|
المتقون -
العدد الثاني عشر
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – قبسات من القرآن الكريم .
2 – قبسات من السنة النبوية .
3 – توجيهات ومواقف أخلاقية .
4 – مواقف دعوية من السيرة النبوية .
-قبسات من القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله تعالى
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ
وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً
وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ
كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً{1} وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ
تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى
أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً{2})
النساء
[1] في الآية الأولى ينادي الله سبحانه الناس جميعًا ويأمرهم جل وعلا بالتقوى ،
وذلك بأن يخافوا منه ويحذروا من سخطه وعذابه ، ويتحقق ذلك بالاستقامة على شريعته .
(الَّذِي
خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ)
وفي هذا تذكير للناس جميعًا بأن الله سبحانه قد خلقهم من رجل واحد هو آدم عليه
السلام الذي خلقه تعالى من الطين ونفخ فيه الروح فأصبح إنسانا كامل الخلق كامل
العقل (وَخَلَقَ
مِنْهَا زَوْجَهَا)
وهي حواء ، حيث خلقها الله جل وعلا من أحد أضلاع آدم (وَبَثَّ
مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء)
أي وخلق من آدم وحواء جميع الناس الذين يعيشون على هذه الأرض .
فالله عز وجل هو الذي خلق الناس جميعا بخلق أبيهم آدم عليه السلام الذي انحدروا منه
، فيجب عليهم أن يتقوا سخط الله تعالى عليهم وعذابه وذلك بفعل أوامره واجتناب
نواهيه وأن يكونوا خاضعين مستسلمين له جل وعلا بكل تفكيرهم وأعمالهم .
ثم إن عليهم أن يتنبهوا إلى أنهم جميعا ينحدرون في النسب من أب واحد وأم واحدة ،
ولو تنبه الناس لهذه الحقيقة لما تفرقوا أحزابًا وشيعا ولما اختلفوا ، ولما اعتدى
بعضهم على بعض ولما افتخر أفراد كل أمة على أفراد الأمم الأخرى بتكوينهم الخلقي
وأنسابهم وأوطانهم ، لأن حقيقة انتمائهم إلى أبيهم الأول وأمهم الأولى هي بمثابة
انتماء الإخوة الأشقاء إلى أبيهم وأمهم ، فإن مرور الزمن الطويل لايغير من هذه
الحقيقة شيئًا .
إن اختلاف الناس وما يجري بينهم من الصراع العرقي والقبلي والوطني واللوني واللغوي
.. كل ذلك يدل على جهل هؤلاء بتاريخهم الماضي وما يجب أن يكونوا عليه على مدار
التاريخ من الانسجام والتفاهم والتكامل إذا استقاموا جميعا على منهج أبيهم آدم عليه
السلام وتوحيد الله تعالى بربوبيته وألوهيته الذي أمره به خالقه جل وعلا ، وبناء
على ذلك فإن الصراع الحقيقي يجب أن يكون بين من استقام على دين الأب الأعلى وبين من
حاد عنه وكفر به ، لا على أساس الأنساب والأعراف واللغات والأوطان والألوان .
إن جميع الذين استقاموا على دين الإسلام من عهد آدم عليه السلام من بنيه إلى قيام
الساعة يكونون إلى جانب انتمائهم إلى آدم في جسمه المخلوق من الطين قد انتموا إليه
في روحه السامية وعقله السليم الكامل المنبعث من هذه الروح والذي حمل ذلك الجسم على
الخضوع الكامل لله تعالى وعبادته وحده ، أما الذين انحرفوا عن هذا الدين وكفروا به
فإنهم قد تخلوا عن الانتماء إلى ابيهم آدم بروحه السامية وعقله السليم الكامل على
الرغم من انتمائهم إليه في تكوينهم الخلقي بغير إرادتهم ، فهؤلاء جاهلون ضعاف
العقول وإن بلغوا في أمور الدنيا ما بلغوا .
فالله تعالى قد خلق الناس جميعا من أب واحد ، ولو شاء لخلق مائة مثل آدم وجعلهم أصل
نشأة الإنسان ، ولو كان الأمر كذلك لكان هناك مسوغ – في حال عدم الاهتداء بهدي
الإسلام – أن يتفرق أولادهم على مائة فرقة ، كل فرقة تعتز وتفتخر بأبيها الأول ،
ولكن أي مسوغ لاعتزاز كثير من الأمم على مدار التاريخ بانتماءاتها المختلفة مادام
أن أباهم الأول واحد ؟!
فهل أولئك الذين يتجاهلون الانتماء جميعا إلى أبيهم الواحد الذي انحدروا منه
وينتمون إلى من هم دون ذلك .. هل أولئك يعدُّون من العقلاء ؟!
(اتَّقُواْ
اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ)
أي واستشعروا الخوف من سخط الله تعالى وعذابه الذي يسأل بعضكم بعضا الوفاء باسمه في
التزاماتكم وعهودكم وعقودكم فاستقيموا على شريعته .
(وَالأَرْحَامَ)أي
واتقوا الأرحام أن تقطعوها ، فبعد أن ذكر الله سبحانه أن هناك رحمًا يشترك فيها
جميع الناس وهي انتماؤهم جميعا إلى أب واحد وأم واحدة خص بالذكر أقارب الإنسان فإن
لهم حق القرابة العامة بين البشر جميعا ولهم حق القرابة الخاصة في النسب القريب ،
وفي هذه الآية بيان أهمية صلة الرحم حيث قرن الله تعالى الأمر باتقاء قطيعة الرحم
بالأمر باتقائه جل وعلا .
