الرئيسية|رسالتنا ا أخبر صديقك ا مفضلتك ا أضف مقالك  ا أرسل استفتائك ا سجل الزوار ا المجموعة البريدية ا اتصل بنا|مباشر نـــوافذ الــدعوة Welcome to Dawahwain.com
          
 
القائمة الرئيسية
المشرف
المؤلفات
الديوانية
الصوتيات
الفــتاوى
تراجم علمائنا
ملتقـيات الخير
شبـهات و ردود
مقـالات مخـتارة
المـعهـد العلـمي
دليل مكتبة المرأة
الفـوائـد التـربـويـة
محاضـرات مكتوبة
ســيــر الصـــحـابة
دورة الملك سعود العلمية
دخول المشرفين
اسم المستخدم
كلمة المــرور
دخول
دخول البريد الخاص
Email
كلمة المرور
دخول
نوافذ الدعوة د. عبدالعزيز الحميدي المتقون المتقون - العدد السادس

المتقون - العدد السادس

تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :

1 – قبسات من القرآن الكريم .

2 – قبسات من السنة النبوية .

3 – توجيهات ومواقف أخلاقية .

4 – مواقف دعوية من السيرة النبوية .

- قبسات من القرآن الكريم –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : يقول الله سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ{102} وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ{103} وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{104} وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ{105} يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ{106} وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{107}) [آل عمران :102-107].

 

[102] ينادي الله سبحانه المؤمنين الذين سلكوا بإيمانهم به تعالى واتباعهم رسوله صلى الله عليه وسلم أول الطريق المستقيم الموصل إلى رضوانه جل وعلا والجنة ، فيأمرهم عز وجل بالاستقامة على ذلك الطريق ، وذلك بأن يستصحبوا الخوف من الله سبحانه فيستقيموا على تنفيذ أوامره واجتناب نواهيه ، وقوله (حَقَّ تُقَاتِهِ) تأكيد للأمر بالتقوى ، وهو غير محدد، وعدم تحديده يجعل المسلم يبذل أقصى جهده في اجتذاب رضوان الله عز وجل واجتناب سخطه ، ولهذا فسره حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بالجهاد في سبيل الله تعالى حيث قال : " حق تقاته أن تجاهدوا في الله حق جهاده ولاتأخذكم في الله لومة لائم وتقوموا لله بالقسط ولو على أنفسكم وآبائكم وأبنائكم" (تفسير الطبري 5/640)

 

فقد ذكر نوعي الجهاد : الجهاد بالنفس والجهاد باللسان ، ثم ذكر الحكم بالعدل ولو على النفس وأقرب الأقربين ، وذلك من أشق التكاليف .

 

(وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) وذكْر الإسلام بعد ذكر التقوى المؤكدة يفيد بأن المراد الانقياد الكامل لله تعالى والاستقامة التامة على شريعته ، والموت غير معروف أجله، وهذا يعني استصحاب هذا التوجيه الإلهي في كل لحظة من لحظات الحياة ، لأن الموت يحتمل أن يقع في أي لحظة .

 

[103] وبعد ذكر الاستقامة التامة على شريعة الله سبحانه بعد ذكر الإيمان الصادق يوجهنا الله جل وعلا إلى ضرورة الحفاظ على الأخوة الإسلامية حيث يقول (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ) الكاملة تكوِّن الفرد المسلم الصالح ، وإذا توافر الأفراد الصالحون تم بناء الأمة الإسلامية ، كالقصر الشامخ الذي تم بناؤه من اللبنات الصالحة ، فالله سبحانه يأمرنا بأن نعتصم بحبله المتين المتمثل بكتابه العزيز وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم المطهرة .. هذا الحبل الموصل إلى تحقيق هدف الإسلام الأعلى وهو ابتغاء رضوان الله تعالى واجتناب سخطه والظفر بالسعادة الأخروية ، وإن من أهم وسائل تحقيق الوصول إلى هذا الهدف السامي تحقيق الجماعة الإسلامية والبعد عن التفرق ، وهذا يفيد بأن الاستقامة الفردية لاتحقق التمسك بحبل الله المتين وأنه لابد من وجود جماعة المسلمين المعتصم أفرادها جميعا بذلك الحبل المتين .

 

ويُذكِّر الله سبحانه الصحابة رضي الله عنهم بماضيهم في الجاهلية يوم أن كانوا أعداء يتقاتلون لأتفه الأسباب (وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) فهذا العداء المذكور في الآية من أوضح أمثلته العداء الذي كان بين الأوس والخزرج في المدينة والقتال الذي ظل بينهم مدة من الزمن بتحريض من يهود المدينة الذين يرون أنه لا استقرار لهم فيما لو اتحد الأوس والخزرج ، فيذكِّرهم الله تعالى هم وأمثالهم بنعمته الجليلة عليهم حيث جمع قلوبهم على الإسلام فرفضوا ماضيهم الأسود وأصبحوا إخوة متحابين يجاهدون جميعا في سبيل الله تعالى .

 

ثم يُذكِّر الله سبحانه المسلمين بماضيهم الجاهلي يوم أن كانوا على حافة نار جهنم فأنقذهم الله عز وجل بالإسلام ونجاهم من النار (وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا).

