الرئيسية|رسالتنا ا أخبر صديقك ا مفضلتك ا أضف مقالك  ا أرسل استفتائك ا سجل الزوار ا المجموعة البريدية ا اتصل بنا|مباشر نـــوافذ الــدعوة Welcome to Dawahwain.com
          
 
القائمة الرئيسية
المشرف
المؤلفات
الديوانية
الصوتيات
الفــتاوى
تراجم علمائنا
ملتقـيات الخير
شبـهات و ردود
مقـالات مخـتارة
المـعهـد العلـمي
دليل مكتبة المرأة
الفـوائـد التـربـويـة
محاضـرات مكتوبة
ســيــر الصـــحـابة
دورة الملك سعود العلمية
دخول المشرفين
اسم المستخدم
كلمة المــرور
دخول
دخول البريد الخاص
Email
كلمة المرور
دخول
نوافذ الدعوة د. عبدالعزيز الحميدي المتقون المتقون - العدد الرابع عشر

المتقون - العدد الرابع عشر

تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :

1 – قبسات من القرآن الكريم .

2 – قبسات من السنة النبوية .

3 – توجيهات ومواقف أخلاقية .

4 – مواقف دعوية من السيرة النبوية .

-قبسات من القرآن الكريم –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : يقول الله تعالى ( وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً{36} الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً{37} وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً{38} وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللّهُ وَكَانَ اللّهُ بِهِم عَلِيماً{39} إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً{40} ) [ النساء : 36 – 40] .

 

[36 – 37] تشتمل الآية الأولى على عدة توجيهات إلهية مما يتعلق بالعقيدة والسلوك، وقد صُدِّرت الآية بالأمر بعبادة الله تعالى وحده والنهي عن الشرك ( وَاعْبُدُواْ اللّهَ ) وعبادة الله جل وعلا تشمل القيام بالشعائر التعبدية وطاعة الله تعالى في تنفيذ أوامره واجتناب نواهيه ، فالعبادة بهذا تشمل الدين كله ، وقد نص الله سبحانه على النهي عن الشرك به لأنه يناقض عبادته وحده ( وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ) أيَّ شيء كان ، وذلك يشمل شرك العبادة بجميع أنواعها كالدعاء والسجود والطواف ، كما يشمل شرك الطاعة ، وذلك في طاعة غير الله تعالى في معصيته .

 

وقد قرن الله سبحانه مع الأمر بعبادته والنهي عن الشرك به التوجيه إلى أنواع من السلوك الإسلامي، والأمر بعبادة الله تعالى يتضمن تلك التكاليف وغيرها مما أمر الله به جل وعلا أو نهى عنه، فذِكْر هذه التكاليف بخصوصها من باب الاهتمام بها ، وقد بدأ – سبحانه – بالتوجيه إلى الإحسان بالوالدين (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) يعني : واستوصوا بالوالدين إحسانا إليهما وبرًّا بهما (وَبِذِي الْقُرْبَى) يعني : وصِـلوا أقاربكم الـذين تصلكم بهم قرابة الرحـم وأدوا حقوقهم (وَالْيَتَامَى) الذين مات أباؤهم وهم صغار فاعطفوا عليهم وارحموهم  (وَالْمَسَاكِينِ) الذين أذلهم الفقر فتمسكنوا لذلك فتصدقوا عليهم (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى) أي الذي بينكم وبينه قرابة فأحسنوا إليه وأدوا حقه ، فقد اجتمع له حق الجوار وحق القرابة (وَالْجَارِ الْجُنُبِ) أي الجار البعيد من حيث النسب فأدوا إليه حق الجوار (وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ) أي الرفيق الذي يكون بجانب الإنسان في السفر والحضر ، فله حق العناية والرعاية (وَابْنِ السَّبِيلِ) المسافر الذي يمر بمقيم فعلى المقيم أن يساعده بما يحتاج إليه من مال أو طعام ، أو تقديم خدمة له (وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) يعني من جرى عليه الرق ، فمن كان عنده مملوك فليطعمه مما يطعم وليلبسه مما يلبس ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق وأن يعامله بالمعروف والإحسان .

 

فهذه التوجيهات السلوكية كل موضوع منها يحتاج إلى بسط وبيان ، وقد مر الكلام على بعضها، ولكن الأمر الذي يحتاج على مزيد من البيان ماجاء من الوصية باليتامى ، فإنه إذا كانت توجيهات الإسلام قد جاءت بالأمر بالعناية بمن فقد أباه وهو صغير فكيف الحال بمن فقد أمه وأباه وهو اللقيط ؟ وإذا كان من أهداف الإسلام في التوجيه نحو العناية باليتامى هو تحويلهم إلى عناصر صالحة سوية تسهم في عمران المجتمع الإسلامي وصلاحه ، ودرء شرورهم فيما إذا أهملوا ففسدوا وأفسدوا من حولهم .. إذا كان هذا من أهداف الإسلام في الأمر بالعناية بهم فإن ظهور ذلك في اللقطاء اشد وضوحًا ، لأن أم اليتيم تقوم ببعض ما يقوم به الأب من التربية والعناية ، ولكن كيف الحال بمن لا أم له ولا أب ؟ ولهذا فإن من وسائل الترغيب في البر بهؤلاء تحقق حصول الثواب لمن كفل لقيطا كما هو الحال فيمن كفل يتيما ، بل ربما كان الثواب في كفالته أعظم لأنه يتيم الأبوين .

