|
المتقون -
العدد الحادي عشر
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – قبسات من القرآن الكريم .
2 – قبسات من السنة النبوية .
3 – توجيهات ومواقف أخلاقية .
4 – مواقف دعوية من السيرة النبوية .
- قبسات من القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله تعالى (لاَ
يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ{196} مَتَاعٌ قَلِيلٌ
ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ{197} لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ
رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا
نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللّهِ وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ{198} وَإِنَّ
مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا
أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَناً
قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ
الْحِسَابِ{199} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ
وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{200})[196
– 200] .
[196- 197] بعد أن ذكر الله سبحانه حال المؤمنين المتقين الذين يتعرضون للأذى في
سبيل الله تعالى ويحال بينهم وبين الحياة المستقرة ذكر حال الكفار المتمكنين في
الأرض المهيمنين على كثير من وسائل الغنى والثروة فقال تعالى (لاَ
يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ)
أي لايخدعنك – أيها الرسول - تصرف الذين كفروا في الأرض وضربُهم فيها في التجارة
وهيمنتهم المالية ، والمقصود بذلك تحذير أمته صلى الله عليه وسلم لأنه ليس من
المتوقع أن يحصل منه ذلك (مَتَاعٌ
قَلِيلٌ)
يعني أن تصرف الكفار في البلاد للتجارة وامتلاكهم الأموال الكثيرة متعة يتمتعون بها
قليلا لأن مدة إقامتهم على قيد الحياة قليلة جدا وإن طالت في عرف الناس (ثُمَّ
مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ)
أي الموضع الذي يأوون إليه يوم القيامة نار جهنم (وَبِئْسَ
الْمِهَادُ)
أي وساء المكان الذي أووا إليه .
[198] (لَكِنِ
الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ)
أي اتقوا سخط ربهم وعذابه وذلك بالاستقامة على شريعته بفعل أوامره واجتناب نواهيه (لَهُمْ
جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا)
من تحت أشجارها وقصورها (الأَنْهَارُ
خَالِدِينَ فِيهَا)
لايخرجون منها ولايموتون ولاتفنى تلك الجنات (نُزُلاً
مِّنْ عِندِ اللّهِ)
أي أنزلهم الله تعالى فيها إكراما لهم
وَمَا
(عِندَ
اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ)
يعني وماعند الله تعالى من النعيم الخالد في الجنة خير للطائعين الصالحين مما يتقلب
فيه الكفار من نعيم الدنيا ، فالدنيا فانية زائلة، والآخرة باقية خالدة ، ونعيم
الدنيا مشوب بالكدر ، ونعيم الآخرة لاكدر فيه ولاقلق ولانصب، وإن أي صاحب عقل سليم
لو وازن بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة لايجد أي مسوِّغ للمقارنة فضلا عن تفضيل
الدنيا على الآخرة .
[199] ولما ذكر الله سبحانه صفات المؤمنين المتقين في الآيات السابقة ذكر أن من
المؤمنين من كانوا قبل ذلك من أهل الكتاب فهداهم الله تعالى للإسلام حيث قال (وَإِنَّ
مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)
يعني اليهود والنصارى (لَمَن
يُؤْمِنُ بِاللّهِ)
إيمانا صادقا مع توحيده ربًّا وتوحيده إلها (وَمَا
أُنزِلَ إِلَيْكُمْ)
وهو القرآن الكريم (وَمَا
أُنزِلَ إِلَيْهِمْ)
مـن التوراة والإنجيل والزبور (خَاشِعِينَ
لِلّهِ)
متذللين لله تعالى خاضعين (لاَ
يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً)
أي لايحرفون آيات الله ولايجحدونها مقابل عرض من الدنيا قليل وزائل كما فعل غيرهم
من اليهود والنصارى ، حيث حرفوا التوراة والإنجيل وخاصة ما يتعلق بالإخبار عن بعثة
رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفاته (أُوْلَـئِكَ
لَهُمْ أَجْرُهُمْ)
أي لهم ثواب إيمانهم الصحيح السابق برسلهم وبكتبهم ولهم ثواب إيمانهم برسول الله
صلى الله عليه وسلم وماقدَّموا من الأعمال الصالحة (عِندَ
رَبِّهِمْ)
إذا صاروا إليه يوم القيامة (إِنَّ
اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)
لايعجزه جل وعلا إحصاء أعمالهم ومحاسبتهم عليها .
