|
المتقون - العدد التاسع
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – قبسات من القرآن الكريم .
2 – قبسات من السنة النبوية .
3 – توجيهات ومواقف أخلاقية .
4 – مواقف دعوية من السيرة النبوية .
- قبسات من القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله تعالى (وَلاَ
يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ
خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ{180} لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ
اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ
الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ{181} ذَلِكَ
بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ{182}
الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ
حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ
مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن
كُنتُمْ صَادِقِينَ{183} فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ
جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ{184} كُلُّ نَفْسٍ
ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن
زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ
الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ{185} لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ
وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ
وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ
فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ{186} وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ
فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا
يَشْتَرُونَ{187} لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ
وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ
بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{188} وَلِلّهِ مُلْكُ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{189})
[ آل عمران : 180-189] .
[180] هذه الآية تشتمل على تحذير شديد من البخل بالمال عن الحقوق الواجبة ، فلا
يظنن الذين يبخلون بما أنعم الله تعالى به عليهم من المال تفضلا منه أن هذا البخل
خير لهم ، بل هو شر لهم في آخرتهم ، لأن هذا المال الذي جمعوه وبخلوا عن الإنفاق
منه فيما أوجبه الله تعالى عليهم سيتحول إلى طوق من نار يوضع في أعناقهم يوم
القيامة .
والتحذير في الآية يشمل الامتناع من إنفاق المال في جميع الحقوق الواجبة ، وأهم هذه
الحقوق الزكاة ، وقد رُويتْ فيها بخصوصها أحاديث شريفة منها ما أخرجه الإمام أحمد
من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "
لايمنع عبد زكاة ماله إلا جُعل له شجاع أقرع [أي ثعبان ] يتبعه ، يفر منه وهو يتبعه
، فيقول : أنا كنـزك ، ثم قرأ عبد الله مصداقه في كتاب الله (سَيُطَوَّقُونَ
مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
وقال أحمد شاكر : إسناده صحيح .( مسند أحمد ، رقم 3577 (5/200))
(وَلِلّهِ
مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)
فهو سبحانه مالك كل شيء وهو الحي الذي لايموت والباقي بعد فناء جميع خلقه ، فالذين
يبخلون بأموالهم لن يجدوا منها شيئا يوم القيامة .
(وَاللّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)
فهو سبحانه دقيق العلم بجميع أعمالكم وسيجازي كل إنسان على قدر استحقاقه وعمله .
[185] (كُلُّ
نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ)
فهذه حقيقة لايمكن أن ينكرها أحد لأنها مشاهدة معروفة في حياة الناس ، فكل إنسان
لابد أن يذوق الموت ، ومع هذه الحقيقة فإن أي إنسان لايدري متى يموت ، وما دامت هذه
الحقيقة ماثلة أمام كل إنسان فلابد لكل إنسان أن يفكر في مصيره بعد الموت (وَإِنَّمَا
تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
وتلك الدار الآخرة هي الحياة الخالدة التي لاموت فيها ، وفيها يُوفَّى العاملون
جزاء أعمالهم كاملة .
(فَمَن
زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ)
وإنما تكون الزحزحة عن النار يوم القيامة بالزحزحة عن فعل المعاصي وعن ترك الواجبات
في الدنيا ، فالدنيا قد حفَّت بالشهوات فلا بد لمن يريد أن يفوز بالجنة وأن يزحزح
عن النار من أن يغالب نفسه في الدنيا وأن يحملها ولو بالقوة على الاستقامة على دين
الله تعالى (وَما
الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ)
فالإنسان قد يغتر بزينة الدنيا وبهرجها وهو غافل عن أجله الذي حدد له فيفاجأ بالموت
وهو مغرور بمتاع الدنيا، ولو كان يفكر بعقل سليم لسخَّر دنياه لآخراه التي سيكتب له
فيها الخلود .
[186] (لَتُبْلَوُنَّ
فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ)
يبين الله سبحانه أن طريق الدعوة الإسلامية ليس مفروشًا بالورود وأن من سمات الدعاة
إلى الله تعالى المخلصين المستقيمين على كتاب الله جل وعلا وسنة نبيه صلى الله عليه
وسلم أن يُبتلوا في أموالهم ، وذلك بمثل مايقوم به أعداء الإسلام من مصادرة أموال
المتقين من المسلمين وتعويق أعمالهم التجارية وحرمانهم من حقوقهم المالية ، وأن
يبتلوا في أنفسهم، وذلك بمثل مايقوم به أعداء الإسلام من إيذائهم بأنواع من الأذى
في أنفسهم كالذي جرى على بعض الصحابة رضي الله عنهم ، ومن ذلك ما يجري على بعض
المؤمنين المتقين من إيداعهم في السجون وتعذيبهم وتشريدهم .
(مِنَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى
كَثِيراً)
والذين أوتوا الكتاب هم اليهود والنصارى ، والذين أشركوا هم الذين وقعوا في الشرك
بالله تعالى سواء في ذلك شرك العبادة أو شرك الطاعة ، فالذين يطيعون غير الله تعالى
في معصيته قد وقعوا في الشرك ، وهؤلاء إذا كانت لهم سلطة فإنهم قد يؤذون المؤمنين
المتقين بأنواع الأذى .
والذين أوتوا الكتاب هم في الوقت نفسه مشركون لأن اليهود قالوا : عزير ابن الله ،
ولأن النصارى قالوا : المسيح ابن الله ، ولأنهم جميعا اتخذوا أحبارهم ورهبانهم
أربابا من دون الله ، وذلك لوقوعهم في شرك الطاعة كما سيأتي في آيات سورة التوبة ،
ولكن الله سبحانه ذكرهم بوصفهم الذي اشتهروا به وهو أنهم أهل كتاب للتمييز بينهم
وبين الوثنيين ببيان أن الأذى الذي يحصل على المؤمنين المتقين لايقتصر صدوره من
الوثنيين وإنما يصدر حتى من أهل الكتاب مع أن المظنون بهم – وهم أهل كتاب سماوي –
أن يكونوا أقرب إلى المسلمين وأكثر عطفا عليهم .
وقد أرشدنا الله تعالى في آخر هذه الآية إلى أمرين نستعين بهما على مقاومة ذلك
البلاء والأذى حيث يقول جل وعلا (وَإِن
تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)
فالصبر الطويل الجميل تتبخر حوله كل جهود الأعداء في إثارة المؤمنين المتقين
وإلجائهم إلى ردود الأفعال الذي تضرُّ بهم ويفوت فرصًا سانحة للأعداء لإقحام
المؤمنين المتقين في معارك غير متكافئة ، وهكذا فوَّت رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأصحابه في مكة كل الفرص على الأعداء ، أما التقوى التي تتمثل في طاعة الله تعالى
واجتناب معصيته فإنها أقوى العوامل التي تمنح صاحبها القوة والعزيمة وتجعله في كنف
الله تعالى ونصره وتأييده ، فمن استقام على هذين الأمرين .. الصبر والتقوى فقد أخذ
بالعزم والحزم ولجأ إلى ركن ركين .
[178] (وَإِذَ
أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ
وَلاَ تَكْتُمُونَهُ)
:
يعني : واعلم أيها الرسول خيانة أهل الكتاب من اليهود والنصارى إذ أخذ الله تعالى
عليهم العهد المؤكد ليبيِّننَّ اليهود ما في كتابهم التوراة وليبينن النصارى ما في
كتابهم الإنجيل ولايكتمون منه شيئا (فَنَبَذُوهُ
وَرَاء ظُهُورِهِمْ)
يعني خانوا الأمانة ولم يفوا بذلك العهد ، بل أخفوا من كتابيهم كل ما لا يتفق مع
أهوائهم المنحرفة ، ومن ذلك بعثة محمد صلى الله عليه وسلم مستهينين بذلك العهد كحال
من يلقي الشيء وراء ظهره (وَاشْتَرَوْاْ
بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً)
وذلك لاستهانتهم بما أنزل الله تعالى إليهم (فَبِئْسَ
مَا يَشْتَرُونَ)
فبئس الشراء الذي أقدموا عليه في خيانتهم وعدم وفائهم بالعهد وتحريفهم كتاب الله
تعالى .
وهذا التشنيع الذي جاء في هذه الآية على أهل الكتاب ليس خاصا بهم ، بل هو عام في كل
من آتاه الله تعالى علما شرعيا فكتمه أو حرفه مقابل عرض دنيوي ، وفي ذلك يقول قتادة
بن دعامة السدوسي رحمه الله : هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم ، فمن علم شيئا
فليعلِّمه ، وإياكم وكتمان العلم فإن كتمان العلم هلَكة ، ولايتكلفن رجل ما لا علم
له به فيخرج من دين الله فيكون من المتكلفين ، كان يقال : مثل علم لايقال به كمثل
كنز لاينفق منه ، ومثل حكمة لاتُخرج كمثل صنم قائم لايأكل ولايشرب ، وكان يقال :
طوبى لعالم ناطق وطوبى لمستمع واعٍ هذا رجلٌ عَلِمَ علما فعلَّمه وبذله ودعا إليه ،
ورجلٌ سمع خيرا فحفظه ووعاه وانتفع به.( تفسير الطبري 6/296)
فكل من آتاه الله تعالى علما شرعيًا من هذه الأمة الإسلامية فكتمه خوفا من الناس أو
حرَّفه أو داهن في دين الله تعالى فإنه قد شابه اليهود والنصارى ويستحق من العقوبة
ما يستحقون.
