إذا كان عند أمه.
فهذا مثل من التواضع للوالدين , وهو من أهم مجالات البر بهما , ولقد بلغ ابن سيرين
من إهانته نفسه أمام أمه حدا أثر على قسمات وجهه حتى ظن من رآه أنه يشكو من ألم ,
وهذا دليل على قوة إيمانه وشدة تمسكه بأحكام الإسلام وآدابه .
كما أن هذا الخبر وأمثاله دليل على عظمة الإسلام وقوة تأثيره على النفوس , فهل كان
أجداد ابن سيرين – وهم على مجوسيتهم – يعاملون أمهاتهم هذه المعاملة ؟!
إن الواقع التاريخي يشهد بأن هذا الرقي الأخلاقي لايوجد إلا عند المسلمين , وأن هذه
القوة المؤثرة لاتوجد في غير الإسلام .
من مواقف سليمان بن مهران رحمه الله :
من ذلك ماذكره الإمام الذهبي عن الإمام سليمان بن مهران المشهور بالأعمش وقد ذكر
حديث الرجل الذي ذُكر عند النبي صلى الله عليه وسلم أنه مازال نائما حتى أصبح ,ماقام
إلى الصلاة فقال " بال الشيطان في أذنه" أخرجه. ( صحيح البخاري , التهجد رقم 1144
(3/28) , صحيح مسلم , باب المسافرين رقم 205).
فقال الأعمش : ما أرى عينيَّ عمشت إلا من كثرة مايبول الشيطان في أذني , قال أبو
خالد الراوي عن الأعمش : وما أظنه فعل هذا قط .
قال الذهبي : يريد أن الأعمش كان صاحب ليل وتعبد. ( سير أعلام النبلاء 6/233)
فهذا مثل من تواضع هذا الإمام الكبير , وقد كان هو وأمثاله من الصالحين يهتمون
بتحقير النفس وإخفاء العمل الصالح قطعا لموارد العجب والرياء , وادخارًا لثواب
العمل كاملا في دار البقاء .
من مواقف سفيان الثوري ومالك بن أنس رحمهما الله :
قال الحافظ ابن كثير في ترجمة الإمام أبي عمرو عبد الرحمن الأوزاعي : وقد حج مرة
فدخل مكة وسفيان الثوري آخذ بزمام جمله , ومالك بن أنس يسوق به , والثوري يقول :
افسحوا للشيخ حتى أجلساه عند الكعبة , وجلسا بين يديه يأخذان عنه. (البداية
والنهاية 10/119)
فهذا مثل جيد لعلاقة المحبة والتواضع والاحترام بين العلماء , فالعلماء الثلاثة
المذكورون كانوا متعاصرين , وكل واحد منهم قد بلغ حدّا عاليا من الشهرة , فمالك
إمام أهل المدينة , والثوري إمام أهل الكوفة , والأوزاعي إمام أهل الشام , ومع
تقاربهم في مستوى الشهرة فإن الإمامين مالك والثوري قاما بهذه المقابلة الكريمة
للإمام الأوزاعي , وهذا دليل على فضلهما وقوة إيمانهما , حيث لم يَرَيَا في ذلك
غضاضة من شأنهما ولاحطّا من قدرهما , بل بضد ذلك فإنهما بهذا السلوك العالي قد خلدا
هذا المثل ليكون فيه قدوة لمن بعدهما من العلماء .
من مواقف عبد الله بن المبارك رحمه الله :
لقد كان للعلماء اهتمام بمعالجة أمراض القلوب التي تنتج عن عدم التحلي بخلق
التواضع, وذلك كالكبر والعجب , ومن الأقوال في ذلك ماذكره الإمام الذهبي من خبر أبي
وهب المروزي قال: سألت ابن المبارك : ما الكبر ؟ قال: أن تزدري الناس , فسألته عن
العجب قال: أن ترى أن عندك شيئا ليس عند غيرك , لا أعلم في المصلين شيئا شرا من
العجب. ( سيرة أعلام النبلاء 8/260).