 

وكما بين الله تعالى لكم – أيها المسلمون – أهمية الاستقامة على الشريعة الإسلامية والاعتصام بالكتاب والسنة والمحافظة على الأخوة الإسلامية يبين لكم سائر حججه المقنعة لذوي الألبـاب لتهتدوا إلى سـبيل الرشاد فتسلكوها وتستقيموا عليها (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).

 

[104] وبعد أن ذكر الله سبحانه ضرورة قيام جماعة المسلمين والحفاظ على الأخوة الإسلامية أمر تعالى المسلمين بأن تكون منهم جماعة من أهل العلم والبصيرة والحكمة تقوم بمهمة الدعوة إلى الخير ومهمة إصلاح المجتمع المسلم (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) فذكر الله سبحانه الدعوة إلى الخير أولاً، وهذه دعوة عامة يقوم بها الأفراد وتقوم بها الجماعة ولاتحتاج إلى سلطة ، ومهمتها القيام بكل الأعمال الخيرية والتذكير بالاستقامة على شريعة الله تعالى، وهذه مهمة الدعاة إلى الله عز وجل ، ثم ذكر مهمة إصلاح المجتمع المسلم ، وهذه فيها أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ، فهي قد تحتاج إلى سلطة ، وهذه من مهام جماعة المسلمين ، فلابد من تهيئة دعاة مصلحين يقومون بمراقبة المجتمع المسلم والبحث عن مواطن الخلل فيه وإعداد الدراسات لمحاولة إصلاحه ، ولابد للمتقين من أن يمكنوا جماعة المسلمين من القوة التي بها تستطيع إصلاح المجتمع ، وذلك بتمكين جماعة من المصلحين للقيام بهذه المهمة ، وأولئك الدعاة المصلحون هم الفائزون بالسعادة الأخروية  .

 

ولا ينبغي أن يفهم من هذا أن الدعوة إلى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمور خاصة بمن يتم تعيينهم من الدولة الإسلامية ، بل إن ذلك عام في كل من تعلم شيئا من العلم الشرعي وأصبح قادرًا على القيام بهذا الأمر .

 

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من واجبات الكفاية على قول الجمهور ، فإذا قام به بعض المكلفين سقط عن الآخرين وإلا أثموا جميعًا .

 

[105 – 107] ثم يحذرنا الله جل وعلا من أن نكون كأهل الكتاب الذين تفرقوا في دينهم واختلفوا وتركوا الحق عمدًا بعدما علموه حيث يقول (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) يعني ولاتكونوا –أيها المسلمون – كالذين تفرقوا من أهل الكتاب واختلفوا في دينهم من بعد ما جاءهم من حجج الله الواضحة تعمدًا منهم لمخالفة الحق واتباع الباطل ، وأولئك المتفرقون المختلفون لهم عذاب عند الله تعالى عظيم (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) وذلك يوم القيامة .

 

(فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ) وهم الذين جحدوا الحق بعدما عرفوه فيقال لهم (أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) فاخترتم طريق الباطل على طريق الحق ( فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) بسبب جحدكم الحق بعد معرفته .

 

(وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ) بالإيمان وهم الذين استمروا على الحق بعد معرفته (فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ) فهم في جنة الله تعالى ونعيمها (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) باقون فيها أبدا .

*          *          *

- قبسات من السنة النبوية –

-حقوق الجار –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد :  فهذه أحاديث تربوية في مجال حفظ الجار , فمن ذلك ما أخرجه الأئمة البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ".( صحيح البخاري رقم 6014, كتاب الأدب , باب الوصاة بالجار (10/441) صحيح مسلم رقم 2624 في البر والصلة , باب الوصية بالجار سنن أبي داود رقم 5151 في الأدب باب في حق الجوار سنن الترمذي رقم 1942 في البر باب في حق الجوار .)

 

يعني أنه من عظم حق الجار تكررت الوصية من جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم ببيان حقه وإكرامه والنهي عن أذاه حتى أصبح بمنزلة الأخ من النسب , وحتى ظن صلى الله عليه وسلم أن التشريع سينزل بتوريث الجار من جاره .

 

ونجد أن النبي صلى الله عليه وسلم ينفي الإيمان عن الإنسان الذي لايحب جاره , كما أخرج الإمام مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لايؤمن عبد حتى يحب لأخيه أو قال لجاره ما يحب لنفسه ".( صحيح مسلم , رقم 45 ( ص 67) .)

 

فلقد بلغ من اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالجار أن أقسم على نفي الإيمان عن عبد لايحب لجاره مايحب لنفسه , وهذا من أبلغ الأدلة على عظم حق الجار , وإذا كان الإنسان سينتفي عنه الإيمان إذا أبغض جيرانه فما قيمة وجوده في هذه الحياة الدنيا ؟! إن قيمة وجوده في إيمانه وما يقدمه من عمل صالح يرفع رصيده من الحسنات يوم القيامة , ويأتي في مقدمة هذه الأعمال حبه لجيرانه.

 

وجاء ضمن حديث طويل يشتمل على وصايا نبوية : "وأحسن جوار من جاورت تكن مسلما" .(سنن ابن ماجه , رقم 4217 الزهد (2/ 1410) .)