[200] ثم يختم الله جل وعلا هذه السورة الكريمة بأوامر جليلة تعصم المسلم في حالي
السلم والحرب حيث يقول (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ)
أي اصبروا أيها المؤمنون الصادقون على طاعة الله سبحانه وأداء التكاليف التي أمركم
بها ومقاومة تكاسل النفوس وتثاقلها عن أداء الواجبات، واصبروا عن مخالفة أوامر الله
سبحانه ومعاصيه ، وذلك بِزمِّ النفوس وتحجيمها عن مقارفة الشهوات التي حرمها الله
جل وعلا،واصبروا أيها المؤمنون الصادقون على أقدار الله المؤلمة.. اصبروا على ما
يصيبكم من الأمراض والابتلاءات .. اصبروا على ما يصيبكم من الأذى في سبيل الله
تعالى .. اصبروا على ما يصيبكم من كيد الكائدين وخيانة المنافقين وضعف المناصرين.
(وَصَابِرُواْ)
أعداءكم من الكفار المكشوفين الذين يخططون للقضاء عليكم ليل نهار ويواجهونكم أحيانا
في الميدان .. وصابروا أعداءكم من المنافقين المندسِّين في صفوفكم والذين يتسمَّون
بعدة مُسمَّيات يخفون بها نفاقهم ، فهم أخطر عليكم من أعدائكم الظاهرين ، لأن
المنافقين يكيدون لكم في الخفاء ويأتونكم من مأمنكم ، فكونوا أعظم منهم في الدهاء
والمخادعة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " الحرب خدعة " وليست الحرب
مقتصرة على القتال بالسلاح المادي بل هي شاملة لكل أنواع الحروب المادية والمعنوية
، وكونوا أيها المؤمنون أعظم مصابرة من أعدائكم في الحروب السلمية والقتالية ، فإن
الأمر كما قال الله تعالى (إِن
تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ
اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ)
[ النساء : 104] فإذا كان أعداؤكم يصبرون على الألم ويصابرون من أجل المجد الدنيوي
فإنكم ترجون من الله تعالى في الحياة الآخرة مالا يرجون .
(وَرَابِطُواْ)
رابطوا أيها المؤمنون الصادقون في حراسة دينكم وأمتكم .. رابطوا بكل أنواع الرباط ،
فليرابط منكم مجاهدون يقيمون في الأماكن الحساسة التي يمكن أن يكون منها هجوم من
العدو .. وليرابط منكم دعاة إلى الله تعالى يتفرغون لمراقبة مكائد الأعداء الظاهرين
والمتسترين ليردوا على شبهات الأعداء وكيدهم بأقلام هي أقوى من أقلامهم وأفكار هي
أسمى وأنصع من أفكارهم وتضحيات هي أقوى من تضحياتهم ، فإنه لايَفُلُّ الحديد إلا
الحديد ، ولايقاوَم سهر الليالي ومكابدة عناء البحث والتنقيب من الأعداء للعثور على
مكامن الضعف والخلل في حياة المؤمنين المتقين إلا بالعمل الدائب والجد المتواصل من
دعاة الإسلام لرصد أعمال الأعداء وإعداد العدة الكافية لنقض أوهامهم ورد مفترياتهم
.
(وَاتَّقُواْ
اللّهَ)
راقبوا الله تعالى أيها المؤمنون الصادقون واستقيموا على شريعته فإنكم إذا كنتم مع
الله تعالى بإيمانكم واستقامتكم كان معكم بحفظه ونصره وتأييده ، أما إذا تكاسلتم عن
تنفيذ أوامره أو وقعتم في شيء من نواهيه فإنه يتخلى عنكم ، وما قيمة وجودكم وجهادكم
إذا تخلى الله عز وجل عنكم !! راقبوا الله تعالى واستقيموا على شريعته ولاتجعلوا من
تهاونكم في ذلك منفذًا لأعداء الإسلام ليشوهوا سمعتكم ويعتزُّوا عليكم بهذا الخلل
منكم .
(لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ)
أي افعلوا ذلك كله أيها المؤمنون الصادقون من أجل أن تفوزوا برضوان الله عز وجل
عنكم وتظفروا بالسعادة الأخروية بالنجاة من النار والخلود في جنات النعيم.
* * *
- قبسات من السنة النبوية –
– فضل الصدقة-
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : فقد سبق لنا في الحلقة السابقة بعض الأحاديث التربوية في مجال الإنفاق في
سبيل الله تعالى .
ومما جاء أيضا في فضل الصدقة ما أخرجه مسلم بن الحجاج رحمه الله من حديث عدي بن
حاتم رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"ما منكم من أحد إلا
سيكلمه الله, ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه [أي
إلى جانبه الأيمن]
فلا يرى إلا ماقدم , وينظر أشأم منه [أي
إلى جانبه الأيسر]
فلا يرى إلا ماقدم , وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه , فاتقوا النار
ولو بشق تمرة ".(
صحيح مسلم , رقم 1016, الزكاة ,(ص703))
وهكذا حينما يذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من أهوال يوم القيامة يجعل الصدقة
في مقدمة الأعمال التي يقي الله جل وعلا بها صاحبها من النار .