وقولـه " أن تزدري الناس" مأخوذ من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "ولكن الكبر
مَنْ بَطِر الحق وغمط الناس" [سنن أبي داود , رقم 4092 , اللباس (4/352) , سنن
الترمذي رقم 1999 , البر (4/360)] , وقد ذكر ابن المبارك الشق الثاني من أنواع
الكبر وهو ازدراء الناس واحتقارهم , ولعله اقتصر على ذلك لأنه مراد السائل , أما
الشق الأول فهو بطر الحق وذلك بأن يترفع عن قبول الحق .
والكبر بنوعيه من الأخلاق الهدامة , فهو يعطل المواهب , ويقلل من الإنتاج الفكري,
ويبعث على الظلم وهظم الحقوق بالنسبة للمتكبر , وعلى الغل والحقد بالنسبة لمن
يعاملهم المتكبر , إلى غير ذلك من المفاسد الكثيرة المترتبة على الكبر .
أما العجب فهو قاصمة الظهر , لأن المرء إذا أعجب بنفسه أصيب بالغرور , وذلك يترتب
عليه ضرر في الآخرة والدنيا , فأما ضرره في الآخرة فمنه الآثام المترتبة على الكبر
من احتقار الناس والبحث عن عيوبهم وغير ذلك , وأما ضرره في الدنيا فإنه يُضعف من
الإنتاج والتطلع نحو الكمال , لأن المعجب بنفسه يرى أنه قد بلغ درجات عاليةً من
الكمال فلا يشعر بالنقص والحاجة إلى العمل وهو من أضر المهلكات على طلاب العلم لأن
من أعجب بنفسه احتقر من حوله , وربما احتقر أساتذته , فيمنعه ذلك من الاستفادة منهم
, وربما حمله الغرور على عدم الاجتهاد في التحصيل والمذاكرة فيصاب بالإخفاق في
الاختبار أو عدم التسديد في الكتابة فتكثر أخطاؤه .
من مواقف أمير المؤمنين المأمون رحمه الله :
من أخباره في الحلم والعفو ماذكره الحافظ ابن كثير في ترجمته , قال: وركب يوما في
حُرَّاقة [نوع من السفن] فسمع ملاحا يقول لأصحابه : ترون هذا المأمون يَنْبُل في
عيني وقد قتل أخاه الأمين – يقول ذلك وهو لايشعر بمكان المأمون – فجعل المأمون
يبتسم ويقول : كيف ترون الحيلة حتى أنْبُلَ في عين هذا الرجل الجليل القدر؟.
[البداية والنهاية 10/290]
فهذا مثل جيد في تقدير الولاة لمكارم الأخلاق , والحفاظ على السمعة الحسنة على طريق
الفِعَال الحميدة ومحبة القلوب .
* * *
- مواقف دعوية من السيرة النبوية –
- مواقف في هجرتي الحبشة –
" قالت – أم سلمة – فلما خرجنا من عنده قال عمرو بن العاص : والله لآتينه غدًا عنهم
بما أستأصل به خضراءهم" .
" قالت : فقال له عبد الله بن أبي ربيعة – وكان أتقى الرجلين فينا - : لاتفعل فإن
لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا , قال : والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى عبد "
.
" قالت : ثم غدا عليه من الغد فقال له : أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم
قولاً عظيمًا فأرسلْ إليهم فسلْهم عما يقولون فيه " .
وهكذا تفتقت عبقرية عمرو بن العاص عن مكيدة قاتلة للمسلمين لولا أن هيأ الله لهم
وجود ذلك الملك العادل , إذ إن اعتقاد المسلمين في عيسى عليه السلام مناقض تمامًا
لما عليه النصارى في دينهم المحرف , حيث يعتقد المسلمون أنه عبد الله ورسوله ,
ويعتقد النصارى أنه ابن الله تعالى , وحينما علم المسلمون بذلك اشتد عليهم الأمر
وعظم كربهم حينما أرسل إليهم الملك ليسألهم عن اعتقادهم في عيسى عليه السلام .