 

فالمجاورة بالإحسان لابد منها للحكم للإنسان بالإسلام وبضد ذلك إذا جاور بسوء .

 

وفي إقرار مبدإ التكافل الاجتماعي يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :"ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به " أخرجه الطبراني من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.( المعجم الكبير , رقم 751 , (1/232) .)

 

فهذا حديث عظيم , فإن أعز شيء على المسلم إيمانه, وإذا كان إيمانه سينتفي حينما يترك جاره جائعا وهو يعلم به فإنه سيسارع إلى إطعام جاره ولو بمقاسمته طعامه, وبهذا الحديث وأمثاله فإنه لن يوجد جائعون في العالم الإسلامي , لأن الإسلام يلزم جيرانهم بإطعامهم .

 

ويقول رسول الله  صلى الله عليه وسلم في بيان أفضل الجيران "خير الأصحاب خيرهم لصاحبه, وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره"أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.(سنن الترمذي , رقم 1945 , في البر والصلة , باب ماجاء في حق الجوار .)

 

والخيرية عند الله تعالى منزلة عالية , وكل إنسان له جيران, والتفاضل بين هؤلاء الجيران عند الله تعالى يكون بمقدار مايقدمون لجيرانهم من الخير والإحسان .

 

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الجيران بالتهادي بينهم حتى يذهب مافي نفوسهم من البغضاء وتتقوى الصلة بينهم , ففي حديث أخرجه الأئمة البخاري ومسلم والترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يانساء المؤمنات لاتحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة " .

 

وفي رواية الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" تهادوا فإن الهدية تُذهب وحر الصدر , ولا تحقر جارة لجارتها ولو شق فرسن شاة ".( صحيح البخاري , كتاب الأدب رقم 6017 , باب لاتحقرن جارة لجارتها (10/445) صحيح مسلم رقم 1030 في الزكاة , باب الحث على الصدقة , سنن الترمذي رقم 2131 في الولاء والهبة باب حث النبي صلى الله عليه وسلم على التهادي .)

 

دووحر الصدر غله وغشه .

 

وفرسن الشاة ظلفها , ويطلق على العظم القليل اللحم , والمراد الشيء القليل .

 

ففي هذا الحديث بيان ما للهدية من أثر فعال في تصفية القلوب وإزالة مايكدر صفوها من الغل والحقد , لأن المسلم حينما يقدم لأخيه الهدية فإنما يعبر له بذلك عن صفاء قلبه نحوه , واستعداده الكامل للتفاهم معه على الأمور التي قد تكون سببا في تكدير صفاء القلوب , فإذا استشعر المهدى إليه هذا المعنى فإنه بدوره ينجذب نحو أخيه المهدي إليه ويزول مافي قلبه عليه من الغل والحقد .

 

وإذا كان هذا مطلوبا بين المسلمين عموما فإنه بين الجيران من باب أولى , وقد جاء التعبير عن الجيران بالجارات من النساء لأنهن عادة يستنكفن من الهدية إذا كانت قليلة فلا يهدين إلا ماكان كثيرا, وهذا الكثير قد لا يتوافر فتتوقف بذلك الهدايا بين الجيران , فجاء الارشاد خاصا بالنساء ليبادرن إلى التهادي بينهن ولو بأقل القليل .

 

وفي التهادي بين الجيران أخرج الإمام مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: "إن خليلي أوصاني : إذا طبخت مرقا فأكثر ماءه ثم انظر أقرب أهل بيت من جيرانك فأصبهم بمعروف".( والمقصود بالمرق اللحم)

 

وفي حديث آخر أخرجه الإمامان البخاري وأبو داود من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: " قلت: يارسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي ؟ قال: إلى أقربهما منك بابا"  . (صحيح البخاري و كتاب الأدب , باب حق الجوار , رقم 6020 (10/447) , سنن أبي داود رقم 5155 في الأدب, باب حق الجوار .)

 

وفي هذا دليل على أن الذي يُقدَّم بالهدية هو الأقرب من الجيران , وليس الأغنى أو الأكثر شرفا ورفعة .

 

ولقد طبق الصحابة رضي الله عنهم هذه التوجيهات النبوية ومن ذلك ما أخرجه الإمامان أبو داود والترمذي من حديث عمرو بن شعيب رحمه الله عن أبيه قال: ذُبحت شاة لابن عمرو في أهله فقال: أهديتم لجارنا اليهودي ؟ قالوا : لا , قال: ابعثوا إليه منها , فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " . (سنن أبي داود رقم 5152 في الأدب , باب في حق الجوار, سنن الترمذي رقم 1944 في البر , باب في حق الجوار .)

 

وهكذا اهتم عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما بجاره اليهودي , ولم يحرمه من الهدية لكونه على غير دينه , فإن له حق الجوار وإن كان مخالفا في الدين , وهذا مثل على تسامح المسلمين وحسن معاملتهم لأهل الذمة , وذلك تنفيذ منهم لأحكام الإسلام وآدابه .

 

وإن هذه المعاملة الكريمة لمن ليسوا على ديننا لأكبر دافع لهم إلى الدخول في الإسلام , وإزالة مافي نفوسهم من الكراهية لهذا الدين والنفور منه .

