الرئيسية|رسالتنا ا أخبر صديقك ا مفضلتك ا أضف مقالك  ا أرسل استفتائك ا سجل الزوار ا المجموعة البريدية ا اتصل بنا|مباشر نـــوافذ الــدعوة Welcome to Dawahwain.com
          
 
القائمة الرئيسية
المشرف
المؤلفات
الديوانية
الصوتيات
الفــتاوى
تراجم علمائنا
ملتقـيات الخير
شبـهات و ردود
مقـالات مخـتارة
المـعهـد العلـمي
دليل مكتبة المرأة
الفـوائـد التـربـويـة
محاضـرات مكتوبة
ســيــر الصـــحـابة
دورة الملك سعود العلمية
دخول المشرفين
اسم المستخدم
كلمة المــرور
دخول
دخول البريد الخاص
Email
كلمة المرور
دخول
نوافذ الدعوة د. عبدالعزيز الحميدي المتقون المتقون - العدد الخامس عشر

المتقون - العدد الخامس عشر

تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :

1 – قبسات من القرآن الكريم .

2 – قبسات من السنة النبوية .

3 – توجيهات ومواقف أخلاقية .

4 – مواقف دعوية من السيرة النبوية .

-قبسات من القرآن الكريم –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : يقول الله تعالى (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً{48} أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً{49} انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً{50}) [ النساء 48 – 50] .

 

[48] قوله تعالى (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) أصلٌ فيما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن جميع المعاصي تحت مشيئة الله إن شاء غفرها وإن شاء عذب أصحابها بقدر معصيتهم ولا يخلدون في نار جهنم ماعدا الشرك الأكبر فإن الله تعالى لايغفره بل يكون صاحبه – إذا مات عليه – خالدا في نار جهنم .

 

ومما ورد من الأحاديث والآثار في ذلك ماذكره الحافظ ابن كثير من رواية الحافظ الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال الله عز وجل : " من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئا " وكذلك ماذكره من رواية الحافظ ابن أبي حاتم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : " كنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لانشك في قاتل النفس وآكل مال اليتيم وقاذف المحصنات وشاهد الزور حتى نزلت هذه الآية (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) فأمسك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهادة ".(تفسير ابن كثير 1/542)

 

وقد ذكر العلماء أن الشرك نوعان : أصغر وأكبر ، فالشرك الأكبر بالنسبة لتوحيد الألوهية أن يُرفع المخلوق فيُجعل شريكا لله تعالى في أي نوع من أنواع العبادة ، فالشرك في الدعاء مثلا أن يُطلب من المخلوق جلب نفع أو دفع ضرر فيما هو خارج عن الأسباب التي خلقها الله سبحانه وجعلها موصلة إلى نتائجها ، فصرْفها للمخلوق شرك بالله جل وعلا لأن ذلك مما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه ، وذلك مثل ما إذا كان الإنسان في مكان لايصل إليه فيه أحد من المخلوقين في حال وقوعه في الضرر فطلب من غير الله تعالى أن ينقذه ، فالثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار الذي لجأوا إليه من المطر هم من الموحدين ، لأنهم سألوا الله تعالى أن يفرج عنهم وتوسلوا إليه بصالح أعمالهم ، ولو أنهم دعوا وثنا من الأوثان لكانوا مشركين سواء أكان هذا الوثن صنما من غير العقلاء أم كان من العقلاء الأحياء أو الأموات .

 

والحقيقة أن العقلاء لا يفعلون ذلك وإن كانوا – في حال الأمن والرخاء – مشركين ، فالمشركون في الجاهلية إذا ادلهمت بهم الخطوب في البحار وتقاذفتهم الأمواج والرياح الهوج ينسون جميع معبوداتهم ولايذكرون إلا الله تعالى كما بين ذلك سبحانه بقوله (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ{22}) [يونس :22] وذلك لتجربتهم الطويلة في أن الذي ينجيهم من أهوال البحر وأخطاره هو الله سبحانه – مع ماهم فيه من الشرك – لوقوعهم تحت دائرة الاضطرار التي قال الله تعالى فيها (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ{62}) [ النمل : 62] فالذي يعلم جميع أحوال العباد الظاهرة والخفية ويستطيع إنقاذهم إذا لجأوا إليه بأسرع من لمح البصر هو الله تعالى وحده .

 

أما الشرك الأكبر بالنسبة لتوحيد الربوبية فيكون في شرك الطاعة ، وذلك كإعطاء حق التشريع للبشر وتعظيم المشرعين من دون الله تعالى والخضوع لقوانينهم ، وسيأتي مزيد بيان لهذا في تفسير قول الله تعالى (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ{31}) [ التوبة : 31] .

 

أما الشرك الأصغر فإنه كل معصية كبيرة أشعرت بشيء من الشرك ولم تصل إلى حدِّ التعظيم والخضوع والذل ، وذلك كيسير الرياء وكطاعة الأمراء في معصية الله تعالى خوفًا منهم مع بغضهم وإضمار البراءة من أفعالهم ، ومن أمثلة الشرك الأصغر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " تعس عبد الدينار والدرهم ". (صحيح البخاري ، رقم 2886 (6/81 )).

 

 فعبادة الدنيا لاتصل إلى الشرك الأكبر لأنها لاتصل إلى كمال الذل والمحبة والخضوع .