" قالت – أم سلمة – فأرسل إليهم ليسألهم عنه , قالت: ولم ينـزل بنا مثلها قط ,
فاجتمع القوم , ثم قال بعضهم لبعض : ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه ؟
قالوا : نقول والله ماقال الله تعالى وماجاءنا به نبينا كائنًا في ذلك ماهو كائن "
.
وهكذا اجتمع الصحابة وتشاوروا في الأمر , وتساءلوا عما يقولونه للنجاشي إذا سألهم
عن ذلك , وقد أجمعوا على أن يقولوا له ماقال الله تعالى وماجاءهم به رسول الله صلى
الله عليه وسلم كائنًا في ذلك مايكون , وهذه هي المرة الثانية التي يجتمعون فيها
ويتشاورون ثم يُجمعون على رأي واحد .. فلله درهم ما أعلى تربيتهم , وما أقوى
إيمانهم , وما أعز نفوسهم !
لقد صبروا قبل ذلك في مكة على قهر الطغاة وإذلالهم وتعذيبهم , فهل هاجروا منها إلى
الحبشة ليغيِّروا شريعة الله لمجرد مساءلة ستكون بينهم وبين النجاشي ؟! وليُفتَرض
أنه سيقتلهم , أو في أحسن الأحوال سيسفِّرهم من بلاده , فإنهم قد استعدوا لتحمُّل
كل ماينتج عن قول كلمة الحق كائنًا في ذلك مايكون .
وهكذا يكون الإيمان القوي ... وهكذا تكون الاستقامة .
" قالت – أم سلمة - : فلما دخلوا عليه قال لهم : ماذا تقولون في عيسى ابن مريم ؟
قالت: فقال جعفر بن أبي طالب : نقول فيه الذي جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم ,
ويقول : هو عبد الله ورسوله وروحه (يعني جعله روحا لمن أرسل إليهم) وكلمته (يعني
أنه خلق بقوله الله تعالى "كن") ألقاها إلى مريم العذراء البتول" .( العذراء التي
لم تتزوج , والبتول المنقطعة لعبادة الله تعالى)
" قالت : فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عودًا ثم قال: والله ماعدا عيسى بن
مريم ماقلت هذا العود " .
" قالت : فتناخرت [يعني أخرجوا أصواتا من مناخرهم استنكارًا لما سمعوا] بطارقته حين
قال ما قال , فقال : وإن نخرتم والله , اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي – والشيوم :
الآمنون – مَنْ سبكم غرم , ثم قال : من سبكم غرم , ثم قال : من سبكم غرم , ما أحب
أن لي دَبْرًا [قال ابن هشام : " ويقال : دِبْرًا من ذهب , ويقال : فأنتم سيوم ,
والدبر بلسان الحبشة : الجبل "] من ذهب وأني آذيت رجلا منكم .
ثم قال : ردوا عليهما هداياهما – يعني مندوبي قريش – فلا حاجة لي بها , فو الله ما
أخذ الله مني الرشوة حين رد عليّ ملكي فآخذ الرشوة فيه , وما أطاع الناس فيّ
فأطيعهم فيه .
" قالت : فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ماجاءا به , وأقمنا عنده بخير دار ,
مع خير جار " .
وهكذا نطق هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم بالحق ولم يخافوا في الله لومة لائم , ولم
يساوموا في أمور دينهم , ولم يداهنوا مع أنهم في موقف الضعف , وقد نزل بهم هذا
الأمر العظيم الذي أهمهم وأقلقهم .
وبهذا تبين لنا من هذا الخبر كيف كان المسلمون الأوائل يتعرضون للأذى والكيد من
اعدائهم, وكيف كان سلوكهم في مواجهة الكيد , إنهم لم يكونوا يستسلمون لأعدائهم
ويداهنونهم, وفي الوقت نفسه لم يكونوا يقاومون بالقوة والعنف وحالهم لاتسمح لهم
بذلك , بل كانوا يقاومون بالصبر على الأذى مع عرض ما يدعون إليه بالبيان الرائع
الذي يمتلك القلوب, ويجبر كل متجرد من الهوى الجامح على أن يميل إليهم ويعطف عليهم
.
