|
المتقون -
العدد السابع
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – قبسات من القرآن الكريم .
2 – قبسات من السنة النبوية .
3 – توجيهات ومواقف أخلاقية .
4 – مواقف دعوية من السيرة النبوية .
- قبسات من القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد :
يقول الله سبحانه (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ
أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ
الْفَاسِقُونَ{110} لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ
يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ{111} ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ
الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ
النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ
الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ{112}
لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ
اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ{113} يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ
فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ{114} وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ
خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ{115} إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ
شَيْئاً وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{116} مَثَلُ مَا
يُنفِقُونَ فِي هِـذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ
أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ
اللّهُ وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ{117}) [آل عمران :110 – 117] .
[110] في هذه الآية الكريمة يبين الله تعالى أبرز صفات الأمة الإسلامية التي حازت
على هذا الشرف العظيم فكانت خير أمة أخرجت للناس ، وقد ذكر الله سبحانه في هذه
الآية صفتين لخيرية هذه الأمة .. صفة خاصة بالمصلحين وهي الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر وصفة عامة تعم أفراد الأمة وهي الإيمان بالله تعالى ، وبهذا نعلم أن الإصلاح
هو أحد عنصري خيرية هذه الأمة، وإنَّ ذكْر الخاص مع العام دليل على الاهتمام به
والتنويه بشأنه ، فالآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر هم من جملة المؤمنين بالله
تعالى، ولكنهم ذُكِروا بخصوصهم لما لَهم من المكانة والأهمية في قيادة الأمة
وتوجيهها وحمايتها- بإذن الله – من الضعف والانهيار .
فوجود الأمة الإسلامية الحقيقي إنما هو في حيازتها لهذين الأمرين اللذين جعلاها خير
أمة أخرجت للناس ، الإيمان القوي الحيوي المؤثر في تصحيح السلوك ، والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر الذي يعطي الضمان لصلاح المجتمع الإسلامي وتقويم سَيره نحو
الرشاد.
(وَلَوْ
آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ)
المراد بأهل الكتاب هنا اليهود كما هو واضح من سياق الآيات (لَكَانَ
خَيْراً لَّهُم)
خيرا لهم في دنياهم حيث يعيشون في ظلال الدولة الإسلامية في حرية وأمان ، ويحصلون
على الطمأنينة القلبية والسعادة الروحية التي يُحظى بها المسلمون ، وخيرًا لهم في
آخرتهم حيث ينجون من عذاب الله تعالى ويظفرون بنعيمه (مِّنْهُمُ
الْمُؤْمِنُونَ)
الذين دخلوا في الإسلام وهم قليل كعبد الله بن سلام رضي الله عنه (وَأَكْثَرُهُمُ
الْفَاسِقُونَ)
أي الخارجون عن دينهم ، فاليهود لم يطبقوا ماجاء في التوراة ، ومن ذلك الأمر
بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم .
[111] (لَن
يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ
لاَ يُنصَرُونَ)
الخطاب للمؤمنين الصادقين في إيمانهم المتقين الله في سلوكهم وأعمالهم ، وعلى رأسهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم ، وهو خبر محكَم لايقبل التغير
، فاليهود وغيرهم من الكفار لن يستطيعوا اجتياح المؤمنين الصادقين ، وإنما الذي
يحصل منهم على المسلمين هو الأذى مما يسمعونه من كلامهم السيء ومما يطلعون عليه من
مخططاتهم الماكرة ، ولو واجهوا المسلمين الصادقين الذين يمثلون حقيقة الإسلام في
الميدان لهربوا منهم ولم يثبتوا أمامهم ثم لايظفرون بأي نصر على المسلمين، وقد جرت
سنة الله هذه على اليهود منذ العهد النبوي وما تلاه من العصور في حال كون من
يواجهونهم من المسلمين مؤمنين حقا .
[112]
(ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ)
أي
جعل الله تعالى الهوان والصغار أمرًا لازما لليهود، فهم أذلاء أينما وجدوا
(إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ)
أي
بذمة من الله ، وذلك بعقد الذمة لهم وضرب الجزية عليهم ، فيكونون بذلك في حماية من
دولة الإسلام
(وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ)
أي عهد مـن الناس يحصلون به على الأمان كما هو الحال في المُهادَن والمعُاهَد
والأسير
(وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ)
أي
وإلى جانب ماحصل لهم من المذلة في الدنيا فإنهم قد استحقوا حلول غضب من الله تعالى
عليهم لتعمدهم مخالفة الحق الذي عرفوه ،وستكون عاقبتهم التعرض لعذاب الله تعالى يوم
القيامة
(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ)
أي
ابتلوا بالفقر في قلوبهم وإن كان المال متوافرا في جيوبهم ، فإن الغنى الحقيقي هو
غنى القلب
(ذَلِكَ)
البلاء الهابط عليهم والمحيط بهم
(بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ
بِغَيْرِ حَقٍّ)
أي
بسبب جحدهم بالآيات الواضحة الدالة على وحدانية الله تعالى وصدق رسله عليهم السلام
وإقدامهم الشنيع على قتل أنبياء الله تعالى الذي هو بغير حق ، وهذا من أعنف مايتصور
من قساوة القلوب أن يقدم الناس على قتل الأنبياء الذين أرسلهم الله تعالى لإخراجهم
من الظلمات إلى النور وهدايتهم إلى الطريق المستقيم الموصل إلى سعادتهم في الآخرة .
(ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ)
بعدما ذكر الله سبحانه أكبر المعاصي وهو الكفر بآيات الله عز وجل ، وبعد أن ذكر
أفظع الاعتداء وهو قتل الأنبياء عليهم السلام ذكر عموم المعاصي وعموم الاعتداءات
،يعني : ذلك البلاء والعقاب الذي ضربه الله تعالى على اليهود .. من الذلة والهوان
وفقر القلوب واستحقاق غضبه عز وجل الذي يترتب عليه شقاء الدنيا والآخرة بسبب
إصرارهم على ارتكاب المعاصي والاعتداء على الأبرياء..
وإذا كان ذلك من باب كشف واقع بني إسرائيل السيء والأسباب التي أدت بهم إلى ذلك
الواقع فإنه من باب التحذير البليغ لأمة الإسلام كي لايقعوا في تلك المقدمات فتحصل
لهم النتائج نفسها .
وإذا كان بنو إسرائيل قد بالغوا في ارتكاب المعاصي وقتلوا الأنبياء عليهم السلام
والذين يأمرونهم بالقسط كما جاء في آية أخرى فأدى ذلك إلى الوضع المزري الذي آلوا
إليه فإن كثيرًا من المسلمين في هذا العصر قد بالغوا في المعاصي كبيرها وصغيرها
وأقدم الجبارون الطغاة منهم على أنواع من العدوان والظلم ، وخاصة فيما أقدموا عليه
من الاعتداء على دعاة الحق ومحاولة إذلالهم وتعذيبهم وقتل من قتلوا منهم ، ومع ذلك
يستنكرون ماهم فيه من الهوان والمذلة وإدالة أعدائهم عليهم ، وماهي إلا سنة الله
تعالى في عباده ليس أحد بمنجاة منها ، ولقد كان أخشى مايخشاه أمير المؤمنين عمر رضي
الله عنه على الجيوش الإسلامية أن يقعوا في المعاصي وبين أنهم إنما نصروا بطاعتهم
لله تعالى، فإذا عصوه تساووا هم وأعداؤهم ، وقد يديل الله أعداءهم عليهم انتقاما
منهم .
[113-115] ولما ذكر الله سبحانه فريقي أهل الكتاب سابقا بقوله
(مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)
ثم فصَّل بعض أحوال الفاسقين منهم ذكر تفصيلا لأحوال القلة منهم وهم الذين دخلوا في
الإسلام فقال
(لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ)
أي مستقيمة على طاعة الله تعالى
(يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ)
وهذا إشارة إلى اهتمامهم بالشعائر التعبدية المتمثلة بصلاة الليل ، ثم ذكر اهتمامهم
بتطبيق عناصر خيرية هذه الأمة التي سبق ذكرها بقوله
(يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)
وفي الآيتين بيان لنوعي العبادة وهما :
أولا العبادات الخاصة وهي الشعائر التعبدية كالصلاة ، وهذه يقتصر نفعها على فاعلها،
وثانيا : العبادات المتعدية ، وهي التي يتعدى نفعها للآخرين كالأمر بالمعروف والنهي
عـن المنكر
(وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ)
أي يبادرون إلى فعل جميع الأعمال الصالحة ماداموا قادرين على العمل قبل أن يعجزوا
أو يداهمهم الموت
(وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ)
لأنهم جمعوا بين الإيمان الصادق والعمل الصالح .
(وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ)
يعني وما يفعل هؤلاء الذين هداهم الله تعالى من عمل من أعمال الخير سواء أكان كثيرا
أم قليلا فلن يضيع عند الله عز وجل بل سيُشكر لهم ويثابون عليه
(وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ)
الذين راقبوا الله حقا وطلبوا رضوانه وثوابه بفعل ما أوجبه عليهم واجتناب ماحرمه
عليهم .
[116] فهذه صفات بعض فريق أهل الإيمان ، أما أهل الكفر والفسوق فيقول الله تعالى
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ
أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئاً)
يعني : إن الذين كفروا عموما والذين جحدوا نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم من
أهل الكتاب لن تغني عنهم أموالهم الكثيرة التي جمعوها بجهود متواصلة وورثوها كابرا
عن كابر ، ولا أولادهم الذين يعتزون بهم ويُعدُّونهم للملمات .. لن يغني عنهم ذلك
كله شيئا من عذاب الله تعالى إذا حل بهم في الدنيا والآخرة ، ولقد كان اليهود في
العهد النبوي يتمتعون بالأموال الوافرة والأمان مع أولادهم في قصورهم الفاخرة ،
ويظنون أنهم يستطيعون أن يمنعوا أنفسهم من أحداث الزمان ، أما الآخرة فإنهم قد
منَّوا أنفسهم الأماني الخادعة في مثل ماحكاه الله تعالى عنهم
بقوله (وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ
أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ
تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ{80}) [البقرة : 80]
فإذا بهم بين عشية وضحاها يُقتلون ويشرَّدون من بلادهم على أيـدي أولياء الله
المتقين
(وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ)
فهم أهل النار الذين أصبحوا من طول مقامهم فيها أصحابها
(هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
فلا هي تفنى ولا هم يفنون ، بل هي خالدة وهم خالدون فيها .
[117] ثم بين الله تعالى أن ما ينفقه هؤلاء الكفار من أموالهم في الوجوه التي
ظاهرها المعروف والإحسان ويظنون أن ذلك ينفعهم في الآخرة لن يكون له أي وجود أو نفع
في الآخرة حيث
(مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِـذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)
يعني من الأموال التي يظهرون بأنهم يرجون نفعها في الآخرة
(كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ)
أي بـرد شـديـد
(أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ)
أي هبت بشدة على زرعهم الذي رجوا نفعه ، وهؤلاء القوم قد ظلموا أنفسهم حيث ارتكسـوا
بها في المعاصي وقـادوها إلى الهلاك
(فَأَهْلَكَتْهُ)
أي أبادته ولم تبـق مـنه شيئا
(وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ)
تعالى عن ذلك علوا كبيرا
(وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)
حيث اختاروا لها طريق الشقاوه وجنبوها طريق السعادة .
* * *
- قبسات من السنة النبوية –
– حقوق الجار -
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد :
فاستكمالا لما مرَّ ذكره في الحلقة الماضية من حقوق الجار أذكر بعض الأحاديث
النبوية في ذلك , فمنها ما أخرجه الأئمة البخاري ومسلم وأبو داود من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر
فلا يؤذ جاره " . (صحيح البخاري رقم 6018 , كتاب الأدب , باب من كان يؤمـن بالله
والـيوم الآخر(1/45) , صحيح مسلم رقم 47 في الإيمان, باب الحث على إكرام الجار .
سنن أبي داود رقم 5154 في الأدب , باب في حق الجوار .)
ففي هذا الحديث توصل النبي صلى الله عليه وسلم للنهي عن أذي الجار برصيد المسلم من
الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر , فإن الذي يحمل هذا الرصيد الإيماني من المفترض
فيه أن يحسن إلى جاره وأن لايؤذيه , لكن قد يكون إيمان المسلم من النوع القاصر الذي
لايؤثر على سلوكه , فإن تذكيره بهذا الإيمان يدفعه إلى الوعي الديني فيستقيم على
الصراط المستقيم .
وينفي رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الجار الذي يخاف منه جيرانه حيث
يقول :" والله لايؤمن , والله لايؤمن , والله لايؤمن, قيل : ومن يارسول الله ؟ قال
: الذي لايأمن جاره بوائقه" أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.( صحيح
البخاري رقم 6016 , كتاب الأدب , باب إثم من لايأمن جاره بوائقه . صحيح مسلم رقم 46
في الإيمان, باب تحريم إيذاء الجار .)
البوائق جمع بائقة وهي الداهية أي الغوائل والشرور .
وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم عن جار السوء الإيمان وأكد ذلك بالقسم المتكرر
بسبب مايضمر جار السوء لجاره من الغل والحقد , وما يبيته له في ضميره من إرادة
الإساءة إليه والكيد له, فإن ذلك يتنافى مع حقيقة الإيمان , فإن حقيقة الإيمان أن
يحب لجاره ما يحب لنفسه وأن يكره له مايكره لها, ولأن إظهار العداوة والجفوة للجار
تجعله يعيش حياته في قلق ونكد , حيث يتوقع كل يوم من جاره أن يجلب له الأضرار
والنكبات , وإن مجرد شعوره بذلك يعدُّ من الأذى الذي يلحقه من جاره , فإذا كان هذا
الجار يتسبب في الحيلولة بين جاره وبين الطمأنينة والأمن فإنه جدير به بأن يُنزع
منه الاتصاف بالإيمان المؤثر على السلوك .
ومن توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم لمن جاء يشكو جاره ما أخرجه أبو داود من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه قال : " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو
جاره, فقال : اذهب فاصبر , فأتاه مرتين أو ثلاثا فقال : اذهب فاطرح متاعك في الطريق
, ففعل , فجعل الناس يسألونه ويخبرهم خبر جاره , فجعلوا يلعنونه : فعل الله به وفعل
, وبعضهم يدعو عليه , فجاء إليه جاره فقال له : ارجع فإنك لن ترى مني شيئا تكرهه "
.( سنن أبي داود رقم 5153 في الأدب , باب في حق الجوار)
ففي هذا الحديث مسألتان : الأولى الصبر على أذى الجار , فإن المسلم مأمور بأن يتحمل
من جاره أَوّلاً مايصل إليه منه من الأذى , فإن الجار حينما يتضجر منه جاره ويشكو
إليه كل مايصدر من أفراد أسرته قد لايحتمل ذلك منه فيظهر له عدم المبالاة به , ولكن
حينما يغض الطرف عن الأمور الصغيرة فإن جاره سيُكبر فيه ذلك فيُكثر من الاهتمام به
, ويمنع عنه الأذى من نفسه وممن يستطيع التأثير عليه من جيرانه .
المسألة الثانية : استعمال الحكمة في معاملة الجار المؤذي فإن المسلم مأمور بأن
لايَدخل في خصومة مع جاره , بل يحاول دفع الأذى عن نفسه بطريقة لاتوقعه في الخصام
والجدال , ولذلك أرشد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل المشتكي إلى الصبر أولا ,
فلما لم ينفع ذلك في ردع جاره عن أذيته أرشده إلى الطريقة المذكورة في الحديث فكان
لها الأثر القوي في تغيير الموقف وعودة الجار المعتدي إلى رشده وصوابه.
