|
المتقون -
العدد الثامن
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – قبسات من القرآن الكريم .
2 – قبسات من السنة النبوية .
3 – توجيهات ومواقف أخلاقية .
4 – مواقف دعوية من السيرة النبوية .
- قبسات من القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله تعالى
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ
يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ
أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ
إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ{118} هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ
يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ
آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ
مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ{119} إِن
تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا
وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ
بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ{120})
[ آل عمران:118-120] .
[118] ينهى الله سبحانه المؤمنين عن أن يتخذوا من غير أهل دينهم أصدقاء أصفياء ,
بحيث يكونون من خاصتهم الذين يطَّلعون على أحوالهم , وقد نزلت هذه الآية في اليهود
الذين كانوا مع المسلمين في المدينة وهي عامة في جميع الكفار , وإنما نهى الله
تعالى المؤمنين عن ذلك لأن اتخاذ الكافرين أولياء وأصفياء مما يدفع المسلم إلى أن
يُفضي لهم بأسراره ولو تعمد الحذر من ذلك, وقد يكون من تلك الأسرار ماهو خطر على
كيان الدولة الإسلامية.
ثم علل سبحانه هذا النهي بقوله (لاَ
يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً)
أي لايقصرون في إهلاككم وإيقاع الفساد بينكم بل يبذلون في ذلك وسعهم .
ثم ذكر سبحانه الدليل على كونهم يضمرون العداوة للمؤمنين ويبذلون جهدهم في الإفساد
بينهم بقوله (وَدُّواْ
مَا عَنِتُّمْ)
أي تمنوا وقوعكم في المشقة ولحوق الضرر بكم.
(قَدْ
بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ)
أي ومن الأدلة على عداوتهم إياكم أن قلوبهم قد امتلأت من بغضكم فلم يستطيعوا أن
يمنعوا ألسنتهم من التفوه بالكلام القبيح نحوكم, بل فاض هذا البغض الشديد من قلوبهم
حتى بدا على ألسنتهم .
(وَمَا
تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ)
أي وماتخفي صدورهم نحوكم من البغضاء والعدواة أكبر بكثير مما ظهر على ألسنتهم من
الكلام القبيح لأن ماظهر على ألسنتهم إنما هو من فلتات اللسان .
(قَدْ
بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ)
أي قد أوضحنا لكم الدلائل على أن هؤلاء اليهود لايقصرون في إيقاع الفساد بينكم إن
كنتم تدركون مدى تأثير هذه الدلائل على ذلك .
[119] ثم ذكر سبحانه مزيدا من هذه الدلائل بقولـه (هَاأَنتُمْ
أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ)
أي تنبهوا أيها المؤمنون وتيقظوا لأمركم فقد أخطأ منكم من دخل في موالاة هؤلاء
المنافقين من اليهود فإنهم لايحبونكم كما تحبونهم بل يضمرون لكم العدواة والبغضاء .
(وَتُؤْمِنُونَ
بِالْكِتَابِ كُلِّهِ)
يعني بجميع الكتب التي أنزلها الله جل وعلا على رسله عليهم السلام , ومن ذلك
التوارة قبل تحريفها .
ثم بين سبحانه أن هؤلاء اليهود يكفرون بالقرآن الكريم وإن كانوا يتظاهرون بالإيمان
به نفاقًا حيث قال تعالى (وَإِذَا
لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ
الْغَيْظِ)
أي وإذا لقيكم هؤلاء المنافقون من اليهود أظهروا لكم الإيمان بدينكم , وإذا خلا
بعضهم إلى بعض بحيث لا ترونهم عضوا لأجلكم أطراف أصابعهم من شدة الغضب عليكم ,
فأظهروا بذلك مكنونات ضمائرهم نحوكم من التأسف والتحسر على ما أنتم عليه من اجتماع
الشمل واتحاد الكلمة .
(قُلْ
مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ)
أي فليشتد غيظكم والْتتضاعفْ حسرتكم فإن ما سبب لكم الغيظ من اجتماع شمل المسلمين
وانتصارهم على أعدائهم سيقوي ويشتد , فهذا تحسير لهؤلاء المنافقين ببيان أن ما سبب
لهم الغيظ سيستمر ويقوي وسيرون من عز المسلمين مايموتون منه كمدًا وحسرة .
(إِنَّ
اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)
فلا تظنوا أيها المنافقون أن أمركم سيخفى على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين
فإن الله معهم , ولئن لبَّستم على المؤمنين وأخفيتم حقيقتكم عنهم فإنكم لن تستطيعوا
أن تستخفوا من الله لأنه عالم بمكنونات ضمائركم فهو يعلم سعيكم في إيقاع الضرر بين
المؤمنين وبغضكم إياهم , ولن تستطيعوا أن تنالوا من المؤمنين شيئا لأن الله سبحانه
يكشف أمركم لهم .
[120] ثم بين سبحانه أن هؤلاء المنافقين يفرحون بمصاب المؤمنين ويسوؤهم عزهم
وانتصارهم حيث قال تعالى (إِن
تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ)
وذلك كانتصاركم على الأعداء وازدياد قوتكم وأنصاركم (وَإِن
تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا)
وذلك كإصابتكم في المعارك وكوقوع الخلاف بينكم .
وإن بغضهم الشديد هذا للإسلام وأهله سيكون له أثره السيء على المسلمين , إذ أن
أعداءهم هؤلاء سيسعون في إيجاد الخلاف بينهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا , وسيؤلبون
أعداءهم عليهم , ولقد بشر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأن كيد
هؤلاء لن يؤثر عليهم ما التزموا بأمرين مهمين : هما الصبر والتقوى حيث قال تعالى (وَإِن
تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً)
أي وإن تصبروا على مفارقة هؤلاء اليهود مع ما يربطكم بهم من المصالح المادية
المشتركة والصداقات القديمة , وعلى مايصيبكم من الأذى على أيديهم , وتتقوا الله عز
وجل في جميع تصرفاتكم لايضركم كيدهم الذي يدبرونه لكم شيئا من الضرر , لأنكم إذا
صبرتم على مفارقتهم لايجدون طريقًا يدخلون به عليكم , ولن يستطيعوا أن يلحقوا بكم
شيئا من الضرر مادمتم ملتزمين بطاعة الله تعالى لأنه عز وجل قد تكفل بنصر أوليائه
على أعدائه .
(إِنَّ
اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)
فلا يخفى عليه شيء من تصرفاتهم وسيحبط أعمالهم التي يكيدون بها لكم وينصركم عليهم .
هذا وقد تبين من التاريخ الإسلامي أن مصادقة بعض الكفار واتخاذهم من الخاصة الذين
يطلعون على الأسرار من أخطر الأمور التي أودت بحياة المسلمين سواء أكان على مستوى
الأفراد أم على مستوى الدول , ولقد كان ذلك من أسباب سقوط الخلافة العباسية
والخلافة العثمانية , وما يزال كثير من المسلمين يتخذون من أعدائهم بطانة يطَّلعون
على أسرارهم .ويستشيرونهم في أمورهم , بل ويسندون إليهم أحيانًا المهامَّ الكبيرة ,
ولاشك أن ذلك من الأسباب المهمة في وقوع الخلل الكبير في حياة المسلمين الآن .