ولقد كانوا في كل محاوراتهم مستسلمين لله تعالى مفوضين إليه أمرهم فيما يكون من
نتائج, حيث لم تكن هذه النتائج تشغل بالهم , وإنما الذي كان يشغل بالهم هو أن
يوفقوا في عرض الإسلام كاملاً نزيهًا كما جاء من عند الله تعالى , وهم يؤمنون أنهم
ومن يحاورونهم في قبضة الله تعالى , وأنه قادر على أن يسخر لهم خَلْقَه ليتم بهم
نصر الحق وتأييد دعاته .
وهكذا سخر الله تعالى لهذه الفئة المؤمنة قلب النجاشي , فنطق بالاعتراف بموافقة
ماجاء في القرآن في شأن عيسى عليه السلام كما جاء في الإنجيل الصحيح , وهذا أمر
يصعب الاعتراف به لأن من لهم الهيمنة من النصارى لايعتقدون بذلك , وقد جر عليه هذا
الاعتراف متاعب من قومه, وهو يعلم قبل النطق بذلك صعوبة هذا الأمر , ولكن الله
تعالى أنطقه بذلك نصرا لهذه الفئة المؤمنة, وإعزازًا للإسلام , وخذلانا للشرك وأهله
, فقد عاد وفد قريش بأسوأ حال وهما يجران أذيال الخيبة , ويحملان معهما الهدايا
التي رفض النجاشي قبولها , وعاد المؤمنون المهاجرون بالعز والمنعة والأمن
والطمأنينة .
وجدير بالذكر أن ننبه إلى أن عمرو بن العاص قد أسلم بعد ذلك , وأصبح من زعماء
المسلمين الذين فتح الله بهم البلاد وهدى بهم العباد رضي الله عنه وأرضاه .
هذا وإن هذا الموقف يعدُّ مثالاً تطبيقيًّا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من
التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مُؤْنة الناس , ومن التمس رضا الناس بسخط الله
وكله الله إلى الناس" أخرجه الإمام الترمذي وسكت عنه وحسنه السيوطي وصححه الألباني.
(سنن الترمذي , آخر كتاب الزهد " تحفة الأحوذي 7/97" . الجامع الصغير 6/51 رقم 8394
. صحيح الجامع الصغير رقم 5973 " 5/258").
فهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم قد التمسوا رضا الله عز وجل , مع أن الظاهر في الأمر
أنه يترتب عليه في هذه القضية سخط أولئك النصارى , وهم الذين لهم الهيمنة عليهم ,
فكانت النتيجة أن الله عز وجل سخَّر لهم قلب ملك الحبشة حتى نطق بالحق الموافق
لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم مع مخالفته الصريحة لمعتقدهم المنحرف الذي قام عليه
مُلكُهم , ومايغلب على الظن من ثورة النصارى المتعصبين عليه .
فأي قوة هذه التي حملت ملك الحبشة على مخالفة المذهب السائد في بلده والذي يترتب
على التمسك به بقاؤه في الملك , مع إظهار موافقة قوم لاشأن لهم في بلده ولاقوة ..
أي قوة هذه إن لم تكن تسخير الله تعالى إياه لنصرة قضية هؤلاء المسلمين ؟
وهذا دليل على أنه كان عند بعض النصارى إيمان صحيح بدينهم , ولكنهم يكتمون ذلك لكون
الغلبة والسيادة في الأرض لأصحاب الدين المحرف , ومن الذين كانوا على الاعتقاد
الصحيح ملك الحبشة , وكان يُخفى إيمانه هذا مداراة لقومه إبقاء على نفسه وملكه ,
فلما وقع في هذا الابتلاء أظهر إيمانه , حيث أصبح بين أمرين : الأمر الأول أن يداري
قومه وينكر على هؤلاء الصحابة اعتقادهم في عيسى بن مريم عليه السلام , وهذا يلزم
عليه جحد الحق , وكيف يجحد الحق وهو أعلى رجل في الدولة ؟ كما يلزم عليه أن يبعد
المسلمين من بلاده لكونهم طعنوا في معتقد النصارى السائد , ولو لم يفعل ذلك فإن
رجال دولته لن يقروا بقاء المسلمين وقد قالوا ماقالوا .