وفي هذا الحديث يأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة ولو بالقليل من
أموالنا , فإن القليل مع القليل كثير , فلا ينبغي للإنسان أن ينظر إلى قلة ماعنده
فيحجم عن الصدقة, فلو أن مائة من الناس لايستطيع كل واحد منهم أن يتصدق إلا بدرهم
فإن مجموع صدقتهم مائة درهم, فهؤلاء يعادلون غنيا يستطيع أن يتصدق بمائة , ولو
نظرنا إلى الأغنياء لوجدنا أن عددهم قليل جدا بالنسبة لأفراد المجتمع , فلو فرضنا
أن مجتمعا عدد أفراده مائة ألف فإن الواحد منهم لن يعجز عن الصدقة بدرهم في الغالب
فيكون مجموع صدقتهم مائة ألف درهم , لكن لو احتقر كل واحد منهم ماعنده من المال فلن
يتكوَّن هذا المبلغ الكبير .
وبهذه الطريقة الجيدة في البذل يمكن لكل مجتمع أن يواسي فقراءه وأن يقوم بإنشاء
المشاريع الخيرية التي يستفيد منها كل أبناء المجتمع , لكن حينما تكون الأنظار
موجهة نحو الأغنياء فقط فقد لايتوافر منهم المبلغ الكافي لسد حاجات المجتمع وإنشاء
المشاريع الخيرية .
ومن ذلك ما أخرجه أبو عبد الله البخاري رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لو كان لي مثل أحد ذهبا ما يسرني أن لايمر علي
ثلاث وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لدين".(
صحيح البخاري , رقم 2389, الاستقراض (5/55))
فهذا مثال للكمال في التعامل مع المال , فإن إنفاق مازاد عن الحاجة ليس واجبا في
الإسلام, لكنه يمثل الكمال في سياسة تصريف المال , حيث يقدم به صاحبه عملا صالحا
كثيرا يدخره لنفسه يوم القيامة حينما يظهر ثواب العمل الصالح .
ومن ذلك ما أخرجه أبو عبد الله ابن ماجه رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة رضي
الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الأكثرون هم الأسفلون إلا من
قال هكذا وهكذا" ثلاثا .
وقال البوصيري : إسناده صحيح.(
سنن ابن ماجه , رقم 4131, الزهد (ص1384))
فالأكثرون مالاً يريدون أن يكونوا هم الأعلون في الدنيا , اعتزازًا بأموالهم ,
لكنهم في الآخرة هم الأسفلون ما لم يستقيموا على هدي الإسلام , فيحاسبوا أنفسهم على
كسبهم ليكون حلالا , ثم ينفقوا من أموالهم في وجوه الخير والبر , فإذا فعلوا ذلك
حموا أنفسهم من الحرام وقدموا لها عملا صالحا يرفع من مقامهم يوم القيامة .
ومن ذلك ما أخرجه أبو عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله من حديث عقبة بن عامر رضي
الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " كل امرئ في ظل صدقته
حتى يُفصَل بين الناس- أو قال: يحكم بين الناس – ".(
مسند أحمد 4/147- 148)
فهذا ترغيب بليغ في الصدقة , فلو أن إنسانا طُلب منه أن يدفع مبلغا من المال مقابل
تظليله من الشمس في يوم شديد الحرارة لسارع إلى دفع ذلك المال , فكيف بشمس الآخرة
حينما تدنو من الخلائق فتكون على قدر ميل ؟!
ومما يزيد في الترغيب في الإنفاق ماجاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما
من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينـزلان فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا
ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا" أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.(
صحيح البخاري , رقم 1442 , الزكاة (3/304) , صحيح مسلم , رقم 1010 , الزكاة (ص700))
وهل يشك أحد في أن الله تعالى سيستجيب دعاء هذين الملكين عليهما السلام , وإنه لشرف
كبير للمنفقين أن يكون الملائكة عليهم السلام معهم بالدعاء , وخسارة كبرى أن يكون
الملائكة على الممسكين عن الإنفاق بدعائهم .