 

وبعد أن ذكر الله سبحانه هذه الوصايا وهي من صفات أهل الإيمان ذكر بعض صفات أهل الكفر فقال (إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً) أي متكبرا (فَخُوراً) بما لديه من متاع الدنيا ولا يشكر الله تعالى على نعمه (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) أي الذين يمتنعون من إنفاق أموالهم في سُبل الخير ، ويأمرون الناس بالامتناع عن الإنفاق في ذلك ، ومن أبرز سبل الخير الجهاد في سبيل الله تعالى والإنفاق عند وقوع الكوارث والنكبات في المسلمين ، فهؤلاء الذين يمتنعون من الإنفاق في سبيل الله تعالى ويأمرون غيرهم بالامتناع عن ذلك يرون أن المال هو وسيلة الإبقاء على عزهم ومكانتهم في المجتمع ، فهم يحاولون جمع المال لينالوا بذلك شرف الدنيا (وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِه) ويخفون ما أنعم الله به عليهم من سائر النعم فلا يشكرون الله تعالى عليها ، ولما كانت هذه الصفات كلها من صفات الكافرين قال الله تعالى (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً) أي مُذلاًّ مخزيا لهم يوم القيامة .

 

[38] ثم يذكر سبحانه فريقًا من الذين أعدَّ لهم عذابا مهينا بقوله (وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـاء النَّاسِ) أي مراءاة للناس وطلبا للسمعة ولايريدون بذلك وجه الله تعالى (وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ) وهذا يدل على أن هؤلاء المذكورين من المنافقين لأنهم هم الذين ينطبق عليهم وصف الرياء في  العمل مع الكفر بالله واليوم الآخر .

 

ولما كانت هذه الأعمال السيئة من تسويل الشيطان وإغوائه قال الله تعالى في ختام هذه الآية (وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً) يعني ومن يكن الشيطان له صاحبا ملازما يسوِّل له ويغويه فبئس الشيطان قرينا لأنه سيجر من قارنه إلى الهلاك .

 

[39] (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) يعني وماذا على هؤلاء الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس لو صدقوا بوحدانية الله تعالى وأخلصوا عملهم له وأيقنوا بالبعث بعد الموت والجزاء على الأعمال (وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللّهُ) في وجوه الإنفاق المشروعة ؟ .. ماذا عليهم من الضرر؟ فهم في كلا الحالين قد أنفقوا أموالهم ، ولكنهم في الحال الأولى طلبوا محمدة الناس وثناءهم فنالوا ذلك وليس لهم في الآخرة من نصيب ، وفي الحال الثانية طلبوا رضوان الله تعالى والجنة وسيحصلون على ثوابهم في الآخرة ، وهي الحياة الخالدة التي يتنافس في طلب سعادتها أصحاب العقول المبصرة (وَكَانَ اللّهُ بِهِم عَلِيماً) بأعمال جميع العاملين الذين أرادوا بعملهم الدنيا وأهلها والذين أرادوا وجه الله تعالى والدار الآخرة ، وسيجزي كل فريق ، بما يستحق من الجزاء .

 

[40] (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) أي إن الله سبحانه لا ينقص أحدًا من جزاء عمله مقدار ذرة إذا كان خالص الإيمان (وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا) أي وإن توجد له حسنة يضاعف له ثوابها (وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً) أي ويعطه من عنده أجرا عظيما وهو نعيم الجنة .

 

ومما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في معنى هذه الآية ما أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وقد جاء فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم " فو الذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله ، في استقصاء الحق ، من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار . يقولون : ربنا ! كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون . فيقال لهم : أخرجوا من عرفتم . فتحرم صورهم على النار . فيخرجون خلقا كثيرًا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه . ثم يقولون : ربنا ! ما بقي فيها أحدٌ ممن أمرتنا به . فيقول : ارجعوا . فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه . فيخرجون خلقا كثيرًا . ثم يقولون : ربنا ! لم نذر فيها أحدًا ممن أمرتنا . ثم يقول: ارجعوا . فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه . فيخرجون خلقا كثيرًا . ثم يقولون : ربنا ! لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدًا . ثم يقول : ارجعوا . فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه . فيخرجون خلقا كثيرًا . ثم يقولون : ربنا ! لم نذر فيها خيرًا " .

 

وكان أبو سعيد الخدري يقول : إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرأوا إن شئتم (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً) [ النساء:40] .(صحيح مسلم ، رقم 183 (ص 167 – 171 ))

*         *         *

- قبسات من السنة النبوية –

-من  مكارم الأخلاق –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : فهذه أحاديث سلوكية في مجال مكارم الأخلاق , فمن ذلك ما أخرجه الإمام مالك رحمه الله من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : "كان آخر ما أوصاني به النبي صلى الله عليه وسلم حين وضعت رجلي في الغرز أن قال : يامعاذ أحسن خلقك للناس".( الموطأ , كتاب حسن الخلق , باب 1 رقم (902))

 

فهذه وصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حينما بعثه إلى اليمن داعيا ومعلما , وإنما أوصاه بذلك لأن مكارم الأخلاق من الدعائم القوية في التأثير على الناس واجتذابهم إلى الهداية .