والأمر الثاني : أن يظهر اعتقاده الصحيح الموافق لاعتقاد المسلمين إرضاء لربه
وإراحة لضميره وانتصارًا لحزب الله المؤمنين مهما ترتب على ذلك من نتائج , وهذا
الأمر هو الذي سلكه من غير تردد , وتحدى به علماء دينه , ورجال دولته , فكان بهذا
الموقف الكبير من عظماء التاريخ , ولقد حدث ماكان متوقعًا من قيام الثورة ضد ذلك
الملك الصالح عقب تلك المفاوضات المذكورة .
" قالت – أم سلمة - : فو الله إنا لعلى ذلك إذ نزل به – يعني النجاشي – رجل من
الحبشة ينازعه في ملكه , قالت : فو الله ماعلمتُنا حَزنَّا حزنا قط كان أشد علينا
من حزن حزنَّاه عند ذلك , تخوفًا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي , فيأتي رجل لايعرف
من حقنا ماكان النجاشي يعرف منه .
قالت : وسار إليه النجاشي وبينهما عرض النيل , قالت: فقال أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم : مَنْ رجل يخرج حتى يحضر وقيعة القوم ثم يأتينا بالخبر ؟
فقال الزبير بن العوام : أنا , قالوا : فأنت , وكان من أحدث القوم سنَّا .
قالت : فنفخوا له قربة فجعلها في صدره , ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي
بها ملتقى القوم , ثم انطلق حتى حضرهم , قالت : فدعونا الله تعالى للنجاشي بالظهور
على عدوه, والتمكين له في بلاده , قالت : فو الله إنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن
, إذ طلع علينا الزبير وهو يسعى , فلمع بثوبه وهو يقول : ألا أبشروا فقد ظفر
النجاشي وأهلك الله عدوه , ومكن له في بلاده , قالت : فو الله ماعلمتُنا فرحْنا
فرحة قط بمثلها .
قالت : ورجع النجاشي , وقد أهلك الله عدوه , ومكن له في بلاده , واستوسق عليه أمر
الحبشة [أي اجتمعوا عليه واستقر له الملك], فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة. (سيرة ابن هشام 1/346 , السير والمغازي
لابن إسحاق /213 . وأخرجه الإمام أحمد – مسند أحمد 5/290 , والحاكم وقال : صحيح على
شرط الشيخين ولم يخرجاه , وأقره الذهبي – المستدرك 2/309 – وقال الحافظ ابن كثير :
هذا إسناد جيد قوي – السيرة النبوية لابن كثير – 2/11- . وحسن الحافظ ابن حجر إسناد
الإمام أحمد – فتح الباري 7/189 - . وذكره الحافظ الهيثمي وقال : رواه أحمد ورجاله
رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع – مجمع الزوائد 6/27 - .).
وقول أم سلمة رضي الله عنها : " حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو
بمكة " تريد من قدم منهم إلى مكة وكانت معهم , أما بقيتهم فقد قدموا على رسول الله
صلى الله عليه وسلم في المدينة عام خيبر وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم
أجمعين , ويبين ذلك ماجاء في رواية البيهقي لهذا الخبر حيث جاء في آخره : " ثم
أقمنا عنده حتى خرج من خرج منا راجعا إلى مكة وأقام من أقام ".(دلائل النبوة
للبيهقي 2/304)
وهكذا قام الزبير بن العوام رضي الله عنه برحلة الاستطلاع النهرية , وهذا مثل من
أمثلة شجاعته المبكرة وقد أثبت التاريخ بعد ذلك أنه رجل المغامرات والأهوال , ولقد
كان هناك احتمال كبير لأن يصاب في أثناء المعركة أو بعدها خصوصًا لكونه من العرب
وللاحتمال الظاهر من أن المعركة قامت بين النجاشي والمتمردين من قومه بسبب مخالفته
معتقداتهم في عيسى عليه السلام وتصريحه بأن ما قاله جعفر في ذلك هو الدين الحق ,
ولكن الزبير كان يملك نفسا وثابة نحو المخاطر قد بُنيَتْ على إيمان قوي بقضاء الله
تعالى وقدره فأقدم على تلك الرحلة وطمأن المسلمين على مصير تلك المعركة .