(إِنَّ
اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)
مراقبا لكل ما يصدر منكم من قول أو عمل ، دقيق العلم بظواهر أموركم وبواطنها محصيا
عليكم جميع أقوالكم ، وإنه إذا كان الإنسان يحسب حسابا لرقابة البشر فكيف برقابة
الله سبحانه الذي يعلم جميع ما نُسرُّ وما نعلن ؟!
[2] وقال تعالى (وَآتُواْ
الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ)
في هذه الآية يأمر الله تعالى الأوصياء على اليتامى بأن يعطوهم أموالهم إذا وصلوا
إلى سن البلوغ وآنسوا فيهم حسن التصرف في أموالهم .
(وَلاَ
تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ)
أي ولا تأخذوا مال اليتامى الحلال الذي هو طيب وتعطوهم بدلا منه مالكم الحرام الذي
هو خبيث ، فإن المال الحرام خبيث وإن كان جيدا ، والمال الحلال طيب وإن كان رديئًا
، فالخبث والطيب متعلقان بالحرام والحلال لابكون المال رديئًا أو جيدًا .
(لاَ
تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ)يعني
ولا تخلطوا أموال اليتامى بأموالكم فتأكلوها مع أموالكم، وقد يكون أكل أموال
اليتامى من الأوصياء أنفسهم ، وقد يكون ذلك من ورثة الأوصياء فيما إذا فوجئوا
بالموت ولم يبينوا أموال اليتامى (إِنَّهُ
كَانَ حُوباً كَبِيراً)
أي إن أكل أموال اليتامى إثم عظيم عند الله تعالى .
وقد جاء في وعيد الذين يأكلون أموال اليتامى قوله تعالى (إِنَّ
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي
بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً)
[ النساء : 10] ففي هذه الآية وعيد شديد للذين يعتدون على أموال اليتامى بغير حق
ببيان أن ما يأكلون من ذلك في بطونهم إنما يكون سببا في دخولهم النار ، وسيدخلون
نارا يقاسون حرها.
ففي هاتين الآيتين تحذير شديد من الاعتداء على أموال اليتامى ، وفي ذلك حماية مؤكدة
لتلك الأموال ، لأنه من المفترض أن جميع المسلمين هم من المتقين ، وإذا سمع المتقون
هذا الوعيد الشديد فإنه لايُنتظر منهم أن يعتدوا على أموال اليتامى ، بل المنتظر
منهم أن يتحرجوا في التعامل مع أموالهم خشية الوقوع في شيء من التجاوز .
فهذه الرقابة الذاتية من المسلمين على أنفسهم لايمكن أن يماثلها ولا أن يقاربها أي
قانون يفرضه البشر لمحاولة تحقيق العدل ومنع الظلم .
* * *
-قبسات من السنة النبوية –
–التلاحم بين المؤمنين –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد :
فنحن اليوم مع حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعدُّ من جوامع الكلم
, وهو ما أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم :" المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا , وشبك بين أصابعه".(
صحيح البخاري رقم 6026 , صحيح مسلم رقم 2585)
ففي هذا الحديث يشبِّه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجب أن يكون عليه المسلمون
من تفاهم وتلاحم بالبيت الذي تم بناؤه بإحكام وعناية .
فحينما يمر الإنسان على قصر شاهق جميل فإنه يقف أمامه وقفة المتأمل ويثني على من
شيده .
وحينما يفكر في المواد الأولية التي شُيِّد منها ذلك القصر يجد أنها لبناتٌ وحديد
ومواد أخرى لاتلفت الانتباه , بل تبقى ملقاة على الأرض لايستفاد من كل مادة منها
إلا إذا رُكِّبت مع المواد الأخرى لتشكِّل في المستقبل بناء محكما .
وهكذا نجد المجتمع الإسلامي فهو جسم عظيم هائل , وبناء قوي محكم , حينما يكون
أفراده على قلب رجل واحد , وحينما يكون هدفهم جميعا نصرة الإسلام وإحكامَ بناء
المجتمع الإسلامي.
فحينما يتخذ المسلم الإسلام مبدأ له في الحياة فإنه يتحمس لاتِّباعه ويدافع عنه
ويحاول فهم نصوصه ليبينها للناس , ويبذل جهده في كسب أكبر عدد من المؤمنين به ,
وحينما يفعل ذلك يكون لبنة قوية صالحة تتخذ مكانها اللائق في بناء الجماعة
الإسلامية .
ولكنه حينما يكتفي بالانتساب إلى الإسلام , وأداء بعض الشعائر بشكل معتاد رتيب يخلو
من حرارة الإيمان ومن حضور القلب أو يَضعُفُ ذلك عنده بحيث لايؤثر على سلوكه ..
وحينما يدخل في غمار الحياة وهو يشعر بأنه يتصرف في أعماله اليومية , ويتقلب في
مصالح الحياة بوحي من عقله المجرد وهوى نفسه الذي يتذوق الأشياء ثم يختار منها
مايناسب هواه, وإن كان في ذلك هلاكه البطئ وهلاك أمته .
وحينما يقف من أعداء الإسلام الذين يتهجمون عليه ويحاولون إضعاف ثقة المسلمين به
موقف المتفرج الذي يُظهر عدم المبالاة , أو يتوارى عن الأنظار حتى لايُطلب منه أن
يقوم بعمل جاد تجاه دينه الذي أظهر الإيمان به .
