الرئيسية|رسالتنا ا أخبر صديقك ا مفضلتك ا أضف مقالك  ا أرسل استفتائك ا سجل الزوار ا المجموعة البريدية ا اتصل بنا|مباشر نـــوافذ الــدعوة Welcome to Dawahwain.com
          
 
القائمة الرئيسية
المشرف
المؤلفات
الديوانية
الصوتيات
الفــتاوى
تراجم علمائنا
ملتقـيات الخير
شبـهات و ردود
مقـالات مخـتارة
المـعهـد العلـمي
دليل مكتبة المرأة
الفـوائـد التـربـويـة
محاضـرات مكتوبة
ســيــر الصـــحـابة
دورة الملك سعود العلمية
دخول المشرفين
اسم المستخدم
كلمة المــرور
دخول
دخول البريد الخاص
Email
كلمة المرور
دخول
نوافذ الدعوة د. عبدالعزيز الحميدي المتقون المتقون - العدد الخامس

المتقون - العدد الخامس

تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :

1 – قبسات من القرآن الكريم .

2 – قبسات من السنة النبوية .

3 – توجيهات ومواقف أخلاقية .

4 – مواقف دعوية من السيرة النبوية .

- قبسات من القرآن الكريم –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد :

يقول الله سبحانه ( لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ )

[ آل عمران :92] .

 

أي لن تنالوا إكرام الله تعالى وتفضله عليكم بظفركم بجنته وصرف عذابه عنكم حتى تنفقوا في سبيله أعز أموالكم التي تحبونها ، ومهما تنفقوا من شيء من أموالكم فإن الله عز وجل ذو علم دقيق بذلك ، فيجازي المنفق حسب إخلاصه وتضحيته .

 

هذا وقد تأثر الصحابة رضي الله عنهم لما سمعوا هذه الآية فسارعوا إلى الإنفاق مما يحبون من أموالهم ، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : " كان أبو طلحة أكثر أنصاريٍّ بالمدينة مالاً من نخل ، وكان أحب ماله إليه "بَيرُحاء" وكانت مستقبلَ المسجد ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب ، قال أنس : فلما نزلتْ ( لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ) قام أبو طلحة فقال : يارسول الله إن الله يقول ( لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ) وإن أحب مالي إلي بيرحاء ، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله ، فضعْها يارسول الله حيث أراك الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بَخٍ ، ذلك مال رابح ، وقد سمعتُ ماقلتَ وإني أرى أن تجعلها في الأقربين ، فقال أبو طلحة : أفعلُ يارسول الله ، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وفي بني عمه "  .( صحيح البخاري ، رقم 5611 (10/74)) ، صحيح مسلم ، رقم 998 (ص693)

 

وقال الله تعالى ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ )آل عمران96-97

 

يخبرنا الله سبحانه أن أول بيت بني لعموم الناس في الأرض من أجل عبادة الله جل وعلا هو بيت الله الحرام الذي بمكة المكرمة ، وبكة اسم من أسماء مكة ، قيل إنها سميت بذلك لأنها تَبُكُّ أعناق الجبابرة ، بمعنى أنهم يذلون بها ويخضعون عندها ، وهذا البيت مبارك تضاعف حوله الحسنات إلى مائة ألف ضعف كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ) وذلك في استقباله في الصلاة وقصده للحج والعمرة .

 

ومما يبين كون البيت الحرام أول بيت بني لعبادة الله تعالى ما أخرجه الأئمة أحمد والشيخان من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال : " قلت : يارسول الله أي مسجد وُضع في الأرض أول ؟ قال : المسجد الحرام ، قال قلت : ثم أيّ ؟ قال : المسجد الاقصى ، قلت : كم كان بينهما ؟ قال: أربعون سنة ".( صحيح البخاري ، رقم 3366 (6/407) . (صحيح مسلم ، رقم 520 (ص370))

 

(فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ) يعني : في ذلك البيت الشريف علامات واضحات على قدرة الله جل وعلا ، منهن آثار قدمي خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام في الحجر الذي قام عليه لبناء الكعبة ، وقد كان يقف عليه حينما ارتفع بناء الكعبة ويناوله ابنه إسماعيل عليه السلام الحجارة ، وقد بقيت هذه الآثار محفورة في الحجر، وفي ذلك يقول أبو طالب في القصيدة التي دافع بها عن النبي صلى الله عليه وسلم :