أما أولئك المسلمون الصالحون فإنهم قد قاموا بما يستطيعون من نصرة النجاشي , حيث
استعملوا السلاح الذي كان بإمكانهم أن يستعملوه , وهو الدعاء , وأكرمْ به من سلاح
يمضي في سُدول الليل فيعطي مفعوله في تخذيل الأعداء وهزيمتهم , لأن جميع المخلوقين
في قبضة الله جل وعلا وتحت مشيئته فإن شاء نصر المسلمين ومن يناصرهم وإن كانوا قلة
, وإن من أسباب تَنَزُّل نصره تعالى ارتفاع دعاء المؤمنين الصادقين.
وهل يشك متأمل في بلوغ أولئك الصحابة أعلى درجات الصدق واليقين ؟ ولذلك فإن مما
يوافق سنن الله تعالى أن ينـزل نصره على النجاشي استجابة لدعاء هؤلاء المؤمنين
الصادقين .
هذا وقد روى أبو نعيم الأصبهاني هذه الأخبار وغيرها , وقال بعدها : وكل هذه
الروايات عمَّن لايدفع عن صدق وفهم .
ومن الإضافات التي اشتملت عليها هذه الروايات ماجاء في رواية عروة بن الزبير أن
عمرو ابن العاص وصاحبه قالا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذا الرجل الذي
بين أظهرنا وأفسد فينا تناولك ليفسد عليك دينك وملكك وأهل سلطانك , ونحن لك ناصحون
, وأنت لنا عَيْبة صدق , تأتي إلى عشيرتنا بالمعروف وتأمن تجارنا عندك , فبعَثنا
قومُنا إليك لننذرك فساد ملكك. ( دلائل النبوة لأبي نعيم 1/80 – 84).
وفي هذه الإضافة دليل على أن وفد قريش لم يقتصر على مجرد المطالبة بإعادة المسلمين
المهاجرين لمصلحة تخص بلادهم وقومهم , وإنما اتهموهم بإفساد بلادهم وحذَّروا ملك
الحبشة منهم حتى لاينتقل إفسادهم إلى ملكه وبلاده .
وهكذا نجد دعاة الباطل وحماته في كل زمن يصورون دعاة الحق المصلحين على أنهم من
المفسدين في الأرض , وذلك لفساد تصور أهل الباطل وانقلاب مفاهيمهم حول مقومات
الإفساد والإصلاح وصفاتهما المحددة لهما .
فالإصلاح في نظر هؤلاء يقوم على اعتبار تحقيق أهواء الزعماء المهيمنين على البلاد
سواء كانوا مستقلين في نظراتهم للأمور وحكمهم أم كانوا خاضعين لمن هو أقوى منهم ,
فما وافق رأي هؤلاء الزعماء الأحياء منهم والأموات فإنه هو الإصلاح في الأرض , وما
خالفه فهو الإفساد في نظرهم , ولذلك كان كلام وفد قريش مركزًا على بيان مخالفة
المسلمين لما عليه الملأ من قومهم وماورثوه من أسلافهم بغضِّ النظر عن كونه حقا في
ذاته أو باطلا .
وهذا يعدُّ نوعا من الانغلاق الفكري وتحجيم الطاقات البشرية عن الانطلاق والبحث عن
المستويات العليا من المبادئ والمثل .