* * *
-قبسات من السنة النبوية –
– احفظ الله يحفظك -
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد :
فمعنا اليوم حديث جليل يربي المسلم منذ صغره على الإيمان بالله تعالى والاعتماد
عليه, وهو ما أخرجه أبو عيسى الترمذي رحمه الله تعالى من حديث عبد الله بن عباس رضي
الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال: ياغلام إني أعلمك
كلمات : احفظ الله يحفظك , احفظ الله تجده تجاهك , إذا سألت فاسأل الله , وإذا
استعنت فاستعن بالله , واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا
بشيء قد كتبه الله لك , ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه
الله عليك , رُفعت الأقلام وجفت الصحف .
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح.( سنن الترمذي , رقم 2516 , صفة القيامة (4/667)
)
وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل وزاد فيه " تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة"
وزاد أيضا " واعلم أن في الصبر على ماتكره خيرا كثيرا , وأن النصر مع الصبر , وأن
الفرج مع الكرب, وأن مع العسر يسرا ".( مسند أحمد 1/307 .)
وقوله " احفظ الله يحفظك" أي احفظ الله تعالى في دينه يحفظك في دنياك وأخراك, وحفظ
الدين يكون بفهمه كما جاء من عند الله تعالى وتطبيقه على النفس تطبيقا كاملا .
ومما جاء في حفظ الله تعالى عباده المؤمنين ما أخرجه الحافظ الطبراني من حديث أنس
بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يقول الله عز وجل إن من
عبادي من لايُصلِح إيمانه إلا الفقر ولو بسطْتُ عليه أفسده ذلك , وإن من عبادي من
لا يُصلح إيمانه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك , وإن من عبادي من لايُصلح إيمانه
إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك , وإن من عبادي من لايُصلح إيمانه إلا السقم ولو
أصححته لأفسده ذلك , وإن من عبادي من يطلب بابا من العبادة فأكفه عنه لكيلا يدخله
العُجْب , إني أدبر أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم, إني عليم خبير" ذكره الحافظ ابن
رجب .( جامع العلوم والحكم /164 .)
وفي هذا المعنى يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : " إن العبد ليهمُّ بالأمر من
التجارة والإمارة حتى ييسر له , فينظر الله إليه فيقول للملائكة : اصرفوه عنه فإنه
إن يسرته له أدخلته النار فيصرفه الله عنه , فيظل يتطير بقوله سبني فلان وأهانني
فلان , وماهو إلا فضل الله عز وجل" ذكره الحافظ ابن رجب.( جامع العلوم والحكم /163
.)
قال ابن رجب : وقد يحفظ الله العبد بصلاحه بعد موته في ذريته كما قيل في قوله (وَكَانَ
أَبُوهُمَا صَالِحاً)
[الآية :الكهف :82] أنهما حُفظا بصلاح أبيهما , قال سعيد بن المسيب لابنه: لأزيدن
في صلاتي من أجلك رجاء أن أحفظ فيك , ثم تلا هذه الآية , وقال ابن المنكدر : إن
الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده والدويرات التي حوله , فما يزالون في حفظ
من الله وستر .
قال : ومن عجيب حفظ الله لمن حفظه أن يجعل الحيوانات المؤذية بالطبع حافظة له من
الأذى, كما جرى لسفينة مولى النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذكر خبره مختصرا.( المرجع
السابق /163 .)
وقد ذكر خبره الحافظ الطبراني من خبر محمد بن المنكدر أن سفينة مولى رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: ركبت البحر فانكسرت سفينتي التي كنت فيها فركبت لوحا من
ألواحها فطرحني اللوح في أجَمة فيها الأسد فأقبل إليَّ يريدني فقلت : يا ابا الحارث
أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فطأطأ رأسه وأقبل إليَّ فدفعني بمنكبه حتى
أخرجني من الأجمة ووضعني على الطريق, وهَمْهم, فظننت أنه يودعني فكان ذلك آخر عهدي
به .
وأخرجه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي.( معجم الطبراني
الكبير 7/94 رقم 6432 , المستدرك 3/606)
وهذا يدل على قوة توحيد أبي عبد الرحمن سفينة رضي الله عنه حيث شعر حال رؤيته الأسد
بأنه هو وأياه في قبضة الله تعالى , وأنه جل وعلا الذي أودع في الأسد القوة
والشراسة باستطاعته أن يحوِّله حَمَلاً وديعا يتذلل لذلك الرجل الصالح , بل أبلغ من
ذلك أن الأسد قام بما يقوم به الإنسان العاقل من دلالة سفينة على الطريق الموصل إلى
الأمان .
ولقد كان أول ماتبادر إلى ذهن سفينة رضي الله عنه قربه من رسول الله صلى الله عليه
وسلم وما قام به من خدمته فتوسل إلى الله تعالى بهذا العمل الصالح .
وسفينة قد اختلف في اسمه اختلافا كثيرا , وذلك لأنه ألغى اسمه القديم واكتفى بالاسم
الذي سماه به رسول الله صلى الله عليه وسلم , كما ذكر ابن الأثير أنه كان إذا قيل
له ما اسمك؟ يقول: ما أنا بمخبرك سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم سفينة فلا
أريد غيره , وذكر أن أصل تسميته بذلك أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في
سفر , فكلما أعيا بعض القوم ألقى عليه سيفه وترسه ورمحه حتى حمل من ذلك شيئا كثيرا
, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أنت سفينة.( أسد الغابة 2/334)
وقوله " احفظ الله تجده تجاهك" أي احفظ الله تعالى في دينه تجده أمامك في كل أمر
تُقْدم عليه في حياتك, والمقصود بذلك أن الله سبحانه يكون مع أوليائه المؤمنين
بحفظه ونصره وتأييده .
ومما جاء في هذا المعنى قول الله عز وجل لموسى وهارون عليهما الصلاة والسلام (قَالَ
لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)
[طه :46] , وقوله تعالى حكاية عن موسى عليه الصلاة والسلام (قَالَ
كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)
[الشعراء : 62] وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وهما في الغار "ماظنك
باثنين الله ثالثهما , لاتحزن إن الله معنا" .
وقال الله تعالى (إِنَّ
اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ)
[النحل : 128] , قال قتادة بن دعامة السدوسي رحمه الله تعالى : من يتق الله يكن معه
, ومن يكن معه فمعه الفئة التي لاتُغلب والحارس الذي لاينام والهادي الذي لا يضل .
ذكره ابن رجب وقال: كتب بعض السلف إلى أخ له: أما بعد فإن كان الله معك فمن تخاف ,
وإن كان عليك فمن ترجو؟ (جامع العلوم والحكم /164)
وقوله " إذا سألت فاسأل الله" السؤال نوعان : أحدهما في الامور التي لايقدر عليها
إلا الله تعالى , فلا يجوز سؤال غيره فيها لأن ذلك من الشرك الأكبر , مثل سؤال دخول
الجنة والنجاة من النار والشفاء من الأمراض وطلب الرزق .