[ 188] (لاَ
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ)
هذه الآية تُشدِّد الإنكار على الذين يقومون بعمل المخططات للقضاء على دعوة الإسلام
ودعاته ويشعرون بالسرور والغبطة لمواصلة العمل في ذلك وظهور بعض النتائج المبدئية
التي يبدو فيها نجاحهم (وَّيُحِبُّونَ
أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ)
وذلك بإظهارهم أن لهم دورا في انتصار المسلمين إذا انتصروا على أعدائهم ، كالذي كان
يفعله اليهود والمنافقون في العهد النبوي (فَلاَ
تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ)
فلا تظنن أيها الرسول أنهم بمنجاة من العذاب الدنيوي الذي يسلطه الله تعالى على
أعدائه (وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ)
موجع شديد الألم في الآخرة .
ويدخل في مفهوم الآية كل من أحب أن يُحمد بما لم يفعل ، ومن ذلك الذين يشجعون مدح
الناس لهم وثناءهم عليهم من أجل بث الدعاية لهم وتثبيت سمعتهم ، كأن يوصفوا مثلا
بالعدل وهم ظالمون ، أو يوصفوا بالرحمة والعطف وهم جبارون ، أو أن تنسب إليهم أعمال
غيرهم وهم عنها بعيدون ، لمجرد أنهم أصحاب سلطة ويريد الناس أن يتقربوا إليهم بتلك
المحامد أو أن ينسبوا إليهم تلك الأعمال التي لم يقوموا بها ليصلوا من وراء ذلك إلى
مال أو جاه .. فهؤلاء وأمثالهم من الذين ينطبق عليهم الوعيد المذكور في هذه الآيات
.
وإنما استحق هؤلاء هذا الوعيد الشديد للمفاسد الكثيرة التي تترتب على سلوكهم هذا ..
فمن ذلك أنهم قد ألبسوا أنفسهم لباس الزور والكذب بادعاء ما ليس لهم .. ومن ذلك أن
هذا السلوك المنحرف من الحامدين والمحمودين يوهم الأمة بوجود أمجاد عالية قد استحقت
الثناء عليها والإشادة بها ، وهي أمجاد وهمية لاحقيقة لها ، وذلك يُشغل قطاعا من
قادة الأمة ومسؤوليها عن السعي لتحقيق الأمجاد الحقيقية التي تعود على الأمة بالرقي
والتقدم .
(وَلِلّهِ
مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)
فله وحده جل وعلا ملك السموات والأرض وما بينهما، فأين يذهب الذين يتحدَّون قوته
ويحاربون أولياءه ؟ (وَاللّهُ
عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
فلا يعجزه شيء ، فما نسبة قدرة أعداء الإسلام عند قدرته جل وعلا ؟
* * *
- قبسات من السنة النبوية –
– إحفظ الله يحفظك-
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : فهذه تكملة لبيان حديث وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي
الله عنهما .
فقوله " واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه
الله عليك رُفعت الأقلام وجفت الصحف" يعدُّ تعبيرًا عن قدر الله جل وعلا , وأن جميع
الأشياء النافعة والضارة تجري بقدره تعالى , وأنه لايمكن أن يتم شيء بغير قدره ولو
اجتمع أهل الأرض جميعا على ذلك, وذلك يُشعر الإنسان بالطمأنينة إلى واقعه الذي يعيش
فيه من غنى أو فقر , وصحة أو مرض ونحو ذلك, فيجب أن يُفهم أثر الناس في حصول
الأشياء على أنه سبب لظهور قدر الله سبحانه في عالم الواقع , وبالتالي فإنهم
لايُحمدون على خير ولايلامون على شر إلا بمقدار كونهم سببا في ذلك, لا على أنهم هم
الموجدون له .