وحينما يقف من إخوانه المسلمين الذين يُقتَّلون ويعذبون وتنتهك حرماتهم موقفا سلبيا
ناتجا عن أنه كان خالي الذهن من الموضوع وكأن أوضاع المسلمين لاتهمه بقليل ولابكثير
, أو ناتجا عن عدم المبالاة بما يجري على إخوانه من حوله , وكأنه مسؤول عن نفسه
ولْيفعل الأعداء بالمسلمين ما شاؤوا ما دام أن نار المعركة لم تصل إلى بيته ولم
تهدد شيئا من مصالحه الخاصة .
حينما يسلك المسلم هذا السلوك المنحرف ويفكرُ بهذا التفكير السلبي القاصر فإنه
لايُعدُّ في نظر الإسلام لبنة صالحة في قيام بنائه العظيم المتكامل وإن أظهر
الانتساب إليه ودافع عن حقيقة انتمائه إلى مجتمعه الفاضل .
وحينما تتحطم الجماعة الإسلامية أو يضعفُ لدى المسلم شعوره بالانتماء لهذه الجماعة
فإن أفراد المسلمين لن يَعملوا شيئا يذكر في سبيل قيام المجتمع الإسلامي وإن كان
هؤلاء الأفراد يؤمنون إيمانا صادقا بهذا الدين .
إن إيمانهم الصادق بهذا الدين من غير أن يجتمعوا على كلمة الحق لايعدو مرحلة الصلاح
الفردي, فهو يشبه اللبنات الصالحة للبناء , ولكن ماقيمة اللبنات إذا كانت ملقاة على
الأرض , فهي لاتُظل من الشمس ولاتقي من البرد والحر , وإن كانت صالحة للبناء ؟
ولكنه بالتفكير المبدع من المتخصصين بالبناء تنضمُّ هذه اللبناتُ ليشكِّل منها
البنَّاء البارع قصرا منيفا يُدهش الناظر ويعجب المتأمل .
وكذلك أفراد المجتمع حينما يكونون يدا واحدة في السراء والضراء , يحملون في أفكارهم
الاهتمام الكبير في بناء المجتمع الصالح الذي ينضمُّ فيه الأفراد ويُسهمون في بنائه
إسهاما فعالا.
ولابُدَّ لاجتماع الأبدان من أن تجتمع القلوب قبل ذلك , ولا تلتقي القلوب إلا
بتخليصها من الغل والحقد , وأن يحب المسلم الخير لإخوانه المسلمين , وأن يكره لهم
الوقوع في الشر , كما جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لايؤمن أحدكم
حتى يحب لأخيه مايحب لنفسه " .
وإن من أسباب الْتقاء القلوب أن يعامل المسلم إخوانه المسلمين بالإحسان , وأن
لايقابل إساءتهم إليه بإساءة مثلها , بل ينبغي له أن يتجاوز عن الذين يخطئون عليه ,
وذلك لإشاعة المودة والإيثار بين المسلمين .
وحينما يقيم البنَّاء بناءه على أسس غير سليمة , ويضعُ المواد اللازمة للبناء في
غير مواضعها فإن البناء سرعان ماينهار أو يضعف قوامه , وكذلك حينما يتم بناء
المجتمع على غير الأسس الإسلامية , أو يكلَّفُ أفراده بغير المهام التي تناسب
كفاءاتهم فإن المجتمع ينهار أخلاقيا أو يضعفُ كيانه .
إن المسلمين حينما يجتمعون على رأي واحد , ويرجعون عند الاختلاف إلى مفاهيم واضحة
يحتكمون فيها إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإنهم بذلك
يكوِّنون مجتمعا قويا متماسكا , لاتستطيع معاول الهدم أن تحطم كيانه , ولا أن تفرق
بين أفراده , كالبناء القوي المحكم الذي يصعب هدمه , ويتعرض من يحاول هدمه لاستنكار
الرأي العام وتوهين رأيه وتفكيره , ولكنَّ تحطيم لبنات ملقاة على الأرض أو التفريقَ
بينها أمر سهل ولايثير الانتباه ولاسخط الرأي العام.
وهكذا رأينا أعداء الإسلام يوم تفرقت الأمة الإسلامية إلى دويلات متفرقة ومجتمعات
صغيرة لم يجدوا صعوبة تُذكر في الاستيلاء على أراضيها ومحاولة نزع ثقة بعض أفرادها
بدينهم وماضيهم المجيد .
* * *
-توجيهات ومواقف أخلاقية –
-مواقف في التواضع والرحمة –
من مواقف سلمان الفارسي رضي الله عنه :
لقد كان لسلمان الفارسي رضي الله عنه مواقف عالية في التواضع , فلقد كان متواضعًا
لله تعالى ولعباده المؤمنين , ومن أمثلة تواضعه واهتمامه أنه لمَّا كان واليا على
المدائن كان إذا سجدَتْ له العجم طأطأ رأسه وقال : خشعت لله خشعت لله .
وفي هذا تقرير للتوحيد بالقول والعمل وتعليم لأولئك الجاهلين بأمر الله تعالى
ومايجب له من إفراده بالسجود .
ومن أمثلة تواضعه رضي الله عنه مايرويه ثابت البناني قال: كان سلمان أميرًا على
المدائن, فجاء رجل من أهل الشام ومعه حمل تِبْن وعلى سلمان "اَنْدَرا وِرْد" [يعني
نوعا من اللباس يغطي الركبة] وعباءة , فقال لسلمان : تعال احمل , وهو لايعرف سلمان
, فحمل سلمان , فرآه الناس فعرفوه فقالوا : هذا الأمير , فقال : لم أعرفك , فقال له
سلمان : لا , حتى أبلغ منـزلك , وفي رواية أخرى : إني قد نويت فيه نية فلا أضعه حتى
أبلغ بيتك .
