|
المتقون -
العدد العاشر
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – قبسات من القرآن الكريم .
2 – قبسات من السنة النبوية .
3 – توجيهات ومواقف أخلاقية .
4 – مواقف دعوية من السيرة النبوية .
– قبسات من القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله تعالى
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ{190} الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً
وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ
النَّارِ{191} رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا
لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ{192} رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً
يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ
لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ
الأبْرَارِ{193} رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا
يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ{194} فَاسْتَجَابَ لَهُمْ
رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى
بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ
وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ
سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ
ثَوَاباً مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ{195})
[آل
عمران:190-195].
[190] في الآية الأولى يذكِّرنا الله سبحانه ببعض مخلوقاته العظيمة التي تحمل في
طياتها العظمة الفائقة والإبداع في الصنع ، فخلْق السموات والأرض عظيم هائل ،
واختلاف الليل والنهار طولاً وقصرًا بحيث يدخل كل واحد منهما في الآخر ولايكون
الليل في وقت النهار ولا النهار في وقت الليل .. إن في ذلك لإبداعًا في الخلق ودقة
في الصنع ، وإن في ذلك لَدلائلَ قاطعة وبراهين ساطعة لأصحاب العقول السليمة على
عظمة خالقها جل وعلا وانفراده بالربوبية والألوهية .
[191] (الَّذِينَ
يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ)
فأصحاب تلك العقول المفكرة هم العبَّاد الذين يداومون على ذكر الله تعالى بألسنتهم
وقلوبهم في كل أحوالهم .. يذكرونه قائمين وقاعدين ومضطجعين على جنوبهم (وَيَتَفَكَّرُونَ
فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)
وهم يقولون (رَبَّنَا
مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً)
ربنا ما أوجدت هذا الخلق العظيم من العدم عبثا ، بل أوجدته لحكم عظيمة (سُبْحَانَكَ)
تقدستَ ياربنا وتنـزهت عن أن يكون في خلقك وأمرك شيء من الباطل (فَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ)
فاصرف عنا ياربنا عذاب النار فإننا قد آمنا بك ربا واحدا وإلها واحدا .
فأصحاب العقول السليمة الذين خضعوا لله سبحانه وعبدوه حق عبادته هم الذين يتفكرون
في مخلوقاته العظيمة ويعرفون خالقهم جل وعلا بها ، فهم يجمعون بين أداء الشعائر
التعبدية لله سبحانه وعبادة التفكر في عظمة مخلوقاته جل وعلا .
إن هؤلاء العبَّاد الذاكرين الله سبحانه في كل أحوالهم يعلمون عظمة مخلوقات الله جل
وعلا إجمالا، فكيف بعلماء الفلك الذين يستخدمون الأجهزة الدقيقة في الرصد والاطلاع
.. كيف بهم لو كانوا من الذاكرين الله في كل أحوالهم ؟ لاشك أن إيمانهم سيكون
قويًّا لأنه لم يقتصر على إيمان الغيب وإنما علمهم قد خطا نحو الحس والمشاهدة خطوات
حثيثة ، ولكن كثيرًا من المتخصصين في علم الفلك لايعرفون الله تعالى ولايؤمنون به
ولايدركون حقيقة القوة العظمى المدبرة لهذا الكون ، وما أسرع إيمان هؤلاء لو وجدوا
الدعاة الحكماء الذين يتسللون إلى قلوبهم من خلال تخصصاتهم العلمية !
[192] ويقول هؤلاء الذاكرون الله في كل أحوالهم المتفكرون في خلق السماوات والأرض
بعد قولهم (فَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ)
(رَبَّنَا
إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ)
أي فقد فضحته لأن من عوقب بعذاب النار فقد افتضح ، وذلك يشمل الكفار الذين يخلَّدون
في النار ويشمل عصاة المؤمنين الذين يعذبون في النار على قدر ذنوبهم لأن مجرد
دخولهم في النار فضيحة لهم (وَمَا
لِلظَّالِمِينَ)
فما للذين ظلموا أنفسهم بالمعاصي أو الكفر أو ظلموا غيرهم (مِنْ
أَنصَارٍ)
يمنعونهم من عذاب النار ، وكونهم يذكرون الخزي في ذلك اليوم يدل على اهتمامهم
باتقاء العذاب النفسي المتمثل بالفضيحة أمام الله تعالى وعباده أكبر من اهتمامهم
بالعذاب الجسمي بحرارة النار ، فذلك العذاب النفسي هو في مقابل كامل الفرحة والسرور
الذي يشعر به المؤمنون في النجاة من النار والظفر بدخول الجنة .
[193] ويقول أولو الألباب المذكورون في دعائهم (رَّبَّنَا
إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ
فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا
وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ)
والمنادي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونداؤه مباشر لأصحابه الذين عاشوا معه
، وعن طريق كتاب الله تعالى الذي بلَّغه لسائر أمته (أَنْ
آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ)
آمنوا بالله سبحانه ربًا واحدا وإلها واحدا واستقيموا على شريعته (فَآمَنَّا)
فأعلنَّا إيماننا وطبقنا العمل الذي يقتضيه هذا الإيمان (رَبَّنَا
فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا)
أي فامحها عنا فلا تعذبنا بها (وَكَفِّرْ
عَنَّا سَيِّئَاتِنَا)
أي استرها علينا فلا تفضحنا بها يوم القيامة (وَتَوَفَّنَا
مَعَ الأبْرَارِ)
أي اقبض أرواحنا في عداد الطائعين الصالحين واحشرنا معهم يوم القيامة .