 

(وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً) أي فقد اختلق ذنبًا عظيما ، وإنما كان مفتريا لأنه قد ارتكب زورًا وإفكًا بوقوعه في الشرك بالله تعالى .

 

[49] (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ) يعني هل تعلم – أيها الرسول – أعجب من أمر أولئك الذين يثنون على أنفسهم ويحكمـون لها بالطهر والصلاح ؟ ومـن ذلك قول اليهود (نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) [المائدة18] واعتقاد النصارى بأن جميع ذنوبهم مغفورة بمجرد دخولهم في الكنيسة ومقابلة القساوسة والاعتراف لهم بارتكاب الخطايا ، وقد يعتقد نحو ذلك بعض الجهلة من المسلمين باعتقادهم بأن مجرد إقامتهم في الأماكن المقدسة تمحو عنهم الخطايا وإن لم يقوموا بالأعمال الصالحة ، ومن ذلك قول بعض العوام : لايجتمع دخان جهنم وماء زمزم ، وهذه الحال لاتنطبق إلا على عدد قليل من المسلمين ، ولكن الأكثر شيوعًا والأخطر أثرا هو اغترار كثير من المسلمين بما هم عليه من تطبيق حكم الإسلام في الأحوال الشخصية بينما يتم توجيه سياستهم واقتصادهم وعلاقاتهم الدولية بالأحكام البشرية والقوانين الوضعية ، ومع ذلك يثنون على أنفسهم ويحكمون على أوضاعهم بأنها إسلامية من غير تفصيل .

 

(بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ) فهو سبحانه العليم الخبير بأحوال عباده فيعلم من جمع بين الإيمان الصادق والعمل الصالح فهو الذي يستحق الثناء ، أما من أخل بهما أو بأحدهما فإنه لايستحق الثناء وإن كثر ادعاؤه وتضاعف عمله (وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) فلا يُنقص هؤلاء الذين قدَّموا العمل الصالح مع صدق إيمانهم شيئا مما قدموه ولا بمقدار الخيط الذي يكون في شق النواة .

 

[50] (انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ) وذلك بادعائهم ما ليس لهم من الصلاح وزعمهم بأن الله سبحانه سيثيبهم على ذلك (وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً) وكفى باختلاقهم الكذب على الله تعالى بأنه سيعطي المفسدين ما يعطي المصلحين وسيعطي المقصرين ما يعطي أهل الكمال من الرفعة والثواب .. كفى بذلك إثما واضحا يدل على فساد معتقدهم .

*         *         *

- قبسات من السنة النبوية –

- من مكارم الأخلاق –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : فهذه توجيهات سلوكية في المجال الأخلاقي . فمن ذلك ما أخرجه الحافظ أبو عيسى الترمذي رحمه الله من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : " جاء شيخ يريد النبي صلى الله عليه وسلم , فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا". (سنن الترمذي , رقم 1920 , كتاب البر , باب 15 (4/321 )).

 

فقد نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم شرف الانضمام والانتماء إلى المجتمع الإسلامي عن أهل الجفاء والقسوة الذين لايرحمون الصغار ولايحترمون الكبار , وهذا يعني أن من فعل ذلك قد ارتكب كبيرة لما قد ترتب على تلك المخالفة من براءة النبي صلى الله عليه وسلم ممن فعل ذلك .

 

وهذا يبين لنا أهمية الاهتمام بالصغار بالرحمة بهم , وبالكبار باحترامهم , وقد جمع بين الصغار في السن والكبار اشتراكهما في عامل الضعف , وأن كلا من الفريقين بحاجة إلى الراشدين في المجتمع الذين لم يبلغوا سن الشيخوخة .

 

وقد نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة الله جل وعلا عن الذين لايرحمون الناس , كما أخرج الحافظ أبو عبد الله البخاري رحمه الله من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"من لايَرحم لايُرحم". (صحيح البخاري , رقم 6013 , كتاب الأدب , (10/438))

 

وفي رواية أبي عيسى الترمذي رحمه الله توضيح لهذه الرواية حيث جاء فيها " من لايرحم الناس لايرحمه الله" [سنن الترمذي , رقم 1922 , كتاب البر , باب 16 ( 3234)] , وهذا بيان لفضيلة خلق الرحمة وأهميته في الإسلام , حيث رتب صلى الله عليه وسلم رحمة الله جل وعلا بالعباد على رحمتهم بالناس .

 

والرحمة خلق جليل يترتب عليه المعروف والإحسان والعدل , واجتناب الظلم وكف الأذى, فصاحب القلب الرحيم مجبول على فعل الخير واجتناب الشر .

 

وفي بيان جزاء الرحمة أخرج الشيخان رحمهما الله من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات , فأعطت كل واحدة منهما تمرة , ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها , فاستطعمتها ابنتاها , فشقَّت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما, فأعجبني شأنها فذكرت الذي صنعتْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " إن الله قد أوجب لها الجنة – أو قال- أعتقها من النار". (صحيح مسلم , رقم 2630 , كتاب البر , باب 46 (2027) . صحيح البخاري , رقم 5995 , كتاب الأدب , باب 18(10/426)).

 

ففي هذا الحديث إشادة من النبي صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة التي رحمت ابنتيها فآثرتهما على نفسها , فهل كانت تلك المرأة تتصور أنها بتنازلها عن تمرة واحدة ستدخل الجنة ؟ فما أهون الثمن وما أبلغ الجزاء!!