وإذا أيقن العبد أن الله تعالى قد كتب له وعليه وهو في بطن أمه رزقه وأجله وشقي أو
سعيد كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما
[يعني نطفة – كما جاء في حديث شعبة – فتح الباري 11/479 - .], ثم علقة مثل ذلك, ثم
يكون مضغة مثل ذلك , ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع : برزقه وأجله وشقي أو سعيد ,
ثم ينفخ فيه الروح" [صحيح البخاري ، رقم 6594، القدر (11/477) ، صحيح مسلم ، رقم
2643 ، القدر (ص2036).] إذا أيقن العبد بذلك فإنه لايطلب الرزق والهداية إلا من
الله تعالى , ويعلم أنه لن يتأخر ساعة ولن يتقدم عن أجله الذي قدره الله سبحانه له
.
وقوله " جفت الأقلام وطويت الصحف" تعبير بليغ عن انتهاء تقدير الأقدار منذ الأزل
وأنها لن تتغير ولن تتبدل .
والإيمان بقدر الله تعالى على هذا النحو يبعث على الشجاعة والإقدام على المخاطر ,
لأن الذي يدفع إلى التردد والجبن هو الخوف على النفس ورجاء البقاء مدة أطول في هذه
الحياة , فإذا علم الإنسان أن أجله محدد فإنه يدرك أن إقدامه على المخاطر لن يقدم
من أجله وأن إحجامه عنها لن يؤخر ذلك.
كما أن الإيمان بالقدر يبعث على اليقين وذلك بعدم الحزن على ماوقع من المكروه أو
فات من المحبوب , وعدم البطر و الاختيال والفخر بما وقع من المحبوب كما قال الله جل
وعلا (مَا
أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ
مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ{22} لِكَيْلَا
تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا
يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)
[الحديد :22 –23] فقد أخبر الله سبحانه بأن جميع المصائب التي تقع في الأرض وفي
أنفس الناس قد كتبها عنده في كتاب وقدرها قبل أن تقع ليكون يقين الناس بذلك دافعا
لهم إلى عدم الحزن على وجود النقم وعدم الفرح بوجود النعم الذي يؤدي إلى الفخر على
الناس والخيلاء .
ومما يؤدي إلى عدم الحزن على المصائب شعور المصاب بها بأن عاقبتها خير له في دينه
وأخراه بما يثاب عليه من الرضا بقضاء الله تعالى وقدره والصبر على المكروه .
وقوله " تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة " قال الحافظ ابن رجب رحمه الله
تعالى : يعني أن العبد إذا اتقى الله وحفظ حدوده وراعى حقوقه في حال رخائه فقد تعرف
بذلك إلى الله وصار بينه وبين ربه معرفة خاصة فعرفه ربه في الشدة ورعى له تعرُّفه
إليه في الرخاء فنجاه من الشدائد بهذه المعرفة , وهذه معرفة خاصة تقتضي قرب العبد
من ربه ومحبته له وإجابته لدعائه , فمعرفة العبد لربه نوعان : أحدهما المعرفة
العامة وهي معرفة الإقرار به والتصديق والإيمان , وهي عامة للمؤمنين , والثاني
معرفة خاصة تقتضي ميل القلب إلى الله بالكلية والانقطاع إليه والأنس به والطمأنينة
بذكره والحياء منه والهيبة له , وهذه المعرفة الخاصة هي التي يدور حولها العارفون .
قال : ومعرفة الله أيضًا لعبده نوعان : معرفة عامة وهي علمه تعالى بعباده واطلاعه
على ما أسرُّوه وما أعلنوه , كما قال (وَلَقَدْ
خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ)
[ق:16] وقال (هُوَ
أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ)
[النجم:32] والثاني معرفة خاصة وهي تقتضى محبته لعبده وتقريبه إليه وإجابة دعائه
وإنجاؤه من الشدائد .
قال : وخرَّج الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال : "من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء" .
قال : وخرَّج ابن أبي حاتم وغيره من رواية أبي يزيد الرقاشي عن أنس رضي الله عنه أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن يونس عليه الصلاة والسلام لما دعا في بطن الحوت
قالت الملائكة عليهم السلام: يارب هذا صوت معروف من بلاد غريبة فقال الله عز وجل :
أما تعرفون ذلك ؟ قالوا : ومن هو : قال: عبدي يونس , قالوا : عبدك يونس الذي لم يزل
يُرفع له عمل متقبَّل ودعوة مستجابة ؟ ! قال: نعم , قالوا : يارب أفلا ترحم ماكان
يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء ؟ قال: بلى , قال : فأمر الحوت فطرحه في العراء "
.