ويبين رسول الله صلى الله عليه وسلم خطورة الجار المجرم على جاره وعظم حق الجوار
بقوله" لأن يزني الرجل بعشر نسوة خير له من أن يزني بامرأة جاره , ولأن يسرق من
عشرة أبيات أيسر له من أن يسرق من بيت جاره " أخرجه الإمام أحمد وغيره من حديث
المقداد رضي الله عنه.( صحيح الجامع الصغير رقم 4919)
ففي هذا الحديث بيان لأهمية حقوق الجار , فإن مصيبة الإنسان بجاره أعظم من مصيبته
بالبعيد عنه, فإن جاره قريب منه ويعرف عوراته ومواطن الضعف في بيته , فالتحرز منه
أصعب من التحرز من غيره بكثير , فلهذا كان إثم من اعتدى على عرض جاره أو بيته
مضاعفا عشر مرات على ما إذا فعل ذلك بالبعيد عنه .
هذا وإن للمحافظة على حقوق الجار أثرا كبيرا في تقوية الأخوة الإسلامية وحمايتها .
فالمجتمع مكوَّن من أفراد وبقدر ما يكون صلاح الأفراد يكون صلاح المجتمع , فالمجتمع
في المدن والقرى يتشكل من مجموعات صغيرة تمثل أحياء المدينة الواحدة , فإذا حصل
الانسجام بين أفراد هذه المجموعات الصغيرة تكوَّن منها المجتمع الكبير على الانسجام
والتفاهم , وأفراد هذه المجموعات هم المتجاورون في الحي الواحد , فإذا حصل الأذى
بين الجيران تباعد أفراد الحي , وكان ذلك مانعا من إسهامهم في بناء المجتمع الكبير
على الوضع السليم .
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن أذية الجار سبب من أسباب دخول النار حتى لو
كان للمؤذي أعمال صالحة أخرى وذلك فيما رواه أحمد والبزار رحمهما الله تعالى من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رجل : يارسول الله إن فلانة , فذكر من كثره
صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها , قال: هي في النار , قال:
يارسول الله فإن فلانة , فذكر من قلة صيامها وصلاتها وأنها تصدَّق بالأثوار من
الأقط [الأثوار القطع الكبيرة من الاقط ] لاتؤذي بلسانها جيرانها, قال: هي في
الجنة .
ذكره الحافظ الهيثمي وقال : ورجاله ثقات.( مجمع الزائد 8/169)
فهذا الحديث فيه مقارنة بين الأعمال الصالحة والأعمال السيئة , والمقصود بالأعمال
الصالحة المذكورة في الحديث النوافل أما الواجبات فإن المسلم مؤاخذ على تركها .
فالحديث فيه مقارنة بين امرأتين , إحداهما تكثر من النوافل في الصلاة والصيام
والصدقة , لكنها تؤذي جيرانها بلسانها, فكان مصيرها النار , وذلك لأن أعمالها
الصالحة المذكورة نوافل تثاب عليها ولاتعاقب على تركها , أما أذيتها لجيرانها فإنه
عمل محرم تعاقب عليه إن لم تتب توبة نصوحا.
أما الأخرى فإنها لاتكثر من النوافل , لكنها عفيفة اللسان لاتؤذي جيرانها , فهذه قد
فاتها الأجر بقلة أدائها للنوافل , ولكن ذلك لايمنع دخولها الجنة لأنها قد سلمت من
الإثم حيث لم ترتكب محرما.
ولاينبغي للجار أن يحتقر أذاه لجاره إذا كان قليلا فإنه يكون آثما بذلك وإن كان
أذاه لجاره قليلا, وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لاقليل من أذى
الجار" أخرجه الطبراني, ذكر ذلك الهيثمي وقال : ورجاله ثقات.( مجمع الزائد 8/170)
* * *
-توجيهات ومواقف أخلاقية
-
- توجيهات ومواقف في التواضع والرحمة –
أمثلة من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته :
رُويتْ أحاديث كثيرة في تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وحثه على التواضع , فمن ذلك
ما أخرجه الحافظ الطبراني من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : " أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم كان يجلس على الأرض, ويأكل على الأرض , ويعتقل الشاة ,
ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير". (صحيح الجامع الصغير رقم 4791 .وقوله " ويعتقل
الشاة " يعني ويحلب الشاة)
فهكذا كان صلى الله عليه وسلم في تواضعه في حياته الاجتماعية ولم يكن كزعماء فارس
والروم في زخرفهم ومظاهرهم في الجلوس والأكل , أما حلب الشاة فإنه مظهر من مظاهر
التواضع الكبير, لأن الكبراء لايفعلون ذلك , وكذلك إجابة دعوة المماليك ونحوهم من
الفقراء .
ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:
"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لايأكل متكئا ولايطأ عقبه رجلان". (صحيح الجامع
الصغير رقم 4716)
فهذا الحديث يشتمل على صفتين من صفات التواضع :
الأولى : أنه صلى الله عليه وسلم كان لايأكل متكئا , وأكل الإنسان وهو متكئ له
سلبيات , منها أن الاتكاء من جلسات الراحة , والإنسان وهو يأكل من نعمة الله تعالى
ينبغي له أن يتواضع حتى يكون شاكرًا لله جل وعلا على نعمته , ومنها إن الإنسان قد
يتضرر من الأكل وهو متكئ , لأنه يفقد الاعتدال في الجلسة الذي يجعل مجرى الطعام غير
طبيعي , ولذلك قد يَشْرق الإنسان بالماء إذا شربه وهو متكئ .
الثانية : أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يطأ عقبه رجلان , بمعنى أنه لم يكن يأذن
للناس أن يمشوا خلفه , فهذا من تواضعه الجم , فلو أنه أذن للصحابة رضي الله عنهم أن
يتبعوه لأوعب أكثرهم خلفه احتراما له وتعظيما , ولكنهم لم يكونوا يفعلون ذلك لما
يعلمون من كراهيته إياه .
ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها "أن النبي صلى الله عليه
وسلم كان يخيط ثوبه , ويخصف نعله , ويعمل مايعمل الرجال في بيوتهم".( صحيح الجامع
الصغير رقم 4813)
فهذه أمثلة من تواضعه صلى الله عليه وسلم , حيث يقوم بشؤونه في البيت بنفسه مع كثرة
مشاغله والتزاماته, ومن صفات العظمة في الرجل أن لاتشغله الأمور الكبيرة عن الأمور
الصغيرة .
ومن ذلك ما أخرجه الحافظ الترمذي وحسنه من حديث معاذ بن أنس الجهني عن أبيه رضي
الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من ترك اللباس تواضعا لله وهو يقدر
عليه دعاه الله على رؤوس الخلائق, حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها" .
وقـوله " من أي حلل الإيمان " قال أبو عيسى الترمذي : يعني مايعطَى أهل الإيمان من
حلل الجنة .( سنن الترمذي , رقم 2481 , كتاب صفة القيامة باب 29(4/650))
فهذا الحديث فيه ترغيب عظيم في التواضع في اللباس , ببيان ماسيحظى به المتواضع من
ثواب جزيل في الجنة , وأن الثمن الذي يقدمه المسلم لشراء تلك السلعة الغالية هو أن
يترك اللباس الفاخر وهو يملك ثمنه تواضعا وزهدًا في مظاهر الدنيا , فما أرخص الثمن
وما أعظم المثمن!!
ومن ذلك ما أخرجه مسلم وأبو داود رحمهما الله من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله تعالى أوحى إلي : أن تواضعوا حتى
لايفخر أحد على أحد , ولايبغي أحد على أحد".( صحيح مسلم , رقم 2865 , كتاب صفة
الجنة (ص2199) سنن أبي داود , رقم 4895 , كتاب الأدب و باب في التواضع)
فقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتواضع للمؤمنين , وذكر نتيجتين من نتائج
الكبر , الأولى الفخر بأمور الدنيا كالنسب والمال والجاه , والثانية البغي
والاعتداء على الناس , والاتصاف بالتواضع يمنع المسلم من الوقوع في تلك المفسدتين
المترتبتين على الكبر .
ومن ذلك ما أخرجه مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: "مانقصتْ صدقة من مال , ومازاد الله عبدا بعفو إلا عزا , وماتواضع
أحد لله إلا رفعه الله" .(صحيح مسلم , رقم 2588 , كتاب البر ( ص 2001))
فهذا جزاء عظيم لعمل يسير على من يسره الله تعالى عليه , وهل يريد المسلم أعظم من
رفعة الدرجات يوم القيامة ؟!