والثاني : في الأمور التي يقدر عليها البشر كطلب المساعدة في المال أو الجسم أو
الشفاعة في أمر دنيوي فهذا جائز مع مراعاة الاعتقاد بأن البشر وسطاء تجري على
أيديهم الأسباب التي مكَّنهم الله جل وعلا منها وأنه تعالى هو الخالق الرازق النافع
الضار .
وقولـه " وإذا استعنت فاستعن بالله" الاستعانة هي طلب المعونة من الغير في قضاء
الحوائج وتفريج الكربات , وهي أيضا على قسمين :
الأول :
طلب المعونة في الامور التي لايقدر عليها إلا الله تعالى , فهذا لا يطلب إلا من
الله جل وعلا , وطلبه من غيره يُعدُّ من الشرك الأكبر .
والثاني :
طلب المعونة في الأمور التي يقدر عليها البشر فهذا يجوز أن يطلب من البشر مع ملاحظة
الاعتقاد بأن البشر وسطاء تجري على أيديهم الاسباب التي مكَّنهم الله تعالى منها,
وأن المعين الحقيقي هو الله جل وعلا وحده .
* * *
-توجيهات ومواقف أخلاقية –
-توجيهات ومواقف في التواضع والرحمة –
من مواقف الخليفتين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما :
من ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها .. وذكرت خبر غزوة
الأحزاب وبني قريظة وخبر استشهاد سعد بن معاذ رضي الله عنه من أثر الجرح الذي أصابه
.. إلى أن قالت: فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر , قالت: فو الذي
نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حجرتي, وكانوا كما قال
الله عز وجل (رُحَمَاء
بَيْنَهُمْ)
[الفتح :29].( مسند أحمد 6/142)
إننا لنجد في هذا الخبر صورة من تآلف الأرواح بين الصحابة رضي الله عنهم, وبروز
مظاهر الرحمة والعطف في مجتمعهم .
وهو مظهر من مظاهر الحب في الله تعالى والإخاء الإيماني فإن سعد بن معاذ الأنصاري
ليس بينه وبين أبي بكر وعمر قرابة ولانسب إلا نسب الإيمان الذي جمع بين القلوب
المختلفة وكوَّن منها مجتمعا قويا متماسكا , رضي الله عن الصحابة أجمعين .
وهو أيضًا مظهر من مظاهر الاعتراف بفضل ذلكم المؤمن المجاهد حيث تتسلسل أحداث جهاده
على شريط الذاكرة فتنعكس صورتها في تأثر ضاغط تَشِفُّ له النفوس وتتحدر له الدموع.
من مواقف أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه :
ومن مواقف الرحمة والتواضع مارواه أبو عبيد بن سلام بإسناده قال: بينا عمر نِصْفَ
النهار قائل في ظل شجرة , وإذا أعرابية فتوسمت الناس , فجاءته فقالت: إني امرأة
مسكينة ولي بنون, وإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان بعث محمد بن مسلمة ساعيًا
[الساعي هو الذي يجبي الصدقة ويقسمها بين مستحقيها] فلم يعطنا , فلعلك – يرحمك
الله – أن تشفع لنا إليه !
قال : فصاح بيرفأ [يعني غلام عمر] : أن ادْعُ لي محمد بن مسلمة , فقالت: إنه أنجح
لحاجتي أن تقوم معي إليه, فقال: إنه سيفعل إن شاء الله , فجاءه يرفأ فقال : أجب ,
فجاء فقال : السلام عليكم يا أمير المؤمنين , فاستحيت المرأة , فقال عمر : والله
ماآلو [أي ما أقصر] أن أختار خياركم , كيف أنت قائل إذا سألك الله عز وجل عن هذه ؟!
فدمعت عينا محمد , ثم قال عمر : إن الله قد بعث إلينا نبيه صلى الله عليه وسلم
فصدقناه واتبعناه , فعمل بما أمره الله به , فجعل الصدقة لأهلها من المساكين حتى
قبضه الله على ذلك, ثم استخلف الله أبا بكر فعمل بسنته حتى قبضه الله , ثم استخلفني
فلم آلُ أن أختار خياركم, إنْ بعثتك فأدِّ إليها صدقة العام وعام أول , وما أدري
لعلي لا أبعثك , ثم دعا لها بجمل فأعطاها دقيقا وزيتا , وقال : خذي هذا حتى تلحقينا
بخيبر فإنا نريدها , فأتته بخيبر فدعا لها بجملين آخرين وقال : خذي هذا فإن فيه
بلاغا حتى يأتيكم محمد بن مسلمة , فقد أمرته أن يعطيك حقك للعام وعام أول.
فهذا مثل من رحمة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وعطفه على الضعفاء , حيث اهتم
بأمر تلك المرأة المسكينة وعاتب من أجلها محمد بن مسلمة رضي الله عنه , مع أنه لم
يتعمد تركها, ومَثَلٌ من خشية الله تعالى يقدمه محمد بن مسلمة حينما ذكَّره أمير
المؤمنين بالله تعالى فبكى من خشيته .
فما أعظم ذلك المجتمع الذي يتأثر فيه أعلى مسؤول فيه وأحد كبار رجال دولته من أجل
أمرأة مسكينة !!
ومن ذلك ما أخرجه المؤرخ أبو زيد عمر بن شبَّة من خبر زيد بن أسلم عن أبيه : أن عمر
رضي الله عنه استعمل مولًى له يُدعَى هُنَيًّا على الحِمىَ , وقال له : اضمم جناحك
عن الناس, واتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مجابة , وأدخل ربَّ الصُّرَيمة
والغُنَيمة [الصريمة
بالتصغير القطعة من الإبل , والغنيمة بالتصغير القطعة من الغنم],
وإياي ونَعَمِ ابن عوف [النَّعم
هي المواشي والمقصود بها هنا الإبل والغنم],وإياي
ونعم ابن عفان,فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع , وإن رب الغُنَيمة ورب
الصريمة إن تهلك ماشيته جاءني بِبَنيه فقال : يا أمير المؤمنين , أفتاركهم تا لله
لا أبالك [كلمة
مدح معناها لاكافي لك إلا نفسك],
فالماء والكلأ أهون علي من الذهب والوَرِق [يعني
الفضة]
, وايْم الله إنهم لَيَرون أني قد ظلمتهم , وإنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية
وأسلموا عليها في الإسلام , ووالذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل
الله ماحميت عليهم من بلادهم شبرا.[
تاريخ المدينة المنورة /839 – 840]
فهذا مثل من رحمة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه بالفقراء الذين ليس لهم إلا مورد
واحد في الرزق , فإذا قُطع هذا المورد هلكوا , وفي مقارنة عمر بين هؤلاء الضعفاء
والأغنياء دلالة على اهتمامه بشأن الضعفاء وأنه يقدمهم على الأغنياء , وإن كان
هؤلاء من كبار أهل الحل والعقد كعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما .
وهذه النظرة العادلة من أسباب استقامة المجتمع وسلامته من الاضطراب والخلل , لأن
الفقراء ومتوسطي الحال هم القطاع الكبير في المجتمعات , فإذا كان الوالي يهتم
بشأنهم فإنه يضمن شمول حياة الأمن والرخاء في المجتمع , أما الأغنياء فإنهم
يستطيعون أن يُسَيِّروا أمورهم بأموالهم التي تتعدد – عادة – مصادرها .
وهذه النظرة التربوية تعدُّ امتدادًا لمفعول الجهاد الدعوي , حينما قضى المسلمون
على الطبقية السائدة في العالم آنذاك , حيث كان الضعفاء حاشية للأغنياء
يُسَخِّرونهم لما يريدون , وفي ذلك شلل للفكر الإنساني وقضاء على حياة الإبداع
والنبوغ , لأن فكر المجموعة من الناس يكون مرتبطًا بفكر رجل واحد , والذي عمَّق تلك
الطبقية وحوَّلها إلى نظام اجتماعي هو اهتمام المسئولين بالأقوياء وإهمالهم الضعفاء
.
ومن ذلك ما أخرجه المؤرخ أبو زيد عمر بن شبة من خبر فضيل بن زيد الرقاشي قال:
سَرَتْ سريَّة على عهد عمر رضي الله عنه على أرجلهم , فأعيا رجل فأراد أن يقيموا
عليه فرفض أمير السرية فنادى : ياعُمَراه , فمضوا وتركوه , فبلغ ذلك عمر رضي الله
عنه , فكتب إلى أبي موسى [ يعني الأشعري ] رضي الله عنه : أن ابعث إليَّ بالرجل ,
فبعث به إليه فأخذ قناةً فجعل يضربه بها ويقول : يالبَّيكاه , ويقول : يامُهلِك ,
يقول لك الرجل انتظرني فتذهب وتتركه فينادي: ياعمراه ؟ فجعل يعتذر إليه , فقال :
والله لَصلاح رجل من المسلمين أحب إلي من هلاك كذا وكذا من أهل الشرك , وكتب إلى
أبي موسى رضي الله عنه : انظر مُهلِكًا فلا تستعمله ماكنتَ لنا على عمل.( تاريخ
المدينة المنورة /812)
فهذا مثل من رحمة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه بالمسلمين وشفقته عليهم, وهذا
الخبر وأمثاله يدلنا على أن ما اشتهر عنه من الشدة والقوة ليس صفة ملازمة له في كل
أحواله , بل كان شديدًا في محل الشدة وليِّنا في محل اللين .
وقول عمر "لَصلاح رجل من المسلمين أحب إليّ من هلاك كذا وكذا من أهل الشرك" مثال
لعزة المسلم ومقدار قيمته في هذه الحياة .. فأين الذين لايبالون بأرواح المسلمين
ولايطالبون بدمائهم من هذا المثل الأعلى ؟ !
ومن ذلك ما أخرجه المؤرخ أبو زيد عمر بن شبة من خبر زيد بن وهب قال: خرج جيش في زمن
عمر رضي الله عنه نحو الجبل , فانتهوا إلى نهر ليس عليه جسر , فقال أمير ذلك الجيش
لرجل من أصحابه : انزل فابغنا مخاضة نجوز فيها , وذلك في يوم بارد شديد البرد ,
فقال الرجل: إني أخاف إن دخلت الماء أن أموت , فأكرهه فقال : ياعُمَراه ياعمراه ,
ثم لم يلبث أن هلك, فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه وهو في سوق المدينة فقال : يالبيكاه
يالبيكاه , وبعث إلى أمير ذلك الجيش فنزعه , وقال له : لولا أن تكون سنة لأَقَدْت
منك , لاتعمل لي على عمل أبدا .( تاريخ المدينة المنورة /812)
وهكذا تأثر أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لموت ذلك الرجل , حتى همَّ بقتل ذلك
الأمير به تعزيرًا لولا أنه خشي أن يقتدي الولاة به في ذلك , فاكتفى بعزل ذلك
الأمير عن أي عمل في الدولة , وهذا مثل آخر يدل على اتصاف أمير المؤمنين عمر
بالرحمة والشفقة بالأمة .
ومن ذلك ما أخرجه الحافظ ابن عساكر من خبر عبيد الله بن عمر ابن حفص : أن عمر ابن
الخطاب رضي الله عنه حمل قربة على عنقه , فقال له أصحابه : يا أمير المؤمنين ما
حملك على هذا ؟ قال: إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلها.( تاريخ دمشق 44/318)
* * *
-مواقف دعوية من السيرة النبوية –
-مثل من مساومة أهل الباطل وإصرار أهل الحق -
لقد حرص زعماء الكفار على التأثير على النبي صلى الله عليه وسلم ليترك دعوته أو
ليتنازل عن بعضها مما يريدون منه , فمارسوا معه من أجل ذلك أنواعًا من الأذى ,
وجربوا معه ومع أتباعه فتنًا شتى فجربوا فتنة التخويف, فلما لم ينجحوا في التأثير
عليه تحولوا إلى فتنة التأليف فحاولوا مساومته بأنواع من المغريات الدنيوية في
مقابل التنازل منه عما يغيظهم من دعوته .
وقد اجتمعوا يومًا فتشاوروا في أمره , واستقر رأيهم على إرسال واحد منهم لمحاورة
رسول الله صلى الله عليه وسلم وإغرائه بالمغريات المادية التي يتنافس الناس عليها
عادة من أجل أن يتنازل عن تصلبه في دعوته , وأن يترك التعرض لأصنامهم وما استقر
عليه أمرهم مما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم .
وقد انتدب لهذا الأمر عتبة بن ربيعة , وهو معروف عندهم بالحلم والتعقل .
أخرج الإمام البيهقي من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال أبو جهل
والملأ من قريش : لقد انتشر علينا أمر محمد فلو التمستم رجلاً عالمًا بالسحر
والكهانة والشعر فكلمه ثم أتانا ببيان من أمره .
فقال عتبة : لقد سمعت بقول السحرة والكهانة والشعر وعلمت من ذلك علمًا , ومايخفى
علي إن كان كذلك , فأتاه , فلما أتاه قال له عتبة : يامحمد أنت خير أم هاشم, أنت
خير أم عبد المطلب , أنت خير أم عبد الله ؟ فلم يجبه .
قال: فبم تشتم آلهتنا وتضلل آباءنا ؟ فإن كنت إنما بك الرئاسة عقدنا ألويتنا لك
فكنت رأسنا مابقيت , وإن كانت بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختار من أي أبيات قريش
شئت, وإن كان بك المال جمعنا لك من أموالنا ماتستغني بها أنت وعقبك من بعدك , ورسول
الله صلى الله عليه وسلم ساكت لايتكلم .
فلما فرغ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (حم{1}
تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ{2} كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً
عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ{3} بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ
فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ{4} وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا
إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ
إِنَّنَا عَامِلُونَ{5} قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ
أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ
وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ{6} الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم
بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ{7} إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ{8} قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي
خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ
الْعَالَمِينَ{9} وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا
وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ{10}
ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ
اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ{11} فَقَضَاهُنَّ
سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا
وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ
الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ{12} فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً
مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ{13})
[سورة فصلت : 1 – 13] .