قال : وقال الضحاك بن قيس : اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة , إن يونس عليه
الصلاة والسلام كان يذكر الله تعالى , فلما وقع في بطن الحوت قال الله تعالى :
(فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ{143} لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى
يَوْمِ يُبْعَثُونَ)
[الصافات :143 –144] - وإن فرعون كان طاغيا ناسيا لذكر الله , فلما أدركه الغرق
قال: آمنت , فقال الله تعالى (آلآنَ
وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)
[يونس :91] [جامع العلوم والحكم / 165 – 166] .
قولـه " واعلم أن في الصبر على ماتكره خيرا كثيرا" في هذا بيان للمقام الثاني من
مقامات مواجهة الأقدار المؤلمة , وهو الصبر على البلاء , وذلك فيما إذا لم يتحقق
للإنسان المقام الأول وهو الرضا بقدر الله تعالى , وهذا المقام مبني على اليقين
التام بأن ماجرى هو بقدر الله سبحانه , وعلامة الرضا السرور بما جرى والفرح بما
يترتب عليه من الأجر الجزيل , والرضا بقضاء الله وقدره هو الكمال, أما المقام
الثاني وهو الصبر على البلاء فهو واجب على المسلم لأن عدم الصبر يعدُّ تسخطا
واعتراضا على قدر الله سبحانه .
وقوله " واعلم أن النصر مع الصبر " واضح من النصوص الشرعية الكثيرة كقول الله تعالى
(وَإِن
تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً)
[آل عمران :120] وقوله (وَاصْبِرُواْ
إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)
[الأنفال :46] وقول رسول الله ? في غزوة أحد "واعلموا أن لكم النصر ماصبرتم" , كما
هو واضح من واقع المعارك الإسلامية كبدر ومؤتة واليرموك والقادسية .
وقولـه " وأن الفرج مع الكرب " يعني أن نزول الفرج من الله تعالى يكون عند اشتداد
البلاء, وهذا يعطي المسلم أملاً في عدم اليأس من رحمة الله تعالى .
" وأن مع العسر يسرا " فالعسر لايدوم على المؤمنين وإن طال فإن نهايته اليسر من
الله تعالى.
* * *
- توجيهات ومواقف أخلاقية –
- توجيهات ومواقف في التواضع والرحمة -
- من مواقف أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه -
من ذلك ماأخرجه الحافظ ابن عساكر من خبر عمر المخزومي قال: نادى عمر بن الخطاب
بالصلاة جامعة , فلما اجتمع الناس صعد المنبر , فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله
وصلى على نبيه – عليه الصلاة والسلام – ثم قال : أيها الناس لقد رأيتني أرعى على
خالات لي من بني مخزوم, فيقبضن لي القبضة من التمر أو الزبيب , فأظل يومي , وأي يوم
, ثم نزل , فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : ياأمير المؤمنين مازدت على أن
قميت نفسك – يعني عبت, فقال: ويحك يا ابن عوف , إني خلوت فحدثتني نفسي قالت: أنت
أمير المؤمنين فمن ذا أفضل منك ؟ فأردت أن أعرفها نفسها .( تاريخ دمشق 44/314 –
315)
فهذا السلوك قد جرى أيضًا من صحابة آخرين , وهذا شاهد على أن الصحابة رضي الله عنهم
كانوا يحاسبون أنفسهم حتى على الخطرات , وأنهم يحافظون على مستوى إيمانهم , فيسعون
إلى زيادته بالطاعات , ويَحذرون من نقصه بالمخالفات , حتى لو كان ذلك من هواجس
النفس التي لم يترتب عليها عمل .
إنهم أطباء القلوب الماهرون في علاج أمراضها , ولما كان الإعجاب بالنفس من الأمراض
الخطيرة فإن علاجه عندهم هو محاولة إذلال النفس أمام الناس ليكون المؤمن بريئا حتى
من الهواجس وإيحاءات الضمير .
فلله دَرُّهُم ما أدق ملاحظاتهم !!
وما أقدرهم على كبح جماح نفوسهم !!