*          *          *

- توجيهات ومواقف أخلاقية –

-توجيهات ومواقف في الحلم والعفو –

من مواقف أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك رحمه الله :

ومن أخبار الولاة المتصفين بالحلم والأناة ماذكره الحافظ ابن كثير عن أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك , حيث قال فيه : وكان فيه حلم وأناة , شَتَم مرة رجلا من الأشراف فقال أتشتمني وأنت خليفة الله في الأرض ؟ فاستحيى وقال : اقتص مني بدلها – أو قال مثلها – فقال: إذًا أكون سفيهًا مثلك , قال: فخذ عوضا , قال: لا أفعل , قال: فاتركها لله , قال: هي لله ثم لك , فقال هشام عند ذلك : والله لا أعود إلى مثلها.( البداية والنهاية 9/366 .)

 

هذا مثل في الحلم والوقار , وإذا كان هشام بن عبد الملك قد زل لسانه بقول مالا يحمد فإنه قد أنصف من نفسه بالاعتذار من الخطأ , وهذا دليل على تواضعه وعلو تفكيره حيث قدم رعاية مكارم الأخلاق على النظر إلى حظ نفسه ومجده الدنيوي .

 

من مواقف أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور رحمه الله :

من أخبار الحلم والعفو ماذكر عن محمد بن رباح الجوهري قال : ذُكر لأبي جعفر تدبير هشام بن عبد الملك في حرب كانت له , فبعث إلى رجل كان معه ينزل الرصافة – رصافة هشام- يسأله عن تلك الحرب , فقدم عليه , فقال: أنت صاحب هشام ؟ قال: نعم ياأمير المؤمنين, قال: فأخبرني كيف فعل في حرب دبَّرها في سنة كذا وكذا ؟ قال : إنه فعل فيها رحمه الله كذا وكذا , ثم أتبع بأن قال: فعل كذا رضي الله عنه , فأحفظ ذلك المنصور فقال: قم عليك غضب الله ! تَطَأُ بساطي وتترحم على عدوي ! فقام الشيخ وهو يقول : إن لعدوك قلادةً في عنقي ومنَّةً في رقبتي لاينزعها عني إلا غاسلي .

 

فأمر المنصور بردِّه وقال: اقعد , هيه كيف قلت : فقلت إنه كفاني الطلب , وصان وجهي عن السؤال , فلم أقف على باب عربي ولا أعجمي منذ رأيته , أفلا يجب علي أن أذكره بخير وأُتبعه بثنائي! فقال : بلى : لله أمٌّ نهضت عنك وليلةٌ أدَّتْك , أشهد أنك نَهيضُ حرَّة وغراس كريم.

 

ثم استمع منه , وأمر له ببرّ , فقال : يا أمير المؤمنين ما آخذه لحاجة وماهو إلا أني أتشرف بحبائك وأتبجَّح بصلتك , فأخذ الصلة وخرج , فقال المنصور , عند مثل هذا تَحسُن الصنيعة ويوضع المعروف ويُجَاد بالمصون , وأين في عسكرنا مثله !.( تاريخ الطبري 8/78 – 79 .)

 

ففي هذا الخبر موقفان : الأول موقف صاحب هشام الذي حفظ المعروف ولم ينس الجميل, فأثنى على صاحبه في بلاط حاكم قد عادى صاحبه وأزال دولته وكونه صرح بذلك الثناء وهو في ذلك المكان دليل على اتصافه بخلق الوفاء وخلق الشجاعة .

 

والموقف الثاني : موقف أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور الذي بهرته أخلاق ذلك الرجل فأثنى عليه ذلك الثناء العاطر , ولم تأخذه العزة بالإثم فيلجأ إلى قوته وهيمنته وينتقمَ من ذلك الرجل, بل غلَّب عقله الرشيد على عاطفته وازْدَان بخلق الحلم والإنصاف فأثنى على ذلك الرجل ووصله .

 

ومن مكارم الأخلاق في مجال الحلم والعفو عند المقدرة ماذكره أبو جعفر الطبري من خبر داود بن رشيد عن أبيه أن المنصور خطب فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له .. فاعترضه معترض عن يمينه , فقال : أيها الإنسان أُذكِّرك من ذكَّرتَ به , وأعوذ بالله أن أكون جبارًا عنيدًا , وأن تأخذني العزة بالإثم , لقد ضللتُ إذًا وماأنا من المهتدين , وأنت أيها القائل فوالله ما أردتَ بها وجه الله , ولكنك حاولت أن يقال: قام فقال فعوقب فصبر , وأَهْوِنْ بها ويلك لو هممت , فاهْتَبِلْها إذا غفَرْت , وإياك وإياكم معشر الناس أختَها , فإن الحكمة علينا نزلت , ومن عندنا فصلت فردوا الأمر إلى أهله توردوه موارده , وتصدروه مصادره , ثم عاد في خطبته فكأنه يقرؤها من كفه , فقال : وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.( تاريخ الطبري 8/90 .)