في هذا الخبر نوع نادر المثال من التواضع من سلمان رضي الله عنه , فهو أولا وهو
أمير على المدائن عاصمة مملكة الفرس يلبس لباس الفقراء حتى ظنه ذلك الرجل ممن
يحملون الأمتعة للناس فحمَّله ما معه من التبن , ثم بعد أن عرف ذلك الرجل أنه
الأمير واعتذر منه أبى إلا أن يستمر حتى يوصله منـزله لأنه نوى في ذلك عملا صالحا
لله تعالى فكره أن يقطع ذلك العمل .
وما أبلغه من عمل يسهم فيه فاعله في تثبيت خلق التواضع في المجتمع !
وهكذا يصنع العظماء في إهانة أنفسهم من أجل إشاعة الأخلاق السامية وتربية المسلمين
على الخشونة والزهد .
وإنه لايقدِّر على هذا العمل إلا من عظمت الآخرة في عينه إلى الحد الذي أصبح لاينظر
معه إلى الجاه الدنيوي ولا إلى انتقاد الناس مادام واثقا من أنه يمثل الأخلاق
العالية في أسمى صورها.
ويذكر الحسن البصري رحمه الله تواضع سلمان وهو أمير على المدائن فيقول: كان عطاء
سلمان خمسة آلاف , وكان على ثلاثين ألفا من الناس يخطب في عباءة يفرش نصفها ويلبس
نصفها, وكان إذا خرج عطاؤه أمضاه – يعني تصدق به – ويأكل من سفيف يده رضي الله عنه.
ويقول النعمان بن حميد : دخلت مع خالي على سلمان بالمدائن وهو يعمل الخوص , فسمعته
يقول : أشتري خوصا بدرهم فأعمله فأبيعه بثلاثة دراهم , فأعيد درهما فيه , وأنفق
درهما على عيالي , وأتصدق بدرهم, ولو أن عمر نهاني عنه ما انتهيت .(سير أعلام
النبلاء 1/547)
يعني لو أن عمر رضي الله عنه أمره بترك هذا العمل اليدوي والإنفاق على عياله من
العطاء لما فعل .
وإن هذا لنموذج فريد من العناصر الزكية التي خلصها الإسلام من جميع أنواع الغش
فعادت جوهرًا نقيا صافيا من الكدر .
وإن المتأمل ليقف مندهشا من هذه القوة الجبارة التي تحمل سلمان وأمثاله على إنفاق
عطائهم من بيت المال بالكامل , والأكل من بعض عمل أيديهم وإنفاق بعضه الآخر .
إنهم لايعملون حسابا للإصابة بالأمراض أو كساد الأسواق ونحو ذلك لأنهم قد اكتفوا
باليسير من المعيشة وعودوا أنفسم على ذلك وهذا النوع من المعيشة يمكن بتوفيق الله
تأمينه بسهولة عند الاضطرار بخلاف من يتوسعون في النفقات ويأْلفون حياة الترف,فمن
الصعب عليهم النـزول إلى العيش الضروري لأن نفوسهم تحتاج إلى فترة من الزمن حتى
تألف على ذلك .
ومن مواقفه في الزهد والتواضع مارواه أبو ظبيان عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه
قال: نزلت بالصِّفاح في يومٍ شديد الحر , فإذا رجل نائم في حر الشمس يستظل بشجرة,
معه شيء من الطعام ومزوده تحت رأسه ملتف بعباءة , فأمرت أن يُظلَّل عليه , ونزلنا
فانتبه فإذا هو سلمان فقلت له : ظلَّلنا عليك وماعرفناك , قال : ياجرير تواضعْ في
الدنيا فإنه من تواضع يرفعه الله يوم القيامة , ومن يتعظَّم في الدنيا يضعْه الله
يوم القيامة , لو حَرَصت على أن تجد عودًا يابسا في الجنة لم تجده , قلت : وكيف ؟
قال: أصول الشجر ذهب وفضة , وأعلاها الثمار , ياجرير تدري ماظلمة النار ؟ قلت: لا ,
قال ظلم الناس.( سير أعلام النبلاء 1/548)
وفي عمل جرير مع سلمان دليل على ماكان يتحلى به الصحابة رضي الله عنهم من حب فعل
الخير والإحسان إلى الناس عرفوهم أو لم يعرفوهم , لأنهم إنما يطلبون ثوابهم من الله
تعالى , حيث قام جرير بالتظليل على ذلك الرجل النائم من الشمس وهو لايعرفه , فأتحفه
سلمان بهذه الموعظة البليغة في لزوم التواضع والزهد في الحياة الدنيا , واجتناب ظلم
الناس .
وفي هذا الخبر توجيه من سلمان رضي الله عنه إلى التخلق بخلق التواضع , وقد رغَّب في
ذلك بذكر ثمرته في الآخرة , وإذا كان الإنسان في الدنيا يتواضع لمديره في العمل من
أجل أن يساعده في رفع مستواه الوظيفي , أفلا يتواضع المسلم لإخوانه من أجل الله
تعالى ليكسب رفعةً في الدرجات يوم القيامة ؟!