وفي هذا المعنى أخرج الحافظ ابن عساكر أيضًا من خبر سعيد بن المسيب قال: حج عمر
فلما كان بَضَجْنَان قال: لا إله إلا الله العلي العظيم المعطي ماشاء لمن شاء , كنت
أرعى إبل الخطاب بهذا الوادي في مدرعة صوف , وكان فظّا , يتعبني إذا عملت , ويضربني
إذا قصّرت, وقد أمسيت ليس بيني وبين الله أحد , ثم تمثل :
لاشـيء مما ترى تبقى بشاشته يبـقى الإله ويُودي المال والولد
لم تغن عن هرمز يومًا خـزائنه والخلدَ قد حاولتْ عاد فماخلدوا
ولاسليمان إذ تجري الـرياح له والأنـس والجن فيمـا بينهم بُرُدُ
أين الملوك التي كـانت نواهلها من كـل أَوْب إليها راكب يفدُ
حوض هنالك مورود بلا كذب لابد من ورده يومًا كما وردوا
(تاريخ دمشق 44/316)
فهذا مثل من تواضع أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وشكره لله تعالى, حيث ذكر ماضيه
يوم أن كان راعي إبل ثم أصبح راعي أعظم أمة على وجه الأرض , وقد تمثل بهذه الأبيات
الشعرية التي تُذكِّر بعدم الخلود لشيء في هذه الحياة الدنيا مهمابلغ من الرفعة
والقوة , وإن في ذلك لعبرة وذكرى لصاحب العقل السليم , حتى لايغتر بما لديه من جاه
وقوة , فإن مصير ذلك إلى الزوال .
ومن ذلك ما أخرجه المؤرخ عمر بن شبَّة النميري من خبر نُعيم بن هزّال رضي الله عنه
قال قال عمر رضي الله عنه : تجدُ الرجل يلبس الصوف لو ظُلم ما انتصر وإنَّ قلبه في
ذلك لمملوء كبرًا وإعجابًا , وإنك لتجد الرجل يتجمل في ثيابه وفي كثير من أمره وإن
في قلبه الخشوع والتواضع , وذلك أملك التواضع بالعبد .( تاريخ المدينة المنورة لابن
شبة / 856)
ففي هذا الخبر بيان أهمية التواضع , وأن الحكم على الناس ينبغي أن يكون منطلقًا من
أخلاقهم وأعمالهم , لا من مجرد مظاهر النسك والعبادة فيهم , فالعبادة إذا أثمرت
التخلق بالغرور والإعجابَ بالنفس والتكبر على الخلق ولم تثمر التخلق بالتواضع
والاستقامة في السلوك فإنها عبادة ينقصها الخشوع وحضور القلب مع الله تعالى .
إن من أهم فوائد الشعائر التعبدية أنها تربي المسلم في الدنيا على استقامة السلوك
والتخلق بمكارم الأخلاق , وتوصل في الآخرة إلى رضوان الله جل وعلا ورفعة الدرجات في
الجنة , فإذا كانت تؤدي إلى مساوئ الأخلاق , من الغرور والكبر والإعجاب بالنفس فإن
صاحبها قد خسر خسرانًا مبينا وظلم نفسه ظلما كبيرًا .
ومن أمثلة تواضع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وشكره لنعمة الله تعالى
ماأخرجه الحافظ ابن عساكر من خبر قتادة السدوسي قال: كان عمر بن الخطاب يلبس وهو
أمير المؤمنين جبة صوف مرقوعة , بعضها بأدم [أي مرقوعة بجلد], ويطوف الأسواق على
عاتقه الدرة [بكسر الدال العصا] يؤدب الناس بها , ويمر بالنكث [بكسر النون الغزل
المنقوض] والنوى فيلتقطه , ويلقيه في منازل الناس لينتفعوا بذلك. ( تاريخ دمشق
44/303 .)
من مواقف عثمان رضي الله عنه :
ذكر الحافظ ابن عساكر من خبر عبد الله الرومي قال : كان عثمان بن عفان يأخذ وضوءه
لنفسه إذا قام من الليل , فقيل له : لو أمرت الخادم فكفتْك ! قال: لا,الليل لهم
يستريحون فيه .( تاريخ دمشق 39/236 ، والوضوء بفتح الواو الماء الذي يتوضأ به)
فهذا مثل من اتصاف أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه بالرحمة , فهو مع كبر سنه وعلو
منـزلته الاجتماعية يخدم نفسه في الليل ولايوقظ الخدم , وإن وجود الخدم من تسخير
الله تعالى للمخدومين , وإن مما ينبغي للمسلم الذي سخر الله تعالى له من يخدمه أن
يتذكر أن الخادم إنسان مثله له طاقة محدودة في العمل , وله مشاعر وأحاسيس فينبغي له
أن يراعي مشاعره, وأن ييسر له الراحة الكاملة في النوم , وأن لايشق عليه بعمل .