فأمسك عتبة على فيه وناشده الرحم أن يكف عنه , ولم يخرج إلى أهله واحتبس عنهم .
فقال أبو جهل : يامعشر قريش والله مانرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه,
وماذاك إلا من حاجة أصابته , انطلقوا بنا إليه , فأتوه فقال أبو جهل: والله ياعتبة
ماحسبنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك أمره , فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا
مايغنيك عن طعام محمد ,فغضب وأقسم بالله لايكلم محمدًا أبدًا .
قال : ولقد علمتم أني من أكثر قريش مالاً , ولكني أتيته – فقص عليهم القصة –
فأجابني بشيء والله ماهو بسحر ولا شعر ولاكهانة , قرأ (كِتَابٌ
فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)
حتى بلغ – (فَإِنْ
أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ)
فأمسكت بفيه وناشدته الرحم أن يكف , وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب
فخفت أن ينزل بكم العذاب.( دلائل النبوة للبيهقي 2/203 , ورواه الحاكم بنحوه وقال :
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه , وأقره الذهبي – المستدرك 2/253 – 254 , وذكره
الهيثمي من حديث جابر رضي الله عنه بنحوه وقال : رواه أبو يعلى وفيه الأجلح الكندي
وثقه ابن معين وغيره وضعفه النسائي وغيره وبقية رجاله ثقات – مجمع الزوائد 6/19 –
وحسن الشيخ الألباني إسناده – هامش فقه السيرة للغزالي /113 .)
وأخرج ابن إسحاق في السيرة من خبر محمد بن كعب القرظي وذكر نحوه , وجاء في آخره:
فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض : نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير
الوجه الذي ذهب به , فلما جلس إليهم قالوا : ماوراءك يا أبا الوليد ؟ قال: ورائي
أني قد سمعت قولاً والله ماسمعت مثله قط , والله ماهو بالشعر ولا بالسحر ولا
بالكهانة , يامعشر قريش أطيعوني واجعلوها بي, خلوا بين هذا الرجل وبين ماهو فيه
فاعتزلوه فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم , فإن تصبه العرب فقد
كفيتموه بغيركم , وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به ,
قالوا : سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه , قال: : هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا
لكم.( سيرة ابن هشام 1/293)
وهكذا قام عتبة بمحاورة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليؤثر عليه في التخلي عن
دعوته أو ليخفف منها, فأتاه وناقشه وأراد أن يحرجه بالمفاضلة بينه وبين آبائه فلم
يجبه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه يريد هدايته كما أن عتبة يريد إضلاله , فلو
أجابه بالحكم على آبائه بالضلال لنفر منه , فكانت الحكمة تقتضي عدم الإجابة على
سؤاله .
لقد كان بإمكان النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لعتبة : بل أنا أفضل من أبي وسائر
أجدادي, ولو قال ذلك لم يَعْدُ الحقيقة لأنه سيد الخلق أجمعين , ولكنه بانشغاله
بهذا الحوار الجانبي يتيح لعتبة فرصة الهجوم المضاد الذي يدفع إليه ماتوارثه
المشركون من تقديس الآباء والأجداد , وبذلك تضيع الفرصة الذهبية التي قصد إليها
رسول الله صلى الله عليه وسلم من محاولة هداية عتبة , خصوصًا وأنه قد جاء وحده
وكلُّه رغبة في الوصول إلى تغيير الوضع القائم آنذاك .
ولو أنه صلى الله عليه وسلم أثنى على آبائه بما فيهم من صفات الخير من غير أن
يفضلهم على نفسه لم يكن قد جاوز الحقيقة , ولكنه في ذلك يتيح الفرصة لعتبة لإلزامه
بما يترتب على ذلك من اتباع دينهم, وهذا هو الأمر الذي استبعده النبي صلى الله عليه
وسلم , فكان يريد إغلاق هذا الباب لينتقل إلى ما أراده من دعوته إلى الهداية .
وقد يقال : إن عدم الإجابة يعدُّ اعترافًا بالعجز , ولكنه في الحقيقة غير ذلك لأن
عدم الإجابة في مثل هذا الحوار يعني أن السؤال لايستحق الإجابة لأنه ليس في صميم
الموضوع , وهكذا فهم عتبة لمَّا أعرض عن متابعة لوازم ذلك السؤال وانتقل إلى سؤال
آخر .
وفي هذا توجيه حكيم للداعية الذي يبتلى بالحوار مع الكفار وأشباههم ممن ينتسبون إلى
الإسلام وهم يحاربون دعوته ودعاته , وذلك بأنه يشرع له أن لا يكون صريحًا معهم في
إجاباته كلها, وأن لايلتزم بيان الحقيقة في الأمور الجانبية التي لاتشتمل على كتمان
الحق , وهي في الوقت نفسه تؤثر على حواره معهم ومستقبل دعوته , بل يُطلب منه أن
يتجاوز هذه الأمور بما تقتضيه الحكمة وتقديرُ الموقف , ليخلص إلى صلب الموضوع الذي
انبثق عنه الخلاف وعقد من أجله الحوار.
بل إن في هذا توجيهًا للدعاة في الحوار الذي يجري بينهم حيث يتجه بعض قصار النظر
إلى إشغال ساحة الدعوة بالمفاضلة بين قادة الدعوة , فينتج عن ذلك تتبع لأخطائهم
وتشويه لسمعتهم, مما يزيد من شقة الخلاف الدائر بين أتباع أولئك القادة , ويُشغِل
عن بحث أمور المسلمين المهمة التي يجب أن يجتمع عليها الدعاة .
وبِغضِّ النظر عن الفارق الجوهري بين المشبه والمشبه به من حيث كونُ طرفي المفاضلة
في المشبه من المسلمين , وكونُ أحد الطرفين في المشبه به من الكفار , فإن النتائج
المترتبة على انتقاص بعض قادة الدعوة تؤدي إلي مايشبه النتائج التي أرادها عتبة بن
ربيعة في حواره المذكور .
ولما أمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إجابة عتبة على الأسئلة المذكورة أدرك
عتبة أنه قد أساء الأدب بإحراج النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك , وعتبة إنما جاء
سفيرًا عن قريش ليصل إلى أي حل يخفف من شدة الخلاف الدائر بينهم وبين المسلمين ,
وكونه يواجَهُ بالصمت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يعدُّ هزيمة له أمام الملأ
من قريش , فلهذا ضرب صفحًا عن ذلك الحوار , ولم يحاول إلزام النبي صلى الله عليه
وسلم بنتيجته مع مالاح في الأفق من مظاهر نجاحه المتخيلة .
وانتقل عتبة حالاً إلى عرض مافي جعبته من تلك العروض المغرية من المال والرئاسة
وماشاء من الشهوات في مقابل أن يتخلى النبي صلى الله عليه وسلم عن دعوته أو أن
يفاوض المشركين في البقاء على دعوة لاتؤثر على دينهم الذي يقدسونه .