ومَوطِئِ إبراهيم في الصخر رطبة            على قدميه حافيًا غير ناعل

(سيرة ابن هشام 1/272)

 

( وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ) قال الإمام الطبري بعد ذكر تفاسير الصحابة والتابعين : معنى ذلك : ومن دخله من غيره ممن لجأ إليه عائذًا به كان آمنا ماكان فيه ، ولكنه يُخرج منه فيقام عليه الحد إن كان أصاب ما يستوجبه في غيره ثم لجأ إليه ، وإن كان أصابه فيه أقيم عليه فيه.( تفسير الطبري 5/607).

 

أما الأمن في الحرم المكي للمقيمين فيه والوافدين إليه وعدم الاعتداء فيه فقد وردت فيه أحاديث شريفة منها ما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عباس وأبي شريح رضي الله عنهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة " .( صحيح البخاري ، رقم 104 (1/197) ، صحيح مسلم ، رقم 1353 (ص986)).

 

ومنها ما أخرجه الإمام مسلم من حديث جابر رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لايحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة " .( صحيح مسلم ، رقم 1356 (ص989))

 

(وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) يعني وفرضٌ لله جل وعلا على الناس الحج إلى بيته الحرام ، والحج – كما هو معلوم – من أركان الإسلام .

 

(مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) أخرج الإمامان الطبري والترمذي من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:" قام رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما السبيل ؟ قال : الزاد والراحلة ".( سنن الترمذي رقم 2998 . تفسير الطبري 5/612)

 

وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث النفقة اللازمة للحج في عهده ، والمقصود من ذلك أن يكون الحاج مالكا للحد الأدنى للنفقة اللازمة للحج في عصره .

 

(وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) يعني ومن جحد ما أوجب الله عليه من فرض الحج فقد كفر ، والله غني عنه وعن حجه وعن سائر خلقه .

-قبسات من السنة النبوية –

– الحث على صلة الرحم –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : فقد ذكرنا في الحلقة الماضية بعض الأحاديث في صلة الأرحام , ومما يبين فضيلة صلة الرحم ماجاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " الصدقة على المسكين صدقة , وهي على ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة " أخرجه الترمذي من حديث سلمان بن عامر الضبي رضي الله عنه وحسنه.(سنن الترمذي , رقم 658 , الزكاة (3/47))

 

فهذا الحديث يبين لنا أن الصدقة على القريب لها أجران , وفي هذا حث على الإكثار من الصدقة على الأقارب .

 

ويبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قطيعة الرحم تمنع من قبول العمل الصالح حيث يقول"إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة , فلا يُقبل عمل قاطع رحم" أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . (مسند أحمد 2/484).

 

فهذا وعيد شديد على قاطع الرحم , مما يدل على عظم هذا الذنب .

 

وأشد من ذلك في الوعيد على قاطع الرحم قول رسول الله  صلى الله عليه وسلم  "لايدخل الجنة قاطع رحم" أخرجه الإمام مسلم من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه. (صحيح مسلم , رقم 2556 , البر (ص1981))

 

ومما يبين عظم شأن صلة الرحم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بقي على صلة أقاربه من الكفار من ناحية المعروف والإحسان ومما يدل على ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم جهارا غير سر يقول : ألا إن آل أبي فلان ليسوا بأوليائي إنما وليي الله وصالح المؤمنين" زاد البخاري في رواية له "ولكن لهم رحم سأبلها ببلالها" , يعني أصلها بصلتها. (صحيح البخاري , رقم 5990 , الأدب (10/419) , صحيح مسلم رقم 21 , الإيمان (ص197))

 

وقـولـه " أبي فلان" قال النووي : هذه الكناية من بعض الرواة خشي أن يصرح بالاسم فيترتب عليه مفسدة إما في حق نفسه أو في حق غيره.( فتح الباري 10/418)

 

وهذا الحديث دليل على وجوب البراءة من الكفار وإن كانوا من الأقارب , فلا تجوز محبتهم ولانصرتهم, ولكن قد استثنى النبي صلى الله عليه وسلم صلة الرحم , وهذا الاستثناء له أثره الكبير في إبقاء حبل الوصل مع أقاربه , وهذا إضافة إلى أنه من صلة الرحم فإن له فائدة جليلة بالنسبة للدعوة , فإن بقاء هذا الخيط الذي يعرفونه ويقدرونه وهو البر والإحسان قد يكون سببا في إيمانهم بما أنكروه من دعوته .