 

فهذا الخبر يشتمل على مجموعة من الأخلاق تخلَّق بها أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور , حينما سمع كلام ذلك الرجل المعترض عليه في خطبته .. من الصبر على الأذى والحلم والعفو عند المقدرة , إلى جانب اتِّصافه بالفصاحة والمقدرة البيانية ,وهذه من دلائل عظمته ونبوغه , ولقد كانت هذه الأخلاق والصفات وغيرها من فضائله أثرًا ظاهرًا للتربية العلمية والدينية التي تلقَّاها على يد شيوخ العلم الربانيين المربين , فقد جالس العلماء طويلا حتى أصبح معدودا منهم لولا اشتغاله بسياسة أمور الأمة .

 

ومن مواقف أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور في الحلم والعفو ماذكره الإمام محمد بن جرير الطبري عن الفضل بن الربيع عن أبيه أنه قال : بينا أنا قائم بين يدي المنصور أو على رأسه إذا أُتِيَ بخارجيّ قد هزم له جيوشًا , فأقامه ليضرب عنقه , ثم اقتحمته عينه فسب أمه وقال: مثلك يهزم الجيويش ! فقال له الخارجي : ويلك وسوءة لك ! بيني وبينك أمس السيف والقتل واليوم القذف والسب, وماكان يؤمِّنك أن أرد عليك وقد يئستُ من الحياة فلا تستقيلها أبدا ! قال : فاستحيى منه المنصور وأطلقه , فما رأى له وجهًا حولا.( تاريخ الطبري 8/68 .)

 

فهذا رجل قد أعلن الحرب على دولة أبي جعفر المنصور , وهذا يعني أنه يريد قتله وقتل رجال دولته وإزالة ملكه , وكان جزاءه أن قدمه المنصور للقتل لما ظفر به , ولكنَّ فلتةً من لسان المنصور أنقذت ذلك الرجل , فالرجل محارب ولايعترض على الانتقام منه بالقتل, لأنه لم يخرج إلا وقد وطن نفسه لذلك , ولكنه لم يحتمل قذف وسب أمه , لأن أمه لاعلاقة لها بما حدث, فسبها وقذفها من اتهام الأبرياء , وقد ذكَّر هذا الرجل الخارجي المنصور بأنه باستطاعته أن يرد عليه بسباب يعلق بأذهان الناس , فيتمنى المنصور أنه سلم من إثارة ذلك الرجل , ولن يفعل المنصور به أكثر من القتل , ولن يمنعه من ذلك رجاء الحياة لأنه قد يئس منها , وقد استحيى المنصور من ذلك الجواب الذي يدل على أدب رفيع من ذلك الخارجي , حيث لم يأبه بالقتل وغضب من سماع قذف أمه , وهذا يدل على نبل المنصور وحلمه , حيث قدر هذا التفكير العالي من ذلك الرجل فعفا عنه وأطلقه .

 

من مواقف الوزير يحيى بن هبيرة رحمه الله :

من الأخلاق العالية التي كان يتحلى بها الوزير أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة في الحلم والعفو عند المقدرة مارواه الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين البغدادي نقلا عن ابن الجوزي قال : كنا نجلس إلى الوزير ابن هبيرة فيملي علينا كتابه ٍ الإفصاحِ فبينا نحن كذلك إذ قدم رجل ومعه رجل ادَّعى أنه قتل أخاه فقال له عون الدين : - يعني ابن هبيرة – أقتلته ؟ قال: نعم, جرى بيني وبينه كلام فقتلته , فقال الخصم : سلِّمه إلينا حتى نقتله فقد أقرَّ بالقتل , فقال عون الدين: أطلقوه ولاتقتلوه , قالوا : كيف ذلك وقد قتل أخانا ؟ قال : فتبيعونه ؟ فاشتراه منهم بست مائة دينار وسلم الذهب إليهم وذهبوا , فقال للقاتل : اقعد عندنا لاتبرح , قال : فجلس عندهم وأعطاه الوزير خمسين دينارًا , فقلنا للوزير : لقد أحسنت إلى هذا وعملت معه أمرًا عظيما, وبالغت في الإحسان إليه , فقال الوزير : منكم أحد يعلم أن عيني اليمنى لا أبصر بها شيئًا؟ فقلنا : معاذ الله , فقال : بلى والله , أتدرون ماسبب ذلك ؟ قلنا : لا , قال: هذا الذي خلصته من القتل جاء إليَّ وأنا في الدُّور ومعي كتاب من الفقه أقرأ فيه ومعه سلَّة فاكهة , فقال: احمل هذه السلة , قلت له : ماهذا شغلي فاطلب غيري, فشاكلني ولكمني فقلع عيني ومضى ولم أره بعد ذلك إلى يومي هذا , فذكرت ماصنع بي , فأردت أن أقابل إساءته إليَّ بالإحسان مع القدرة.( ذيل طبقات الحنابلة 3/257 .)

 

فهذا مثل جليل في مكارم الأخلاق , وذلك في العفو عند المقدرة ومبادلة الإساءة بالإحسان, فلقد كان الوزير عون الدين ابن هبيرة قادرًا على أن يعاقب ذلك الرجل بأن يقتصَّ منه كما اعتدى عليه ثم يقيم عليه حد القتل الذي أقرَّ به , أو على الأقل أن يقيم عليه هذا الحد وهو يتشفَّى منه , ولكنه لما رأى مجالا من مجالات الأخلاق العالية بادر إلى العفو عند المقدرة والإحسان إلى من أساء إليه , وهكذا تسمو النفوس الطموحة إلى معالي الأمور , وذلك بتحجيم هوى النفس والتخلص من رواسب حب الذات , وذلك بشراء المعاني السامية والمُثُل العليا بعَرض الدنيا الزائل.