وإذا كانت الدنيا تقوم على تبادل المنافع فلنفرض أن منفعةً دنيوية زالت من الإنسان
فما الذي سيخسره مادام مستور الحال ولايدري ما مقامه في هذه الحياة ؟
ولكن كم يخسر لو ضاعت منه منافع الآخرة حينما ترتفع درجات الصالحين ويبقى هو في
مؤخرة الناس ؟!
ثم تساءل سلمان عن الظلمات يوم القيامة فأجاب بأنها ظلم الناس بينهم في الدنيا ,
وإذا كان الأمر كذلك فما أقل متعة الظالم في الدنيا وما أقصر مدتها !
ولكن ما أشد عذابها يوم القيامة , وما أطول حزنها آنذاك !
ومن هذه الوصية نعلم قدر التوجيهات التربوية التي استفادها الصحابة رضي الله عنهم
من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أصبحوا ينطقون بالحكمة المستقاة من السنة
النبوية , وذلك في مثل قوله صلى الله عليه وسلم " الظلم ظلمات يوم القيامة " .
ثم نجد سلمان رضي الله عنه بعد أن أعطى توجيهاته القيمة نحو تركيز الاهتمام بالحياة
الآخرة يضرب مثالا على عظمة نعيم الجنة حيث بين فيه أن أصول شجر الجنة اللؤلؤ
والذهب وأعلاها الثمر , فكأنه يقول : هذا النعيم الخالد هو الذي يجب أن يتنافس فيه
المتنافسون لا متاع الدنيا الزائل .
من مواقف عبد الله بن عمر رضي الله عنهما :
ومن أخبار عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في التواضع مارُوي عن مجاهد رحمه الله
قال: كنت أصحب ابن عمر رضي الله عنهما في السفر فإذا أردت أن أركب مسك ركابي, فإذا
ركبت سَوَّى عليَّ ثيابي , فرآني مرة كرهت ذلك فيَّ , فقال: يامجاهد إنك لضيِّق
الخلق, وفي رواية قال: صحبت ابن عمر وأنا أريد أن أخدمه فكان يخدمني.( البداية
والنهاية 9/235)
فهذه أخلاق عالية من العالم الرباني عبد الله بن عمر رضي الله عنهما , حيث يقوم
بخدمة تلاميذه , ولقد كانت هذه الأخلاق أصيلة فيه حيث كان يصرُّ عليها , ويغضب
حينما تظهر الكراهية لذلك في وجوه تلاميذه .
ولقد كان أهمَّ الدوافع لتخلق الصحابة وعامة الصالحين بتلك الأخلاق الكريمة
اهتمامُهم الكبير باكتساب الأعمال الصالحة , فهم يتقربون إلى الله تعالى بالتواضع
لمن هو دونهم , وبهذه الأخلاق النبيلة ربَّوا مجتمعا صالحا خلَفَهم في وراثة هذا
الدين وتبليغه لمن بعدهم .
* * *
-مواقف دعوية من السيرة النبوية –
-مواقف من صبر الصحابة على الأذى –
لقد كانت مواجهة زعماء قريش لدعوة الإسلام عنيفة متواصلة . ولقد ساءهم كثيرًا أن
دخل في الإسلام عدد من أشرافهم وأبنائهم , فحاولوا فتنتهم بالتأليف أولاً حيث
أغروهم بالأموال والجاه إذا هم تركوا دينهم , فلم ينجحوا معهم في ذلك فلجؤوا إلى
محاولة حرمانهم من الأموال والمتاع فلم يثنهم ذلك عن عزمهم على التمسك بدينهم
الحنيف .
عند ذلك تحول الكفار إلى فتنة التخويف حيث قاموا بإيذاء المسلمين وتعذيبهم , وقد
يبدؤون بفتنة الترهيب قبل المرور بفتنة الترغيب لإدراكهم بأن المسلمين ليسوا طلاب
دنيا وأن أي محاولة في ترغيبهم ستبوء بالفشل , أو انطلاقًا من شدة حنقهم على
الإسلام ودعاته .
وقد مر بهذه الفتنة أكثر المسلمين سواء في ذلك الأغنياء والفقراء والأحرار والعبيد.
ومن أمثلة ذلك ماذكره ابن سعد من رواية محمد بن عمر الواقدي بإسناده إلى إبراهيم بن
محمد بن أبي طلحة قال : قال طلحة بن عبيد الله : حضرت سوق بصرى فإذا راهب في صومعته
يقول : سلوا أهل الموسم أفيهم رجل من أهل الحرم ؟ قال طلحة : قلت : نعم أنا . فقال
: هل ظهر أحمد بعد ؟ قلت ومن أحمد ؟ قال : ابن عبد الله بن عبد المطلب , هذا شهره
الذي يخرج فيه, وهو آخر الأنبياء ومخرجه من الحرم , ومهاجره إلى نخل وحرة وسباخ
فإياك أن تسبق إليه.
قال طلحة : فوقع في قلبي ما قال , فخرجت سريعًا حتى قدمت مكة , فقلت: هل كان من حدث
؟ قالوا نعم محمد بن عبد الله الأمين قد تنبأ , وقد اتبعه ابن أبي قحافة , قال:
فخرجت حتى دخلت على أبي بكر فقلت : أتَبعت هذا الرجل ؟ قال : نعم فانطلق إليه
فاتبعه فإنه يدعو إلى الحق, فأخبره طلحة بما قال الراهب , فخرج أبو بكر بطلحة فدخل
به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم طلحة , وأخبر رسول الله صلى الله عليه
وسلم بما قال الراهب فَسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك , فلما أسلم أبو
بكر وطلحة أخذهما نوفل بن خويلد بن العدوية فشدهما في حبل واحد , ولم يمنعهما بنو
تيم , وكان نوفل بن خويلد يُدْعَى أسد قريش فلذلك سُمِّي أبو بكر وطلحة القرينين .