وهل إخفاء الصدقة أفضل أم إعلانها ؟
الأصل أن إخفاء الصدقة أفضل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "سبعة يظلهم الله في
ظله يوم لاظل إلا ظله .. ثم ذكرهم إلى أن قال : "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى
لاتعلم شماله ماتنفق يمينه" أخرجه الإمام البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
.(
صحيح البخاري , رقم 1423, الزكاة (3/292))
ولقوله صلى الله عليه وسلم " عليكم باصطناع المعروف فإنه يمنع مصارع السوء وعليكم
بصدقة السر فإنها تطفئ غضب الرب عز وجل" أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن
عباس رضي الله عنهما. (
صحيح الجامع الصغير , رقم 3931)
.
وذلك في غير الحالات الخاصة التي يستحب فيها إعلان الصدقة مثل ما إذا أصابت
المسلمين جوائح وأراد الإنسان بإظهار الصدقة أن يكون قدوة لغيره , أو فيما إذا دعا
الإمام للصدقة بشكل معلن .
ولقد كان الصالحون على مر الأجيال يحرصون على إخفاء صدقتهم لما ذُكر من هذا الثواب
الجزيل , ومن الأمثلة على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من خبر شيبة بن نعامة قال: كان
علي بن الحسين عليه السلام يُبَخَّل , فلما مات وجدوه يعول مائة أهل بيت بالمدينة ,
كما أخرج من خبر أبي حمزة ثابت الثمالي أن علي بن الحسين كان يحمل الجراب فيه الخبز
, ويقول : إن صدقة الليل تطفئ غضب الرب عز وجل.
ولئن كان قد فات ابن الحسين رضي الله عنهما ماكان يعمل له بعض الناس في الدنيا من
جاه وسمعة فلقد ظفر بجاه الآخرة وسمعتها , وشتان ما بين الدارين .
* * *
- توجيهات ومواقف أخلاقية –
–مواقف في التواضع والرحمة –
من مواقف المقداد بن عمرو رضي الله عنه (هو
المقداد بن عمرو القضاعي , ولكن غلب عليه الانتساب للأسود لأنه كان قد حالف الأسود
بن عبد يغوث الزهري القرشي فتبنَّاه – المستدرك 3/348 -
).
من ذلك ما أخرجه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني من حديث عبد الرحمن بن نُفَير عن أبيه
قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يومًا فمرَّ به رجل فقال : طوبَى لهاتين العينين
اللَّتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم , والله لوددنا أنا رأينا مارأيت
وشهدنا ماشهدت , فاستمعتُ فجعلتُ أعجب ماقال إلا خيرا, ثم أقبل عليه فقال: مايحمل
أحدكم على أن يتمنى محضرًا غيَّبه الله عز وجل عنه , لايدري لو شهده كيف يكون فيه ,
والله لقد حضر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أقوامٌ كبَّهم الله عز وجل على
مناخرهم في جهنم لم يجيبوه ولم يصدقوه , أوَلاَ تحمدون الله إذ أخرجكم الله عز وجل
لاتعرفون إلا ربكم مصدقين بما جاء به نبيكم عليه الصلاة والسلام وقد كفيتم البلاء
بغيركم ؟ والله لقد بُعِث النبي صلى الله عليه وسلم على أشد حال بُعِث عليه نبي من
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام , في فترة وجاهلية , مايرون دينا أفضل من عبادة
الأوثان , فجاء بفرقان فرق به الحق والباطل , وفرق به بين الوالد وولده , حتى إن
الرجل ليرى والده أو ولده أو أخاه كافرًا وقد فتح الله تعالى قفل قلبه للإيمان
ليَعْلَم أنه قد هلك من دخل النار فلا تَقَرُّ عينه وهو يعلم أن حميمه في النار ,
وإنها لَلَّتيِ قال الله عز وجل (وَالَّذِينَ
يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ
أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً)
[الفرقان:74].(
حلية الأولياء 1/175 – 176 , وانظر صفة الصفوة 1/424)
فهذا مثل من أمثلة التواضع وعدم الغرور بالفضيلة التي لايوصل إليها , فقد أشاد ذلك
الرجل بالمقداد لكونه رأى النبي صلى الله عليه وسلم , فلم يفتخر المقداد بدرجة
الصحبة التي لايستطيع التابعون ولاغيرهم أن يصلوا إليها , وأنكر على ذلك التابعي
تمنِّيه لقاء النبي صلى الله عليه وسلم لأن ذلك ليس في إمكانه , ووجَّهه ومن حوله
من التابعين إلى أن يحمدوا الله تعالى على أنهم نشؤوا في الإسلام ولم يتعرضوا
للبلاء الذي تعرض له الصحابة , وإن مقتضى حمد الله جل وعلا على الهداية أن يستقيم
المسلم على تكاليف هذا الدين وأن يكثر من الأعمال الصالحة .