*          *          *

-مواقف دعوية من السيرة النبوية –

– مثل من دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤثرة

( إسلام ضماد الأزدي ورجل من بني عامر)

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم النجاح في دعوته , بليغًا في التأثير على من خاطبه, حيث يؤثر على من جالسه بهيئته وسمته ووقاره قبل أن يتكلم , ثم إذا تحدث أسر سامعيه بمنطقه البليغ المتمثل من العقل السليم والعاطفة الجياشة بالحب والصفاء والنية الخالصة في هداية الأمة بوحي الله تعالى .

 

وإن من أبرز الأمثلة على قوته في التأثير بالكلمة المعبرة والأخلاق الكريمة , ماكان من موقفه مع ضماد الأزدي الذي وفد إلى مكة وتأثر بدعاوى المشركين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وقر في نفسه أنه مصاب بالجنون كما يتهمه بذلك قومه .

 

وقد أخرج الإمام مسلم رحمه الله من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن ضمادًا الأزدي قدم مكة وكان من أزد شنوءه , وكان يرقي من هذه الريح – يعني يعالج من الجنون – فسمع سفهاء مكة يقولون إن محمدًا مجنون فقال : لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي .

 

قال فلقيه فقال : يامحمد إني أرقي من هذه الريح , وإن الله يشفي على يدي من شاء فهل لك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الحمد الله نحمده ونستعينه , من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأن محمدًا عبده ورسوله , أما بعد" .

 

قال فقال : أعد علي كلماتك هؤلاء , فأعادهن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات, قال فقال: لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء , فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء, ولقد بلغن قاموس البحر.( ذكر الإمام النووي أنه ضبط هذه الكلمة من وجهين : أولهما ناعوس والثاني قاموس , وذكر أن هذا هو الأشهر عند غير  مسلم , وعليه سار أبو مسعود الدمشقي في أطراف الصحيحين والحميدي في الجمع بين الصحيحين , وذكر أن هذا هو الموافق لكلام أهل اللغة وأن معناه وسط البحر وقعره ولجته – شرح النووي على صحيح مسلم 6/157 - .)

 

قال فقال : هات يدك أبايعك على الإسلام قال: فبايعه , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وعلى قومك , قال: وعلى قومي .

 

قال : فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية (يعني بعد الهجرة) فمروا بقومه فقال صاحب السرية للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئًا ؟فقال رجل من القوم : أصبت منهم مطهرة,فقال:ردوها فإن هؤلاء قوم ضماد. (صحيح مسلم ص 593 , رقم 868 .)

 

في هذا الخبر بيان أن المشركين كانوا يتهمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنون , فهل كان وصفه بذلك مجرد تهمة ألصقها به أعداؤه من غير أن يسوغوها بأسباب يتوقعون أنها مقنعة ؟

 

قد تكون هذه التهمة غير مسوغة بذلك , وإنما هي مجرد رأي خطر لبعض زعمائهم لينفروا الناس من سماع دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبعهم على ذلك عامتهم .

 

وقد تكون مسوغة بمخالفة ما عليه جمهور الناس , والقيام بتحدي من يملكون القوة والهيمنة, والتضحية من أجل المبدأ بالمال والنفس . فيرى بعض الناس أن العقل يقتضي مسايرة الناس وطلبَ السلامة في النفس والمال , وأن إهدار ذلك وتعريض النفس للهلاك , والمال للضياع من أجل المحافظة على مبدأ يخالف ماعليه الناس نوع من الجنون .

 

ومن هذا الباب اتهام المشركين أبا بكر بالجنون حينما عرَّض نفسه للأذى وهو يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي .

 

ولذلك ترتفع نغمات بعض المنافقين في كل زمن فيتهمون دعاة الإسلام الذين يقاومون الباطل, ويتعرضون من أجل رفع دعوة الحق لضياع الأموال والتشرد والسجون والقتل أحيانًا .. يتهمونهم بالجنون .. لا على أنهم قد فقدوا عقولهم بالكلية , ولكن على أنهم فقدوا نوعًا من العقول يراها هؤلاء المنافقون وأشباههم من ضعفاء الإيمان هي العقول السليمة الجديرة بحمل هذا الاسم .. هذه العقول هي التي ترعى مصالحها الدنيوية , وتساير جميع الأوضاع التي تعيش فيها سواء كانت الهيمنة لأهل الحق أو كانت لأهل الباطل .

 

فالتخلي عن المال من أجل الحفاظ على المبدأ السامي يعدُّ عند هؤلاء ضربًا من الجنون .