وهكذا عرض عتبة بن ربيعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك العروض المغرية ,
فماذا كان جوابه عليه؟
لقد كان جوابه بتلاوة آيات من كتاب الله تعالى كان لها الأثر الحاسم في إنهاء
الحوار لصالح الإسلام .
وقد كان عتبة موصوفًا بالحلم والحكمة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمل في
إسلامه بعد سماع الآيات القرآنية .
ولقد تأثر عبتة من سماع كلام الله تعالى حيث وصف القرآن الذي سمعه بقوله "قد سمعت
قولاً ماسمعت مثله قط , والله ماهو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة" فأثبت أن
القرآن لامثيل له, وهذا اعتراف منه بأنه ليس من كلام البشر , ثم نفى التهم الثلاث
التي ألصقها قومه برسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفوا القرآن بها .
وكان في كمال عقله وإدراكه حينما أشار على قومه بترك رسول الله صلى الله عليه وسلم
وشأنه في الدعوة, وإثبات أن عزه يعدُّ عزّا لقريش فيما إذا نجح في دعوته وساد العرب
.
وهكذا حينما كان عقلاء قريش يرجعون إلى عقولهم يدركون عظمة هذا الدين وصدق رسول
الله صلى الله عليه وسلم وتميز ماجاء به من الوحي على كلام البشر , ولكنهم سرعان
ماتغلبهم عواطفهم وأهواؤهم المنحرفة فينطقون بكلام لايعتقدون بقلوبهم محتواه ,
وإنما يدفعهم إليه الحسد والهوى المنحرف .
وفي هذا الخبر مثل من نجاح النبي صلى الله عليه وسلم في اختيار الآيات المناسبة
للمقام , كما أنه مثال لقدرته الفائقة في التأثير على السامعين بتلاوته كتاب الله
تعالى حيث يتلوه بكل مشاعره وأحاسيسه وهو يستحضر عظمة الله تعالى الذي خاطبه وأمته
بهذا القرآن العظيم .
وهكذا ينبغي للدعاة أن يهتموا باختيار النصوص المناسبة وأن يعرضوها بقلوبهم مع
ألسنتهم مستحضرين عظمة الله تعالى وجلاله حتى يكون أبلغ في التأثير على المخاطبين .
لقد تأثر عتبة بسماع القرآن ومال إلى الإسلام ولكن أبا جهل عرف كيف يؤثر عليه بلمزه
من الجانب الذي ينفره من الإسلام , فهو ممن يعتز بسمعته وجاهه , فاتهمه أبو جهل
بأنه مال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أن يصيب من طعامه , وكان ذلك
كافيًا لإحداث أثر مضاد للأثر الأول, فأخذته الحَمِيَّة وأقسم أن لايكلم رسول الله
صلى الله عليه وسلم .
وهكذا رأينا في تصرف أبي جهل مثلاً من أمثلة الكيد والمكر التي يتقنها أعداء
الإسلام ويخططون لها , حيث إنهم يقومون بدراسات دقيقة لمعرفة مداخل النفوس وإدراك
مواطن الضعف فيها لينفذوا إلى الإنسان من هذه المواطن .
ولما لم تُجْد محاولة عتبة بن ربيعة ولم تصنع شيئًا مما أراده زعماء مكة من صرف
النبي صلى الله عليه وسلم عن دعوته بتلك المغريات اتفق رأيهم على عقد اجتماع
لمجموعة منهم ليقوموا جميعا بحوار النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع .
ذكر ذلك محمد بن إسحاق ثم قال : فبعثوا إليه : إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك
, فأتِهم .
فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعًا , وهو يظن أن قد بَدَا لهم فيما كلّمهم
فيه بَدَاءٌ [أي ظهر لهم في شأنه أمر], وكان عليهم حريصًا يحب رشدَهم ويعزّ عليه
عَنَتُهم [يعني مشقتهم] حتى جلس إليهم , فقالوا له : يامحمد , إنا قد بعثنا إليك
لنكلّمك , وإنا والله مانعلم رجلاً من العرب أدْخل على قومه مثلَ ما أدخلتَ على
قومك, لقد شتمت الآباء , وعبت الدين , وشتمت الآلهة , وسفّهت الأحلام , وفرّقت
الجماعة, فما بقي أمرٌ قبيح إلا قد جئْتَه فيما بيننا وبينك – أو كما قالوا له –
فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا
مالاً , وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسوّدك علينا [نجعلك سيدًا] , وإن
كنت تريد به مُلْكًا ملَّكناك علينا , وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيًّا تراه قد غلب
عليك – وكانوا يسمون التابع من الجن رئيًّا – فربما كان ذلك بذلنا لك من أموالنا في
طلب الطب لك حتى نبرئك منه . أو نُعذِر فيك.[ أي تبلغ منك العذر].
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : مابي ماتقولون , ماجئت بما جئتكم به أطلب
أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولاً , وأنزل عليّ
كتابًا , وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا , فبلَّغْتُكم رسالات ربي ونصحت لكم ,
فإن تقبلوا منّي ماجئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة , وإن تردوه عليَّ أصبر
لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم – أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
-.(سيرة ابن هشام 1/295 )
هذا وإنا لنجد في هذا النص مثلاً من حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إسلام قومه
حيث علم باجتماع أشرافهم فسارع إليهم ليجدد دعوتهم إلى الدين الذي فيه سعادتهم في
الدنيا والآخرة على الرغم مما نالوا منه من الأذى , وفي هذا دلالة على لزوم استصحاب
الرغبة في هداية الناس وإن سبقت منهم مواقف مؤذية لصاحب الدعوة أو لأتباعه , لأن
دعوة الإسلام لاتقوم على الرغبة في الانتقام من الأعداء , وإنما تقوم على الرحمة
الشاملة بجميع الناس , والرغبة الملحة في هداية الضالين, وانتشالهم من الدرك السحيق
الذي أوقعوا أنفسهم فيه .
فالداعية الحق ينظر إلى من يقومون بأذيته وتعذيبه نظرة إشفاق ورحمة , ويتمنى من
قرارة قلبه أن ينقذهم من الهلاك الذي تردوا فيه وأن يحميهم من السلوك الذميم الذي
ساروا فيه .
إن الداعية وهو يتلقى الأذى من المدعوين يشعر بأنه يكتسب عملاً صالحًا بالصبر على
أذاهم, ولكن عليه أيضًا أن يشعر بأن الذين يقومون بإيذائه وصدِّ دعوته يكتسبون
عملاً سيئًا وسيحاسبون عليه يوم القيامة , وأن يعلم أن محاولة هدايتهم عمل صالح
يضاف إلى العمل السابق, فإذا صبر على أذاهم ثم قام بمحاولة هدايتهم يكون قد جمع بين
عملين صالحين .
ونجد في هذا النص أن المشركين بدؤوا حوارهم مع النبي صلى الله عليه وسلم بالهجوم
عليه في دعوته حيث اتهموه بشتم آبائهم وعيب دينهم , وتسفيه أحلامهم , وشتم آلهتهم
وتفريق جماعتهم , وأنه اقترف معهم كل قبيح .