وإذا كان غير الصحابة لم يتمكنوا من لقاء النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا فإن
لصالحي أمته موعدًا معه للِّقاء يوم القيامة , فليفكر المسلم بذلك اللقاء المحقق
وليُعِدَّ له عدَّته .
وهكذا نجد الصحابة رضي الله عنهم تربويين يدفعون الناس إلى العمل الذي ينفعهم في
حياتهم الدنيا والأخرى , ولايتركونهم لأحلامهم التي لاشيء وراءها .
من مواقف حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما
عن ابن سيرين رحمه الله قال : كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا بعث أميرًا كتب
إليهم : إني قد بعثت إليكم فلانا وأمرته بكذا وكذا فاسمعوا له وأطيعوا , فلما بعث
حذيفة رضي الله عنه إلى المدائن كتب إليهم : إني قد بعثت إليكم فلانا فأطيعوه ,
فقالوا : هذا رجل له شأن , فركبوا ليتلقوه , فلقوه على بغل تحته إكاف وهو معترض
عليه , رجلاه من جانب واحد فلم يعرفوه فأجازوه – يعني مَرُّوا به وخلَّفوه – فلقيهم
الناس فقالوا : أين الأمير ؟ قالوا : هو الذي لقيتم , قال: فركضوا في أثره فأدركوه
وفي يده رغيف وفي الأخرى عَرْق – يعني قطعة لحم – وهو يأكل, فسلموا عليه , فنظر إلى
عظيم منهم فناوله العَرْق والرغيف , قال: فلما غفل ألقاه أو قال: أعطاه خادمه .
وفي رواية أخرى عن ابن سيرين : أن حذيفة كان راكبًا على حمار له إكاف , وبيده رغيف
وعرْق من لحم , فقالوا : سلنا ماشئت , فقال: أسألكم طعاما آكله وعلفا لحماري هذا
مادمت فيكم .
فأقام ماشاء الله , ثم كتب إليه عمر : أن اقْدم , فقدم فلما بلغ عمرَ قدومُه كَمَنَ
له في الطريق في مكان لايراه , فلما رآه على الحال التي خرج من عنده عليها أتاه
فالتزمه وقال : أنت أخي وأنا أخوك.(
صفة الصفوة 1/612)
وهكذا رأينا في هذه القصة المليئة بالعبر كيف أن وجوه أهل العراق قد خرجوا لاستقبال
الأمير الذي توقعوا على الأقل أن يكون معه مرافقون وأن تكون له هيئة تميزه ولو بعض
الشيء , ولكنهم فوجئوا بمرور الأمير حذيفة وهو وحده راكبًا حمارًا بشكل متواضع فلم
يعرفوه .
إنه تلميذ من تلاميذ المدرسة النبوية التي تربَّى أفرادها على السمو عن مظاهر
الدنيا وزخارفها وإظهار عزة الإسلام أمام ضغوط مظاهر الجاهلية .
إن هذا المظهر المتواضع الذي ظهر به هذا الأمير أمام من يهتمون بالمظاهر يُعدُّ
درسا بليغا لهم ولغيرهم .
وإنه لموقف كبير أن يقف هذا الصحابي الجليل وأمثاله لوضع معوقات قوية توقف انحدار
الناس نحو المظاهر الدنيوية لأنه إذا كان الأمير يظهر بهذا المظهر البسيط فإن من
تميل نفسه إلى المظاهر ممن هم أقل منه منـزلة اجتماعية سيجد حرجا في الاستمرار في
هذه المظاهر .
وحين قالوا له : "سلنا ماشئت" كان أمامه فرصة ذهبية للتكثُّر من الدنيا والتمتع
بطيباتها لو كان من أهلها , ولكنه لم يطلب إلا طعاما له وعلفا لحماره , وإن أقل
أجير يكون عند صاحب عمل لايرضى بأن يعمل بطعام بطنه فقط , ولكنها النفوس العلية
تأبى إلا السمو دائمًا نحو المكارم, وتعمل جاهدة على رفع رصيدها الأخروي وإن أضرت
بأجسامها في دار الفناء .
هذا وإن موقف عمر حين كَمَنَ لأخيه حذيفة رضي الله عنهما ليراه على الحال التي يصل
عليها دليل على اهتمامه بالحفاظ على الرصيد الأخلاقي للأمة , لأنه إذا استطاع أن
يحافظ على تماسك هذا الرصيد عند الولاة فإن الأمة تبع لهم في ذلك .