[194] (رَبَّنَا
وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ)
أي ربنا وأعطنا الوعود التي وعدتنا إياها على ألسنة رسلك عليهم السلام ، وهي شاملة
لوعود الدنيا ومنها النصر والتمكين ، ووعود الآخرة ومنها رفعة المقام في الجنة (وَلاَ
تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
ولاتفضحنا يوم القيامة بإظهار ذنوبنا (إِنَّكَ
لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ)
فأنت ياربنا كريم حليم لاتخلف وعدًا وعدته عبادك المؤمنين .
[195] ثم يأتي جواب هذه الأدعية الخاشعة المخلصة بقوله تعالى (فَاسْتَجَابَ
لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم)
يعني : فأجاب الله تعالى دعاءهم بأنه سيحفظ لهم جميع أعمالهم الصالحة، وذلك
ليجازيهم عليها بأضعافها في الآخرة (مِّن
ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى)
نصَّ سبحانه في بيان وعده الكريم بحفظ أعمال العباد الصالحة على نوعي الإنسان
الذكور والإناث مع دخول الإناث في الخطاب لبيان استواء الرجال والنساء بالنسبة
لأحوال الآخرة ، وأن المعول عليه في التقديم في النعيم والتأخير هو العمل الصالح
المبني على الإيمان الصادق ، فعلى قدر درجات العامل في الإيمان والعمل يكون مقامه
في الجنة سواء أكان رجلا أو امرأة ، وفي هذا رد صريح على الذين يدَّعون أن الإسلام
ظَلم المرأة ، لأن الحياة الحقيقية هي الحياة الآخرة حيث إنها باقية خالدة ، أما
الحياة الدنيا فإنها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو كانت الدنيا تعدل
عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء " [صحيح الجامع الصغير ، رقم 5168
(5/68)] ومع حقارة الدنيا وقلة شأنها فإن الله تعالى قد حفظ للمرأة فيها حقوقها
كاملة مع مراعاة الفروق التكوينية بين الرجل والمرأة وإعطاء كل واحد منهما ما
يناسبه في الحقوق والواجبات .
(بَعْضُكُم
مِّن بَعْضٍ)
في أصل الخلق ، حيث إن الجنين يتكوَّن من الرجل والمرأة سواء أكان ذكرًا أم أنثى ،
فلا تفاضل في الخلق بالنسبة للحياة الآخرة ، وإنما التفاضل بالعمل .
ثم ذكر سبحانه بعض الأعمال الصالحة التي هي متوافرة زمن نزول القرآن وفي بعض
الأزمان فقال (فَالَّذِينَ
هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ
وَقُتِلُواْ)
وهذه الأعمال الصالحة التي ذكرها الله سبحانه كلها أعمال جهادية ، وتخصيصها بالذكر
من بين جميع الأعمال الصالحة دليل على أهميتها ، والجمع بين هذه الأعمال يحكي حال
المهاجرين من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، ولكنه ينطبق على أوضاع المسلمين
المشابهة لذلك ، ومن ذلك ما إذا كانت الهيمنة في بعض بلاد الإسلام للمنتسبين إلى
الإسلام ولكنهم لايحكمون به ولايؤمنون بشمولية الإسلام لكل نواحي الحياة ، فإذا برز
دعاة إلى الله تعالى يطالبون بالحكم بما أنزل الله جل وعلا وبالإيمان بالإسلام
وتطبيقه على أنه نظام حياة كما أنه شعائر تعبدية وأحوال شخصية فإن الحكام
العلمانيين الذين يؤمنون بالإسلام على أنه شعائر تعبدية وأحوال شخصية فقط ويقولون
لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة يحاربون أولئك الدعاة حربًا شعواء ويراقبونهم
ويضيقون عليهم ويؤذون البارزين منهم بالسجون وسائر أنواع الإيذاء ، فهؤلاء الدعاة
مجاهدون بالكلمة وإن لم يجاهدوا بأنفسهم وهم مأجورون على كل ما يصيبهم من الأذى ،
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن جهادهم من أفضل أنواع الجهاد كما قال " أفضل
الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " .( مسند أحمد 3/19 ، صحيح الجامع الصغير ، برقم
1111 (1/361)).
وقد ذكر الله سبحانه جزاء الذين جمعوا بين تلك الأعمال الجهادية بقوله (لأُكَفِّرَنَّ
عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ)
فجميع الأعمال الصالحة يمحو الله تعالى بها السيئات ويسترها على أصحابها ، كما قال
تعالى (إِنَّ
الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ)
[ هود : 114] وخاصة الأعمال الجهادية لما فيها من المشقة والمغامرة والمخاطرة
بالنفس (وَلأُدْخِلَنَّهُمْ
جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)
من تحت أشجارها وقصورها (ثَوَاباً
مِّن عِندِ اللّهِ)
جزاء من عند الله تعالى على تلك الأعمال الصالحة العظيمة (وَاللّهُ
عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ)
وذلك في الدرجات العلى في الجنة وليس ذلك عند غير الله سبحانه .