ورواه الحاكم والبيهقي من طريق الواقدي بهذا الإسناد . وذكره ابن كثير والذهبي من
هذا الطريق , وسكت هؤلاء الأئمة عنه.( طبقات ابن سعد 3/214 , المستدرك 3/369 ,
دلائل النبوة للبيهقي 2/166 , البداية والنهاية 3/28 , تاريخ الإسلام / السيرة /
139)
وهذه الرواية من طريق الواقدي وقد حكم علماء الحديث عليه بالترك ولكن العلماء
اعتمدوا رواياته في السيرة والمغازي , ويكفي إقرار هؤلاء الأئمة : ابن سعد والحاكم
والبيهقي وابن كثير والذهبي لهذه الرواية .
ومن ذلك ماجرى للزبير بن العوام رضي الله عنه من تعذيب عمه له كما أخرج الحاكم عن
أبي الأسود عن عروة قال : أسلم الزبير بن العوام وهو ابن ثمان سنين وهاجر وهو ابن
ثمان عشرة سنة وكان عم الزبير يعلق الزبير في حصير ويدخن عليه بالنار ويقول : ارجع
إلى الكفر فيقول الزبير: لا أكفر أبدًا . وسكت عنه الحاكم والذهبي.( المستدرك 3/359
– 360) وقال الهيثمي : رواه الطبراني ورجاله ثقات إلا أنه مرسل.( طبقات ابن سعد
3/55)
وكذلك ماجرى لعثمان بن عفان من تعذيب عمه له كما أخرج ابن سعد بإسناده عن محمد بن
إبراهيم بن حارث التيمي عن أبيه قال : لما أسلم عثمان بن عفان أخذه عمه الحَكَم بن
أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطًا وقال : أترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث ؟ والله
لا أحلك أبدًا حتى تدع ماأنت عليه من هذا الدين , فقال عثمان : والله لا أدعه أبدًا
ولا أفارقه , فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه.
وهكذا جرى التعذيب والإذلال لهؤلاء الكبراء المعروفين في قبيلة قريش من أصحاب النسب
الرفيع , ولم يردوا على قومهم الذين آذوهم لأنهم كانوا في المرحلة الأولى التي
أمرهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر على الأذى وعدم رد الاعتداء بمثله
.
ومن أمثلة الثبات على الدين رغم التعرض للمحن ماجرى لسعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه
مع أمه , وذلك فيما أخرجه أبو يعلى والطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن أبي عثمان
النهدي قال : إن سعد بن أبي وقاص قال : نزلت في هذه الآية (وَإِن
جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا
وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ
ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)
[لقمان :15]
كنت رجلاً برًّا بأمي فلما أسلمت قالت : ياسعد ماهذا الذي أراك قد أحدثت ؟
لَتَدعنَّ دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعيَّر بي فيقال ياقاتل أمه , قلت
: يا أُمَّه لاتفعلي فإني لا أدع ديني هذا لشيء , فمكثت يومًا وليلة لاتأكل ,
فأصبحت قد جهدت,فمكثت يومًا آخر وليلة قد اشتد جهدها, فلما رأيت ذلك قلت يا أمه
تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ماتركت ديني هذا لشيء فإن شئت
فكلي وإن شئت فلا تأكلي,فلما رأت ذلك أكلت فنـزلت هذه الآية.(الدر المنثور 5/165)
وأخرجه الإمام مسلم بنحوه ضمن حديث طويل.( صحيح مسلم , فضائل الصحابة 1877 رقم
1748)
وقد ظهر بهذا إيمان سعد القوي حيث ثبت على دينه ولم يخضع لهذا الابتلاء الذي جعله
في خيار بين طاعة الله وطاعة أمه , ففضل طاعة الله جل وعلا .
أما المستضعفون منهم كالموالي فإنهم تعرضوا لأذًى شديد متواصل , واتفق زعماء
المشركين على الاستمرار في إيذائهم حتى يظفروا بمن يرجع منهم عن دينه فيكون ذلك
نصرًا لهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال ابن إسحاق : ثم إنهم عَدَوا على مَنْ أسلم , واتّبع رسول الله صلى الله عليه
وسلم من أصحابه , فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين , فجعلوا يحبسونهم
ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش, وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر , من استضعفوا منهم ,
يفتنونهم عن دينهم , فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي يصيبه ومنهم من يَصْلُبُ لهم
, ويعصمه الله منهم .