* * *
- مواقف دعوية من السيرة النبوية –
- مثل من ثبات النبي ? –
(شكوى قريش لأبي طالب الأولى)
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله سرًّا في بداية بعثته إلى أن
اجتمع حوله عدد من أصحابه فأمره الله تعالى بأن يجهر بالدعوة (فَاصْدَعْ
بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)
[الحجر: 94] وأمره بأن يبدأ بإنذار أقاربه (وَأَنذِرْ
عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)
[الشعراء :214] فأنذر وبشر وجمع بين الدعوة إلى المعروف والنهي عن المنكر , الدعوة
إلى عبادة الله وحده والتخلق بمكارم الأخلاق, والدعوة إلى نبذ عبادة الأصنام التي
هي أعظم المنكر وكذلك التخلي عن مساويء الأخلاق .
فلما عاب أصنام المشركين وسفه أحلامهم بعبادتها عرفوا أنه لن يَبْقَى على ماهو عليه
من دينه ويتركهم على ماهم عليه من المنكر فناصبوه العداء وحاولوا تفريق المؤمنين
بدعوته بكل ماأوتوا من قوة وحيلة .
ولما رأوا صلابة إيمان أتباعه وأن أمره صار ينتشر بين جميع طبقات المجتمع بسرعة
وقوة حاولوا التأثير عليه ليترك دعوته أو يغير من أسلوبها في النكير عليهم وتسفيه
أحلامهم .. حاولوا ذلك بالترغيب أحيانًا وبالترهيب أحيانًا أخرى ولكن حال دون
وصولهم إلى أغراضهم صلابته في إيمانه وعطف عمه أبي طالب عليه ودفاعه عنه وتهديده
لقريش إن وصلوا إليه بالأذى .
فلما رأى كفار قريش أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لن يهون أمام تهديداتهم ولن يلين
أمام إغراءاتهم وأن عمه أبا طالب قد قام دونه وحماه , وأن أتباعه يتمسكون بدعوته
بقوة ويزيد عددهم بسرعة ذهب بعض أشرافهم إلى عمه أبي طالب لبيان أمره والشكوى منه .
قال محمد بن إسحاق رحمه الله : فلما بادى رسول صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام
وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه – فيما بلغني – حتى ذكر
آلهتهم وعابها , فلمافعل ذلك أعظموه [أي شق ذلك عليهم] وناكروه وأجمعوا خلافه
وعداوته إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام وهم قليل مستخفون .
وحَدِب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه , ومضى رسول
الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله مظهرًا لأمره لايرده عنه شيء ,فلما رأت قريش
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لايُعتبهم [أي لا يزيل عتبهم بالرجوع عما أنكروه]
من شيء أنكروه من فراقهم وعيب آلهتهم ورأوا أن عمه أبا طالب قد حَدبَ عليه وقام
دونه فلم يسلمه لهم مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب –وذكر أسماءهم – فقالوا :
ياأبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا , فإما
أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه فإنك على مثل مانحن عليه من خلافه فنكفيكه ,
فقال لهم أبو طالب قولاً رقيقًا وردهم ردًّا جميلاً فانصرفوا عنه .
قال : ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ماهو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه ,
ثم شرى الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا , وأكثرت قريش ذكر رسول الله
صلى الله عليه وسلم بينها فتذامروا فيه, وحض بعضهم بعضًا عليه ثم إنهم مشوا إلى أبي
طالب مرة أخرى فقالوا له : يا أبا طالب إن لك سنًّا وشرفًا ومنزلة فينا , وإنا قد
استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا , وإنا والله لانصبر على هذا من شتم آبائنا
وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يَهلَك أحد
الفريقين – أو كما قالوا – ثم انصرفوا عنه فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ,
ولم يطب نفسًا بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولا خذلانه.
قال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حُدِّث أن قريشًا
حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له :
ياابن أخي إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا , للذي كانوا قالوا له فَأَبْقِ
عليّ وعلى نفسك ولاتُحَمِّلني من الأمر مالا أطيق.
قال : فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بَدَاء [أي ظهر له فيه
رأي جديد] وأنه خاذله ومُسْلِمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه , فقال له رسول
الله صلى الله عليه وسلم : ياعم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على
أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ماتركته .
قال : ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى , ثم قام , فلما ولَّى ناداه
أبو طالب فقال: أقبل يا ابن أخي , قال:فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فو الله لاأسلمك لشيء أبدًا.( السيرة النبوية
لابن هشام 1/261 – 264 .)
وأخرجه الأئمة البخاري في التاريخ الكبير والحاكم والبيهقي , وذكره الهيثمي من
رواية الطبراني وأبي يعلى بنحوه , كلهم من حديث عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه وفيه
أن النبي صلى الله عليه وسلم حلَّق ببصره إلى السماء فقال : فما أنا بأقدر على أن
أدع ذلك منكم على أن تستشعلوا منها شعلة, فقال أبو طالب : والله ماكذَّبتُ ابن اخي
قط فارجعوا .