وهذا الهجوم يقصدون من ورائه إضعاف موقفه وإرباكه حتى يقبل منهم واحدًا من عروضهم
التي سيعرضونها عليه .
وقد عرضوا عليه أمورًا ثلاثة : أحدها يتعلق بحب المال , والآخَرَين يتعلقان بحب
الجاه, فعرضوا عليه أولاً أن يجمعوا له من أموالهم حتى يكون أكثرهم مالاً إن كان من
الذين يستهويهم جمع المال واقتناؤه , أو أن يسودوه عليهم فيكون سيد قبيلتهم , أو أن
ينصبوه ملكًا عليهم إن كان ممن يستهويهم الشرف والجاه .
وبهذا يكونون قد حققوا أعلى درجات الشرف والجاه له إن كان ممن يحبون السلطة , أو
الغنى الكبير بدون نصب وعناء بجمع المال إن كان ممن يحبون الثراء .
وهذه عروض مغرية حقًّا لأصحاب الدنيا لأن الهدف الأعلى الذي يسعى له طلاب الدنيا
يتلخص في طلب المال أو الجاه أو طلبهما معًا .
وفي هذا العرض الثاني والثالث يبدي زعماء قريش استعدادهم للتنازل عن منهجهم في
الحكم والسيادة من أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم إن وافق على طلبهم , وذلك أن
قبائل العرب عامة لاتعرف الحكم الذي يقوم على الملك كما هو الحال في دولة الفرس
والروم , وإنما كانوا يسوِّدون رجلاً منهم تجتمع له خصال الشرف التي اتفقوا عليها ,
وقد يسوِّدون أكثر من واحد كما هو الحال في مجتمع مكة آنذاك .
وقد عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمعوا له السيادة فيكون سيدًا على
جميع فروع القبيلة بدلاً من أن يكون لكل فرع منها سيد , وإذا كان هذا لايقنعه
ولايرضي طموحه فلا مانع لديهم من تمليكه عليهم بحيث يحكمهم كما يحكم ملوك الفرس
والروم , وذلك أقوى في التمكين وأبلغ في الزعامة من مجرد السيادة .
هذا وإن استعداد زعماء قريش على تحمل هذا الأمر الذي يخالف ما تعارف عليه العرب
آنذاك يدلنا على بعد الشقة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن انقيادهم
إليه بشكل جماعي على أنه رسول من عند الله تعالى وتغيير دينهم أمر شديد عليهم وبعيد
الاحتمال .
وقد سبق عرض تلك العروض على رسول الله صلى الله عليه وسلم من عتبة بن ربيعة , وإن
كان عتبة قد أضاف عرضًا جديدًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أن يزوجوه عشر
نسوة يختارهن من قريش , وهذا العرض في الحقيقة داخل في عرض تمليك المال حتى يكون
أغنى رجل في قومه لأن صاحب الغنى يستطيع أن يحصل على مايريد من الشهوات .
هذا وإن في إعادة عرض هذه المغريات من زعماء قريش دليلاً على أنهم لم يفهموا بعدُ
حقيقة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تقوم أساسًا على الزهد في الدنيا
والعمل للآخرة , فإذا كان باستطاعة أولئك القوم أن يَعدوا المسلمين بالحياة السعيدة
في الآخرة القائمة على الظفر بالجنة والنجاة من النار فإنهم يستطيعون التأثير عليهم
.
ولكن أنَّى ذلك للمسلمين أنفسهم , بل أني ذلك للأنبياء عليهم السلام ! لأن الذي
يملك ذلك الفضل الكبير هو الله تعالى وحده , وإنما مهمة الأنبياء عليهم السلام ومن
اقتدى بهم من الدعاة هي أن يهدوا الناس إلى الطريق الموصل إلى هذه السعادة .
وهكذا يحاول عبثًا دعاة الباطل على مر الزمان , حيث يكررون عروضهم المغرية على
الدعاة الصادقين في دعوتهم , فيخسروا بذلك وقتهم وجهدهم .
وقد يُطمعهم في الاستمرار على هذا المنهج مايرونه من سقوط بعض الدعاة في أثناء
المعركة الدائرة بينهم وبين أعداء الإسلام , حيث ينجح الأعداء في تحجيم هؤلاء
الدعاة وتجميد نشاطهم, أو تحويل هذا النشاط إلى عمل مضاد لاتجاه الدعوة الإسلامية .
ومما يلاحظ هنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفض أن يكون ملكًا على أهل مكة,
وقد يتعلق بذلك من يرى عدم ضرورة قيام الدولة الإسلامية , خصوصًا مع ملاحظة أن
النبي صلى الله عليه وسلم لو تولى زعامة قريش وحلفائها لكان أعظم قدرة على بث دعوته
لأنه والحال هذه يستطيع أن يفرضها من خلال سلطته وهيمنته على البلاد .
والجواب على ذلك أن زعماء قريش لم يتنازلوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن
زعامتهم حقًّا , وإنما أرادوا منه أن يتنازل عن دعوته إلى التوحيد في مقابل زعامة
وهمية يخضعونه بها لمبادئهم الجاهلية بينما يخضعون هم لدعوته , والحقيقة أن الذي
يحكم هي المبادئ , والرجال من وراء تلك المبادئ منفذون , فإذا بقيت مبادئهم
الجاهلية – وهو المطلب الذي أصروا عليه – فهي التي تحكم, وأي زعيم ينصَّب في ظل تلك
المبادئ فإنه ملزم بأن يكون خاضعًا لها , وهذا يعني أن يتنازل رسول الله صلى الله
عليه وسلم عن دعوة التوحيد في مقابل قبوله هذا العرض السخي في نظر أهل الدنيا ,
ولذلك كانت استجابة النبي صلى الله عليه وسلم لهم أمرًا مستحيلاً .
لقد كانت تصريحات زعماء المشركين تبين استحالة أن يسندوا زعامتهم لرسول الله صلى
الله عليه وسلم مع بقائه على كامل دعوته , ومن ذلك ماسبق في خبر أبي جهل من قوله
:"تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف , أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا
, حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفَرسَي رهان قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من
السماء فمتى ندرك مثل هذه ؟ " .
فهذا دليل على أن المطلب الكبير الذي يتنافسون عليه هو السيادة على مكة , ولكنهم
مع هذا أبدوا استعدادهم للتنازل عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لو تخلى عن
دعوته أو بعض مايدعو إليه , أما في حال إصراره على دعوته إلى التوحيد فإن تنازلهم
له عن ذلك يكون أمرًا مستحيلاً .
أما قيام الدولة الإسلامية فإنه أمر ضروري لقيام الدين عند القدرة على ذلك , ولهذا
أقام النبي صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام في المدينة يوم أن هاجر إليها وأصبح
قادرًا على ذلك , وكونه رفض السلطة الوهمية التي عرضها عليه زعماء مكة لايعني عدم
اهتمامه بإقامة دولة الإسلام , وإنما كان هذا السلوك منه تسديدًا من الله تعالى له
, وفهمًا ثاقبًا منه لمقاصد الكفار الماكرة التي أرادوا بها أن يقضوا على دعوته .