وكان بلال , مولى أبي بكر رضي الله عنهما , لبعض بني جمح , مُولَّدا من مولديهم ,
وهو بلال بن رباح , وكان اسمه أُمّه حمامة , وكان صادق الإسلام , طاهر القلب , وكان
أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جُمَح يخرجه إذا حَميت الظهيرة , فيطرحه على ظهره
في بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره , ثم يقول له : لا والله
لاتزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد , وتعبد اللات والعزى , فيقول وهو في ذلك
البلاء : أحَد أحَد.( سيرة ابن هشام 1/324 – 325)
وأخرج الإمام أحمد والحاكم خبر تعذيب بلال وغيره من المستضعفين , وقال الحاكم :
صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي . وكذلك صححه الذهبي في تاريخ الإسلام.( مسند
أحمد 1/404 , المستدرك 3/284 , تاريخ الإسلام / السيرة / 217)
وقد ذكر ابن إسحاق رحمه الله أن أبا بكر مرَّ به وهو يعذب فاشتراه من أمية بن خلف
الجمحي ثم أعتقه لوجه الله تعالى , وذكر أنه أعتق ستة آخرين من المعذبين وهم : عامر
بن فهيرة, وأم عبيس , وزنِّيرة , والنهدية وابنتها وجارية بني مؤمِّل.( سيرة ابن
هشام 1/329 – 326)
وأخرج الإمام البيهقي بإسناده عن يونس بن بكير عن هشام بن عروة عن أبيه : أن أبا
بكر أعتق ممن كان يُعذَّب في الله سبعة , فذكر منهم "الزِّنِّيرة" قال : فذهب بصرها
وكانت ممن يعذب في الله على الإسلام , فتأبى إلا الإسلام , فقال المشركون : ما أصاب
بصرها إلا اللات والعزى, فقالت : كلا والله ماهو كذلك , فرد الله عليها بصرها .(
دلائل النبوة للبيهقي 2/282)
وفي هذا الخبر دلالة على قوة إيمان الصحابة ووضوح عقيدة التوحيد عندهم وأن ذلك كان
حتى على مستوى العامة منهم .
وإن ما أكرم الله تعالى به تلك المرأة المؤمنة من رد بصرها إليها يُعدُّ إرغامًا
للكافرين حيث كانوا يعتقدون أن أصنامهم تضر وتنفع من دون الله تعالى .
وهكذا كان أبو بكر ينفق ماله لإنقاذ المسلمين المستضعفين من أيدي الكافرين الطغاة
ابتغاء رضوان الله تعالى والدار الآخرة .
وقد أثنى الله تعالى على هذا العمل الصالح بآيات من سورة (الليل)
وذلك كما أخرج الحاكم من طريق ابن إسحاق قال حدثني محمد بن عبد الله بن أبي عتيق عن
عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال : قال أبو قحافة لأبي بكر : أراك تعتق
رقابًا ضعافًا فلو أنك إذ فعلت مافعلت أعتقت رجالاً جُلْدًا يمنعونك ويقومون دونك ,
فقال أبو بكر : يا أبت إني إنما أريد ما أريد: لِمَا نزلت هذه الآيات فيه (فَأَمَّا
مَن أَعْطَى وَاتَّقَى{5} وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى{6} فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى{7}
وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى{8} وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى{9} فَسَنُيَسِّرُهُ
لِلْعُسْرَى{10} وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى{11} إِنَّ عَلَيْنَا
لَلْهُدَى{12} وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى{13} فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً
تَلَظَّى{14} لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى{15} الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى{16}
وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى{17} الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى{18} وَمَا
لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى{19} إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ
الْأَعْلَى{20} وَلَسَوْفَ يَرْضَى{21})
[الليل:5-21] . قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.( المستدرك
2/525)
وذكره السيوطي ونسبه إلى ابن جرير وابن عساكر عن عامر بن عبد الله بن الزبير وذكر
نحوه وقال فيه : فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه (فَأَمَّا
مَن أَعْطَى وَاتَّقَى)
الآيات .( الدر المنثور 6/358)
وفي هذه المحاورة بين أبي بكر وأبيه ندرك لونًا من ألوان الفرق بين نظرة أهل
الجاهلية ونظرة المسلمين بالنسبة لوجوه إنفاق المال وبذل المعروف , فوالد أبي بكر
ينظر إلى مستقبل الحياة الدنيا فيشير على ولده بأن يضع المعروف فيمن يستطيعون نفعه
في مستقبل حياته , وهذا مبلغ علمه, فهو لايؤمن بالآخرة , وبالتالي فإنه لايتصور
معروفًا يُبذل في الدنيا لَيجني باذله نفعه في الآخرة , ولهذا فإن بذل المعروف في
ضعاف الناس الذين لايرجو نفعهم في الدنيا يعدُّ في نظره ونظر أهل الجاهلية من ضعف
الرأي وضآلة التفكير , بينما يجيبه أبو بكر بقوله :"يا أبت إنما أريد ماأريد" فإذا
كان أهل الجاهلية يريدون قبض ثمن معروفهم في الدنيا فإنه لايريد ذلك , وإنما يريده
في الحياة الآخرة طلبًا لرضوان الله تعالى والدرجات العُلَى في الجنة .
وحينما يُحشر الخلائق يوم القيامة وتوزن الأعمال ويكون الحساب يذكر العاملون للدنيا
فقط أنهم قد خسروا كل شيء , ويوقنون بأن الذين عملوا للآخرة كانوا أكمل عقلاً وأسد
رأيًا منهم .
وإنه ليشبه عمل هؤلاء الذين يعملون لدنيا هم مايقوم به بعض المسؤولين من المسلمين
الذين يقدمون المعروف لكبار الناس ممن يرجون نفعهم في الحياة الدنيا ولايريدون ببذل
المعروف وجه الله تعالى والدار الآخرة . بينما يقبضون معروفهم عن ضعفاء الناس الذين
لايرجون منهم نفعًا دنيويًّا , وإن كان هؤلاء يختلفون عن أهل الجاهلية بكونهم
مسلمين ولهم أعمال صالحة أخرى .