* * *
– قبسات من السنة النبوية –
– فضل الصدقة –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد :
فهذه أحاديث تربوية في الإنفاق في سبيل الله تعالى لرفع مستوى المسلمين وإنقاذهم
مما يمر بهم من حاجات ونكبات , ومما جاء في فضل الصدقة في سبيل الله جل وعلا ما
أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : " ماتصدق أحد بصدقة من طيِّب ولايقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن
بيمينه وإن كانت تمرة , فتربُو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل , كما يربِّي
أحدكم فَلُوَّه أو فصيله" (صحيح مسلم , رقم 1014 , الزكاة (ص702), والفَلُوُّ ولد
الفرس سمي بذلك لأنه فلا عن أمه أي فصل, والفصيل ولد الناقة إذا فصل من رضاع أمه)
وهكذا يتضاعف الأجر للإنسان على إنفاقه مالَه في سبيل الله تعالى أضعافًا كثيرة في
الآخرة, فلو نظر الإنسان إلى مشروع تجاري يدفع فيه قليلا من المال ثم يحصل بعد ذلك
على الكثير بشكل مضمون لكان كل عاقل يسعى إلى المشاركة في ذلك المشروع, مع أنه كسب
دنيوي في حياة قليلة الأمد لايعرف الإنسان مدة بقائه فيها , فكيف إذا كان الغرض
لدفع مبلغ من المال من أجل الله سبحانه لمواساة المحتاجين وكشف الضرر عن المتضررين
في مقابل الحصول على أضعاف مضاعفة في دار خلود نعيمها لايمكن تصور عظمته وجلاله ؟
ويبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل المنفقين في سبيل الله تعالى بقوله "
الأيدي ثلاثة , فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها , ويد السائل السفلى , فأعطِ
الفضل ولاتَعْجز عن نفسك" أخرجه أبو داود رحمه الله تعالى من حديث مالك بن نضلة
الجشمي رضي الله عنه.( سنن أبي داود , رقم 1649, الزكاة (2/298) ] وأخرج مسلم رحمه
الله نحوه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما [صحيح مسلم , رقم 1033 , الزكاة
(ص717))
فهذا الحديث فيه إشادة كبيرة بالمتصدقين حيث رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم
منـزلتهم وشرَّفهم بالذكر مع الله تعالى .
وإنما جاز المتصدق تلك الدرجة العالية في الآخرة لأنه قد استعلى على نفسه في الدنيا
فكبح جماحها وألزمها إنفاق المال وهي تحب إمساكه , فكان جديرا بالرفعة والتقدم .
أما السائل فإن يده هي السفلى لأنه تحوَّل نحو الاتجاه الآخر , فهناك نقطة يبدأ
منها العلو, وفي درجات هذا العلو يسمو المتصدقون على قدر إخلاصهم وبذلهم , وهناك
نقطة يبدأ منها السفول, فإذا توجه الإنسان نحو السؤال فإنه يكون قد توجه نحو
الانحدار إلى الأسفل فَعَمَلُ السائل والمتصدق متناقضان , فالسائل يأخذ والمتصدق
يعطي , فلهذا صارت عاقبتهما التناقض, حيث صار المتصدق في العلو وصار السائل في
السفل.
ثم جاء توجيه النبي صلى الله عليه وسلم للمسلم بأن يعطي ما زاد عن حاجته من ماله
لمن هم بحاجة إليه من المسلمين وحيث إن إخراج المال يحتاج إلى مجاهدة مع النفس التي
تميل نحو إمساك المال والاعتزاز به فإن النبي صلى الله عليه وسلم يوجه المسلم إلى
العزم الأكيد نحو الصدقة , والحزم الشديد في مقاومة رغبات النفس وميولها .
وقد أخذ الصحابة رضي الله عنهم بهذا التوجيه النبوي , وممن اشتهروا بذلك معاذ بن
الحارث رضي الله عنهما.( هو معاذ بن الحارث بن رفاعة بن الحارث الأنصاري شهد أبوه
بيعتي العقبة وبدرا ,واشتهر معاذ بنسبته إلى أمه عفراء.)
قال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى : وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان
ابن عفراء لايدع شيئا إلا تصدق به , فلما وُلد له استشفعت إليه امرأته بأخواله ,
فكلموه وقالوا له: إنك قد أعَلْتَ فلو جمعت لولدك , قال: أبَتْ نفسي إلا أن أستتر
بكل شيء أجده من النار فلما مات ترك أرضا إلى جنب أرض رجل, قال عبد الرحمن – وعليه
ملاءة صفراء ماتساوي ثلاثة دراهم - : ما يسرني الأرض بملاءتي هذه , فامتنع ولي
الصبيان , فاحتاج إليها جار الأرض فباعها بثلاثمائة ألف .( صفة الصفوة 1/472
.)
فهذا معاذ بن الحارث رضي الله عنهما يتصدق بكل ماوقع تحت يده ماعدا القوت الضروري,
وهذا من أعلى أنواع الكرم , وقد كان الدافع له إلى هذا الكرم النادر طلب مغفرة
الذنوب والعتق من النار .