 

وأخرج الحافظ أبو عيسى الترمذي رحمه الله وحسَّنه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : " صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال : يامعشر من آمن بلسانه ولم يُفْضِ الإيمان إلى قلبه لاتؤذوا المسلمين ولاتعيِّروهم ولاتتَّبعوا عوراتهم , فإنه من تتبَّع عورة أخيه المسلم تتبَّع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله " .

 

قال : ونظر ابن عمر يوما إلى الكعبة فقال : ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك. (سنن الترمذي , رقم 2032 , كتاب البر , باب 85 (4/378 )).

 

فهذا الحديث يعالج أنواعا من السلوك السيء في معاملة المسلمين , وقد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم للتحذير منها بمقدمة بليغة , حيث صعد المنبر ونادى بصوت رفيع , وحكم على من وقع في ذلك السلوك المنحرف بأنهم ممن لم يصل الإيمان إلى قلوبهم , والمراد بهذا الإيمان المنفي الإيمان المؤثر في السلوك , حيث لم يكن هناك إيمان حي مؤثر يردع أولئك عن ذلك السلوك المنحرف .

 

وقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك السلوك المنحرف بأذية المسلمين , وذكر نوعين من هذه الأذية , هما تعيير المسلمين وتتبع عوراتهم , فأما تعيير المسلمين فإن من ذلك وصفهم بالأشياء التي تُعدُّ منقصة لهم كالتنابز بالألقاب , وذلك فيما إذا كان للإنسان لقب يَستاء منه فإنه لا يجوز للمسلم أن يناديه به , أو كان قد اشتهرت قبيلته أو أهل بلده بوصف يُعدُّ منقصة , فلا يجوز أن يعيَّر بذلك , وكذلك ما إذا كان به عاهة أو قد ابتُلي بفقر أو كان منصبه صغيرا , فلا يجوز لأخيه المسلم أن يعيره بذلك .

 

وأما تتبُّع عورات المسلمين فإنه يكون بالبحث والتنقيب عن عيوب المسلمين وماخفي من أمورهم مما يسوءهم علم الناس به .

 

وقد جاء في هذا الحديث الوعيد الشديد لمن فعل ذلك بأن الله تعالى يفضحه ويكشف سوءاته للعباد ولو كان في أخفى مكان عن الأنظار .

 

وأخرج الحافظ أبو داود السجستاني رحمه الله من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من رأى عورة فسترها كان كمن أحيى موؤودة". (سنن أبي داود , رقم 4891 , كتاب الأدب , باب 45 (5/200)).

 

فالستر على المسلمين أمر مهم , فالإنسان ضعيف بطبعه ومعرَّض للنقائص والعيوب , فإذا وُفِّق المسلم بإخوة له يسترون عيوبه ويغضُّون الطرف عن نقائصه فإن وقوعه في تلك النقائص والعيوب لايؤثر كثيرا على نفسيته , وقد شبَّه النبي صلى الله عليه وسلم عمل هؤلاء بعمل من أحيى موؤودة قد جهزها وليها للوأد تحت الأرض , فالذين يسترون على المسلمين قد قاموا بإحيائهم مرة أخرى , لأن الحياة ليست حياة الأجسام فقط وإنما هي حياة المشاعر والأحاسيس .

 

أما إذا ابتُلي من وقع في شيء من العيوب والنقائص بالكشافين الذين أُولعوا بتتبع النقائص وكشف العيوب فإنه تتحطم نفسيته وتنجرح مشاعره , ويموت نفسيا قبل أن يموت جسديا , فهؤلاء عملهم كعمل الوائدين الذين يدفنون بناتهم وهن حيات , وكان هذا عمل بعض العرب في الجاهلية .

*          *         *

- توجيهات ومواقف أخلاقية –

- مواقف في التواضع والرحمة –

- من مواقف أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز –

مثل من رحمته بالأيتام :

قال الحافظ ابن كثير : وخرج ابن له وهو صغير يلعب مع الغلمان فشجه صبي منهم, فاحتملوا الصبي الذي شج ابنه وجاؤوا به إلى عمر , فسمع الجلبة فخرج إليهم فإذا مُرَيئَة تقول : إنه ابني وإنه يتيم , فقال لها عمر : هوِّني عليك , ثم قال لها عمر : أله عطاء في الديوان ؟ قالت: لا قال: فاكتبوه في الذرية , فقالت زوجته فاطمة : أتفعل هذا به وقد شجَّ ابنك ؟ فعل الله به وفعل, المرة الأخرى يشج ابنك ثانية , فقال : ويحك إنه يتيم وقد افزعتموه !.( البداية والنهاية 9/202 , وانظر سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي /150).

 

وهكذا يشمل لطفه ذلك اليتيم مع إساءته إلى أحد ابنائه , ويُحظى منه بالتعويض المالي مقابل ذلك الفزع الذي حصل له , فما أبلغ رحمة عمر , وما أرق مشاعره , وما أسمى تفكيره في معاملة إخوانه المسلمين!!