 

وأخرج الإمامان أحمد ومسلم رحمهما الله من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من يُحرمِ الرفق يحرم الخير ".( صحيح مسلم , رقم 2592 , كتاب البر , باب 23 (3003) , مسند أحمد 4/362)

 

يعني في مجال السلوك , وذلك لأن الرفق يعطي الميزان الصحيح والدقيق على جميع الأمور, فيقْدم الإنسان على العمل وهو على علم بمنافعه ومضاره .

 

وأخرج أبو عيسى الترمذي رحمه الله في هذا المعنى من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "الأناة من الله والعجلة من الشيطان". (سنن الترمذي , رقم 2012 , كتاب البر باب 66 (4/367 ))

 

فالأناة هي التريُّث في الحكم على الأمور وعدم الاستعجال في التصرف وإتاحة الفرصة للعقل كي يفكر ويتأمل بروَّية ونظر .

 

وكم من أمور أفسدتها العجلة !!

وكم من أمور أحكمتها الأناة !!

فلذلك كانت الأناة من الله تعالى لأن صاحبها يكون مسدَّدا بتوفيق من الله جل وعلا , والعجلةُ من الشيطان لأنه يَحضر ساعة ابتداء التفكير فيوسوس للإنسان ويضخم في فكره حظ النفس , ويُكبر في ناظريه التصرفات المرتجلة التي مآلها الإفساد ويحقِّر في نظره حظ الآخرين ويقلِّل في حسِّه جدوى التأمل وإعادة النظر الذي مآله الإصلاح .

 

وفي حديث آخر يبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأناة والتريث خير في أمور الدنيا , أما أمور الآخرة فإنها يُطلب فيها المسارعة لوضوحها واغتنامُ الوقت لتقديم أكبر قدر ممكن من الأعمال الصالحة, حيث يقول صلى الله عليه وسلم : " التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة" أخرجه أبو داود رحمه الله من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.( سنن أبي داود , رقم 4810 , كتاب الأدب , باب 11 (5/157))

 

ومن مكارم الأخلاق السماحة في القول والعمل , وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :"من كان سهلا هيِّنا ليِّنا حرَّمه الله على النار" أخرجه الحافظان الحاكم والبيهقي رحمهما الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .( صحيح الجامع الصغير , رقم 6360)

 

ففي هذا بيان فضل السماحة واللين واللطف في معاملة المسلمين والتخاطب معهم , وذلك بأن يأخذ المسلم من الأمور أيسرها مالم يكن إثما , وأن يتواضع لإخوانه المسلمين وأن يحسن الظن بهم وأن يكون باشًّا في مقابلتهم مبتسمًا في وجوههم , وأن يرفع الكلفة بينه وبينهم حتى لاتمنعهم هيبته من الدخول عليه ومصارحته بما يريدون .

 

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : "إنْ كان النبي صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير مافعل النُّغير ؟" أخرجه الإمام البخاري رحمه الله تعالى.( صحيح البخاري , رقم 6129 , كتاب الأدب , باب 81 (10/526))

 

فهذا مثل من حنان النبي صلى الله عليه وسلم ولطفه مع الصغار فقد كان أبو عمير يحمل طائرا معه ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عنه أبا عمير من باب ملاطفته ومداعبته , وهذا تواضع منه صلى الله عليه وسلم حتى مع الصغار .

 

وعن أنس بن مالك أيضًا رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " عليك بحسن الخلق, وطول الصمت, فو الذي نفسي بيده ماتجمل الخلائق بمثلهما".( صحيح الجامع الصغير , رقم 3927).

 

فهذا توجيه من النبي صلى الله عليه وسلم إلى نوعين من السلوك , هما حسن الخلق وطول الصمت, فأما حسن الخلق فهو السلعة الغالية التي تجعل صاحبها مألوفا عند الناس ومحبوبا لديهم , وأما طول الصمت فإنه حماية لصاحبه من الوقوع في الخطأ , وصيانةٌ له من العثرات, وإبقاء لمهابته في النفوس.

*         *         *

- توجيهات ومواقف أخلاقية –

- مواقف في التواضع والرحمة –

- من مواقف أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله –

من أمثلة تواضعه :

أخرج الحافظ أبو القاسم ابن عساكر من خبر الحكم بن عمر الرعيني قال: رأيت عمر بن عبد العزيز إذا صلى المكتوبة انصرف إلى أهله لايتطوع (أي لايصلي السنة الراتبة في المسجد وإنما يصليها في البيت لكون ذلك أفضل) , وربما جلس فجاء الغريب الذي لايعرفه- وكان يقوم من هذه الحلقة فيجلس مع هذه الحلقة - يسأل عن أمير المؤمنين وفي أي حلقة هو ! فيقف لايدري أيهم حتى يشار إليه : هذا أمير المؤمنين , فيسلم عليه بالخلافة.( تاريخ دمشق 45/210 – 211).