ومما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلق التواضع – إضافة إلى مامر معنا من
ذلك في استعراض سيرته الشريفة – ماأخرجه الإمام الترمذي من حديث أنس بن مالك رضي
الله عنه قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استقبله الرجل فصافحه لاينـزع يده
من يده حتى يكون الرجل هو الذي ينـزع, ولايصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو
يصرفه,ولم يُرَ مقدِّما ركبته بين يدي جليس له" .(سنن الترمذي رقم 2490 , القيامة
ب46 (4/654))
وهذه آداب إسلامية رفيعة مبعثها التواضع , ويشملها خلق الإيثار , فهي تقوم على
اعتبار تقديم الغير على النفس في أمور الحياة , سواء في ذلك الأمور المعنوية , التي
تقتضي إعزاز الآخرين والرفع من مكانتهم كما في هذا الحديث , أو في الأمور المادية
التي تقوم على التنازل عن الحقوق المالية لمصلحة الآخرين .
ومن الأمثلة التربوية العالية المبنية على الرحمة والتواضع ما أخرجه أحمد من حديث
عبد الله ابن شداد عن أبيه رضي الله عنه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه
وسلم في إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر وهو حامل الحسن أو الحسين , فتقدم صلى
الله عليه وسلم فوضعه ثم كبر للصلاة , فصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها ,
فقال : إني رفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد
فرجعت في سجودي , فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال الناس : يارسول
الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك هذه سجدة قد أطَلْتها فظننا أنه قد حدث أمر أو أنه
قد يُوحَى إليك, قال: فكل ذلك لم يكن , ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي
حاجته".( مسند أحمد 3/494)
وأخرج الإمام البخاري من حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: خرج علينا النبي صلى
الله عليه وسلم وأمامة بنت أبي العاص [يعني بنت زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم]
على عاتقه , فصلى فإذا ركع وضعها وإذا رفع رفعها .( صحيح البخاري , رقم 5996 ,
الأدب (10/426))
وهذا منهج تربوي في غاية الرفعة والكمال , فهو يعطي الصغار حقوقهم الكاملة في
العناية والرعاية فينشؤون بنفوس كبيرة وشخصيات قوية تستطيع بعد تهذيب التربية
الدينية أن تتحمل المسؤوليات الكبيرة , ولكن هذه التربية العالية لايقوى عليها إلا
أصحاب النفوس الكبيرة الذين يتواضعون ويبذلون من وقتهم لإنشاء جيل يتحمل المسؤولية
في تبليغ هذا الدين وتطبيقه .
وهذا الخلق العالي يكون مبنيا على الرحمة , وإنما يتصف بذلك من قويَ إيمانهم وهذب
الإسلام نفوسهم , ولقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك النصيب الأكمل ,
فجاءت معاملته للصغار في غاية الكمال التربوي .
وإذا كانت هذه معاملته للأطفال وهو في صلاته وقد انشغل قلبه بما هو أعظم من ذلك,
فكيف تكون معاملته إياهم خارج الصلاة ؟!
ومن ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قبَّل رسول الله صلى
الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا , فقال الأقرع :
إن لي عشرة من الولد ماقبَّلت منهم أحدا , فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم ثم
قال : من لايَرحم لايُرحم .
وأخرجا من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقالوا : أتقبِّلون صبيانكم ؟ فقالوا : نعم , فقالوا : لكنا والله
مانقبِّل , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أو أملك إن كان الله نزع منكم
الرحمة ؟ .( صحيح البخاري رقم 5997 و 5998 , الأدب (10/426) , صحيح مسلم رقم 2318
و 2317 , الفضائل( ص1808))
وأخرج الإمام مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مارأيت أحدا كان أرحم
بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال: كان إبراهيم مسترضعًا له في عوالي
المدينة , فكان ينطلق ونحن معه فيدخل البيت وإنه ليدخَّن – وكان ظئره قينا [أي كان
زوج مرضعة إبراهيم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم صانعًا فكان في البيت دخان من
النار التي يوقد بها على الحديد .] – فيأخذه فيقبِّله ثم يرجع .( صحيح مسلم رقم
2316 , الفضائل (ص 1808) .)
فهذه أمثلة من رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالصغار , والأطفال بحاجة ماسة إلى
رحمة الكبار لأنهم في حال ضعف, وفي مرحلة الطفولة تتكوَّن بداية الأخلاق التي سيكون
عليها الأطفال إذا كبروا , فإذا كانوا يعاملون في صغرهم بالمودة والرحمة واللطف
فإنهم ينشؤون على هذه الأخلاق الكريمة , فيتعاملون بها إذا كبروا , ويعاملون بها
صغارهم , وهكذا ينشأ شباب الأجيال في حال رشدهم على مانشؤوا عليه في حال طفولتهم ,
وتتم بذلك حلقات من التربية الإسلامية على مكارم الأخلاق .
وكان صلى الله عليه وسلم يتواضع لمن يستخدمهم ويعاملهم بالعناية والرعاية كما يعامل
أبناءه كما جاء فيما أخرجه الإمام أبو داود من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا , فأرسلني يوما لحاجة , فقلت
: والله لا أذهب , وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وسلم ,
قال: فخرجت حتى أمرّ على صبيان وهو يلعبون في السوق فإذا النبي صلى الله عليه وسلم
قابض بقفاي من ورائي , فنظرت إليه وهو يضحك , فقال : يا أنيس اذهب حيث أمرتك ؟ قلت:
نعم أنا أذهب يارسول الله , قال أنس : والله لقد خدمته سبع سنين – أو تسع سنين –
ماعلمت قال لشيء صنعت لِمَ فعلت كذا وكذا ؟ ولا لشيء تركت هلا فعلت كذا وكذا".( سنن
أبي داوود رقم 4773 , الأدب باب 1 (5/132))
وهل نجد مثلا أعلى من هذا في معاملة الخدم ؟!
إن هذه المعاملة الكريمة تُشعر الإنسان المستخدم بكرامته وإنسانيته ولاتلغي وجوده
في المجتمع كإنسان يسهم في بناء المجتمع , والترقي به نحو الكمال , وهو حينما يخدم
أهل النبل والفضل فإنما هو تلميذ في مدرسة تربوية أخلاقية , ومن المفترض أن يتخرج
من هذه المدرسة وهو أعلى مايكون في سمو الفكر ونبل الأخلاق .
ومن أمثلة تواضعه صلى الله عليه وسلم ما أخرجه البخاري من حديث مجاهد بن جبر أن أبا
هريرة رضي الله عنه كان يقول " آللهِ الذي لا إله إلا هو , إن كنتُ لأعتمدُ بكبدي
على الأرض من الجوع, وإن كنت لأشد الحجرَ على بطني من الجوع . ولقد قعدْت يومًا على
طريقهم الذي يخرجون منه, فمرَّ أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله , ماسألته إلا
ليُشبعني , فمر ولم يفعل , ثم مرَّ بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله , ما سألته
إلا ليشبعني , فمرَّ فلم يفعل , ثم مر بي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم فتبسم حين
رآني وعرف مافي نفسي ومافي وجهي , ثم قال يا أبا هِرّ , قلتُ : لبيك رسول الله ,
قال: الحْقْ , ومضى , فتبعته , فدخل فاستأذن فأذن لي , فدخل فوجد لبنًا في قدح
فقال: من أين هذا اللبن ؟ قالوا : أهداهُ لك فلان – أو فلانة – قال: أبا هِرّ , قلت
لبيك يارسول الله , قال: الحق إلى أهل الصُّفة فادْعُهم لي . قال : وأهلُ الصفة
أضياف الإسلام , لايأوُون على أهل ولا مال ولا على أحد , إذا أتتهُ صدقة بعث بها
إليهم ولم يتناول منها شيئا , وإذا أتته هديةٌ أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها
, فساءني ذلك , فقلت : وماهذا اللبن في أهل الصفة؟ كنتُ أحقَّ أن أصيب من هذا اللبن
شَربةً أتقوَّى بها , فإذا جاءوا أمرني فكنتُ أنا أعطيهم , وماعسى أن يَبْلُغَني من
هذا اللبن , ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بُدّ , فأتيتهم
فدَعَوتهم , فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم , وأخذوا مجالسهم من البيت. قال : يا أبا
هرّ , قلت: لبيك يارسول الله , قال: خذ فأعطهم , فأخذتُ القدح فجعلتُ أعطيه الرجل
فيشربُ حتى يروى , ثم يردُّ عليَّ القدح فأعطيه الرجل فيشربُ حتى يروى , ثم يرد
عليَّ القدح , فيشرب حتى يروى , ثم يردُّ عليَّ القدح , حتى انتهيت إلى النبي صلى
الله عليه وسلم وقد روي القوم كلهم , فأخذ القدح فوضعه على يده , فنظر إليَّ فتبسم
فقال: أبا هر , قلت لبيك يارسول الله , قال : بقيتُ أنا وأنت : قلتُ صدقت يارسول
الله , قال: اقعد فاشرب , فقعدتُ فشربت , فقال: اشرب , فشربت , فمازال يقول : اشرب
, حتى قلتُ : لا والذي بعثك بالحق , ما أجدُ له مَسلكا .