ولما كان معاذ بن عفراء قد وكل أمر أولاده إلى الله عز وجل ولم يمسك ماله من أجلهم
فإن الله تعالى قد عوضهم من بعده بارتفاع قيمة تلك الأرض التي لم تكن تساوي في
حياته إلا القليل.
كما كان الصحابة يهتمون بحسن الخاتمة التي هي أثر من آثار الصدقة , ومن ذلك ما روي
عن حارثة بن النعمان الأنصاري رضي الله عنه , وذلك فيما أخرجه محمد بن سعد من خبر
محمد بن عثمان عن أبيه : أن حارثة بن النعمان كان قد كُفَّ بصره فجعل خيطا في مصلاه
إلى باب حجرته ووضع عنده مكتلا فيه تمر وغير ذلك , فكان إذا سلَّم المسكين أخذ من
ذلك التمر ثم أخذ على الخيط حتى يأخذ إلى باب الحجرة فيناوله المسكين , فكان أهله
يقولون نحن نكفيك, فيقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن مناولة
المسكين تقي ميتة السوء".( طبقات ابن سعد 3/488 وذكر الحافظ ابن حجر أن هذا الخبر
رواه الطبراني والحسن بن سفيان – الإصابة 1/298 رقم 1532 .)
فهذا الصحابي الجليل كان عظيم الاهتمام بالصدقة ومراعاة المساكين , حيث كان يناولهم
الصدقة بنفسه , وفي ذلك مافيه من النشوة والفرح في رؤية علامات السرور والغبطة على
وجوه الفقراء فلما كُفَّ بصره لم يجعل ذلك عائقا عن القيام بهذه المهمة الجليلة
مكتفيا بسماع أصوات المساكين بالدعاء له الذي يرجو من ورائه الخاتمة السعيدة في
الدنيا والظفر برضوان الله تعالى والسعادة في الجنة .
وهكذا يُخرج الإسلام رجالا يعيشون لمجتمعهم قبل أن يعيشوا لأنفسهم , لأنهم يعتقدون
أن بذل المعروف والإحسان للمسلمين يرفع من رصيدهم الأخروي , وهم إنما يعملون للآخرة
, فإذا كان المال مطية للوصول إلى السعادة الأخروية فما أهون بذله على نفس المؤمن
التقي !! وما أسعد المجتمعات البشرية بالمؤمنين السابقين بالخيرات !!
وللمزيد من بيان أثر الصدقة في حياة المتصدق وأثر الإمساك في حياة الممسك فإن النبي
صلى الله عليه وسلم يضرب لهما مثلا بقوله " مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما
جُنَّتان من حديد قد اضطرَّتْ أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما فجعل المتصدق كلما تصدق
بصدقة انبسطت عنه حتى تغشِّي أنامله وتعفو أثره , وجعل البخيل كلما همَّ بصدقة
قلصتْ وأخذتْ كل حلقة مكانها" قال أبو هريرة رضي الله عنه : فأنا رأيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول بإصبعه في جيبه , فلو رأيتَه يوسِّعها ولا توسَّع " أخرجه
مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.( صحيح مسلم , رقم 1021 , الزكاة (ص
708))
فهذا تعبير عن شعور المتصدق بالراحة النفسية والطمأنينة والفرح الغامر لما يراه من
أثر إنفاقه في حياة الفقراء وقيام المشاريع الخيرية , وعن شعور البخيل الممسك بضيق
النفس وبلبلة الفكر, فهو يرى ما للمنفقين من سمعة طيبة ومحبة بين الناس , ويريد أن
يكون مثلهم ولكن نفسه الأمارة بالسوء تمنعه من الإنفاق وتزيِّن له الاحتفاظ بالمال
فهو يعيش في قلق بسبب فوات السمعة الحسنة التي لاتكون إلا بالإنفاق .
* * *
– توجيهات ومواقف أخلاقية –
– توجيهات ومواقف في التواضع والرحمة –
من مواقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه :
من ذلك ماذكره الحافظ ابن كثير من خبر صالح بن أبي الأسود عمن حدثه أنه رأى عليا قد
ركب حمارًا ودلَّى رجليه إلى موضع واحد , ثم قال: أنا الذي أهنت الدنيا.( البداية
والنهاية 8/5).
وهكذا يشعر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالفرح لانتصاره على نفسه ,
وظهوره بمظهر التواضع أمام الناس وهو خليفة المسلمين .
إن مناصب الدنيا خداعة غرارة , وإن فتنة الجاه بها أعظم من فتنة المال , فلطالما
رأى الناس مسؤولين كانوا متواضعين قبل أن يلوا , فلما تولوا مناصب كبيرة بدأ
التعاظم في نفوسهم شيئا فشيئا , حتى يكون من الصعب في آخر الأمر مخاطبتهم واللقاء
معهم , لكن أولياء الله المتقين كلما ازدادوا رفعة في المناصب الدنيوية زادوا
تواضعا للناس , وشعروا بالسرور وهم يقومون بمظاهر التواضع التي تنفي عنهم صفة
التجبر والكبرياء .