 

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم  قد أبقى على صلته مع أقاربه وهم كفار فمن باب أولى لعموم المسلمين أن يبقوا على صلتهم بأقاربهم المسلمين وإن أنكروا منهم بعض السلوك , فالمسلم مأمور بإبقاء صلته مع أقاربه وإن كانوا كفارا وذلك بالإحسان إليهم والبر بهم , وقد جاء هذا المعنى واضحا في قول الله تعالى ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) [الممتحنة :8 – 9 ] .

 

وقد طبق الصحابة رضي الله عنهم هذا التوجيه في معاملتهم مع أقاربهم من الكفار , ومما جاء في ذلك ما أخرجه الإمام البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : "رأى عمر حلة على رجل تباع فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : ابتع هذه الحلة تلبسْها يوم الجمعة وإذا جاءك الوفد, فقال: إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة , فأُتَيِ رسول الله صلى الله عليه وسلم منها بحُلَل فأرسل إلى عمر منها بحلَّة فقال عمر : كيف ألبسها وقد قلتَ فيها ماقلت ؟ قال: إني لم أكسكها لتلبسها , تبيعها أو تكسوها , فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم " . (صحيح البخاري, رقم 2619 , الهبة , (5/232))

 

وكذلك ما أخرجه البخاري أيضا من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: "قدمَتْ عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصل أمي ؟ قال : نعم صلي أمك ". (صحيح البخاري , رقم 2620 , الهبة , (5/233))

 

ويبين النبي صلى الله عليه وسلم عقوبة قطيعة الرحم وثواب صلتها في حديث واحد حيث يقول :" ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من قطيعة الرحم والخيانة والكذب , وإن أعجل الطاعة ثوابا لَصِلةُ الرحم ,حتى إن أهل البيت ليكونون فجرة فتنموا أموالهم ويكثر عددهم إذا تواصلوا "أخرجه الطبراني من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.(صحيح الجامع الصغير رقم 5581)

 

وهذا يعني أن صلة الرحم تدفع العقوبة وتجلب المثوبة , ويمثل رسول الله صلى الله عليه وسلم لثواب صلة الرحم في الدنيا بنمو أموال المتواصلين وتكاثر عددهم وإن كانوا فجرة فكيف إذا كانوا أتقياء ؟!

*          *         *

- توجيهات ومواقف أخلاقية –

- توجيهات ومواقف في الحلم والعفو –

من مواقف الأحنف بن قيس رحمه الله :

من ذلك ماذكره الحافظ ابن كثير في ترجمته قال : ومن كلامه وقد سئل عن الحلم ماهو؟ فقال: الذل مع الصبر , وكان إذا تعجب الناس من حلمه يقول : والله إني لأجد مايجدون ولكني صبور, وقال: وأغلظ له رجل في الكلام وقال : والله يا أحنف لئن قلت لي واحدة لتسمعنَّ بدلها عشرا, فقال له : إنك إن قلت لي عشرا لاتسمع مني واحدة.( البداية والنهاية 8/327)

 

ففي هذين الخبرين يفسر الأحنف بن قيس التميمي الحلم بأنه الذل مع الصبر , وهذا يعني أن الحلم يبدأ بالتهوين من شأن النفس وإذلالها ثم الصبر على الأذى , وذلك بأن يُصدر العقل السليم أمرا للنفس بكبح جماحها عن سلوك سبيل الانتصار إلى الإيثار , والصبر على مايقرع المسامع من الأذى, فالحلم يحتاج إلى قوة عظيمة في العقل لتحجيم النفس عن الاستسلام لعواطفها الجياشة والظهور أمام من صدر منه الأذى بعدم التأثر واحتواء الموقف , فالحلم على هذا إهانة للنفس, لكنه يورث عواقب حميدة من سمو العقل وعلو المنزلة , والسلامة من الآثار السيئة للاستجابة للغضب .