قال : فأرني , فأعطيته القدح , فحمد الله وسمَّى وشرب الفضلة".( صحيح البخاري , رقم
6452 , الرقاق ( 11/281))
فهذا حديث عظيم يبين لنا عددا من الأمور المهمة :
فهو يبين أولاً وصفًا لسنوات من حياة الصحابة رضي الله عنهم عاشوا فيها في شظف من
العيش وتعرضوا للجوع الشديد فصبروا على ذلك صبرا جميلا ، وكان السبب الأساسي في ذلك
هو هجرتهم إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، حيث هاجروا من بلدانهم إلى
المدينة وتركوا أموالهم في بلادهم وراء ظهورهم ، فتحوَّلوا فجأة من أغنياء أو
متوسطي الحال إلى فقراء لايجدون ما يكفي لضرورة المعيشة ، ولم يكن ذلك التحوُّل
المفاجئ بالذي يشدهم إلى العودة إلى حياة الرخاء ويهوِّن من عزائمهم في البقاء على
هجرتهم ، ذلك لأنهم يحملون معاني سامية وأهدافًا عالية تشدهم إلى البقاء وتلغي من
أفكارهم النظر إلى الماديات وإن كانت في محيط الضرورات .
ويبين لنا هذا الحديث ثانيًا مثلاً من رحمة النبي صلى الله عليه وسلم حيث قام
بمواساة أولئك الكرام الذين ضحوا بسعادتهم المادية في مقابل الظفر بالسعادة الروحية
فهاجروا من بلادهم وتركوا أموالهم، فحينما وجد ذلك اللبن تذكَّر على الفور أصحاب
الصُّفَّة الذين يمسُّهم الجوع أحيانًا فاستدعاهم ليشاركوه وأبا هريرة في ذلك اللبن
، فهذا مثل بليغ في المواساة الرحيمة والشعور بالمسؤولية عن المسلمين الذين قعدتْ
بهم ظروفهم المعيشية عن تحصيل القدْر الضروري للحياة الكريمة .
ويبين لنا هذا الحديث ثالثًا أن من مظاهر السمو الفكري والشفافية الحانية في
المشاعر أن يتلمس القائد احتياج المحتاجين وإن كانوا في حال غياب عن ناظرَيْه وأن
لايقتصر في نظراته ومشاعره على من حضر عنده أو جمعته بهم المجامع ، فليس حضور
الحاضرين بالذي يرفع من مستوى احتياجهم ، وليس غياب الغائبين بالذي يخفض من ذلك ،
وليست مقاصد مجاملة الحاضرين بالتي تغلب على مقاصد مواساة ذوي الحاجات من الغائبين
عند العظماء الذين بلغوا كمال الرقي الأخلاقي .
إن الذي ينظر في تقييم الأمور إلى عالم الحس والمشاهدة ويغفل عن عالم الغيب يكون
تأثره بجوانب طلب المحمدة والمجاملة أكثر من تأثره بجواذب العاطفة والوجدان .
وإنه من أجل ملاحظة هذه المعاني الكريمة والمقاصد النبيلة نجد أن النبي صلى الله
عليه وسلم قد صبر على احتمال منظر أبي هريرة وهو يتلوَّى من الجوع من أجل أن يشبع
بطونا أخرى جائعة قد غابت عن ناظِريْهِ ولكنها كانت مهمينة على مخيلته وتفكيره
ليُحيْلَ أكبر عدد ممكن من حياة البؤس على حياة السعادة وليرى في قسمات وجوههم
مظاهر البشر والفرح بدلاً من أن يرى ذلك في وجه رجل واحد .
وإذا كان أبو هريرة قد ركَّز في هذا الخبر على نفسه فإنه إنما كان مدفوعًا إلى ذلك
بما كان يعانيه من جوع منهك قد جعله أسير النظر إلى تلبية الضرورة التي كان يعاني
منها ، إضافة إلى مايراه من قلة اللبن الذي لايزيد عن كفاية اثنين وعدم تصوُّره –
مع تلك الحال من الاضطرار- أنه أمام نبي عظيم قد حباه الله تعالى بالمعجزات الخارقة
التي منها تكثير الطعام والشراب بين يديه .
وأخيرًا فإن هذا الحديث مثل بليغ على تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث شرب
آخر القوم , وأهل الصفة كانوا كلهم من الفقراء , وإن التواضع يكون جليلا إذا صدر من
الرجل الكبير لضعفاء الناس ومساكينهم, وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم
التواضع لجميع الناس على مختلف طبقاتهم .
ولقد امتد تواضعه صلى الله عليه وسلم ليشمل البادية كما شمل الحاضرة , ومن ذلك ما
أخرجه الإمامان البزار والطبراني من حديث سالم بن أبي الجعد عن رجل من أشجع يقال له
زاهر بن حرام رجل بدوي, وكان لايزال يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بطُرفة أو هدية
, فرآه النبي صلى الله عليه وسلم في سوق المدينة يبيع سلعة , ولم يكن أتاه في ذلك
الوقت , فاحتضنه من وراء كتفه , فالتفت فأبصر النبي صلى الله عليه وسلم فقبَّل كفه
, فقال: من يشتري العبد ؟ فقال: إذًا تجدني يارسول الله كاسدا , قال: لكنك عند الله
ربيح , فقالصلى الله عليه وسلم : لكل حاضر بادية , وبادية آل محمد زاهر بن حرام ".(
جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد 2/565 – 566 , رقم 8948)
وهذا مثل عال للمزح التربوي , الذي يهدف إلى رفع الكلفة , وتوثيق الصلة , فإن
الإنسان إذا منَّ الله عليه بالسمعة العالية , والمكانة الرفيعة , تكون له في
النفوس هيبة قد تمنع من الاستفادة منه فيما إذا كان مسؤولاً إداريًّا , أو عالمًا
مربيًا , وقد تمنعه من الاستفادة من الناس في فهم واقع المجتمع الذي تنبني عليه بعض
الفتاوى والأحكام , فإذا جرى من المسؤول أو العالم المربي نوع من هذا المزح الهادف
فإنه يفتح مغاليق النفوس ويزيل الحرج من الصدور .
وهذا المزح التربوي إنما يكون مبنيا على الرغبة الصادقة في إصلاح المجتمع وتقويمه
مع التخلق بخلق التواضع .
ونجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعل من نفسه مثلا عاليا في التواضع لرعيته
الذين ولاه الله أمرهم حيث يقول له عمه العباس رضي الله عنه : إني رأيتهم قد آذوك
وآذاك غبارهم , فلو اتخذت عريشًا تكلمهم منه , فقال : لا أزال بين أظهرهم يطؤون
عقبي وينازعوني ردائي حتى يكون الله هو الذي يريحني منهم " أخرجه الإمام الدارمي.(
سنن الدارمي رقم 75 , المقدمة باب 14)
وهي سنة يسنها رسول الله صلى الله عليه وسلم للولاة والمربين من بعده حيث تواضع
لأفراد أمته , فعاش معهم كواحد منهم ولم يرض أن يتميز عليهم بشيء .