ثم إنهم بعد هذه العروض الثلاثة عرضوا عليه أن يبذلوا المال في طلب الطب له إن كان
الذي حمله على مخالفة قومه والإصرار على ذلك تأثر ضاغط بسبب هيمنة الجن عليه .
وكأنهم يقولون له إن لم تكن أهدافك من هذه المخالفة أن تصبح أغنى رجل في قومك , أو
أن تكون لك السيادة المنفردة عليهم جميعًا فإنه لايتصور أن يدفعك إلى دعوتك تلك إلا
الانقياد القسري لأصحاب الهيمنة من الجن , ومن هذا المنطلق اتهموا رسول الله صلى
الله عليه وسلم بالجنون كما سبق .
هذا وعلى الرغم من كون تلك العروض الثلاثة مغرية جدَّا خاصة العرض الثالث الذي
سيجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الملك الوحيد في بلاد العرب .
وعلى الرغم من كون المقابل لذلك فيما إذا رفض تلك العروض أن يكون متهمًا بين قومه
بالجنون فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد رفض بكل إباء وعزة جميع تلك العروض
المغرية وأصر على لزوم دعوته التي اجتمع أولئك الزعماء من أجل القضاء عليها .
لقد كان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم جواب المستسلم لأمر الله تعالى الثابت
على مبدئه السامي حيث قال لهم : "مابي ماتقولون وماجئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم
ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم , ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وأنزل علي كتابًا ,
وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا , فبلَّغتكم رسالة ربي ونصحت لكم , فإن تقبلوا
مني ماجئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة , وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى
يحكم الله بيني وبينكم " .
وهذا الكلام يعدُّ نهاية الاستسلام لله عز وجل وغاية التوحيد , حيث أشعرهم بأنهم إن
أظهروا شيئًا من التحدي والتعجيز فإنما يواجهون الله تعالى بذلك , فالحرب حقيقةً
قائمة بينهم وبين الله تعالى , ولن يفلح من جعل نفسه في مواجهة مع الله جل وعلا ,
فالأمر لله تعالى وحده من قبل ومن بعد , وإنما الرسول صلى الله عليه وسلم مبلِّغ عن
الله تعالى ومنفذ لشريعته على الوجه الأكمل, فليس طالب دنيا ولا طالب جاه , ولايملك
أن يتنازل عن دعوته ولا بمعشار ماطلبوه منه ولا بما هو أقلُّ من ذلك, لأنه ليس
مستقلاً بهذا الأمر حتى يفاوض عليه حسب مايمليه عليه اجتهاده المصلحي , وإنما هو
رسول مبلغ عن الله تعالى منفذ لشريعته .
وفي هذا درس بليغ لأهل العلم الديني الذين يواجَهُون بشيء من التحدي والعداء من
الكفار والمنافقين , والذين يضع المسلمون ثقتهم بهم في فهم هذا الدين وتبليغه ,
ليكون شعورهم وتفكيرهم حاضرًا مع الله تعالى حينما يُسألون ويجادَلون , وليكون
فهمهم مقصورًا على كونهم مبلغين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشرفين على تنفيذ
شريعة الله تعالى كما شرع , وأن لايداخلهم شيء من حب الظهور والتفوق الفكري غير
المنضبط بشريعة الله جل وعلا .
فإذا كانوا مع الله تعالى وتصوروا أن الله معهم في معركتهم مع الأعداء , وأنه مطلع
على مكنونات ضمائرهم فإن ذلك يعصمهم بإذن الله تعالى من الزلل , ويمنحهم دُفُعات من
القوة والصمود في وجه الأعداء .
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحاور الأعداء موصولاً حبله بالله عز وجل
, ولم يكن في قلبه شعور بأي قوة في الأرض , وكان يستلهم من الله تعالى الثبات
والقوة بقدر ماكان يتلقى الوحي الإلهي الذي يحاور المخالفين على قبسات أنواره .
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد اختُصَّ بالوحي كسائر الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام فإن ممثلي العلم الديني لم يَعْدموا هذا النور الذي سار على ضوئه الساطع
ورثة النبي صلى الله عليه وسلم على مر العصور , بل هو بين أيديهم قد اكتمل قبل
لَحَاق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى كما في قوله تعالى (الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ
الإِسْلاَمَ دِيناً)
[ المائدة : 3] .
فما عليهم إلا أن يلتزموا بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم , بعد أن
يوثقوا صلتهم بالله عز وجل , وأن يَشْعُروا بحضوره معهم بعلمه في كل ندواتهم
وجلساتهم , بل في كل همساتهم وخطرات قلوبهم .
هذا وإن في رفض النبي صلى الله عليه وسلم من الكفار عروضهم المغريةَ من الملك
والمال ردًّا بليغًا على أعداء الإسلام الذين فسروا الدعوة الإسلامية بأنها ثورة من
الفقراء على الأغنياء الكبراء فلو كانت كما زعموا لكان في تحقق هذه العروض المغرية
الوصولُ الكامل للمقاصد والأهداف التي دفعت إلى تلك الثورة .
ولو كانت كما زعموا لما رأينا في تلك الفئة المسلمة أغنياء في غاية الغنى والترف
كعثمان بن عفان ومصعب بن عمير , ومن هم دونهم في الغني ولكنهم يفوقونهم في الشهرة
والمكانة كأبي بكر وعمر , إذ أن المنطق الصحيح – لو كان الأمر كما زعموا – أن يكون
هؤلاء في صفِّ أهل الغنى والزعامة القبلية .
ولقد بَيَّنَتْ أحداث الهجرة بعد ذلك الهدف السامي الذي ضحى من أجله المسلمون حيث
تركوا أموالهم بمكة وهاجروا إلى المدينة ابتغاء رضوان الله تعالى والدار الآخرة رضي
الله عنهم أجمعين .
هذا ولقد بدأ الكفار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بفتنة الأذى والتخويف كما سبق
, فلم يثنه ذلك عن عزيمته , وظل صامدًا في دعوته , فلما لم يُجْد معه هذا النوع من
الفتنة تحولوا إلى فتنة التأليف , فعرضوا عليه هذه العروض الكبيرة .
وهكذا الكفار في كل زمن يحاولون فتنة دعاة الإسلام بهذين النوعين ليتحولوا عن
دعوتهم , أو ليقْبَلوا المداهنة , وذلك بالتنازل عن بعض مايدعون إليه حسب مايريده
الأعداء .
وإن للدعاة إلى الله تعالى لأسوة حسنة برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث لم يخضع
لفتنة الكفار , سواء في مجال التأليف أو في مجال التخويف .
وهل عُرض على داعية أن يكون ملكًا على قومه كما عرض على رسول الله صلى الله عليه
وسلم ؟!
لقد عُرض على بعض الدعاة لعاعةٌ من الدنيا فسارعوا إليها وتخلوا عن دعوتهم , أما
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ظل ثابتًا على طريقه المستقيم ولم تخطر له الدنيا
ببال .
* * *
انتهت
|