 

وذكر الحافظ ابن الجوزي من خبر الإمام الأوزاعي قال : كان عمر بن عبد العزيز يجلس إلى قاصِّ العامة بعد الصلاة ويرفع يديه إذا رفع, ودخلت عليه ابنة أسامة بن زيد رضي الله عنهما ومعها مولاة لها تمسك بيدها , فقام لها عمر ومشى إليها حتى جعل يدها في يده ويداه في ثيابه, ومشى بها حتى أجلسها في مجلسه , وجلس بين يديها , وماترك لها حاجة إلا قضاها. (سيرة عمر بن عبد العزيز /146).

 

وقال أبو محمد عبد الله بن عبد الحكم وناداه رجلٌ فقال : ياخليفة الله في الأرض . فقال له عمر: مَهْ إني لما ولدت اختار لي أهلي اسمًا فسَمَّوْني عمر فلو ناديتني ياعمر أَجبتُك. فلما كبرت اخترت لنفسي الكُنى فكُنِّيتُ بأبي حفص فلو ناديتني يا أبا حفص أجبتُك . فلما وليتُموني أُموركم سميتموني أمير المؤمنين فلو ناديتني يا أمير المؤمنين أجبتك . وأمَّا خليفة الله في الأرض فلست كذلك ولكن خلفاء الله في الأرض داود النبيُّ عليه السلام وشبهُه قال الله تبارك وتعالى (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) [ص :26]. (سيرة عمر بن عبد العزيز /94).

 

فهذه أمثلة من روائع الإمام العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله في التواضع , فهو لايميز نفسه عن العامة بلباس ولامظاهر دنيوية .

 

ونجده يعامل ابنة أسامة بن زيد رضي الله عنهما تلك المعاملة الرقيقة الحانية تقديرًا لها ولوالدها وجدها , لكونهما من الصحابة رضي الله عنهم , ولما لهما من مآثر جليلة في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم والإسلام .

 

كما نجده يرفض الألقاب الكبيرة ويبين أن أحب الأسماء إليه ما يُشعر بالتواضع منه وعدم المغالاة من الناس .

 

جوابه لمن اتهمه بالكبر :

ذكر الحافظ ابن الجوزي من حديث الليث بن سعد أن أبا النضر حدثه قال: دسست إلى عمر بن عبد العزيز بعض أهله أن قل له : إن فيك كبرًا وأنك تتكبر , فقيل ذلك له , فقال عمر: لبئس ماظننتَ إن كنتَ تراني أتوقى الدينار والدرهم مراقبة لله وأنطلق إلى أعظم الذنوب فأرتكبه. الكبرياء إنما هو رداء الرحمن فأنازعه إياه , ولكن كنت غلاما بين الغلمان – أو قال بين ظهري قومي – يدخلون عليَّ بغير إذن ويتوطئون فرشي ويتناولون مني مايتناول القوم من أخيهم الذي لاسلطان له عليهم . فلما أن وليت خيرت نفسي في أن أمكنهم من حالهم التي كنت لهم عليها وأعاقبهم فيما خالف الحق أو أتمنع منهم في بابي ووجهي ليكفوا عني أنفسهم وعن الذي أحذر عليهم لو كنت جرأتهم على نفسي من العقوبة والأدب فهو الذي دعاني إلى هذا.( سيرة عمر بن عبد الزيز /148).

 

وهكذا اتُّهم هذا الولي الصالح والحاكم العادل بالكبر , وإنه لعجيب جدًّا أن يُظَنَّ بعمر بن عبد العزيز أنه متكبر وهو الذي خلَّف الدنيا بجاهها ومالها وراء ظهره , ولكن الذين ليست لديهم تجارب إدارية يعتقدون أن المسؤول يجب أن يكون بابه مفتوحا للناس في جميع الأوقات, ولايعلمون أنه لو فعل ذلك لأضاع كثيرا من أمور الأمة المهمة التي تحتاج إلى دراسة ونظر ومشورة من أصحاب الشأن , كما أن المسؤول يحتاج إلى وقت للتأمل والتفكير فيما يصلح أمور الأمة ويرفع من مستواها المادي والفكري وغير ذلك مما يلزم له الاحتجاب عن عامة الناس بعض الوقت .

 

مثل من حلمه على من جهل عليه :

أخرج الحافظ ابن عساكر من خبر الإمام الأوزاعي : أن عمر بن عبد العزيز كان إذا أراد أن يعاقب رجلا حبسه ثلاثة أيام ثم عاقبه كراهية أن يعجل في أول غضبه .

 

قال : وأسمعه رجل كلامًا فقال له : أردتَ أن يستفزني الشيطان فأنال منك اليوم بما تنال أنت مني يوم القيامة , انصرف عني عافاك الله ورحمك.

 

وهذا تصرف سديد من أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله , حيث إن الحكم في حال الغضب يكون فيه شيء من حظ الشيطان , لأن الغاضب يندفع إلى المبالغة في إيقاع العقوبة على من غضب عليه , أما التريث فإنه فيه فرصة للحكم بعد زوال الغضب والتأمل في التصرف بحكمة في تأديب المخالفين .