وإن التواضع لله أولاً ثم للمخلوقين دليل على سمو الفكر وكمال العقل , ولذلك جاءت
توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم بالتخلق بهذا الخلق الرفيع , وذلك لأن الشريعة
الإسلامية جاءت من عند الله تعالى لترفع من مستوى العقل البشري ولتميز أصحاب
الأفكار السوية وتوجههم نحو الإصلاح والقيادة التربوية .
وتذكر عائشة رضي الله عنها وصفًا جامعًا لما يتصف به رسول الله صلى الله عليه وسلم
من السماحة والتواضع والإيثار حيث تقول : " ماخُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم
بين أمرين إلا أخذ أيسرهما مالم يكن إثما , فإن كان إثما كان أبعد الناس منه , وما
انتقم صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة لله فينتقم لله بها " أخرجه
الإمامان البخاري ومسلم.( صحيح البخاري , رقم 3560 , المناقب (6/566) , صحيح مسلم
رقم 2327 , الفضائل ( ص1813))
وهذا مثل رفيع من أمثلة التواضع والسماحة والتجرد من حظ النفس , فإن النفوس مجبولة
على الغيرة لحرماتها , والعمل لجلب حظوظها , ولكن كلما قوي الإيمان بالله تعالى
تضاءلت الأنانية وقوي خلق الإيثار , حتى إذا بلغ الإيمان كماله لم يَعُد في تفكير
الإنسان نظر لحظ النفس وأصبح يعيش لإخوانه ومجتمعه الإسلامي , ولقد بلغ رسول الله
صلى الله عليه وسلم أعلى درجات الإيمان , فليس غريبا أن يكون أعلى نموذج في هذه
الأرض لتمثيل مكارم الأخلاق .
ولم تقتصر رحمة النبي صلى الله عليه وسلم على الإنسان بل تجاوزت ذلك إلى الحيوان ,
فمن ذلك ما أخرجه الإمام أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال :
كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته , فرأينا حُمَّرةً معها
فرخان فأخذنا فرخيها , فجاءت الحمرة فجعلت تُعَرِّش [يعني ترتفع وتظلل بجناحيها على
من تحتها] , فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من فجع هذه بولدها ؟ ردوا ولدها
إليها .
قال : ورأى قرية نمل قد حرقناها , فقال : من حرق هذه ؟ قلنا: نحن , قال: إنه
لاينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار.( سنن أبي داود رقم 5268 , كتاب الأدب (5/419
))
وأخرج أبو داود أيضًا من حديث عامر الرام أخي الخضر رضي الله عنه قال : إني
لببلادنا إذ رُفعت لنا رايات وألوية , فقلت : ماهذا ؟ قالوا : هذا لواء رسول الله
صلى الله عليه وسلم فأتيته وهو تحت شجرة قد بُسط له رداء وهو جالس عليه وقد اجتمع
إليه أصحابه .. ثم ذكر خبرا إلى أن قال : فبينا نحن عنده إذ أقبل رجل عليه كساء وفي
يده شيء قد التف عليه فقال: يارسول الله إني لما رأيتك أقبلت فمررت بغيضة شجر فسمعت
فيها أصوات فراخ طائر فأخذتهن , فوضعتهن في كسائي , فجاءت أمهن فاستدارت على رأسي ,
فكشفت لها عنهن فوقعت عليهن معهن , فلففتهن بكسائي فهن أولاء معي , فقال: ضعهن عنك
, فوضعهن وأَبتْ أمهن إلا لزومهن , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه :
أتعجبون لِرَحْم أم الفراخ فراخها ؟ قالوا : نعم يارسول الله , قال: فو الذي بعثني
بالحق لله أرحم بعباده من أم الفراخ بفراخها , ارجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتهن
وأمهن معهن , فرجع بهن.( سنن أبي داود رقم 2963 , أول كتاب الجنائز (2734))
وأخرج أبو داود أيضًا من حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: أردفني رسول
الله صلى الله عليه وسلم خلفه ذات يوم فأسرَّ إليَّ حديثًا لا أحدث به أحدا من
الناس , وكان أحبُّ ما استتر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته هدفًا أو حائش
نخل , قال : فدخل حائطا لرجل من الأنصار فإذا جمل , فلما رأى النبي صلى الله عليه
وسلم حنَّ وذرفت عيناه , فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فمسح ذِفْراه [أي مؤخر
رأسه] فسكت , فقال: من ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل ؟ فجاء فتًى من الأنصار فقال
: لي يارسول الله , قال: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملَّكك الله إياها ؟
فإنه شكَى إلي أنك تجيعه وتُدْئبه .( يعني تتعبه في العمل) (سنن أبي داود رقم 2439
, كتاب الجهاد (3/386 ))
وأخرجه الإمام أحمد وذكر نحوه.( مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر 3/1755 رقم 1754)
وفي هذه الأخبار وغيرها تعليم من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته بوجوب الرفق
بالحيوان وعدم إيذائه , ولزوم التيسير عليه في العمل وتوفير الغذاء الكافي له ,
فليعلم الذين يظنون أن الدول الغربية هي أول من أنشأ جمعيات الرفق بالحيوان بأن
الإسلام قد سبقهم بتوجيه جميع أفراد الأمة الإسلامية إلى الإحسان إلى جميع الأحياء
, وتوفير الحياة الملائمة لكل حي بلا ظلم ولاتقصير .
*
* *
-مواقف دعوية من السيرة النبوية –
- مثل من قدرة النبي صلى الله عليه وسلم على اختراق حصار الأعداء –
(إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي )
لقد كان حصار الأعداء لدعوة الإسلام شديدًا محكمًا , حيث لم يكتفوا بتنفير ساكني
مكة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشويه سمعته عندهم بل صاروا يتلقون الوافدين
إليهم ليسمِّموا أفكارهم وليحولوا بينهم وبين سماع كلامه والتأثر بدعوته .
وإن من أبرز الأمثلة على ذلك ماجرى منهم مع الطفيل بن عمرو الدوسي , وقد أخرج خبره
محمد بن إسحاق رحمه الله حيث قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على مايرى من
قومه [يعني من العداوة والإيذاء] يبذل لهم النصيحة ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه
وجعلت قريش – حين منعه الله منهم – يحذِّرونه الناس ومن قدم عليهم من العرب .
وكان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدِّث أنه قدم مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها
فمشى إليه رجال من قريش, وكان الطفيل رجلاً شريفًا شاعرًا لبيبًا , فقالوا له :
ياطفيل إنك قَدمْتَ [وفي رواية أنهم قالوا : "إنك امرؤ شاعر سيد " – سير أعلام
النبلاء 1/345] بلادنا , وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا , وقد فرق جماعتنا
, وشتت أمرنا , وإنما أمره كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه , وبين الرجل وبين أخيه
, وبين الرجل وبين زوجته , وإنا نخشى عليك وعلى قومك ماقد دخل علينا فلا تكلمنَّه
ولا تسمعنَّ منه شيئًا .
قال : فو الله مازالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئًا ولا أكلمه , حتى حشوت في
أذنيَّ حين غدوت إلى المسجد كُرْسفًا فرقًا [وفي رواية أنهم قالوا : "إنك امرؤ شاعر
سيد " – سير أعلام النبلاء 1/345] من أن يبلغني شيء من قوله , وأنا لا أريد أن
أسمعه. قال: فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند
الكعبة . قال: فقمت منه قريبًا, فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله, قال: فسمعت
كلامًا حسنًا , قال: فقلت في نفسي: واثُكل أمي؛ والله إني لرجل لبيب شاعر وما يخفى
عليّ الحسن من القبيح , فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول! فإن كان الذي
يأتي به حسنًا قبلته , وإن كان قبيحًا تركته .