ومن أخبار تواضعه رضي الله عنه مارُوي عنه أنه اشترى تمرًا بدرهم فحمله في ملحفة ,
فقالوا: نحمل عنك يا أمير المؤمنين , قال : لا , أبو العيال أحق أن يحمل.( الزهد
للإمام أحمد / 133 )
فهذا مثل من تواضعه حيث حمل متاعه بنفسه مع كونه أمير المؤمنين ومع كبر سنه , فلم
يَرَ في ذلك مسوِّغًا لقبول خدمة الناس له , وهو بهذا يجعل من نفسه قدوة حسنة
للمسلمين في التواضع, فلو نازعتْ أحدَ الكبراء نفسهُ في تصور العيب من حمل المتاع
فإنه بتذكُّره لموقف أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يزول مافي نفسه من ذلك , ولو
اعترض على أحد المتواضعين معترض فإن له من الاقتداء بأكبر أمير على وجه الأرض مايرد
هذا الاعتراض .
من مواقف أبي هريرة رضي الله عنه :
من ذلك ماذكره الحافظ ابن كثير من خبر ثعلبة ابن أبي مالك أن أبا هريرة أقبل في
السوق يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة مروان فقال : أوسع الطريق للأمير يا ابن أبي
مالك, قال فقلت : أصلحك الله تُلقي هذا , فقال : أوسع الطريق للأمير والحزمة عليه.(
البداية والنهاية 8/114)
فهذا مثل مما كان يقوم به الصحابة رضي الله عنهم من مظاهر التواضع , إما للتهوين من
شأن النفس إذا أرادت أن تطمح لشيء من الجاه والمنـزلة في الدنيا , أو من باب
التعليم والقدوة الحسنة ليثبتوا للناس أن المناصب لاتغريهم , ولاتحملهم على شيء من
العجب والكبرياء .
وقد تكرر هذا المشهد من علي بن أبي طالب وسلمان وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهم
وكلهم كانوا – آنذاك – أمراء , ولقد أثبتوا لمن عاصرهم من التابعين ولمن جاء بعدهم
أنهم أعلى تفكيرًا وأبعد طموحًا من أن تؤثر عليهم مناصب الدنيا , لأنهم إنما أرادوا
الآخرة , ومن أراد الآخرة أهان من أجلها الدنيا .
من
مواقف عبد الله بن سلام رضي الله عنه :
أخرج الإمام أحمد من خبر عبد الله بن حنظلة أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه مرَّ
في السوق وعليه حزمة من حطب , فقيل : أليس الله أعفاك من هذا ؟ قال: بلى , ولكن
أردت أن أدفع به الكبر , سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "لايدخل الجنة
من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ". (الزهد / 182 .)
وهكذا يقوم عبد الله بن سلام رضي الله عنه بتطهير قلبه من مرض من أكبر أمراض
القلوب, حيث يقوم بإذلال نفسه بذلك السلوك الذي قام به حتى لايتطرق إلى قلبه مثقال
حبة خردل من كبر , وكم هو شعور الفرح لديه وهو يمارس ذلك العمل الذي يحس معه بأنه
قد نجح في كبح جماح النفس عن الشرف والجاه الرفيع !!
من مواقف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه :
ذكر الحافظ ابن الجوزي من خبر حبيب بن أبي ثابت قال : خرج ابن مسعود ذات يوم فاتبعه
ناس , فقال لهم : أَلَكُم حاجة ؟ قالوا: لا , ولكن أردنا أن نمشي معك , قال: ارجعوا
فإنه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع.( صفوة الصفوة 1/406 .)
فهذا مثل على تواضع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه , وتعليله المذكور فيه نوع من
الفقه الدقيق لمداخل الضعف في النفوس , وتغليب لجانب حفظ الدين وحمايته , فكم من
مخدوع بتبعيَّة الناس له ووطئهم عقبيه أضر بآخرته ولم يخرج من الدنيا إلا بمقت
الناس واحتقارهم , وعلى فرض محبة الناس للمتبوع فإن ذلك تربية لهم على الذلة
والخنوع .
* * *
– مواقف دعوية من السيرة النبوية –
– مواقف عالية من صبر النبي صلى الله عليه وسلم على الأذى –
لقد تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعو إلى الله في مكة إلى أذى شديد من
زعماء الكفار.
ولقد كان قوي الشخصية شجاعًا في مواجهة هؤلاء الزعماء على الرغم مما كانوا عليه من
قوة معنوية , ومكانة عالية بين العرب , فقد كانوا يقتلون بنظراتهم الحادة وألسنتهم
السليطة كل ضعيف خوار,وكان العرب جميعًا يحترمونهم ويقدرون رأيهم لمكانتهم من خدمة
بيت الله الحرام وجواره.
ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم واجههم بما يكرهون حينما أصروا على باطلهم ,
وتحداهم بما عجزوا عن مقاومته حتى أسقط سمعتهم الوهمية القائمة على الدجل واستغلال
غفلة العقول .
فلم يكن منهم إلا أن ضاعفوا من كيدهم وأذاهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم
والمؤمنين به .