 

ويبين الأحنف للناس أنه يجد مايجدون من التأثر بسماع مايؤلم النفس لكنه يكبح جماح نفسه بالصبر .

 

ويبين أنه كسب بالحلم أنصارًا ممن يعادونه , وأن الذين كسب نصرتهم بإعجابهم بحلمه أكثر من الذين كسب نصرتهم بمحبتهم إياه بالأسباب الأخرى .

 

وفي الخبر الأخير مثل من حلمه مع الرجل الذي أغلظ له , فقد كان ذلك الرجل متوترا , وقد غاب عنه عقله السليم وحضرت نفسه الأمارة بالسوء , أما الأحنف فإنه قد أمات نفسه الأمارة بالسوء وأحيى عقله السليم , فكان جوابه لذلك الرجل استجابة لنداء عقله لاخضوعا لعواطف نفسه .

 

وقد اشتهر الأحنف بالحلم حتى أصبح يضرب بحلمه المثل كما قال الشاعر أبو تمام في مدح الخليفة المعتصم العباسي :

إقـدام عمرو في سماحة حاتم                            في حلم أحنف في ذكاء إياس

 

والمراد بعمرو في هذا البيت عمرو بن معد يكرب الزبيدي وكان مشهورًا بالشجاعة , والمراد بحاتم أبو عدي حاتم الطائي المشهور بالسماحة والكرم , والمراد بإياس القاضي إياس بن معاوية وكان مشهورًا بالذكاء .

 

ومن أخبار الأحنف بن قيس في الحلم والأناة ماذكره المؤرخ أبو العباس أحمد بن محمد ابن خلكان في ترجمته قال : ثم إن عبيد الله [يعني ابن زياد أمير العراق ] جمع أعيان العراق وفيهم الأحنف وتوجه بهم إلى الشام للسلام على معاوية , فلما وصلوا دخل عبيد الله على معاوية وأعلمه بوصول رؤساء العراق , فقال : أدخلهم عليَّ أوَّلاً فأوَّل على قدر مراتبهم عندك , فخرج إليهم وأدخلهم على الترتيب كما قال معاوية , وآخر من دخل الأحنف , فلما رآه معاوية – وكان يعرف منزلته ويبالغ في إكرامه لتقدمه وسيادته – قال : إليَّ يا أبا بحر , فتقدم إليه فأجلسه معه على مرتبته , وأقبل عليه يسأله عن حاله ويحادثه , وأعرض عن بقية الجماعة .

 

قال : ثم إن أهل العراق أخذوا في الشكر من عبيد الله والثناء عليه , والأحنف ساكت, فقال له معاوية : لم لاتتكلم يا أبا بحر ؟ فقال: إن تكلمت خالفتهم , فقال لهم معاوية : اشهدوا علي أنني قد عزلت عبيد الله عنكم , قوموا انظروا في أمير أوليه عليكم وترجعون إليَّ بعد ثلاثة أيام .

 

قال : فلما خرجوا من عنده كان فيهم جماعة يطلبون الإمارة لأنفسهم , وفيهم من عيَّن غيره, وسعوا في السِّر مع خواص معاوية أن يفعل لهم ذلك , ثم اجتمعوا بعد انقضاء الثلاثة كما قال معاوية , والأحنف معهم , ودخلوا عليه فأجلسهم على ترتيبهم في المجلس الأول , وأخذ الأحنف إليه كما فعل أوَّلاً وحادثه ساعة , ثم قال: مافعلتم فيما انفصلتم عليه ؟ فجعل كل واحد يذكر شخصا وطال حديثهم في ذلك وأفضى إلى منازعة وجدال , والأحنف ساكت, ولم يكن في الأيام الثلاثة تحدث مع أحد في شيء , فقال له معاوية : لم لا تتكلم يا أبا بحر ؟ فقال الأحنف؟ إن ولَّيت أحدًا من أهل بيتك لم تجد من يعدل عبيد الله ولايسد مسدَّه , وإن وليت من غيرهم فذلك إلى رأيك , ولم يكن في الحاضرين الذين بالغوا في المجلس الأول في الثناء على عبيد الله من ذكره في هذا المجلس ولا سأل عوده إليهم .