وفي التزامه إياه وإعلان الأخوة بينهما مظهر خلاب من مظاهر الفرحة القلبية , وسعادة
الروح, حينما يرى الأخ أخاه في الله على الوضع الديني الذي يُرضي الله تعالى .
* * *
- مواقف دعوية من السيرة النبوية –
- مواقف عالية من صبر النبي صلى الله عليه وسلم على الأذى –
أخرج الإمام أحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن الملأ من قريش اجتمعوا
في الحجر فتعاقدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى وإساف ونائلة : لو قد رأينا
محمدا لقد قمنا إليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتى نقتله .
فأقبلت ابنته فاطمة رضي الله عنها فقالت : هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك لو
قد رأوك لقد قاموا إليك فقتلوك , فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من دمك .
فقال : يابنية أريني وضوءًا فتوضأ , ثم دخل عليهم المسجد , فلما رأوه قالوا : ها هو
ذا وخفضوا أبصارهم وسقطت أذقانهم في صدروهم وعُقِروا في مجالسهم فلم يرفعوا إليه
بصرا ولم يقم إليه رجل .
في هذا الخبر بلغ الملأ من قريش القمة في التحجر الفكري حيث ضاعفوا من تهديدهم
ومحاولتهم القضاء على دعوة الإسلام بالقوة , وذلك بالقضاء على داعيها الأول صلى
الله عليه وسلم .
ولكننا نجد من رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقابل ذلك إصرارًا أكيدا على تبليغ
دعوته مهما تكن الحواجز والعوائق .
ونجد في هذا الخبر مثلا على شجاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم العظيمة , حيث علم
من ابنته فاطمة رضي الله عنها عن قعود المشركين له وتهديدهم إياه , ومع ذلك خرج من
بيته منفردا ودخل عليهم وهم مجتمعون , وإن هذا الإقدام العظيم مع احتمال وقوع الضرر
البالغ يُعدُّ قمة في التضحية والبذل من أجل دعوة الإسلام .
لقد كان الشيء الذي يهيمن على مشاعر النبي صلى الله عليه وسلم هو التفكير في دعوته
وبذل كل الطاقة في محاولة الوصول إلى قلوب الناس , ولقد كان أمر حماية النفس
وسلامتها من التعرض للضرر شيئا ثانويًّا لايأخذ له الرسول صلى الله عليه وسلم أي
اعتبار إذا تعارض مع الإقدام على تبليغ الدعوة .
وأخرج الإمام مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : بينما رسول الله
صلى الله عليه وسلم يصلي عند البيت , وأبو جهل وأصحاب له جلوس وقد نحرت جزور بالأمس
, فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه فيضعُه في كتفي محمد إذا
سجد , فانبعث أشقى القوم – وهو عقبة بن أبي معيط كما جاء مصرحا به في رواية مسلم
الثانية – فأخذه فلما سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه .
قال : فاستضحكوا , وجعل بعضهم يميل على بعض وأنا قائم أنظر , لو كان لي منعة طرحته
عن ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم , والنبي صلى الله عليه وسلم ساجد مايرفع رأسه
حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة , فجاءت وهي جويرية فطرحته عنه , ثم أقبلت عليهم
تشتمهم .
فلما قضي النبي صلى الله عليه وسلم صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم وكان إذا دعا دعا
ثلاثا , وإذا سأل سأل ثلاثا , ثم قال " اللهم عليك بقريش – ثلاث مرات " فلما سمعوا
صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته , ثم قال : " اللهم عليك بأبي جهل بن هشام وعتبة
بن ربيعة وشيبة بن ربيعة , والوليد بن عتبة وأمية بن خلف , وعقبة بن أبي معيط " .
قال : وذكر السابع ولم أحفظه – فو الذي بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحق لقد
رأيت الذين سمى صرعى يوم بدر , ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر.(
صحيح مسلم رقم 1794 , كتاب الجهاد , صحيح البخاري رقم 2934 كتاب الجهاد)
في هذه الرواية وما في معناها أمثلة للأذى الذي لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم
على يد الكفار في مكة مما يُقصد به الإهانة المادية بإلحاق الأذى الجسماني ,
والمعنوية بتحطيم المشاعر وإغاظة النفوس, وهي أبلغ من الحسية .
هذا وإن ماجرى من عقبة بن أبي معيط يُعدُّ اعتداء مهينا على أعظم رجل عرفه التاريخ,
وهو يؤدي شعائر دينه , مما يدل على تدني مستوى أهل الباطل في معاملة أهل الحق ,
وهذا علامة على توغل عداوتهم وإفلاسهم في مجال الفكر والحجة البيانية , حيث
استخدموا أيديهم وقوتهم المادية .