 

وفي قوله " أردتَ أن يستفزني الشيطان" إدراك منه لسلاح من أسلحة الشيطان التي يغوي بها أصحاب المسؤولية , فيحملهم على السلوك المنافي لمكارم الأخلاق .

 

مثل آخر من حلمه :

ومن أمثلة تخلقه بخلق الحلم ما أخرجه محمد بن سعد من خبر عمر بن حفص قال : حدثنا شيخ قال : لما ولي عمر بن عبد العزيز بدابق خرج ذات ليلة ومعه حرسيّ فدخل المسجد فمرَّ في الظلمة برجل نائم فعثر به , فرفع رأسه إليه فقال: أمجنون أنت ؟ قال: لا , فهمَّ به الحرسي, فقال له عمر : مَهْ إنما سألني أمجنون أنت فقلت لا .( تاريخ دمشق 45/205 – 206 , وانظر البداية والنهاية 9/201,وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي /151)

 

وهكذا يمثِّل عمر بن عبد العزيز القمة في مكارم الأخلاق وقد بلغ القمة في الجاه الدنيوي, حيث كان أكبر أمير على وجه الأرض , ومع ذلك يحتمل هذه الكلمة القاسية وينهى حارسه لما أراد أن يعاقب ذلك الرجل .

 

عفوه عن الذي شجه في وجهه :

أخرج الحافظ أبو نعيم الأصبهاني من خبر قيس بن عبد الملك قال : وقام عمر بن عبد العزيز إلى قائلته وعرض له رجل بيده طومار , قال فظن القوم أن يريد أمير المؤمنين , فخاف أن يحبس دونه فرماه بالطومار , فالتفت أمير المؤمنين فأصابه في وجهه فشجه , فنظرت إلى الدماء تسيل على وجهه وهو في الشمس , فقرأ الكتاب وأمر له بحاجته وخلى سبيله !! .( حلية الأولياء 5/3111 , وانظر سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي /150 – 151).

 

مثل من عفوه عند الغضب :

ذكر الحافظ ابن الجوزي من خبر إبراهيم بن أبي عبلة قال : غضب عمر بن عبد العزيز يوما على رجل غضبا شديدا فبعث إليه فجرده ومده في الحبال , ثم عاد بالسياط حتى قلنا: هو ضاربه, قال: خلوا سبيله , أما إني لولاأني غضبان لسؤتك , وقرأ (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران :134].( سيرة عمر بن عبد العزيز /150).

 

فهذا الرجل قد أغضب بجهله أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ولكنه وسعه بحلمه , والحلم عن الجاهلين من مكارم الأخلاق العالية .

 

ونجده – رحمه الله – يتذكر الآخرة حالا فيبين أن النـزول إلى مستوى الجاهلين ينـزِّل من درجات المسلم في الآخرة , بينما تكون عاقبة الصبر على الأذى والحلم عن الجاهلين والإمساك عن الجدل معهم رفعة الدرجات في الجنة كما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم " أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا " .( سنن أبي داود رقم 4800 , كتاب الأدب باب 8 , والزعيم هو الضامن وربض الجنة يعني طرفها , والمراء هو الجدال والنزاع)

 

مثل من رحمته بالمجاهدين :

ذكر ابن عبد الحكم أن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز استفتح خلافته بثلاثة كتب , ذكر منها هذا الكتاب حيث قال : كتب بقَفْل مسلمة بن عبد الملك من القسطنطينية , وقد كان سليمان أغزاه إياها برّا وبحرًا وأشفى على فتحها , ثم خُدع عنها حتى أحرزوا طعامهم وحوائجهم ثم أغلقوها دونه بعد الإشفاء عليها , فبلغ ذلك سليمان فغضب مما فُعل به فحلف أن لايقفله منها مادام حيّا , فاشتدَّ عليهم المقام وجاعوا حتى أكلوا الدوابَّ من الجهد والجوع حتى يتنحى الرجل عن دابَّته فتقطع بالسيوف فبلغ رأس الدابَّة كذا وكذا درهمًا . ولجَّ سليمان في أمرهم . فكان ذلك يغمُّ عمر فلما وَلي رأَى أنه لايسعه فيما بينه وبين الله عز وجل أن يلي شيئا من أمور المسلمين ثم يؤخر قَفلهم ساعةً فذلك الذي حمله على تعجيل الكتاب.( سيرة عمر بن عبد العزيز /37).

 

رحمته بالأسرى :

أخرج الحافظ أبو نعيم الأصبهاني من خبر الإمام الأوزاعي قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله : أن فَادِ أساري المسلمين وإن أحاط ذلك بجميع مالهم.( حلية الأولياء 5/312).

*          *          *

- مواقف دعوية من السيرة النبوية –

- أثر دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم في تحطيم الطغيان -

 

الطغيان في اللغة التعدي وتجاوز الحد .( مفردات الراغب /304)

والمقصود به هنا سلب شيء من خصائص الألوهية من الخالق جل وعلا ومنحه للمخلوق, فهذا من التعدي على الله سبحانه ومن التجاوز بالمخلوق فوق حده .