 

مثل من رحمته بالغلمان :

أخرج الحافظ أبو القاسم ابن عساكر من خبر عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: قال لي رجاء بن حيوة : ما أكمل مروءة أبيك , سمرت عنده ذات ليلة فعشَى السراج فقال لي : ماترى السراج قد عشى ؟ قلت: بلى , وإلى جانبه وصيف راقد , قال قلت: ألا أنبهه ؟ قال: لادعه يرقد [وفي رواية ابن كثير "لا أحب أن أجمع عليه عملين"], قال : قلت : أفلا أقوم أنا ؟ قال: لا ليس من مروءة الرجل استخدام ضيفه, قال: فوضع رداءه ثم قال إلى بَطَّة زيت معلقة فأخذها فأصلح السراج ثم ردها إلى موضعها ثم رجع, قال : قمت وأنا عمر بن عبد العزيز ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز. (تاريخ دمشق 45/225 – 226 , وانظر الزهد للإمام أحمد /298 , والبداية والنهاية 9/203).

 

فهذا الخبر يدل على قلب كبير يعرف مكارم الأخلاق ويقدرها . فهو يؤثر الرحمة بالمستخدمين على القسوة عليهم , ويؤثر إكرام الضيف على تكليفه بخدمته مع أنه أمير المؤمنين وأعظم حاكم على وجه الأرض آنذاك , فالرحمة والتواضع من أخلاق العظماء , ولايتصف بهما إلا من تجرد من حظ النفس وعاش للآخرين بفكره وجسمه ووقته .

 

رحمته بجارية له :

ذكر الحافظ ابن الجوزي من خبر النضر بن سهيل عن أبيه قال: قال عمر بن عبد العزيز لجارية له : ياجارية روحيني , فأقبلت تروحه فغلبتها عينها فنامت , فأخذ المروحة وأقبل يروحها, فانتبهت فصاحت , فقال لها عمر : إنما أنت بشر مثلي أصابك من الحرِّ ما أصابني , وأحببت أن أروِّحك مثل الذي روحتني. (سيرة عمر بن عبد العزيز /146).

 

مثل من رحمته بأهل الذمة :

أخرج ابن سعد من خبر عمر بن بهرام الصراف قال : قُرئ كتاب عمر بن عبد العزيز علينا: بسم الله الرحمن الرحيم , من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عدي بن أرطأة ومن قِبَله من المسلمين والمؤمنين , سلام عليكم , فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو , أما بعد : فانظر أهل الذمة فارفق بهم , وإذا كُبُر الرجل منهم وليس له مال فأنفق عليه , فإن كان له حميم فمُرْ حميمه ينفق عليه , وقاصِّه من خراجه [أي حُطَّ عن صديقه من خراجه ما أنفق عليه] كما لو كان لك عبد فكبرتْ سِنُّه لم يكن لك بُدّ من أن تنفق عليه حتى يموت أو يعتق. (طبقات ابن سعد 5/380).

 

فهذا مثل على سمو حكام المسلمين إذا تمثلوا بالإسلام وطبقوا تعاليمه , وهو بالتالي شاهد على عظمة الإسلام الذي أخرج هذا الحاكم العادل الرحيم وأمثاله , فالذمي الذي يفتقر لايضيع في دار الإسلام , لأن حكومة الإسلام ترعاه كما ترعى فقراء المسلمين , وهي لاترجو منه نفعا ولادفع ضرر وإنما تمثل بذلك مكارم الأخلاق التي هي من أعظم مقاصد الإسلام .

 

مثل من رحمته بالحيوان :

لم تقتصر رحمة عمر بن عبد العزيز على الإنسان بل شملت الحيوان الأعجم , ومن أمثلة ذلك ماذكره ابن عبد الحكم رحمه الله من أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله حيان بمصر: إنه بلغني أن بمصر إبلاً نَقَّالات , يُحمل على البعير منها ألف رطل , فإذا أتاك كتابي هذا فلا أعرفنَّ أنه يحمل على البعير أكثر من ستمائة رطل. (سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم /160 , وانظر سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي /64)

 

ومن ذلك ماأخرجه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني من خبر أبي عثمان الثقفي قال:كان لعمر بن عبد العزيز غلام يعمل له على بغل له , يأتيه بدرهم كل يوم , فجاءه يوما بدرهم ونصف , فقال: مابدا لك ؟ فقال : نَفَقَت السوق , قال: لا ولكنك أتعبت البغل , أرْجِه ثلاثة أيام. (حلية الأولياء 5/260 , وارْجِه بمعنى أخِّره للراحة).

*        *         *

- مواقف دعوية من السيرة النبوية –

- مواقف في هجرتي الحبشة الأولى والثانية –

لقد اشتد أذى المشركين على المسلمين في مكة المكرمة كما تقدم ذكر أمثلة من ذلك, ولقد واجه المسلمون ذلك الأذى بالصبر الجميل , ولكن المشركين أصبحوا يضاعفون من ذلك الأذى كلما تقدم بهم الزمن ورأوا أن كفة المسلمين تعلو شيئا فشيئًا بدخول بعض أشراف أهل مكة في الإسلام .

 

فلما رأى صلى الله عليه وسلم ذلك وجه أصحابه إلى الهجرة ليسلموا من الأذى وليعبدوا الله تعالى في حرية, وليقوموا بنشر الإسلام في بلاد أخرى , وقد اختار لهم الحبشة لما اشتهر عن حاكمها من العدل والرحمة .