وإن حقد الكفار الدفين يجعلهم يتصرفون بمقتضى عواطفهم لابمقتضى عقولهم , حيث إنهم
لو راجعوا أنفسهم بعد ذلك لأنكروا عملهم , بينما أهل الحق لاينـزلون أبدا إلى هذا
المستوى الهابط.
أما موقف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فإنه مثال لشدة الإرهاب الذي كان يواجهه
المستضعفون في مكة , الذين لم تكن لهم عشائر تحميهم .
فالصحابة رضي الله عنهم يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم مما يحبون أنفسهم
ولكن ابن مسعود كان على يقين من أنه لن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا
وهو جثة هامدة أو مايشبه ذلك , فلن يتمكن من تخليصه من الأذى .
ومن هذا الخبر نفهم أن للنساء مهمة يقمن بها لايستطيع الرجال أحيانًا أن يقوموا بها
فقد استطاعت فاطمة رضي الله عنها أن تزيل الأذى عن أبيها صلى الله عليه وسلم وأن
تسب الملأ من قريش دون أن تتعرض للأذى لأن تقاليد العرب تمنعهم من الاعتداء على
النساء .
وهكذا في كل زمن ينبغي للدعاة أن يستفيدوا من دور المرأة في الأمور التي تحسنها وقد
لايدركها الرجال مستفيدين من الأعراف الاجتماعية التي تخدمهم .
وحنيما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأعداء خافوا من دعوته , وهكذا
الكفار يخافون من عاقبة الدعاء في الدنيا فقط , حيث إنهم لايؤمنون بالآخرة , فهل
يتنبه بعض المسلمين الذين لايرتدعون عن ظلم الناس إلا خوفًا من استجابة دعائهم
وحلول العقوبة الدنيوية غافلين عن مواقف الحساب يوم القيامة ؟!
ومما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تأثر تأثرًا كبيرًا مما حصل له ما جاء
في رواية أخرى لهذا الخبر وفيها " ثم خرج – يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - من
المسجد فلقيه أبو البَخْتَري بسوط يتخصر به فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنكر
وجهه فقال : مالك ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم خلِّ عني , فقال: علم الله لا
أخلي عنك أو تخبرني ماشأنك فلقد أصابك شيء , فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه
غير مُخَلٍّ عنه أخبره فقال: إن أبا جهل أمر فطُرِح عليّ فرث , فقال أبو البختري :
هلمَّ إلى المسجد .
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو البختري فدخلا المسجد ثم أقبل أبو البختري إلى
أبي جهل فقال: يا أبا الحكم أنت الذي أمرت بمحمد فطُرح عليه الفرث ؟ قال: نعم , قال
: فرفع السوط فضرب به رأسه, قال : فثار الرجال بعضها إلى بعض , قال وصاح أبو جهل ,
ويْحكم هي له , إنما أراد محمد أن يلقي بيننا العداوة وينجو هو وأصحابه .
ذكره الهيثمي وقال : رواه البزار والطبراني في الأوسط وفيه الأجلح بن عبد الله
الكندي وهو ثقة عند ابن معين وغيره وضعفه النسائي وغيره.(
مجمع الزوائد 6/18)
وأبو البَخْتَري هو ابن هشام بن الحارث بن أسد , وأمه من بني هاشم , وكان من فريق
المعتدلين من الكفار الذي تميزوا بوضوح بعد نقض صحيفة المقاطعة وكان من الذين نادوا
بنقضها.
وأخرج أبو نعيم من طريق محمد بن إسحاق عن عثمان بن عروة بن الزبير عن أبيه عن
هبَّار بن الأسود قال : كان أبو لهب وابنه عتبة قد تجهزوا إلى الشام وتجهزتُ معهما
فقال ابنه عتبة: والله لأنطلقن إليه [يعني
رسول الله صلى الله عليه وسلم]
فلأوذينه في ربه فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يامحمد هو
يكفر بالذي دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" اللهم ابعث عليه كلبًا من كلابك" .
ثم انصرف عنه فرجع إليه [يعنى
إلى أبيه]
فقال : أي بني ماقلت له ؟ قال : كفرت بإلهه الذي يعبد. قال فماذا قال لك : قال ,
قال : اللهم ابعث عليه كلبًا من كلابك , فقال : أي بني والله ما آمن عليك دعوة محمد
.