وقال الحافظ الهيثمي : ورجال أبي يعلى رجال الصحيح [التاريخ الكبير 7/51 رقم
230،المستدرك 3/577 ، دلائل النبوة للبيهقي 2/186 – 187 ،مجمع الزوائد 6/14] وذكره
الحافظ ابن حجر وقال: هذا إسناد صحيح . ( المطالب العالية 4/192 رقم 4278 ).
في هذا الخبر بيان لشدة المواجهة وعنف المقاومة التي كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يلقاها من قومه , حيث استخدم أشراف قومه مختلف الوسائل للتأثير على عمه أبي
طالب ليرفع عنه حمايته , فذكَّروه بشرف الآباء والأجداد وهو من المقتنعين بالتمسك
بما عليه الأسلاف وذكروه بقدسية الآلهة وهو ممن يعظمونها , ثم هددوه بالحرب بينهم
وبينه وهو ممن يكره ذلك , كما حاولوا التلطف معه بالثناء عليه فذكروا شرفه ومنزلته
فيهم ليؤثروا عليه فيستجيب لشكايتهم .
ولقد كان موقفًا صعبًا ومحرجًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوقع عمه الذي
ناصره وحماه في هذا المأزق المحرج , حيث بقي أبو طالب في حيرة من أمره فهو لايريد
أن يبادىَ قومه بالعداء ولكنه أيضًا لايريد أن يُسْلم رسول الله صلى الله عليه وسلم
لهم ولا أن يخذله , ولكن إخراج عمه من هذا المأزق يقتضي أن يتنازل عن دعوته وأن
يوافق الكفار على تعظيم الأصنام وتفخيم ميراث الآباء وهذا أمر مستحيل , لذلك كان
موقف النبي صلى الله عليه وسلم حازمًا وحاسمًا حينما استدعاه عمه وفاوضه في التنازل
عن دعوته الكاملة إبقاء عليه وعلى نفسه , حيث بين لعمه أن هذا مستحيل كاستحالة
إنزال الشمس والقمر ووضعهما في يديه صلى الله عليه وسلم .
وإن هذا لموقف عظيم من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث وقف وهو في قلة من أنصاره
يتحدى زعماء قريش وهم في عزهم وغناهم ومكانتهم العالية في العرب , وقد بين صلابته
في التمسك بهذا الدين ودعوة الناس إليه مهما تكن الظروف , ومهما وُضع في طريقه من
عقبات , وأنه على استعداد كامل لأن يقدِّم نفسه رخيصة في سبيل هذا الدين , فضرب
بذلك المثل العالي لأمته والقدوةَ الكاملة للدعاة إلى الله تعالى في تسخير نفسه بكل
طاقاتها لخدمة دعوته ولو أدى ذلك إلى هلاكها.
فليسر على دربه المؤمنون المتقون في بذل الجهد في الدعوة وتحمل كل مايواجههم من
صعوبات ونكبات فإن لهم فيه صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة .
هذا وإن تلك الدموع الغالية التي تحدرت من عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين
لنا خطورة الموقف وصعوبة الأمر عليه , حيث كان بين أمرين كل واحد منهما شاق على
نفسه , لكن إيقاع عمه في الحرج أهون عليه كثيرًا من التنازل عن دعوته , بل لامقارنة
بين الأمرين لأن أحدهما صعب والآخر مستحيل .
وإنه من أجل الخروج من هذا المأزق وإصدار القرار السامي الذي لاخيار له فيه فإنه
لابد لصاحب النفس الكريمة التي بلغت نهاية الكمال البشري في السمو الأخلاقي أن يعبر
عن أساه واسفه لصاحب المعروف الكبير عليه أن أوقعه في حرج كبير وأدخله في معركة
حامية مع قومه, في الوقت الذي كان يتوسل إليه أن لايوقعه في ذلك , فكانت الدموع
الزكية أبلغ تعبير عن ذلك الأسى والأسف .
إن دموع فحول الرجال الأشداء غالية , وتكون أشد غلاء حينما تنحدر من عيني من بلغ
الكمال في كل معاني الرجولة , وإن غلاء تلك الدموع ليصور لنا جسامة المسؤولية التي
تحملها رسول الله صلى الله عليه وسلم واستهان من أجلها بكل ما تعارف عليه البشر من
الأخلاق والأعمال التي تتعارض معها .
* * *
انتهت
|