 

وقد أخرج أهل السير خبر الهجرتين , ومن ذلك ماذكره الحافظ ابن كثير من رواية يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال : حدثني الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت : لما ضاقت مكة وأوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لايستطيع دفع ذلك عنهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في منعة من قومه ومن عمه , لايصل إليه شيء مما يكره ومما ينال أصحابه , فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن بأرض الحبشة ملكًا لايُظلم أحد عنده فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه" . (السيرة النبوية لابن كثير 2/67).

 

وذكر ابن هشام عن ابن إسحاق هذا الخبر ولم يذكر إسناده وذكر فيه أسماء العشرة الذين خرجوا في الهجرة الأولى , وقد اصطحب بعضهم نساءهم . (سيرة ابن هشام 1/330).

 

وأخرج ابن سعد من طريق شيخه محمد بن عمر الواقدي بإسناده عن الحارث بن الفضيل ورجل من بني ظفر قالا : فخرجوا متسللين سرًّا وكانوا أحد عشر رجلاً وأربع نسوة حتى انتهوا إلى الشعيبة منهم الراكب والماشي , ووفق الله تعالى للمسلمين ساعة جاؤوا سفينتين للتجار, حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار , وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من حيث نُبِّئَ رسول الله صلى الله عليه وسلم , وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحدا. (طبقات ابن سعد ذ/204).

 

وفي هذا الخبر زيادة على ماذكر ابن إسحاق بيان تاريخ هذه الهجرة , ومطاردة قريش لهم وعدم ظفرهم بهم .

 

وذكر الحافظ ابن حجر أن مخرجهم كان في شهر رجب من السنة الخامسة , ونسبه إلى أهل السير .

 

ثم ذكر ابن إسحاق رحمه الله خبر الهجرة الثانية مطولاً من حديث أم سلمة رضي الله عنها.

 

قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن مسلم الزهري عن أبي بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي , عن أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: "لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشيَّ , أمِنَّا على ديننا , وعبدنا الله تعالى, لانُؤْذى ولانسمع شيئًا نكرهه .

 

فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جَلْدَين , وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة , وكان من أعجب مايأتيه منها الأُدم [يعني الجلود], فجعلوا له أدمًا كثيرًا , ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية , ثم بعثوا بذلك عبد الله ابن أبي ربيعة , وعمرو بن العاص , وأمروهما بأمرهم , وقالوا لهما : ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم , ثم قدِّما إلى النجاشي هداياه , ثم سَلاَه أن يُسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم .

 

قالت : فخرجا حتى قدما على النجاشي , ونحن عنده بخير دار عند خير جار , فلم يبق من بطارقته بطْريقٌ إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي , وقالا لكل منهم : إنه ضَوَى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء , فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا دينكم , وجاؤوا بدين مبتدع, لانعرفه نحن ولا أنتم , وقد بعثَنَا إلى الملك فيهم أشرافُ قومهم ليردوهم إليهم , فإذا كلمنا الملك فيهم , فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولايكلمهم , فإن قومهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم, فقالوا لهما : نعم .

 

ثم إنهما قدَّما هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما ثم كلماه فقالا له : أيها الملك إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء , فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك , وجاؤوا بدين ابتدعوه لانعرفه نحن ولا أنت , وقد بعثَنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردَّهم إليهم فهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه .

 

قالت : ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشي .

 

قالت : فقالت بطارقته حوله : صدقا أيها الملك , قومهم أعلى بهم عينًا , وأعلم بما عابوا عليهم , فأسْلمْهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم .

 

قالت : فغضب النجاشي , ثم قال : لاها الله , إذًا لا أسلمهم إليهما , ولايُكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي , واختاروني على من سواي , حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم , فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما , ورددتهم إلى قومهم , وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما , وأحسنت جوارهم ماجاوروني " .

 

هذا خبر مهم فيه كشف مخططات الأعداء التي يدبرونها للقضاء على المسلمين ومواقف عالية في عدالة الحكام , ومواقف إسلامية عالية من الصحابة رضي الله عنهم في التمثيل الصادق للإسلام, ثم نتائج باهرة في صمود أهل الحق واعتزازهم بدينهم , ونتائج فاضحة لأهل الباطل في كيدهم لأهل الحق .

 

ونبدأ بالإشارة على المخطط الأثيم الذي رسمه زعماء الكفر في مكة آنذاك لإرغام المسلمين على العودة والبقاء تحت سياط الذل والتبعية الممقوتة .

 

وإنه لعجيب أن يلاحق الكفار المسلمين خارج بلادهم , وكأنهم رأوا أن حرية العبادة التي سعدوا بها في أرض الحبشة لايجوز أن يهنئوا بها وهم قد خرجوا عن الإطار العام الذي رسمه الطغاة في مكة لأبناء قبائلهم ومن حالفهم أو صار مملوكًا لهم , وهذا مثال لنوع من التفكير المحدود, وضيق الأفق الذي يعيش فيه الطغاة في كل زمن , حيث يقفز إلى أذهانهم تصورات طائشة مبنية على الشعور بأن خروج طائفة من متبوعيهم عن الإطار المرسوم يعدُّ إهانة لهم , وعدم اعتراف بسلطتهم , وبالتالي يتطور هذا الشعور إلى التفكير بإمكان قيام هؤلاء بعمل مضاد , وإن كانوا لا دولة لهم ولاسلطان , فيحملهم ذلك على المزيد من الملاحقة والمتابعة .