قال : فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته فاتَّبعته حتى إذا
دخل بيته دخلت عليه, فقلت: يامحمد , إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا , للذي قالوا ,
فو الله مابرحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك , ثم أبى الله
إلا أن يسمعني قولك, فسمعته قولاً حسنًا, فاعرض عليّ أمرك .
قال فعرض عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام , وتلا عليَّ القرآن , فلا
والله ماسمعت قولاً قط أحسن منه ولا أمرًا أعدل منه . قال : فأسلمت وشهدت شهادة
الحق , وقلت: يانبي الله , إني امرؤ مطاع في قومي , وأنا راجع إليهم , وداعيهم إلى
الإسلام , فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونًا عليهم فيما أدعوهم إليه , فقال :
اللهم اجعل له آية .
قال : فخرجت إلى قومي , حتى إذا كنت بثَنيّة [الثنية : المكان المرتفع] تُطْلعُني
على الحاضر [يعني أهل بلده] وقع نور بين عيني مثل المصباح , فقلت: اللهم في غير
وجهي , إني أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي لفراقي دينهم . قال : فتحول فوقع
في رأسي سوطي , قال: فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق , وأنا
أهبط إليهم من الثنية , قال : حتى جئتهم فأصبحت فيهم .
قال : فلما نزلت أتاني أبي , وكان شيخا كبيرا , قال: فقلت : إليك عني يا أبت , فلست
منك ولست مني قال: ولمَ يابني ؟ قال: قلت : أسلمت وتابعت دين محمد صلى الله عليه
وسلم , قال: أي بني , فديني دينك , قال: فقلت : فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك , ثم
تَعَالَ حتى أعَلِّمك ماعُلِّمت. قال: فذهب فاغتسل , وطهر ثيابه , قال : ثم جاء
فعرضت عليه الإسلام فأسلم .
قال : أتتني صاحبتي [يعني زوجته] , فقلت : إليك عني , فلست منك ولست مني , قالت: لم
؟ بأبي أنت وأمي , قال: قلت : قد فَرَّق بيني وبينك الإسلام , وتابعت دين محمد صلى
الله عليه وسلم , قالت: فديني دينك , قال : قلت : فاذهبي إلى حنا ذي الشَّرَى
فتطهري منه .( قال ابن هشام : ويقال حمى ذي الشرى , وقال السهيلي : وهو موضع حموه
لصنمهم ذي الشرى , فإن صحت رواية ابن إسحاق فالنون قد تبدل من الميم كما قالوا :
حُلان وحلام للجدي , ويجوز أن يكون من حنوت العود , ومن مَحنِيَّة الوادي وهو ما
انحنى منه – الروض الأنف 3/376 - .)
قال : وكان ذو الشرى صنمًا لِدَوْس , وكان الحمى حمىً حموه له , وبه وَشَل من ماءٍ
يهبط من جبل .
قال : فقالت : بأبي أنت وأمي , أتخشى على الصِّبْيَة من ذي الشَّرى شيئًا ؟ قال:
قلت : لا أنا ضامنٌ لذلك , فذهبتْ فاغتسلتْ , ثم جاءت فعرضتُ عليها الإسلام ,
فأسلمت .
ثم دعوتُ دَوْسا إلى الإسلام فأبطأوا عليّ , ثم جئتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم
بمكة فقلت له : يانبي الله, إنه قد غلبني على دَوْس الزنى [وفي رواية أخرى " الزنى
والربا " – سير أعلام النبلاء 1/346] , فادع الله عليهم , فقال : اللهم اهْد دَوسًا
, إرجع إلى قومك فَادْعُهُم وارفق بهم .
قال : فلم أزل بأرض دَوْس أدعوهم إلى الإسلام , حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلى المدينة , ومضى بدر وأحد والخندق , ثم قدمت على رسول الله بمن أسْلَم معي
من قومي , ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر , حتى نزلتُ المدينة بسبعين أو
ثمانين بيتًا من دَوس , ثم لحقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر , فأسهم لنا
مع المسلمين .
ثم لم أزَل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , حتى إذا فتح الله عليه مكة , قال :
قلت : يارسول الله , ابعثني إلى ذي الكفين , صنم عمرو بن حُمَمَة حتى أحرِقَه .
قال
ابن إسحاق : فخرج إليه فجعل طُفيل يوقد عليه النار ويقول :
ياذا الكَفَيْن لَستُ من عُبّادكا ميلادُنا أقدمُ من ميلادكا
إني حشوتُ النار في فُؤَادكَا
قال ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فكان معه بالمدينة حتى قبض الله
رسوله صلى الله عليه وسلم . فلما ارتدت العربُ خرج مع المسلمين , فسار معهم حتى
فرغوا من طليحة , ومن أرض نجد كلّها .
ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة , ومعه ابنُهُ عَمْرو بن الطُّفيل , فرأى رؤيا وهو
متوجّه إلى اليمامة , فقال لأصحابه : إني قد رأيت رؤيا فاعْبُرُوها لي , رأيت أن
رأسي حُلق , وأنه خرج من فمي طائرٌ , وأنه لقيتْني امرأة فأدخلتني في فَرْجها ,
وأرى ابني يطلبني طلبًا حثيثًا ثم رأيته حُبس عني, قالوا : خيرًا .
قال : أمّا أنا والله فقد أوّلتها , قالوا : ماذا ؟ قال : أمّا حَلْق رأسي فَوضْعه
, وأما الطائر الذي خرج من فمي فَرُوحي , وأما المرأة التي أدخلتني في فرجها فالأرض
, تُحْفَرُ لي , فأغَيَّبُ فيها, وأما طلبُ ابني إياي ثم حَبْسه عني , فإني أراه
سيَجْهَد أن يصيبه ما أصابني .
فقتل رحمه الله شهيدًا باليمامة , وجُرح ابنه جراحة شديدة , ثم استبَلَّ منها , ثم
قتل عام اليرموك في زمن عمر رضي الله عنه شهيدًا.( سيرة ابن هشام 1/401)
وقد ذكر الحافظ ابن كثير هذه الرواية وقال : ولخبره شاهد في الحديث الصحيح , ثم ذكر
حديث أبي هريرة الذي أخرجه الإمامان أحمد والبخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال :" اللهم اهد دوسًا وائت بهم" .( البداية والنهاية 3/98)
يعني بذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي قال فيه " قدم طفيل بن عمرو الدوسي
وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يارسول الله إن دوسًا عصت وأبت فادع
الله عليها , فقيل : هلكت دوس , فقال : اللهم اهد دوسًا وائت بهم ".( صحيح البخاري
رقم 2937 ( 6/107) كتاب الجهاد , صحيح مسلم , فضائل الصحابة , رقم 2524 ص 1957 ,
مسند أحمد 2/243 .)
وهكذا رأينا مثالاً واضحًا للحجر الفكري الذي كان الكفار يمارسونه مع الدعوة
الإسلامية في بداية عهدها , وقد استخدموا للتأثير على الناس ليصدوهم عنها مختلف
الوسائل , فنجدهم كما في هذا المثال يتلقون الوافدين إلى مكة المكرمة , ويقومون
بمحاولة تسميم أفكارهم وملئها بالباطل ليحول ذلك دون وصولها إلى الحق .
ونجدهم يخاطبون الناس بالأساليب المؤثرة عليهم كما في قولهم في إحدى روايات هذا
الخبر للطفيل بن عمرو : إنك امرؤ شاعر سيد , فقد وصفوه بصفتين يعتز بهما العرب
كثيرًا وكأن لسان حالهم يقول : لقد تبوأت في عقولنا مكانة كبيرة لهذه المؤهلات فلا
تُنزل نفسك من هذه المكانة الرفيعة بسماع مايقوله مَنْ ليس في مستوى عقلك وتفكيرك ,
وحيث إن الطفيل عالم بالشعر والكهانة فقد اختاروا وصفًا آخر ينطلي عليه وعلى أمثاله
وهو السحر وسوغوا ذلك بكون رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرق بين الأحبة على حد
زعمهم .