 

وقد ظهر الطغيان في عهد الجاهلية على ضربين :

الأول : منح الأصنام حق العبادة من دون الله تعالى .

والثاني : منح زعماء المشركين حق التشريع من دون الله تعالى .

 

فأما الأول فإنه قد انتشر في جزيزة العرب انتشارًا واسعًا , وكان العرب في ماضي حياتهم على دين إسماعيل عليه السلام , وهو التوحيد إلى أن دخلت عبادة الأصنام في حياتهم .

 

وكان أول من أدخل عبادة الأصنام على العرب عمرو بن لُحَيّ الخزاعي , كما جاء في حديث أخرجه الحاكم , وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر النار : " ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه في النار , وأشبه من رأيت به معبد بن أكثم الخزاعي , فقال معبد : يارسول الله أتخشى عليَّ من شبهه فإنه والدي ؟ قال: لا , أنت مؤمن وهو كافر , وهو أول من حمل العرب على عبادة الأصنام " .

 

قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي.( المستدرك 4/605)

 

وانتشرت عبادة الأصنام في بلاد العرب حتى دخلت إلى بيوتهم , وفي بيان ذلك يقول ابن إسحاق: واتخذ أهل كل دار في دارهم صنما يعبدونه , فإذا أراد الرجل منهم سفرا تمسَّح به حين يركب , فكان ذلك آخر مايصنع حين يتوجه إلى سفره , وإذا قدم من سفره تمسح به , فكان ذلك أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله. (سيرة ابن هشام 1/91).

 

وقد أخذت عبادة الأصنام أشكالاً متعددة منها السجود لها والطواف حولها والنحر عندها, والتمسح بها .

 

ومن مظاهر إشراكهم الأصنام مع الله تعالى قول بعضهم في تلبية الحج " لبيك لاشريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك ".( سيرة ابن هشام 1/86)

 

هذا وقد انتشرت عبادة الأصنام في أكثر الأمم الجاهلية كما سيتبين لنا في عرض مواقف الفتوحات الإسلامية.

 

أما الضرب الثاني من الطغيان فهو منح زعماء المشركين حق التشريع من دون الله تعالى فهذا واضح في جميع الأمم ومنها قبائل العرب حيث كان الزعماء هم الذين يشرعون للناس ما ينظمون به حياتهم من غير رجوع إلى وحي سماوي , وكان بروز دور الزعماء في حياة الأمم ذات الحكومات أكبر مما هو عليه عند العرب الذين كانت تغلب عليهم الحياة القبلية .

 

وحينما تكون القلوب ممتلئة بتعظيم الأصنام والخوف منها وبتعظيم البشر والرهبة منهم فإن تصورات الإنسان تكون منحرفة عن الخط المستقيم , لأن فكره سيكون مشغولاً بهذا الإطار , من تقديم مظاهر التعظيم والولاء والخوف والرجاء رغبة فيما عندهم من الخير واتقاء لما عندهم من الشر الذي يكون من نسج الخيال وهيمنة الأوهام بالنسبة للأصنام , ومن المغالاة في تقدير الأسباب التي يمكِّن الله تعالى منها طغاة البشر واعتبارهم مستقلين بها عن إرادة الله تعالى وقدرته .

 

وبالتالي يكون السلوك منحرفًا نحو عبادتهم من دون الله تعالى وذلك ظاهر في الأصنام , ومغلف بالنسبة للطغاة لعدم تقديم مظاهر العبادة الظاهرة لهم ولكن بتقديم رضاهم على رضا الله تعالى , وما يحبونه على مايحبه , واجتناب سخطهم وغضبهم وإن غضب الله جل وعلا عليهم.

 

وإن مهمة الداعية الحقيقية هي الجد في محاولة تفريغ قلوب هؤلاء المستعبدين وتطهيرها من رجس عبادة الأوثان من الأصنام ومن طغاة البشر , وذلك ببيان حقارة الأصنام وعدم تمتعها بخصائص الإنسان العاقل فضلاً عن خصائص الألوهية , وببيان جرائم الطغاة ومظاهر الضعف والتناقض في أحكامهم وقراراتهم لتحطيم كبريائهم وتطهير العقول من اعتقاد عظمتهم وقداستهم.

 

ولقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته بهذه المهمة خير قيام , حيث حطم الطغيان البشري القائم في عهده , وأحل محله العبودية الكاملة لله عز وجل .

 

وقد أخذ جهاده لتحطيم الطغيان مسلكين :

المسلك الأول : ما قام به من تحقير الأصنام وتسفيه عبادتها وإظهارها بمظهر العاجز الذي لايبصر ولايسمع, ولايضر ولاينفع , وقد نزلت في هذا المعنى آيات كثيرة منها قول الله تعالى : (أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ{191} وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ{192} وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ{193} إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{194} أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ{195} إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ{196} وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ{197} وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ{198}) [الأعراف:191 – 198] .

 

وقولـه تعالى : (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً{3}) [الفرقان : 3] .

 

وقوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ{18}) [يونس : 18 ] .