 

ولذلك رأينا زعماء الكفر حاولوا إعادة المهاجرين إلى مكة المكرمة ليعيشوا تحت سلطانهم, فقام الطغاة بتشكيل الوفد المذكور الذي يضم عمرو بن العاص رضي الله عنه , الذي يُعدُّ أعظم دهاة العرب كما شهد له عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما وجهه لحرب داهية الروم "أرطبون" فقال : رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب فانظروا عمَّ تنفرج .

 

وأعدوا مجموعة من الهدايا لملك الحبشة ووزرائه , واختاروا الجلود المدبوغة , لأنها أنفس شيء يأتي إلى الحبشة من بلاد العرب , ولقد أحسنوا إعداد الخطة , حيث أجادوا الوفد , ووجهوا عضوي الوفد إلى الاتصال أولاً بالوزراء وتقديم الهدايا لهم , وشرح القضية أمامهم ليكسبوهم إلى صفهم فيما إذا بحث الوفد القضية مع النجاشي .

 

كما أن من بنود الخطة أن يحاول الوفد التأثير على النجاشي ليُصدر حكمه دون أن يسمع كلام المسلمين , وذلك لعلمهم بأن المسلمين يملكون من الحجة والقوة المعنوية ما لايملكه غيرهم وإن كان خصمهم آنذاك عمرو بن العاص , لكنه بعد أن أسلم زاده الإسلام عظمة وتفوقًا , وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده يُعدونه لعظائم الأمور .

 

لقد اتفق وفد قريش ووزراء النجاشي على الخطة الأثيمة التي تقضي بتسليم المسلمين بدون استجواب , وبدون أن ينالوا حريتهم في التعبير عن أنفسهم ومايريدون , وهي خطة جاهلية درج عليها الطغاة من قديم الزمن , ولم ينكرها وزراء النجاشي لأن ملوكهم السابقين كانوا على درجة من الطغيان , فقد كان مألوفًا عندهم أن يؤخذ فرد أو أفراد فيحكم عليهم غيابيًّا , وينفذ الحكم من غير حضورهم ولاتمكُّنهم من الدفاع عن أنفسهم .

 

وهكذا حينما يتمكن الطغيان من النفوس يرى أصحاب السلطة أن الأمر بيدهم, فإن شاؤوا أعطوا الحريات , وإن شاؤوا منعوها , وحينما يخشون من الاعتراض عليهم فإنهم قد يعرضون قضايا المتهمين في المحاكم , ويقومون بأدوار تمثيلية متقنة , توهم العالم أنهم يعطون حرية الكلمة والدفاع عن النفس , ثم هم ينفذون ما يمليه عليهم طغيانهم , إذ أن الطغاة من البعيد جدًّا أن يتنازلوا عن مظاهر الطغيان إلا بقوة قاهرة تنقلهم من الجو المتعفن الذي يعيشون فيه إلى جو آخر يضطرون فيه إلى التنازل عن بعض مافي نفوسهم من الجبروت والترفع , أو يزولون ويزول معهم طغيانهم .

 

وهكذا كان وقوف النجاشي وحده وإصراره على منح المسلمين حرية الكلمة هو الذي أنقذ الله تعالى به أولئك الصحابة رضي الله عنهم , ولقد زال الطغاة أو زال طغيانهم بدخولهم في الإسلام وبقيت مظاهر العدالة التي سطرها التاريخ للنجاشي شاهدة على ما للعدالة من بقاء وخلود .

 

وأخيرًا خضع وزراء النجاشي لرأيه الذي يمثل العدالة والوفاء .

 

" قالت أم سلمة رضي الله عنها : - ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم , فلما جاءهم رسوله اجتمعوا , ثم قال بعضهم لبعض : ماتقولون للرجل إذا جئتموه ؟ قالوا : نقول والله ماعلَّمَنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائنًا في ذلك ماهو كائن ".

 

وهكذا كان أمر المسلمين شورى بينهم , وكل أمر يتم عن طريق الشورى فهو أدعى إلى نجاحه , لأنه يضم خلاصة عقول كثيرة .

 

وإن من مظاهر السمو التربوي في هؤلاء الصحابة أنهم لم يختلفوا , بل أجمعوا على رأي واحد, هو أن يعرضوا الإسلام كما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم كائنًا في ذلك ماهو كائن , وإن هذا الاجتماع يعدُّ ثاني خطوة من خطوات النجاح بعد الشورى وكان  عددهم بعد الهجرة الثانية ثلاثة وثمانون رجلا .

 

هذا وإن الذي أجمعوا عليه يعدُّ دليلاً على قوة توحيدهم واستسلامهم لله تعالى , حيث عزموا على عرض الإسلام بعزة وإن كان في ذلك هلاكهم , ولم يجعلوا لآرائهم واجتهاداتهم مدخلاً في ذلك الأمر لوضوحه , حيث كان الأمر إما أن يَعرضوا الإسلام كاملاً كما جاء من عند الله تعالى , أو أن يسلكوا سبيل المداهنة فيعرضوا منه مايوافق هوى ملك الحبشة ووزرائه, وفي هذا سلامتهم في ظاهر الأمر , لكنهم لقوة توحيدهم لم ينظروا إلى موضوع سلامتهم في الدنيا , وإنما نظروا إلى سلامتهم في الآخرة , فعزموا على عرض الإسلام كاملاً وعدم المداهنة.