وهكذا نجد دعاة الباطل في كل زمن يصورون دعاة الحق على أنهم إرهابيون وعواصف مدمرة,
ليكسبوا الناس إلى صفهم , فما يزال البسطاء والإمَّعات الذين ألفوا التبعية
والتقليد وعطلوا جانبًا كبيرًا من عقولهم .. ما يزالون يرددون كلامهم وينفرون الناس
من دعاة الحق .
ولقد تأثر الطفيل بن عمرو بكلام زعماء الكفار في مكة لما سبق أن استقر لهم من مكانة
وسمعة عالية بين العرب باعتبار أنهم جيران الحرم وحراس المشاعر المقدسة حتى بلغ به
الخوف من النبي صلى الله عليه وسلم إلى حد أنه سد أذُنيه بالقطن حتى لايسمع نداء
الحق .
وإذا كان الطفيل قد سد أذنيه حقيقة فما أكثر من فتحوا آذانهم ولكنهم سدوا منافذ
فكرهم وعطلوا عقولهم فأصبحوا يسمعون صوت الحق ليل نهار فما يوقظ فيهم ضمائر
ولايُحْيي فيهم مواتًا .
ولكن هل استطاع الكفار أن يحولوا بين الناس وسماع دعوة الحق ؟
إنهم لم يستطيعوا ذلك لأن صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أقوى من أصواتهم ,
ووسائلَه في التبليغ كانت أبلغ من وسائلهم , وثباتَه على مبدئه السامي كان أعلى
بكثير مما كان يتوقعه أعداؤه.
فالشيء الذي يجب أن يفكر به الدعاة وأن يجابهوا به الأعداء هو تطوير وسائلهم في
التبليغ إلى الحد الذي يفوق وسائل الأعداء في صد هذا التبليغ , لأن الحيلولة بين
الأعداء والوصول إلى الناس بالتضليل أمر غير ممكن غالبًا , وهكذا فعل رسول الله صلى
الله عليه وسلم حيث تمكن من رفع صوت الإسلام, على الرغم من قوة أعدائه وكثرتهم .
فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يقبع في بيته , ولم ينزو في زاوية من زوايا المسجد
الحرام, ليستخفي بدعوته, وليقي نفسه من سهام أعدائه المسمومة , بل إنه غامر بنفسه
فكان يخرج إلى مضارب العرب قبل أن يفدوا إلى مكة , وكان يجهر بتلاوة القرآن في
المسجد الحرام ليسمع من كان في قلبه بقية من حياة, وأثارة من حرية وإباء ,
فيتسرَّب الهدى إلى مجامع لبه , وسويداء قلبه .
وكان من هؤلاء صاحبُ هذه القصة الطفيل بن عمرو الدوسي الذي أدرك حال سماعه أن
ماتلاه النبي صلى الله عليه وسلم هو الحقُّ فأعلن إسلامه , وقد هيأ له ذلك كونه
متجردًا من اتباع الهوى ومتحررًا من ضغط السادة والزعماء .
فكم من إنسان في مكة آنذاك يدرك أن مايدعو إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو
الحقُّ الذي لامرية فيه, ولكن يمنعه من اتباعه وقوعه تحت ضغط الطغاة الذين يهددونه
في حياته أو في مصالحه الدنيوية .
وكان إيمان الطفيل قويَّا إلى الحد الذي تخطى به مجرد الالتزام الشخصي بتطبيق
الإسلام , إلى الانطلاق به ودعوة قومه إليه فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في
الرجوع إلى قومه ليدعوهم إلى الإسلام .
وكم من مسلم يظل عمره كله في مرحلة الالتزام الخاص ولايتحول إلى الدعوة , وهذا مظهر
من مظاهر ضعف الإيمان إذا كان ممن تعينت عليهم الدعوة , ويكون الوضع منكرًا ومزريًا
حينما يتخلى عن الدعوة من ينتسبون إلى العلم الديني مع احتياج الساحة الإسلامية
إليهم , بل إن تخصصهم في هذا المجال وبعدهم عن الدعوة فيه شيء من التناقض , وقد
يُعدُّون بواقعهم هذا فتنة للناس ومدعاة للصدود عن الدعوة .
أما حينما تكون الدعوة فرض كفاية على المسلم فإنه حينما يتخلى عنها يكون قد حرم
نفسه من باب كبير من أبواب الخير .
وإن ما أجرى الله تعالى على يدي الطفيل من هذه الكرامة حيث أضاء له طرفُ سوطه
واستجاب الله دعاءه يعدُّ كرامة لهذا الولي رضي الله عنه ومعجزة للنبي صلى الله
عليه وسلم الذي دعا له بذلك, وقد قدر الله تعالى وقوع ذلك لدعم الدعوة الإسلامية
وتثبيت الدعاة .
وحين مارس الطفيل دعوته فلم يستجب له غالبية قومه أصابه شيء من اليأس منهم , فجاء
إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكوهم ويطلب منه أن يدعو عليهم , ولما كان ذلك من
التعجل في الحكم على المدعوين واستظهار نتائج الدعوة المنافي لما تتطلبه الدعوة من
الصبر والأناة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجابه بضد ماطلب حيث دعا لهم
بالهداية , وهذا يعدُّ من أمثلة اتصاف النبي صلى الله عليه وسلم بالتأني والصبر إلى
جانب اتصافه بالشفقة والرحمة والرغبة العظيمة في هداية الناس .
كما أن في عدم دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على أولئك الكفار ودعائه لهم بالهداية
دليلاً على أن الأصل في هذا الموضوع هو تغليب جانب الرحمة بالكفار والدعاء لهم
بالهداية , وأن الدعاء على الكفار إنما يكون على المحاربين منهم إذا حصل منهم الأذى
على المسلمين . فيكون الدعاء عليهم لينقطع أذاهم عن المسلمين , لا لأنهم كفار , أما
المسالمون من الكفار فلا يشرع الدعاء عليهم , لأن مصلحة المسلمين في إسلامهم لافي
إصابتهم في دنياهم , وإذا كانت حكومات الكفار محاربة للمسلمين وشعوبها مسالمة فإن
الدعاء يكون على تلك الحكومات وجيوشها ومن لهم إعانة على أذى المسلمين فقط .
وإن ماذكره الطفيل من توغل قومه في الزنى والربا , وأن ذلك منعهم من الدخول في
الإسلام يعدُّ واقعًا ملموسًا في حياة الناس , حيث إن الوقوع في الشهوات المحرمة
يترتب عليه قسوة القلوب وانغلاق منافذ الفكر أحيانًا بحيث لايحب المصاب ذلك سماع
دعوة الحق التي ستحول بينه وبين الاستمرار فيما هو متوغل فيه من المعاصي .
ولذا فإن مما يختصر الطريق على الدعاة ويعينهم كثيرًا على الوصول إلى قلوب الناس أن
تُبذَل جهود مكثفة للحيلولة بين الشباب والوصول إلى مواقع الفتنة , وذلك بإزالة
معالم الجاهلية المتمثلة بدُور البغاء والملاهي المحرمة , وحانات الخمور ومعاقل
الربا ونحو ذلك من مظاهر الجاهلية .
هذا وإنّ امتناع قوم الطفيل عن الإسلام لأنه يمنعهم من الربا والزنى دليل على أنه
كان في حس أهل الجاهلية وشعورهم أن دخول الإنسان في الإسلام يعني التزامه حالاً
بأحكامه , وامتناعه من المنكرات المحرمة , ولم يكن في مفهومهم أن يدخل الإنسان في
الإسلام ثم يستمر في ممارسة ما كان يمارسه من الشهوات المحرمة , وإنهم بذلك أعظم
فهمًا للإسلام من عصاة المسلمين الذين يجمعون بين إعلان الإسلام والإصرار على
المنكرات التي نهى الله تعالى عنها .
وحينما كثر المؤمنون من قوم الطفيل ورأى أنه قادر على إزالة الرمز الأكبر للجاهلية
في بلاده وهو صنم "ذي الكفَّين" استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في أن يزيله
فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بما يبين أهمية ذلك وضرورته.( في بيان هذا الموضوع
ينظر " مواقف جهادية من السيرة النبوية " للمؤلف في نشرة "المصلحون")
* * *
انتهت
|