وقد جاءت روايات في بيان ماتعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى , فمن
ذلك :
1 – ماأخرجه ابن إسحاق رحمه الله قال : حدثني يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة
بن الزبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قلت له : ما أكثر مارأيت قريشًا
أصابوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانوا يظهرون من عداوته ؟ قال :
حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يومًا في الحجْر , فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقالوا : ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر ذلك الرجل قط , قد سفه أحلامنا وشتم
آباءنا , وعاب ديننا , وفرق جماعتنا , وسب آلهتنا , لقد صبرنا منه على أمر عظيم ,
أو كما قالوا .
فبينما هم في ذلك إذا طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشي حتى استلم الركن
, ثم مر بهم طائفًا بالبيت , فلما مر بهم غمزوه ببعض القول . قال : فعرفت ذلك في
وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال : ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى
الله عليه وسلم : ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها , فوقف ثم قال: أتسمعون يامعشر
قريش ؟ أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح .
قال: فأخذت القوم كلمته حتى مامنهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع , حتى إن
أشدهم فيه وصاة قبل ذلك لَيَرْفَؤْه بأحسن مايجد من القول , حتى إنه ليقول : انصرف
أبا القاسم, فو الله ماكنت جهولاً .
قال : فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحِجْر
وأنا معهم فقال بعضهم لبعض : ذكرتم مابلغ منكم , ومابلغكم عنه , حتى إذا بادأكم بما
تكرهون تركتموه .
فبينما هو في ذلك طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا إليه وثبة رجل
واحد , وأحاطوا به يقولون : أنت الذي تقول كذا وكذا ؟ لما كان يقول من عيب آلهتهم
ودينهم , فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم أنا الذي أقول ذلك.
قال : فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بجمع ردائه . قال : فقام أبو بكر رضي الله عنه
دونه, وهو يبكي ويقول : أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ! ثم انصرفوا عنه , فإن ذلك
لأشد مارأيت قريشًا نالوا منه قط. (سيرة ابن هشام 1/289 , السير والمغازي /229 .
وأخرج الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق وذكره مثله – مسند أحمد 2/218 _ . وذكره
الهيثمي وقال : وقد صرح ابن إسحاق بالسماع وبقية رجاله رجال الصحيح – مجمع الزوائد
6/16 -. وأخرج الإمام البخاري نحوه مختصرًا – صحيح البخاري رقم 3678 , كتاب فضائل
الصحابة - ).
وأخرجه أبو يعلى والطبراني بنحوه وفيه أن أبا جهل قال : يا محمد ماكنت جهولاً ,
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنت منهم " .
ذكره الهيثمي وقال : وفيه محمد بن عمرو بن علقمة وحديثه حسن , وبقية رجال الطبراني
رجال الصحيح .( مجمع الزوائد 6/16)
2 – أخرج الحافظ أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي بإسناده عن أسماء بنت أبي بكر
أنهم قالوا لها : ما أشدُّ مارأيت المشركين بلغوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم
, فقالت : كان المشركون قعدوا في المسجد يتذاكرون رسول الله صلى الله عليه وسلم
ومايقول في آلهتهم فبينما هم كذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاموا إليه
وكانوا إذا سألوا عن شيء صَدَقهم فقالوا : ألست تقول كذا وكذا ؟ فقال: بلى فتشبثوا
به بأجمعهم .
فأتى الصريخ إلى أبي بكر فقيل له : أدرك صاحبك فخرج من عندنا وإن له غدائر [أي إن
شعر رأسه مفرق إلى غدائر] فدخل المسجد وهو يقول : ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي
الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ؟ قال: فلهوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأقبلوا على أبي بكر , فرجع إلينا أبو بكر فجعل لايمس شيئًا من غدائره إلا جاء معه
, وهو يقول : تباركت ياذا الجلال والإكرام .( مسند الحميدي 1/155 رقم 324 , وعزاه
الحافظ ابن حجر إلى أبي يعلى والحميدي – المطالب العاليه4/192, رقم 4279 – وحسن
إسناده – فتح الباري 7/169- ووثق البوصيري رجاله – هامش المطالب العالية 4/193 -).
وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى هذه الرواية وقال : ولقصة أبي بكر هذه شاهد من حديث
علي أخرجه البزار من رواية محمد بن علي عن أبيه أنه خطب فقال:من أشجع الناس؟
فقالوا: أنت.
قال : أمَا إني مابارزني أحد إلا أنصفت منه , ولكنه أبو بكر , لقد رأيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم أخذته قريش , فهذا يجره وهذا يتلقاه , ويقولون له : أنت تجعل
الآلهة إلها واحدا , فو الله مادنا منه أحد إلا أبو بكر يضرب هذا ويدفع هذا , ويقول
: ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله .
ثم بكى عليّ ثم قال : أُنشِدكم الله أمؤمن آل فرعون أفضل أم أبو بكر ؟ فسكت القوم,
فقال علي : والله لساعة من أبي بكر خير منه, ذلك رجل يكتم إيمانه وهذا يعلن إيمانه
.( فتح الباري 7/169)
وأخرج الإمام أحمد وأبو يعلى من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : لقد ضربوا
رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة حتى غشي عليه فقام أبو بكر فجعل ينادي : ويلكم
أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله فقالوا من هذا : فقالوا : أبو بكر المجنون .