 

قال : فلما سمع معاوية مقالة الأحنف قال للجماعة : اشهدوا علي أني قد أعدت عبيد الله إلى ولايته, فكل منهم ندم على عدم تعيينه , وعلم معاوية أن شكرهم لعبيد الله لم يكن لرغبتهم فيه, بل كما جرت العادة في حق المتولي .

 

قال : فلما فصل الجماعة من مجلس معاوية خلا بعبيد الله وقال له: كيف ضيعت مثل هذا الرجل- يعني الأحنف – فإنه عزلك وأعادك إلى الولاية وهو ساكت , وهؤلاء الذين قدمتهم عليه واعتمدت عليهم لم ينفعوك ولاعرجوا عليك لما فوضت الأمر إليهم , فمثل الأحنف من يتخذه الإنسان عونًا وذخرا .

 

قال : فلما عادوا إلى العراق أقبل عليه عبيد الله وجعله بطانته وصاحب سره.( وفيات الأعيان 2/503 – 504)

 

في هذا الخبر موقفان :

الأول : لمعاوية رضي الله عنه حينما علم قدر الأحنف بن قيس رحمه الله وأدرك رفعة منزلته , فرفعه وأدناه منه وأظهر له كثيرًا من الاهتمام والاحترام , وهذا كما أنه يُعدُّ من تقدير أهل الفضل فهو يُعدُّ من السياسة الجيدة في احتواء أهل القوة والتأثير على الناس .

 

والثاني : في بيان ماكـان يتصف به الأحنف من الحلم والأناة وبُعْد النظر , فهو لم يُظهر أيَّ شيء من الغضب حينما أبعده عبيد الله بن زياد وقرَّب من أهل العراق من هم أقل شأنًا منه , ومع أن عبيد الله قد تجاهله فإنه قد رشح عبيد الله لإمرة العراق لما يرى فيه من السداد , وأنه الرجل الذي يمكن أن ترضى به الطوائف المتعددة , وفي هذا تقديم للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

 

وكان الأحنف قد ساد قومه بمكارم الأخلاق , ومما روي في ذلك ماذكره المؤرخ ابن خلكان في ترجمته من خبر معاوية بن هشام أنه قال لخالد بن صفوان : بِمَ بلغ فيكم الأحنف بن قيس مابلغ؟ قال: إن شئت حدثتك ألفًا , وإن شئت حذفت الحديث لك حذفا , قال : احذفه لي حذفا , قال: وإن شئت فثلاثا , وإن شئت فاثنتين وإن شئت فواحدة , قال: ما الثلاث ؟ قال: كان لايشره ولايحسد ولايمنع حقا , قال: فما الثنتان ؟ قال: كان موفقا للخير معصوما عن الشر , قال: فما الواحدة ؟ قال : كان أشد الناس على نفسه سلطانا.( وفيات الأعيان 2/500 )

 

وهذه أخلاق كلها تؤهل للسيادة , وخاصة ماذكر من امتلاكه نفسه , وإن من أهم ماينـزل من قدر الرجال فلتات ألسنتهم والهفوات في سلوكهم .

*          *         *

- مواقف دعوية من السيرة النبوية –

- نماذج من قوة تأثير النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن –

(تأثر بعض زعماء قريش / تأثر وفد النصارى )

لقد كان كثير من المشركين مقتنعين بأن ماجاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم حق وأنه من عند الله تعالى, ولقد كانوا على يقين بأن القرآن كلام الله تعالى وأنه ليس من كلام البشر , ولكن كان يمنع من أصرَّ منهم على الكفر من الدخول في الإسلام هواهم المنحرف , ولقد اعترف بعضهم بنداء عقولهم نحو الاعتراف بصدق النبي صلى الله عليه وسلم كما اعترفوا بأن هوى أنفسهم قد غلبهم فأصروا على ماهم فيه من الباطل .

 

ومما جاء في هذا المعنى ما أخرجه محمد بن إسحاق رحمه الله تعالى من حديث الإمام الزهري أنه حَدَّث أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي حليف بني زهرة خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بالليل في بيته , فأخذ كل رجل منهم مجلسًا ليستمع فيه ,وكلٌّ لايعلم بمكان صاحبه , فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا , وقال بعضهم لبعض : لاتعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئًا ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه, فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة .

 

ثم انصرفوا فلما كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه , فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض : لانبرح حتى نتعاهد أن لانعود , فتعاهدوا على ذلك , ثم تفرقوا .

 

فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف مايراد بها وسمعت أشياء ماعرفت معناها ولامايراد بها , فقال الأخنس : وأنا والذي حلفت به كذلك .

 

قال : ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال : يا أبا الحكم مارأيك فيما سمعت من محمد ؟

 

فقال : ماذا سمعت ! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف , أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا , حتى إذا تحاذينا على الرّكَب وكنا كفَرسَي رهان قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك مثل هذه ؟ والله لانؤمن به أبدًا ولانصدقه , فقام عنه الأخنس وتركه.( سيرة ابن هشام 1/321 , دلائل النبوة للبيهقي 2/206 , البداية والنهاية 3/62 , وذكره الصالحي من رواية الحافظ محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات عن الزهري عن سعيد بن المسيب وصحح إسناده , سبل الهدى والرشاد 2/352)

 

في هذا الخبر مثلٌ من قوة تأثير رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم على السامعين , فهؤلاء فطاحل الكفر يتسللون سرّا ليستمع كل واحد منهم قراءته ليلاً , مدفوعين إلى هذه المغامرة بما أُخذُوا به من جاذبية بيانه وهيئته الأخاذة وهو يتلو كتاب الله تعالى وبما يحتوي عليه هذا الكتاب العظيم من إعجاز في بيانه ومحتواه .

 

وبعد أن استمع هؤلاء النفر لقراءة النبي صلى الله عليه وسلم وقعوا في صراع نفسي بين تغليب منطق العقل وتغليب منطق الهوى والعاطفة , ثم قرروا تغليب جانب الهوى والعاطفة في النهاية.( يعني في نهاية هذه القصة , وينبغي أن يعلم أن أبا سفيان قد أسلم يوم فتح مكة)

 

وهذا نوع من الضعف في التفكير والانحطاط في درجات الإنسانية حيث ينحدر الإنسان إلى خلائق البهائم العجماوات , ويعطلُ الاستفادة من عقله الذي وهبه الله إياه في أقدس وأعظم أمر يجب أن يفكر فيه وهو مستقبله بعد الموت .

 

وفي هذا الخبر مثل من الاعتراف بالحق ثم الإصرار على الباطل , وهذه نهاية الصراع بين منطق الهوى ومنطق العقل, وإذا انحط الإنسان إلى هذا الدرك أصبح مختومًا على قلبه فلا يدرك غالبًا إلا ما يتلاءم مع هواه , ولهذا يصدر من مثل هذا كثير من السلوك الذي يزدريه أهل العقل السليم.

 

وفي هذا الخبر بيان سبب من أهم أسباب الضلال , وهو الاعتصام بالمجد الدنيوي واعتبار الجاه والمنـزلة في الدنيا هدفًا يُسعى إليه , فإذا استقر ذلك في القلب أصبح عقيدة يسعى صاحبها لتنميتها والدفاع عنها . وأصبح تفكيره محصورًا فيها مصروفًا عن سماع الحق والتفكير فيه, وبهذا يكون الجاه والمجد الدنيوي من أشد الأوثان التي تصرف عن عبادة الله تعالى .

 

ومن أمثلة قوة تأثير النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن ما أخرجه الإمام البيهقي من حديث عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن فكأنه رقَّ له .

 

فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: ياعم إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالاً , قال: لم ؟ قال: ليعطوكه فإنك أتيت محمدًا لتعرض لما قبلَه , قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالاً , قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر له , قال: وماذا أقول فيه فو الله مافيكم رجل أعلم بالأشعار مني, ولا أعلم برجزه ولابقصيده مني , ولا بأشعار الجن , والله مايشبه الذي يقوله شيئًا من هذا , ووالله إن لقَوْله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة , وإنه لمثمر أعلاه , مغدق أسفله , وإنه ليعلو وما يُعْلَى , وإنه ليحطم ماتحته .