 

وجاء في رواية أخرجها الحاكم والطبراني من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن عمرو بن العاص وصاحبه قالا للنجاشي : إنهم – يعني المسلمين – لايسجدون لك , قال: فلما انتيهنا إليه زَبَرَنَا مَنْ عنده : اسجدوا للملك , فقال جعفر : لانسجد إلا لله , فقال النجاشي: وماذاك ؟ قال : إن الله بعث فينا رسوله وهو الرسول الذي بشر به عيسى عليه السلام برسول يأتي من بعده اسمه أحمد فأمرنا أن نعبد الله ولانشرك به شيئًا ... الحديث. ( المستدرك 2/309 , وقال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه , وأقره الذهبي مجمع الزوائد , وقال الهيثمي : رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح – 6/30 –31).

 

وهذا موقف عظيم من مواقف الاعتزاز بالإسلام والمحافظة على سلامة التوحيد, مع رهبة الموقف الذي كانوا فيه , حيث إن الأمر يتطلب في حياة الناس المعتادة أن يسلك جعفر وأصحابه طريق المداراة , ولو أدى ذلك إلى المداهنة , ولكن المؤمنين حقًّا لايفعلون ذلك بل يمثلون الحق الذي أمرهم به دينهم مهما حصل عليهم من أذى , وكذلك فعل المؤمنون في الحبشة رضي الله عنهم, وقد سخَّر الله تعالى قلب النجاشي فكان نعم النصير والحامي لهم , وكان لهذا الموقف الشجاع وأمثاله من جعفر رضي الله عنه الأثر الكبير في قناعة النجاشي بالإسلام .

 

إنه لابد من الدعوة إلى الإسلام بكل مافيه من قوة وتميز وإن أنكره الناس في أول الأمر, فإن قوة إصرار دعاته على تطبيقه والاستعلان به مع مخالفة التيار العام لهم يدفع المخالفين والحيارى ومن خلت أذهانهم من أي دين إلى التفكير الجاد في دوافع هذا الإصرار القوي , وفي النهاية يهديهم التأمل والتفكير السليم إلى عظمة هذا الدين الذي يدفع معتنقيه إلى المجابهة والمغامرة بالأنفس والأموال .

 

قالت أم سلمة رضي الله عنها في سياق روايتها : "فلما جاؤوا وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله سألهم فقال لهم : ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم ؛ ولم تدخلوا في ديني , ولا في دين أحد من هذه الملل ؟

 

قالت : فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب رضوان الله عليه فقال له : أيها الملك , كنا قومًا أهل جاهلية , نعبد الأصنام , ونأكل الميتة , ونأتي الفواحش , ونقطع الأرحام, ونسيء الجوار, ويأكل القوي منا الضعيف ؛ فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا , نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه , فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده , ونخلع ماكنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان , وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة , وصلة الرحم , وحسن الجوار, والكف عن المحارم والدماء , ونهانا عن الفواحش , وقول الزور , وأكل مال اليتيم , وقذف المحصنات وأمرنا أن نعبد الله وحده لانشرك به شيئًا , وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام .

 

قالت : فعدد عليه أمور الإسلام , فصدَّقناه وآمنَّا به واتبعناه على ماجاء به من الله , فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئًا , وحرَّمنا ماحرم علينا , وأحللنا ما أحل لنا , فعدا علينا قومنا , فعذبونا وافتتنونا عن ديننا , ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى , وأن نستحل ماكنا نستحل من الخبائث , فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا , وحالوا بيننا وبين ديننا , خرجنا إلى بلادك , واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك , ورجونا أن لانظلم عندك أيها الملك" .

 

وهكذا سألهم النجاشي عن دينهم الجديد الذي خالفوا فيه دين قومهم وجميع الأديان, فكان جواب جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه مشتملاً على أمرين مهمَّين : أولهما نقد الدين الذي تحولوا عنه وهو الوثنية , والثاني الإشادة بالدين الذي هداهم الله تعالى إليه وهو الإسلام وهكذا يكون الحوار الناجح .. البدء بالتخلية قبل التحلية .

 

فقد بدأ بتفريغ الأذهان من تصور أي صلاح وخير في دين الوثنية , وركز في ذلك على عبادة الأصنام , وهي انحدار فكري سحيق .

 

وذكر أكل الميتة , وهو أمر تتقزز منه النفوس الطيبة .

وذكر إتيان الفواحش , وهو أمر تنفر منه الطباع السليمة .

وذكر قطع الرحم وإساءة الجوار , وهي أخلاق تتنافى مع خلق الوفاء الذي تنشده الأمم في شعوبها .

وذكر عدوان القوي على الضعيف , وهذا هبوط عن مرتبة الإنسانية إلى الحيوانية , حيث إن من سمة الحيوانات المفترسة العدوان على الحيوانات الضعيفة وافتراسها .

 

ثم أشاد بدين الإسلام الذي هداهم الله إليه , فأثنى أولاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي عن طريقه كانت هذه الهداية , حيث ذكر أنه منهم يعرفون نسبه ونشأته فليس غريبًا عنهم , ووصفه بالصدق والأمانة والعفاف , وهذه من أصول مكارم الأخلاق التي تقاد بها الأمم والشعوب إلى الخير والرشاد .

 

ثم ذكر موجزًا لدعوته استفتحه بالدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك .

 

وإنه لفرق هائل بين من يدعوك لعبادة مدبر الكون وخالق الأرض والسماوات الذي يملك إماتة الناس وإحياءهم ورزقهم .. ومن يدعوك إلى من هو دونه ولايمكن أن يوضع معه في مفاضلة, حيث يدعوك إلى عبادة أصنام من الشجر والحجر لاتسمع ولاتبصر ولاتضر ولاتنفع .

 

ثم ذكر مادعا إليه من مكارم الأخلاق التي تقوم عليها الحياة الكريمة , وتنتظم بها أمور الأمة من صدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار .

 

ثم أشار إلى مادعا إليه من الكف عن مساويء الأخلاق التي تعوق قيام المجتمع الصالح وتفرق بين أفراد الأمة وتغذي حياة الفوضى والاضطراب , فذكر الكف عن المحارم والدماء , واجتناب الفواحش , وقول الزور , وأكل مال اليتيم , وقذف المحصنات البريئات بالفاحشة .

 

ثم ذكر إيمانهم بهذا الدين الحنيف , وتطبيقهم ماجاء فيه من تكاليف , وماقام به قومهم من العدوان عليهم ليعيدوهم إلى الوثنية , وأن هذا هو الذي دفعهم إلى الهجرة , وأشاد بجوار النجاشي, وبين أن الذي حملهم على اختيار بلاده رجاؤهم التمتع بعدله المشهور .

 

وهكذا جاء بيان جعفر الذي قوض به أركان الجاهلية وكشف زيفها , ثم شرح مقاصد الإسلام العالية التي يؤمن بسموها كل ذي عقل سليم مجرد من اتباع الهوى المنحرف .

 

وكان هذا البيان الرائع مقدمة لتلاوة آيات من كتاب الله تعالى كان لها الأثر النهائي في حسم الموقف لصالح دعاة الحق , وهذا مابينته أم سلمة في روايتها حيث قالت : "فقال له النجاشي : هل معك مما جاء به عن الله من شيء ؟ قالت : فقال له جعفر : نعم , فقال له النجاشي : فاقرأه علي , قالت : فقرأ عليه صدرًا من ".

 

ولم يرد في الخبر تحديد نهاية الآيات التي قرأها ولكن يظهر من سياق القصة أنه قد أكمل آيات قصة مريم في خبر ولادتها بعيسى عليهما السلام وماجرى منه من خطاب قومه آنذاك, حيث كان إيراد القصة هو سبب بكاء النجاشي وأساقفته وذلك إلى قول الله تعالى : (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً)[مريم :33] .

 

ولقد كان جعفر رضي الله عنه حكيمًا حينما أعرض عن قراءة الآيات التي تلي هذه الآيات حيث إنها تشتمل على الرد على النصارى في ادعائهم أن عيسى ابن الله جل وعلا عن ذلك, لأنه كان في مقام الدعوة ولم يكن في مقام الجدل وبيان الحق في هذه القضية , هذا على فرض أن السورة قد نزلت كلها في ذلك الوقت.

 

ولكن ماتحاشاه جعفر قد كادهم به عمرو كما سيأتي .

 

" قالت : فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته , وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم , ثم قال لهم النجاشي : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة [أي من مصدر واحد , والمشكاة المكان الذي توضع فيه المصابيح] , انطلقا فو الله لا أسلمهم إليكما ولايُكادون" .

 

وهكذا كان اختيار جعفر بن أبي طالب موفقًا حيث اختار الآيات التي تتحدث عن مريم وابنها عيسى عليهما السلام أمام قوم يعظمونهما كثيرًا , وكان من آثار حسن الاختيار , إلى جانب حسن العرض وصدق النية أن تأثر ذلك الملك ووزراؤه فبكوا جميعًا .

 

وهذا الموقف من النجاشي يدلنا على مدى وضوح دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أمام أهل الكتاب, فلقد عرف أنه النبي الذي ذكر في كتبهم المقدسة , وأنه ينـزل عليه جبريل عليه السلام الذي كان ينـزل على موسى عليه السلام , مع أنه لم ير النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعش  معه , فكيف بأهل الكتاب الذين عاشوا معه في المدينة واطلعوا على معجزاته وصاحبوا التنزيل ؟!

 

وإنه لموقف رائع أن يبلغ التأثير على تلك الطبقة الراقية إلى حد البكاء , مما يدل على تفوق ظاهر عند المسلمين آنذاك في مجال الدعوة .

 

وهكذا يجب على الدعاة أن يغتنموا الفرص المناسبة , وأن يختاروا الموضوعات الملائمة مع ملاحظة صدق النية وحسن العرض .

*        *         *

انتهى

تاريخ إضافة المقال:2008-03-31 20:47:11


4 المتصلين بالموقع 0 المتصلين بالصفحة 8399251 عدد زيارات الموقع 42 عدد زيارات الصفحة
نافـذتك الدعـوية
  - أخبار الدعوة
  - مكتبة الداعية
  - الدعوة والداعية
  - المؤسسات الدعوية
 
 
دعاة مشاركون
  - الشيخ د.محمد أحمد باجابر
  - الشيخ د.عبدالعزيز الحميدي
الــــرأي العــام
أوقات الصلاة - مكة
 
شركة بيرفكت وي لتقنية المعلومات pw4it.com
جميع الحقوق محفوظة لـصالح نوافذ الدعوة All Rights Reserved 2008 © DawaHwin.com