 

والنظر إلى الدنيا والتفكير الدائم في تدبير الأموال وسياسة تشغيلها وصرفها هو عين العقل عند هؤلاء , ويستوي عندهم من يبعثر أمواله في الطيش والتهور , ومن ينفق أمواله في سبيل الله تعالى , فكلاهما عند هؤلاء سفيه قاصر العقل , بينما يكون الحكم في الإسلام على الأول بأنه قاصر العقل سفيه يجب الحجر عليه, أما الثاني فإنه كامل العقل حيث قدم ماله ليكسب في الآخرة أضعافًا مضاعفة من الأجر , ويستحق الثناء والشكر بما قدم من ماله لخدمة دينه وإخوانه المسلمين.

 

هذا وقد وجدت من كلام علماء التفسير ما يؤيد هذا التوجيه وذلك فيما رُوي عن الحسن البصري رحمه الله أنه فسر اتهام المشركين ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالضلال قال : وذلك أنهم لم يريدوا بالمجنون الذي يخرق ثيابه ويهذي , بل لأن النبي صلى الله عليه وسلم خالف أهل العقل في نظرهم , كما يقال: ما لفلان عقْل.( فتاوى ابن تيمية 16/72 .)

 

وقال الحسن أيضًا في هذا المعنى : لقد رأيت رجالاً لو رأيتموهم لقلتم مجانين . (فتاوى ابن تيمية 16/72 .)

 

يخاطب بذلك أهل الدنيا في عصره من المسلمين , ويريد بالرجال من رآهم من الصحابة رضي الله عنهم, ويقصد بهذا الكلام أن أهل الدنيا في عصره لو رأوا الصحابة في زهدهم في الدنيا وإقبالهم على الآخرة وتنافسهم في الجهاد وطلب الشهادة والإنفاق في سبيل الله تعالى لاتهموهم بالجنون .

 

وفي هذا الخبر بيان اتصاف رسول اللهصلى الله عليه وسلم بصفتي الصبر والحلم وهما من أهم الصفات اللازمة للنجاح في الدعوة , فهذا الرجل وهو ضماد الأزدي قد قدم مكة وهو يعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مجنون , وذلك لكثرة مايبث قومه عنه من دعاوى كاذبة في القبائل , وحيث إن ضمادًا يعالج من ابتلي بالجنون فإنه قد عرض على النبي صلى الله عليه وسلم أن يعالجه من ذلك .

 

وهذا موقف يثير غضب من اتهم بذلك عادة , ويتبع ذلك توبيخ المتكلم به إن لم يحصل ماهو أشد من ذلك , ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جبله الله تعالى على مكارم الأخلاق قد استقبل الامر بحلم وهدوء مما أثار إعجاب ذلك الرجل وجعله مهيئًا لقبول ماسيدعوه إليه , ولذلك ما إن بدأ النبي صلى الله عليه وسلم كلامه بالمقدمة التي يستفتح بها بعض خطبه حتى أعلن ذلك الرجل أن الكلام الذي سمعه لايشبهه ولايدانيه كلام الشعراء ولا كلام الكهان والسحرة فأسلم في تلك الساعة .

 

وهذا شاهد على فصاحة النبي صلى الله عليه وسلم وقوة بيانه , وانبعاث كلامه من قلب مُليءَ إيمانًا ويقينًا وحكمة , حيث فاض ذلك على غُرر بيانه فأصبح آسرًا لسامعيه , وجاذبًا لأصحاب القلوب المتجردة إلى اتباعه .

 

ولئن كان كثير من الناس اليوم لا يتأثر بهذا الكلام وأمثاله , فهذا ليس لعيب في الكلام, وإنما هو لتدني مستوى المتلقي في الذوق والوجدان وفهم اللغة العربية , أو لعدم صدور ذلك الكلام من قلب متأثر به أو لهما جميعًا .

 

وفي سرعة إسلام ذلك الرجل دلالة على أن الإسلام هو دين الفطرة وأن النفوس إذا تجردت من الضغوط الداخلية التي يحمل عليها اتباع الهوى , والضغوط الخارجية التي من أبرزها هيمنة الطغاة من الأكابر الذين يرسخون في النفوس رهبتهم وتقديس مبادئهم الضالة في قلوب الناس من غير أن يكون لهم اختيار وتفكير .. إذا خلت النفوس من ذلك فإنها غالبًا تتأثر وتستجيب , إما بسماع قول مؤثر , أو الإعجاب بسلوك قويم .

 

وفي طلب النبي صلى الله عليه وسلم البيعة من ضماد لقومه دلالة على مبلغ اهتمامه صلى الله عليه وسلم بدعوته , وذلك باغتنام كل فرصة ينتج عنها تقدم في هذه الدعوة , فقد لاحظ سرعة إقبال ذلك الرجل على الإسلام وقوة قناعته به , فدفعه ذلك إلى أخذ البيعة منه لقومه , وذلك وعد مؤكد منه بحمل قومه على الإسلام , ولاشك أن من بايع النبي صلى الله عليه وسلم نيابة عن قومه سيبذل كل ما يملك من طاقة في جذب قومه إلى هذا الدين .

 

وفي هذا بيان واضح لأهمية الدعوة إلى الله تعالى , حيث جعلها النبي صلى الله عليه وسلم قرينة الالتزام الشخصي , فقد بايع ضماد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الالتزام بالدين , فلم يكتف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك بل أخذ منه البيعة على دعوة قومه إلى الإسلام لأن دعوتهم متعينة عليه .