دقال : فسرنا حتى نزلنا الشراة وهى مأسدة فنزلنا إلى صومعة راهب, فقال: يامعشر
العرب ماأنزلكم هذه البلاد وإنها مسرح الضيغم ؟ فقال لنا أبو لهب : إنكم قد عرفتم
حقي, قلنا: أجل يا أبا لهب فقال : إن محمدًا قد دعا على ابني دعوة والله ما آمنها
عليه فاجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة ثم افرشوا حوله , فبينما نحن حوله وأبو لهب
معنا أسفل , وبات هو فوق المتاع فجاء الأسد فشم وجوهنا فلما لم يجد مايريد تقبض ثم
وثب فإذا هو فوق المتاع , فجاء الأسد فشم وجهه ثم هزمه هزمة ففضخ رأسه , فقال: سيفي
ياكلب , لم يقدر على غير ذلك, ووثبنا فانطلق الأسد وقد فضخ رأسه فقال له أبو لهب :
قد عرفت والله ماكان لينفلت من دعوة محمد.(
دلائل النبوة لأبي نعيم /162 .)
وهكذا استجاب الله تعالى دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث على عتبة بن أبي
لهب الأسد الذي أصبح جنديًّا من جنود الدفاع عن الحق فأهلكه , ولم تُجْدِ كل
الاحتياطات الامنية التي أحاط بها أبو لهب ابنه .
ومن الغريب في الأمر أن أولئك الكفار يوقنون بأن النبي صلى الله عليه وسلم مستجاب
الدعوة ومع ذلك يستمرون في مقاومته وإيذائه , ولايحملهم ذلك على الإيمان به
والاستجابة لدعوته , وهذه صورة من صور اتباع الهوى المنحرف , حيث يكون الحق واضحا
مثل الشمس فيحيد أصحاب الهوى المنحرف عن اتباعه .
ولقد حمى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في مواطن أخرى من أذى الكفار كما أخرج
الإمام مسلم بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال أبو جهل : هل يعفِّر محمد
وجه بين أظهركم [يعني
هل يلصق وجهه بالعفر وهو التراب ويعني بذلك السجود
] ؟
قال: فقيل : نعم , فقال : واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته – أو
لأعفرن وجهه في التراب – قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي , زعم
ليطأ على رقبته , قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه , قال:
فقيل له : مالك ؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولاً وأجنحة .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا .
قال : فأنزل الله عز وجل – لاندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه – (كَلَّا
إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى{6} أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى{7} إِنَّ إِلَى رَبِّكَ
الرُّجْعَى{8} أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى{9} عَبْداً إِذَا صَلَّى{10} أَرَأَيْتَ
إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى{11} أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى{12} أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ
وَتَوَلَّى{13} أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى{14} كَلَّا لَئِن لَّمْ
يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ{15} نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ{16}
فَلْيَدْعُ نَادِيَه{17} سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ{18} كَلَّا لَا تُطِعْهُ
وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ{19})
[ العلق : 6 – 19].(
صحيح مسلم , كتاب المنافقين /رقم 2797 ص 2154 .)
ومن ذلك ما أخرجه الإمام أبو بكر الحميدي بإسناده عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله
عنهما قالت : لما نزلت (تَبَّتْ
يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)
[المسد :1] أقبلت العوراء أم جميل [هي
امرأة أبي لهب المذكورة في السورة]
ولها ولولة [أي
عويل]
وفي يدها فهر [أي
حجر]
وهي تقول :
مـذمـما أبـيـنـا*
وديـنـه قلـيـنا**
وأمــره عصـيـنـا
* تريد محمدًا صلى الله عليه وسلم , وهكذا كان الكفار يسمونه على سبيل السخرية
**
أي أبغضنا
ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد , ثم قرأ قرآنًا اعتصم به – كما قال
– وقرأ (وَإِذَا
قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ
بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً)
[الإسراء: 45] .
ومن أمثلة ذلك ماسبق من خبر أبي جهل حينما هدد بفضخ رأس النبي صلى الله عليه وسلم
بالحجر فمنعه الله تعالى منه .
ولكن الله تعالى يمكِّن الكفار أحيانًا – كما في الخبر السابق – من إيصال الأذى
لرسوله صلى الله عليه وسلم, وذلك لرفع ذكره في العالمين , وليكون قدوة لأتباعه
المؤمنين في الرضا بقضاء الله تعالى , والصبر الجميل على الأذى .
وقد يمكِّن الله تعالى أهل الباطل من أهل الحق برهة من الزمن فيقومون بالتنكيل بأهل
الحق ومحاولة إسكات أصواتهم , ولكن سرعان ماينهار بناؤهم أمام تماسك أهل الحق وصدق
تمثيلهم لدينهم , كما قال الله (لَن
يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ
لاَ يُنصَرُونَ)
[
آل عمران 111] .
* * *
انتهى
|