إن الذي ينظر في بذل المعروف إلى الكسب الأخروي لايفرق في ذلك بين كبراء الناس
وضعفائهم , ولا بين أصحاب المسؤولية ومن هم خلْوٌ منها لأنه لاينتظر منهم وهو يبذل
لهم المعروف أن يبادلوه بمثله وإنما ينتظر الأجر والرفعة في الآخرة , وذلك هو
الفلاح الأكبر .
ومما ينبغي التنبيه إليه أن والد أبي بكر قد أسلم يوم فتح مكة رضي الله عنهما .
وممن تعرض للأذى عمار بن ياسر وأبوه وأمه رضي الله عنهم .
قال ابن إسحاق رحمه الله : وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وأبيه وأمه –
وكانوا أهل بيت إسلام – إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة , فيمر بهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم فيقول – فيما بلغني – صبرًا آل ياسر موعدكم الجنة , فأما أمه
فقتلوها وهي تأبى إلا الإسلام . وأخرجه الحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم ولم
يخرجاه وأقره الذهبي . وذكره الهيثمي وقال : رواه الطبراني ورجاله ثقات.
وقد بقيت آثار التعذيب على ظهر عمار بعد ذلك كما روى ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي
قال : أخبرني من رأى عمار بن ياسر متجردًا في سراويل , قال : ونظرت إلى ظهره فإذا
فيه حَبَط فقلت : ما هذا ؟ قال: هذا ماكانت قريش تعذبني في رمضاء مكة.
وممن تعرضوا للأذى خباب بن الأرَتّ رضي الله عنه , ومن ألوان هذا العذاب ما أخرجه
أبو نعيم عن الشعبي قال : سأل عمر خبابًا عما لقي من المشركين , فقال خباب : يا
أمير المؤمنين انظر إلى ظهري , فقال عمر : مارأيت كاليوم , قال : أوقدوا لي نارًا
فما أطفأها إلا ودك ظهري .
وأخرجه ابن ماجه من حديث أبي ليلى الكندي قال : جاء خباب إلى عمر فقال: ادْنُ فما
أحد أحق بهذا المجلس منك إلا عمار , فجعل خباب يريه آثارًا بظهره مما عذبه المشركون
. قال البوصيري في الزوائد : إسناده صحيح .
وإنما ذكر عمر عمارًا لاشتراكه مع خباب في التعذيب , والرواية الأولى تبين أن
خبابًا أظهر آثار التعذيب بعدما سأله أمير المؤمنين عمر عن ذلك رضي الله عنهم
أجمعين .
وأخرج الإمام البخاري بسنده عن خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم وهو متوسد ببردة له في ظل الكعبة , فقلنا : ألا تستنصر لنا , ألا تدعو
لنا ؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فَيُجَاء
بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه فما
يصده ذلك عن دينه , والله لَيتمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى
حضْرَمَوت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون.( صحيح البخاري رقم
6943) (الفتح 12/315 ))
ومن هذه النماذج العالية نعرف كيف كان الصحابة رضي الله عنهم يضحون بأنفسهم في سبيل
هذا الدين ويتحملون أنواع الأذى في سبيل إظهار دعوتهم , حتى ضربوا بذلك أروع
الأمثلة لمن جاء بعدهم في الصبر والتضحية , وتقديم مصلحة الدعوة الإسلامية على
المصالح الذاتية .
وفي قوله صلى الله عليه وسلم : " صبرًا آل ياسر موعدكم الجنة " تحديد للهدف العالي
الذي يجب أن يسعى له كل مسلم , فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَعدْهم بقصور
الدنيا وبساتينها ونعيمها مع ماكان يعلمه بوحي من الله تعالى من غلبة هذا الدين
وانتصار المسلمين على أمم الأرض في المستقبل , لأن هذا ليس هو الهدف السامي الذي
شرع الله الإسلام من أجله إنما الهدف السامي هو الذي أثنى الله به جل وعلا على
صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : (يَبْتَغُونَ
فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً)
[الفتح :29] وهو ماوُعد به آل ياسر في هذا الحديث لأن المراد بالفضل في الآية الجنة
.
إنه لو كان الوعد بمتاع الحياة الدنيا الزائل لما هانت على هؤلاء أنفسهم لأن هذا
الهدف يستدعي استبقاءهم لأنفسهم حتى يظفروا به , ولما وُجد الشهداء في سبيل الله
تعالى إلا قليلاً ولما حصل النصر والتمكين في الأرض للمسلمين .
إن الإسلام يشد المسلمين إلى الآخرة لتهون عليهم الحياة الدنيا , فإذا عرفوا هذا
الهدف وطبقوه انتصروا على أعدائهم لأن وصولهم إلى هذا الهدف يستدعي تسابقهم إلى
الموت في سبيل الله تعالى , أما أعداؤهم فإن أهدافهم دنيوية قريبة وإن الوصول إليها
يستدعي تنافسهم على البقاء, والمنطق الطبيعي في ذلك أن يحاول كل واحد منهم أن يدرأ
الخطر عن نفسه ويتقي بغيره , بينما المنطق الطبيعي بالنسبة للمسلمين الذين يعون
الهدف السامي أن يفدي كل واحد منهم إخوانه بنفسه ليسبقهم على الوصول إلى الهدف .
ومن هنا كان المسلمون الحقيقيون المدركون لأهداف دينهم المطبقون لمناهجه لايمكن أن
يُغلبوا بشكل نهائي وإنما قد يصابون بانتكاسات مؤقتة بسبب أخطاء يرتكبونها ثم
يعودون لمحاولة بلوغ الأهداف السامية , كما هو الحال في صحابة رسول الله صلى الله
عليه وسلم .
* * *
انتهى
|