 

فالدعوة فرض كفاية , إذا قام بها من يكفي سقط الوجوب عن بقية الأمة , وإذا لم يتم ذلك أثم كل من كان أهلاً لهذا الأمر , وإذا تعينت على واحد بعينه كانت فرض عين كما هو الحال في هذا الخبر .

 

ومن المعلوم أن من دخل في الإسلام يكون في جو رَوْحَاني قوي , ويدفعه الندم على مافات من أيامه – وهو في ضلال – على مضاعفة الجهد في خدمة هذا الدين الذي هداه الله إليه , فيكون لديه استعداد قوي لبذل الجهد في هذا المجال .

 

ويشبه هؤلاء المسلمين الجدد في هذه الحيوية والاندفاع نحو العمل المنحرفون من المسلمين الذين منَّ الله عليهم بالتوبة والهداية فإنهم لايشعرون بانتمائهم الحقيقي للإسلام إلا بعد استنارة قلوبهم بالهدى , ولذلك فإنهم يندفعون بقوة نحو العمل الصالح والدعوة إلى الإسلام .

 

وإن مما يُوْصَى به مجالسة التائبين لاكتساب قوة الإيمان والحيوية الدافعة إلى العمل الصالح, وفي ذلك يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : جالسوا التوابين فإنهم أرقّ شيء أفئدة.( الزهد للإمام أحمد بن حنبل /120 .)

 

وهنا تأتي براعة الموجهين في الدعوة حيث يحاولون جهدهم الإفادة من هذه الطاقات المتدفقة وتوجيهها نحو الالتزام الصحيح بالإسلام وبذل الجهد في دعوة الناس إليه , وخاصة في مجتمع الأقران الذين كانوا قبل ذلك تجمعهم الزمالة والصداقة .

 

وهم في كل ذلك إنما يتأسون برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يوجه الطاقات ويغتنم كل الفرص المتاحة للدعوة .

 

فهل يفهم المسلمون هذا المعنى الجليل فيسارعوا إلى بذل جهدهم في الدعوة إلى هذا الدين والدفاع عنه ؟

 

ويشبه خبر ضماد الأزدي من بعض الجوانب ماأخرجه ابن حبان رحمه الله من طريق سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : "جاء رجل من بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يداوي ويعالج فقال : يامحمد , إنك تقول أشياء هل لك أن أداويك ؟

 

قال فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله ثم قال له : هل لك أن أريك آية ؟ وعنده نخل وشجر, فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عذقًا منها فأقبل إليه وهو يسجد ويرفع رأسه ويسجد ويرفع رأسه حتى انتهى إليه صلى الله عليه وسلم فقام بين يديه ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ارجع إلى مكانك , فرجع إلى مكانه . فقال العامري: والله لا أكذبك بشيء تقوله أبدًا . ثم قال : يا آل عامر ابن صعصعة , والله لا أكذبه بشيء يقوله " قال : والعذق : النخلة.( موارد الظمآن 520 , وذكره الحافظ الهيثمي وقال : رواه أبو يعلى , ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن الحجاج الشامي وهو ثقة – مجمع الزوائد 9/10 .)

 

فهذا الرجل العامري يتطبب ويعالج المرضى , ولما سمع أهل  مكة يتهمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنون تقدم إليه وعرض عليه أن يداويه من ذلك ولكن جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم للعامري اختلف عن جوابه لضماد الأزدي , فقد كان جوابه لضماد يقوم على الفصاحة والبيان وجزالة المعاني , وهذا يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في حال ضماد أنه ممن يؤثر فيهم الأدب الرفيع والمعاني السامية فبادره بذلك الجواب الذي هز كيانه وأخضع جنانه , وأمثال ضماد هم الأكثرون في حياة العرب آنذاك ولذلك كان جُلُّ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم قائمًا على الإبداع في هذا المجال .

 

أما  ذلك العامري , فقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم من حاله أنه من أهل العاطفة القوية والخضوع للأمور الحسية , فعرض عليه آية مشاهدة تُخضع من رآها – ممن تجرد من الهوى – إلى الإذعان لها والتسليم لصاحبها بأنه ليس من البشر العاديين .

 

وهكذا تتنوع أساليب النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة حسب فهمه لمداخل النفوس وطرق التأثير عليها , فهو القدوة العليا في ذلك , ومنه يجب أن تؤخذ مناهج الدعوة وأساليبها .

*          *          *

انتهى

تاريخ إضافة المقال:2008-03-31 20:47:11


7 المتصلين بالموقع 0 المتصلين بالصفحة 8399411 عدد زيارات الموقع 50 عدد زيارات الصفحة
نافـذتك الدعـوية
  - أخبار الدعوة
  - مكتبة الداعية
  - الدعوة والداعية
  - المؤسسات الدعوية
 
 
دعاة مشاركون
  - الشيخ د.محمد أحمد باجابر
  - الشيخ د.عبدالعزيز الحميدي
الــــرأي العــام
أوقات الصلاة - مكة
 
شركة بيرفكت وي لتقنية المعلومات pw4it.com
جميع الحقوق محفوظة لـصالح نوافذ الدعوة All Rights Reserved 2008 © DawaHwin.com