ولقد كان ملك الحبشة على المستوى العالي من النظر والتأمل حيث قارن بين دعوة
المسلمين ودعوة المشركين فرأى بوْنًا شاسعا بين الدعوتين , يتمثل في ارتفاع إلى
أعلى درجات السمو في دعوة الإسلام , وهبوط إلى أسفل دركات الانحطاط في دعوة الشرك
فكان بكل قوته وطاقاته في صف الإسلام والمسلمين .
وإن النجاشي يعدُّ مثالا عاليا في التحري والتدقيق والبحث عن حقائق الأمور حيث لم
يستفزه وفد الكفار ولم تستخفه دعواهم على المسلمين بأنهم سيفسدون عليه ملكه .
ولقد كان أقل تصرف سيفعله الذين لايتصفون بالعدالة أن يأخذوا الاحتياط لملكهم
ودولتهم بإبعاد أولئك المتهمين , خاصة وأن دولة الحبشة لاتستفيد أي شيء من إقامتهم
فيها , ولكن لفرط إحساس ذلك الملك بفظاعة الظلم ودقة تحريه للعدالة لم يُقدم على
هذا التصرف القاصر الظالم , بل أرعى سمعه للطرفين حتى استوعب القضية وبان له وجه
الحق فصرح بنصر الحق وأهله على الرغم من إدراكه نتائج ذلك المحرجة له أمام زعماء
دولته .
فلله دره ! ما أعظمه من عالم دقيق العلم بخفايا الأمور ونتائجها وحاكم عادل
لاتستهويه قوى البشر المبنية على الجبروت والطغيان !
ولاننسى في ختام هذا المقال أن نثبت شرفه الكبير باعتناق الإسلام , كما سيأتي بيان
ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى فرحمه الله رحمة واسعة .
أما قوله " فو الله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد عليّ ملكي " فيبينه ما أخرجه ابن
إسحاق عن الزهري رحمهما الله قال : فحدثت عروة بن الزبير حديث أبي بكر بن عبد
الرحمن عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هل تدري ما قوله : "ما أخذ
الله مني الرشوة حين رد عليّ ملكي فآخذ الرشوة فيه , وما أطاع الناس فيّ فأطيع
الناس فيه ؟" قال قلت: لا , قال : فإن عائشة أم المؤمنين حدثتني أن أباه كان ملك
قومه ولم يكن له ولد إلا النجاشي , وكان للنجاشي عم له من صلبه اثنا عشر رجلا ,
وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة , فقالت الحبشة بينها : لو أنا قتلنا أبا النجاشي
وملَّكنا أخاه فإنه لا ولد له غير هذا الغلام , وإن لأخيه من صلبه اثني عشر رجلا
فتوارثوا ملكه من بعده بقيت الحبشة بعده دهرا , فغدوا على أبي النجاشي فقتلوه ,
وملَّكوا أخاه فمكثوا على ذلك حينا .
ونشأ النجاشي مع عمه وكان لبيبا حازما من الرجال , فغلب على أمر عمه ونزل منه بكل
منـزلة , فلما رأت الحبشة مكانه منه قالت بينها : والله لقد غلب هذا الفتى على أمر
عمه وإنا لنتخوف أن يملِّكه علينا , وإن ملَّكه علينا لَيَقْتُلنَّا أجمعين , لقد
عرف أنا نحن قتلنا أباه , فمشوا إلى عمه فقالوا : إما أن نقتل هذا الفتى وإما أن
تخرجه من بين أظهرنا فإنا قد خفنا على أنفسنا , قال: ويلكم قتلتم أباه بالأمس
وأقتله اليوم ! بل أخرجه من بلادكم .
قالت : فخرجوا به إلى السوق فباعوه من رجل من التجار بستمائة درهم , فقذفه في سفينة
فانطلق به , حتى إذا كان العشي من ذلك اليوم هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمه
يستمطر تحتها فأصابته صاعفة فقتلتْه .