 

وقوله تعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ{13} إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ{14}) [فاطر : 13 – 14] .

 

وقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ{73}) [ الحج : 73] .

 

وقوله تعالى : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً{40}) [فاطر :40] .

 

وقوله تعالى : (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ{22}) [سبأ :22 ] .

 

ففي هذه الآيات بيان عجز الأصنام وعدم أهليتها لأن تكون آلهة تعبد من دون الله تعالى, حيث فقدت الحواس والأعضاء اللازمة لكل حي كي يتحرك ويعمل , فضلاً عما هو فوق ذلك مما هو من خصائص الآله القادر كالإيجاد من العدم والملك المطلق لكل مافي السموات والأرض .

 

وليس المقصود بنقد عبادة الأصنام وتحطيم طغيان الكفار بها أن يقوم المسلمون بسبِّ تلك الأصنام, فإن السب لاينتج تحطيمًا وقر في النفوس من تعظيمها وإنما يدفع عابديها إلى شيء من رد الفعل فيسبوا الله جل وعلا عن ذلك , ولذلك نهى الله سبحانه المسلمين عن هذا السلوك بقوله : (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ{108}) [الأنعام :108] .

 

فالسب والشتم نُزُول في مجال الجدل ولايقوم به إلا من فقد الحجة والبيان في الدفاع عن قضيته, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطاه الله تعالى أعلى البيان البشري وأبلغ الحجة , مع ماهو مؤيد به من الوحي الإلهي العظيم .

 

أما الآيات السابقة التي اشتملت على نقد عبادة الأصنام فليست من باب السب والشتم, وإنما هي من النقد المشتمل على بيان الحقائق , ومن هذه الحقائق أن الأصنام عاجزة عن خلق الأشياء من العدم , وأنها لاتستطيع نصر عبادها ولانصر أنفسها , وأنها لاتملك لنفسها ضرًا ولانفعًا, فضلاً عن أن تمنح ذلك عابديها , وأنها لاتستطيع إماتة الناس ولا إحياءهم , وانها لاتملك مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض .

 

فهذه الحقائق الناصعة لايستطيع الكفار أن يجيبوا عنها إلا بالإقرار والاعتراف بصدق ماجاء في القرآن من وصف أصنامهم , بينما لايستطيعون أن يصفوا الله جل وعلا بتلك النقائص لأنهم يقرّون بتوحيد الربوبية , وإنما جحدوا توحيد الألوهية .

 

والمسلك الثاني : القيام بتحطيم طغاة الكفار الذين كانوا يتزعمون قومهم ويشرعون لهم القوانين التي يسيرون عليها في هذه الحياة , حيث إن الطغيان في ذلك الزمن يتمثل في شرك العبادة , وذلك بعبادة الأصنام من دون الله تعالى , وفي شرك الطاعة , وذلك بطاعة السادة والزعماء الذين يشرعون للناس من دون الله تعالى .

 

ولقد نزل في توجيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى تحطيم الطغيان البشري آيات كثيرة , منها :

 

قولـه تعالى : (وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ{121} أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ{122}) [الأنعام :121 – 122].

 

وقولـه تعالى : (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ{42} وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ{43}) [يونس:42–43] .

 

وقولـه تعالى : (قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنذَرُونَ{45}) [الأنبياء :45 ] .

 

وقولـه تعالى : (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ{98} لَوْ كَانَ هَؤُلَاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ{99} لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ{100}) [الأنبياء : 98 – 100] .

 

وقوله تعالى : (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ{64}) [الزمر : 64] .

 

وقولـه تعالى : (وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ{7} يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ{8} وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ{9} مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُوا شَيْئاً وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ{10}) [الجاثية:7 – 10] .

 

ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بتلاوة هذه الآيات وأمثالها ولايداري المشركين بالإسرار بها, وكان من الأهداف الكبيرة والحكَم البالغة من نزول هذه الآيات الشديدة على المشركين أن يتحطم الطغيان الذي عشش في أفكار زعماء الكفار وسادتهم , وأن يتلاشى شيئًا فشيئًا ما وقر في نفوس الأتباع من تعظيمهم والرهبة منهم.

 

ولقد سبقت أخبار تبين جرأة النبي صلى الله عليه وسلم على زعماء الكفار وستأتي أخبار أخرى في هذا المجال.

 

ولقد اجتمع على سيادة مكة آنذاك عدد من أشراف قريش منهم أبو جهل عمرو بن هشام وأمية وأبي ابنا خلف والوليد بن المغيرة وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب والعاص بن وائل, وكانوا جميعًا يعادون الإسلام ويحكمون أهل مكة بالقوانين التي تعارفوا عليها , وكان من الصعب على أفراد الناس أن يخالفوهم في شيء من ذلك , بل إنّ قوانينهم تلك اكتسبت القداسة الدينية لكونها مما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم , فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم بمخالفتهم في ذلك والإنكار عليهم وتسفيه آرائهم وعيب ماورثوه عن أسلافهم أنكروا ذلك منه وناصبوه العداء , وساءهم أن بعض أشرافهم قاموا بحمايته وأبرزهم عمه أبو طالب .