3 – وأخرج الحافظ ابن سيد الناس من حديث عروة بن الزبير قال : حدثني عمرو بن عثمان
بن عفان عن أبيه عثمان بن عفان قال : أكثر مانالت قريش من رسول الله صلى الله عليه
وسلم أني رأيت يوما- قال عمرو : فرأيت عيني عثمان بن عفان ذرفتا من تذكر ذلك – قال
عثمان بن عفان: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويده في يد أبي بكر ,
وفي الحجْر ثلاثة نفر جلوس : عقبة بن أبي معيط , وأبو جهل بن هشام , وأمية بن خلف ,
فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما حاذاهم أسمعوه بعض مايكره , فعُرِف ذلك في
وجه النبي صلى الله عليه وسلم , فدنوت منه حتى وسَطته , فكان بيني وبين أبي بكر,
وأدخل أصابعه في أصابعي حتى طفنا جميعا , فلما حاذاهم قال أبو جهل : والله لانصالحك
ما بَلَّ بحر صوفة وأنت تنهى أن نعبد مايعبد آباؤنا , فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : أنَّى ذلك !
ثم مضى عنهم فصنعوا به في الشوط الثالث مثل ذلك , حتى إذا كان في الشوط الرابع
ناهضوه ووثب أبو جهل يريد أن يأخذ بمجامع ثوبه فدفعته في صدره فوقع على استه , ودفع
أبو بكر أمية بن خلف , ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط , ثم
انفرجوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف , ثم قال : أما والله لاتنتهون
حتى يحل بكم عقابه عاجلا .
قال عثمان : فو الله مامنهم رجل إلا أخذه أَفْكل [الأفكل بفتح الهمزة وسكون الفاء
الرعدة – القاموس المحيط - .] , وهو يرتعد , فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: بئس القوم أنتم لنبيكم , ثم انصرف إلى بيته , وتبعناه خلفه حتى انتهى إلى باب
بيته, ووقف على السُّدَّة ثم أقبل علينا بوجهه فقال : أبشروا فإن الله عز وجل مظهرٌ
دينه , ومُتِمٌّ كلمته وناصر نبيه , إن هؤلاء الذين ترون مما يذبح الله بأيديكم
عاجلا .
قال : ثم انصرفنا إلى بيوتنا , فو الله لقد رأيتهم قد ذبحهم الله بأيدينا .( عيون
الأثر 1/103)
وذكر الحافظ ابن حجر في شرح حديث عبد الله بن عمرو السابق من رواية الزبير بن بكار
والدارقطني في "الأفراد" من طريق عبد الله بن عروة بن الزبير , عن عروة قال: حدثني
عمرو بن عثمان عن أبيه عثمان .. وذكر أوله , ثم قال : " فذكر قصة يخالف سياقها حديث
عبد الله بن عمرو هذا , فهذا الاختلاف ثابت على عروة في السند , ولكن سنده ضعيف ,
فإن كان محفوظًا حمل على التعدد , وليس ببعيد لما سأبينه" ثم قارن بين الروايتين
وقال : وهذا يقوي التعدد .( فتح الباري 7/168)
وهذا يعني أنه إذا كان خبرًا واحدًا فالمعتبر هو حديث عبد الله بن عمرو لأنه أقوى
إسنادًا, وإن حمل على تعدد القصة وهو الذي رجحه الحافظ ابن حجر فإن ضعفه محتمل
للتقوية , وهكذا أورده الحافظ ابن سيد الناس على أنه خبر مستقل .
من هذه النصوص نعرف مدى ماكان المشركون يضمرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم من
عداوة , حيث كانوا يجتمعون على محاربته ويوصي بعضهم بعضا بالوقوف في وجهه , ويلوم
بعضهم بعضا على التقصير في مباداته بالعداء .
وحينما يكون العدو متفرقا أمره ويقاوم أفرادُه الدعوة الوافدة وهم فرادى فإن أمره
يكون ميسورًا إذ بإمكان صاحب الدعوة أن يصل إلى إقناع بعضهم بدعوته وأن يتفادى
عداوة الآخرين بكلمة مودة أو برد حازم يسكت عدوه , فأما حين يجتمع أفراد العدو على
صاحب الدعوة فإن موقفه يكون حرجا أمامهم إذ أن السيادة في مثل هذه الاجتماعات تكون
للدهماء الذين تحركهم عادةً العصبيةُ القبلية والتمسك بالموروثات وإن كانت تتنافى
مع العقل السليم , ولايتمكن صاحب الدعوة – والحالة هذه – من مخاطبة أصحاب العقول
المفكرة .
وقد كان زعماء قريش الذين تغلب هذه الصفات على أصحاب الرأي منهم هم الذين يحتلون
ساحات المسجد الحرام ولايتركون الفرصة لأصحاب العقول المفكرة التي تميل إلى التحرر
من الأوهام والخرافات التي لاتنسجم مع العقول السليمة .. لايتركون لهم الفرصة
ليلتقي بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يسمعوا كلامه فقد قاموا بالحجْر الفكري
على مجتمعهم وطبقوا ذلك بصرامة فائقة حتى كان من يريد السماع من النبي صلى الله
عليه وسلم يضطر إلى التسلل في الخفاء .