قالت : ففزعَت الحبشة إلى ولده فإذا هو مُحْمق [الضمير يعود على النجاشي , والمحمق
بكسر الميم هو الذي يلد الحمقى] , ليس في ولده خير , فمرج على الحبشة أمرهم , فلما
ضاق عليهم ماهم فيه قال بعضهم لبعض : تعلَّموا , والله إن مَلكَكم الذي لايقيم
أمركم غيره لَلَّذي بعتم غَدْرَةً , فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه الآن .
قالت : فخرجوا في طلبه وطلب الرجل الذي باعوه منه , حتى أدركوه فأخذوه منه ثم جاؤوا
به , فعقدوا عليه التاج وأقعدوه على سرير الملك , فملَّكوه , فجاءهم التاجر الذي
كان باعوه منه فقال : إما أن تعطوني مالي , وإما أن أكلمه في ذلك ؟ قالوا : لانعطيك
شيئًا قال: إذًا والله أكلمه , قالوا : فدونك وأياه , قالت : فجاءه فجلس بين يديه
فقال: أيها الملك ابتعت غلامًا من قوم بالسوق بستمائة درهم فأسلموا إليّ غلامي
وأخذوا دراهمي , حتى إذا سرت بغلامي أدركوني فأخذوا غلامي ومنعوني دراهمي .
قالت : فقال لهم النجاشي : لتعطنَّه دراهمه أو لْيضعنَّ غلامه يده في يده فليذهبنَّ
به حيث شاء , قالوا : بل نعطيه دراهمه , قالت : فلذلك يقول ماأخذ الله مني رشوة حين
رد عليّ ملكي فآخذ الرشوة فيه , وما أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه , قالت : وكان
ذلك أول ما خُبر من صلابته في دينه وعدله في حكمه. (سيرة
ابن هشام 1/351 – 354).
هذا وقد جاء في خبر آخر مايدل على أن رجال دولة الحبشة ظلوا غاضبين على النجاشي
لقوله عن عيسى عليه السلام بأنه عبد الله , وفي ذلك يقول ابن إسحاق : وحدثني جعفر
بن محمد عن أبيه قال : اجتمعت الحبشة , فقالوا للنجاشي : إنك قد فارقتَ دينَنا
وخرجوا عليه , فأرسل إلى جعفر وأصحابه , فهيأ لهم سُفنًا , وقال: اركبوا فيها
وكونوا كما أنتم , فإن هُزِمْتُ فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم , وإن ظفرت فاثبتوا .
ثم عَمَدَ إلى كتاب فكتب فيه : هو يشهد أن لا إله إلا الله , وأن محمدًا عبده
ورسوله , ويشهد أن عسى بن مريم عبده ورسوله وروحه , وكلمته ألقاها إلى مريم , ثم
جعله في قبائه , عند المنكب الأيمن .
وخرج إلى الحبشة , وصفُّوا له , فقال : يامعشر الحبشة , ألست أحق الناس بكم ؟
قالوا: بلى , قال : فكيف رأيتم سيرتي فيكم ؟ قالوا : خير سيرة , قال: فما بالكم ؟
قالوا : فارقت ديننا, وزعمت أن عيسى عبدٌ , قال: فما تقولون أنتم في عيسى ؟ قالوا :
نقول هو ابنُ الله , فقال النجاشي , ووضع يده على صدره على قبائه : هو يشهد أن عيسى
بن مريم [كذلك] , لم يزد على هذا شيئًا , وإنما يعني ماكتب , فرضوا وانصرفوا عنه .
فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم , فلما مات النجاشي صَلَّى عليه , واستغفر له. (سيرة
ابن هشام 1/354).
وقد أثبت هذا الخبر اهتمامًا كبيرًا من النجاشي بالمسلمين , وأنه وضع خطة لنجاتهم
ورحيلهم فيما إذا كانت الدولة لقومه وزال عنه الملك لعلمه بأن قومه لن يُبقُوا على
المسلمين وقد قالوا ماقالوا عن عيسى عليه السلام , وهذا شاهد على رسوخ إيمانه وقوة
يقينه برسالة محمد صلى الله عليه وسلم .
* * *
انتهى
|