 

وكان لزعماء مكة المذكورين شأن كبير في نفوس أكثر أهل مكة , بل في نفوس قبائل العرب, وقد بلغ تعظيم أتباعهم لهم في مكة حد العبادة حيث خضعوا لهم في القوانين التي كانوا يؤمنون بها ويحمونها وينفذونها ,فكان من أعظم مَهامِّ النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته أن يزيل من النفوس ماوقر فيها من تعظيم هؤلاء الطغاة , وأن يمحو من القلوب أي حب أو تقدير لهم , لأن تمكن محبتهم وتعظيمهم في القلوب يزاحم وجود الإيمان بالله تعالى وتعظيمه , وبالتالي يتكوَّن سلوك الناس في الحياة وتصوراتهم على مايرسخ في القلب من المعتقدات .

 

لقد كان من أول ما يتخلى عنه المؤمنون بالإسلام آنذاك أن ينفضوا من قلوبهم أي غبار علق بها من الولاء للأصنام أو للطغاة الذين يحاولون أن يتحكموا في مصائر الناس وأن يحددوا لهم المعتقدات التي يؤمنون بها والسلوك الذي يسيرون عليه في الحياة .

 

ولقد كان الرجل يمسي كافرًا وقلبه عامر بحب أولئك الأوثان من الحجارة وطغاة البشر , ثم يصبح مؤمنًا وقد محا من قلبه أي وجود لتلك الأوثان .

 

ولقد كان من مظاهر ولاء الكفار لطغاتهم أنهم كانوا يُكثرون من الثناء عليهم وذكر محاسنهم ويغضُّون الطرف عن مساوئهم,بل كانوا يسِّوغون مساوئهم ويحوِّلونها إلى محاسن ومحامد.

 

لقد كان أولئك الطغاة يقودون قومهم إلى الضلال في الدنيا والنار في الآخرة رغم وضوح الحق لهم واعتراف بعضهم بذلك , ومع ذلك يتبعهم عامة الناس إلى هذه الحياة المظلمة والمصير المهلك , وقد ألغوا عقولهم وحصروا تفكيرهم في محاولة كسب رضا أولئك الطغاة والحصول على شيء مما يجري على أيديهم من متاع الدنيا الزائل , أو كسب الجاه الوهمي الذي يحاول الطغاة رفعهم إليه .

 

ولقد كان يحصل من أولئك الطغاة غالبًا تمجيد لأولئك الأتباع الذين يسيرون في ركابهم , وثناء عليهم بذكر فضائلهم , وماذاك إلا لأن الطغاة لايقوم وجودهم إلا على أتباعهم من عموم الناس, فإذا فقدوا هذه القاعدة سقطوا , فوجود كل من الطائفتين مرتبط بوجود الطائفة الأخرى.

 

وكما أن العامة محتاجون إلى الطغاة في بعض أمور معاشهم وتَبوُّء المكانة الاجتماعية التي يطمحون إليها فإن الطغاة محتاجون إليهم لأنهم الركيزة التي يقوم عليها مجدهم , بل إن حاجة هؤلاء إلى العامة أعظم وأهم , لأن وجود مجدهم يقوم على أولئك العامة بينما يستطيع العامة لو عقلوا وتفكروا أن يتخلوا عنهم وأن يبحثوا عن مايحقق مصالحهم في الدنياوالآخرة .

 

وهكذا فعل المؤمنون في مكة حيث حرروا أنفسهم من أوهام الجاهلية ومن ربقة تبعية أولئك الطغاة, فأصبحوا ينظرون إليهم بازدراء واحتقار , ويعدُّونهم من معالم الوثنية التي جاء الإسلام للقضاء عليها وتحرير عقول الناس منها .

 

إن ماقام به رسول الله صلى الله عليه وسلم من تحرير عقول الناس من تبعية طغاة البشر قد أتاح لهم فرصة عظيمة من التفكير والإبداع في هذه الحياة , فليس أمام المؤمنين من يطلبون رضاه ويجتنبون سخطه إلا الله تعالى , ثم هم بعد ذلك يتحركون غير مقيدين بالخضوع لبشر مثلهم , وإن كان الإسلام قد أوجب عليهم طاعة ولاتهم فإن ذلك من طاعة الله جل وعلا , مادام الجميع خاضعين لذلك المبدأ العظيم وهو طلب رضوان الله تعالى واجتناب سخطه .

*          *          *

انتهى

تاريخ إضافة المقال:2008-03-31 20:47:11


6 المتصلين بالموقع 0 المتصلين بالصفحة 8399453 عدد زيارات الموقع 41 عدد زيارات الصفحة
نافـذتك الدعـوية
  - أخبار الدعوة
  - مكتبة الداعية
  - الدعوة والداعية
  - المؤسسات الدعوية
 
 
دعاة مشاركون
  - الشيخ د.محمد أحمد باجابر
  - الشيخ د.عبدالعزيز الحميدي
الــــرأي العــام
أوقات الصلاة - مكة
 
شركة بيرفكت وي لتقنية المعلومات pw4it.com
جميع الحقوق محفوظة لـصالح نوافذ الدعوة All Rights Reserved 2008 © DawaHwin.com