ومن هنا كان موقف النبي صلى الله عليه وسلم صعبًا للغاية في معاملتهم وكان لابد له
أحيانًا أن يخرج عن حلمه المعهود ليسلك معهم طريق الحزم والمجابهة كما هو الحال في
الخبر الأول لأن الذين يواجهونه يخاطبونه بعواطفهم الثائرة الحاقدة ولايخاطبونه
بعقول متزنة تدرك مايُلقَى عليها من قول وتفكر فيه.
فلما قال لهم : أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح استكانوا وخضعوا له .
لقد كان زعماء الكفار أولئك يحاولون أن يبنوا لأنفسهم مجدا من خلال جرأتهم على
الرسول صلى الله عليه وسلم وإقدامهم على سبه وإيذائه أمام الجمهور , حيث يظهرون
بمظهر الأبطال الذين لايبالون بسخط النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ولا بسخط
حماتهم من بني هاشم , فكان من المناسب أن يجيبهم النبي صلى الله عليه وسلم بكلام
شديد يهز فيه من شخصياتهم ويسقط فيه من معنوياتهم حتى لايمتدحوا أمام أتباعهم بتلك
المواقف الوهمية , ولقد حصل للنبي صلى الله عليه وسلم ما أراد حيث وجموا لسماع ذلك
الكلام وتكلموا بكلام يحمل معنى الاعتذار عن موقفهم السيء ذلك .
إن اجتماعهم على الباطل يلغي تفكيرهم السليم ويجعلهم ينطلقون من الحماس المتأجج من
العواطف الثائرة , وغالبًا مايكون التفكير والتوجيه من فرد أو أفراد يتزعمون أفراد
المجتمع, فيبقى أغلب الأفراد تابعين لهؤلاء الزعماء من غير تفكير في صواب مادعوهم
إليه من خطئه ولذلك أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم إلى التفكير
المتأمل المتجرد عن فكر الجماعة الذي يهيمن عادة على الأفراد حيث يقول تعالى (قُلْ
إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ
تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم
بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ)[سبأ
:46].
فإذا خلا الإنسان بنفسه ثم تفكر في أمر النبي صلى الله عليه وسلم فإنه سيلغي من
حسابه اتهامه بالجنون وغيره مما ألصقه به الأعداء , وكذلك إذا خلا بصاحبه وقَارَنَا
بين النبي صلى الله عليه وسلم ومن عُرف عنهم الإصابة بهذه التهم , لأن الفكر –
والحال هذه – ينطلق من العقل المتجرد من العاطفة والتبعية للقوى المهيمنة على
العقول فلابد أن يصل إلى النتيجة الصحيحة الموافقة للعقل السليم .
وحينما يخلو الإنسان إلى فكره يخبو نداء العاطفة تدريجيًّا ويرتفع نداء العقل فيصلُ
الإنسان إلى الحكم الصحيح العادل .
وفي هذه الأخبار مواقف رائعة لأبي بكر رضي الله عنه,حيث وقف دون النبي صلى الله
عليه وسلم ودافع الناس عنه وحماه بنفسه حتى انصرف عنه أعداؤه , وفيها بيان لشدة
الأذى الذي تحمله في سبيل ذلك,وهذا دليل على قوة إيمانه وشجاعته النادرة واستهانته
بنفسه في سبيل الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي أحد هذه الأخبار شهادة على شجاعة أبي بكر البالغة يقدمها بطل كبير من أبطال
الإسلام هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي لم تنتكس له راية ولم يقف له أحد في
موقف.
وإنما يدرك فضل أهل الفضل من شاركهم في هذا الفضل , حيث شهد له بالإقدام على مدافعة
المشركين وإنقاذ النبي صلى الله عليه وسلم من بين أيديهم بينما لم يجرؤ غيره على
ذلك , وإن هذا الموقف بقدر مايصور شجاعة أبي بكر وتضحيته فإنه يصور فظاعة المشركين
وعنفهم في الانتقام وقوة شخصياتهم التي أوقفت المؤمنين حتى عن الدفاع عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم .
وإن من مزايا هذه الشهادة الكريمة أنها تم إعلانها على ملأ من الناس, وفي وقت بدأ
فيه بعض الموتورين والجهال بالغضِّ من شأن بعض كبار الصحابة , فأراد علي رضي الله
عنه أن يعدِّل الموازين, وأن ينبئ الناس بأن محبتهم له يجب أن لاتطغى بحيث يترتب
عليها التهوين من شأن كبار الصحابة كأبي بكر وعمر رضي الله عنهم أجمعين .
وإننا حين نبرز حق أبي بكر وفضله كما أعلنه علي رضي الله عنهما فإننا نقدر لعلي هذا
الموقف الكريم المشتمل على التواضع الجمِّ والوفاء الكبير لأخوة له مضوا على درب
الجهاد والدعوة.
وفي الخبر الأخير بيان لموقف عثمان رضي الله عنه حيث دفع أبا جهل عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم حتى أوقعه على الأرض . مع ماكان يتمتع به أبو جهل من مكانة عالية
بين قومه , فرضي الله عن هؤلاء الصحابة الذين صمدوا – مع قلتهم – لأهل الباطل وهم
في أوج عزهم وكثرتهم .
* * *
انتهى
|