 

قال : لايرضى عنك قومك حتى تقول فيه , قال فدعني أفكِّرْ فيه , فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره , فنـزلت (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً) [المدثر :11] . ثم ذكر طرقًا أخرى مرسلة وقال: وكل ذلك يؤكد بعضه بعضا .( دلائل النبوة للبيهقي 2/198 , وذكره الحافظ ابن كثير من رواية البيهقي – البداية والنهاية 3/59. وأخرجه الحاكم من حديث ابن عباس وقال : هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه , وأقره الحافظ الذهبي – المستدرك2/506)

 

وقد جاء في رواية مقاربة أخرجها ابن إسحاق رحمه الله أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش وكان ذا سِنٍّ فيهم , وقد حضر الموسم فقال: يامعشر قريش إنه قد حضر هذا الموسم وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا , فأجمعوا فيه رأيًا واحدًا ولاتختلفوا فيكذِّب بعضكم بعضًا ويرد قولكم بعضه بعضًا .

 

فقالوا : فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا فيه رأيًا نقول به , فقال: بل أنتم فقولوا أسمع .

 

فقالوا : نقول : كاهن , فقال:  ماهو بكاهن , لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولاسجعه.

 

فقالوا : فنقول : مجنون , فقال : ماهو بمجنون , ولقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولاتخالجه ولاوسوسته .

 

قالوا : فنقول شاعر , قال : ماهو بشاعر , لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر .

 

قالوا : فنقول ساحر , قال : فما هو بساحر , لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثهم ولاعقدهم .

 

قالوا : ماتقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : والله إن لقوله طلاوة وإن أصله لَعَذْق  [قال ابن هشام : ويقال : لغَدَق] وإن فرعه لجناة, وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عُرف أنه باطل , وإن أقرب القول لأن تقولوا ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجته وبين المرء وعشيرته , فتفرقوا عنه بذلك , فجعلوا يجلسون بسُبُل الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره .

 

فأنزل الله عز وجل في الوليد بن المغيرة وفي ذلك من قوله (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً {11} وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً {12} وَبَنِينَ شُهُوداً {13} وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً {14} ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ {15} كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً {16} سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً {17}‏ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ {18} فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ {19} ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ {20} ثُمَّ نَظَرَ {21} ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ {22} ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ {23} فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ {24} إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ {25} سَأُصْلِيهِ سَقَرَ {26} وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ {27} لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ {28} لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ {29} عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ)[المدثر:11-30].

 

وقوله تعالى : (وَحِيداً) يعني إن الله تعالى خلق الوليد بن المغيرة وحيدًا لا مال له ولا ولد فرزقه الله المال والولد وفي هذا تبكيت له على كفران النعمة . وقوله (صَعُوداً) يعني عذابا شاقًا .

 

وقوله (فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) يعني قاتله الله ما أسوأ تفكيره فهو تعجب إنكاري من تقديره الفاسد .

 

وقوله (ثُمَّ عَبَسَ) يعني قطب وجهه (وَبَسَرَ) زاد وجهه تقطيبًا وهو يستلهم فكره المعوج ليسعفه بما يفتري به على رسول الله صلى الله عليه وسلم)

 

قال ابن إسحاق : وأنزل الله عز وجل في النفر الذين كانوا معه يصنِّفون له القول في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيما جاء به من عند الله تعالى ( كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ ، الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ، فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [الحجر : 90-93] .

 

قال ابن إسحاق : فجعل أولئك النفر يقولون ذلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن لقوا من الناس, وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها.( سيرة ابن هشام 1/268 , وأخرجه الحافظ البيهقي من طريق ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس .. وذكر مثله – دلائل النبوة 2/99 – 200)

 

وقوله : " وإن أصله لعذق" قال السهيلي : وقول الوليد : "إن أصله لعذق وإن فرعه لجناة" استعارة من النخلة التي ثبت أصلها وقوي وطاب فرعها إذا جني , والنخلة هي العذق بفتح العين, ورواية ابن إسحاق أفصح من رواية ابن هشام لأنها استعارة تامة يشبه آخر الكلام أوله, ورواية ابن هشام : إن أصله لغَدَق , وهو الماء الكثير.( الروض الأنف 3/79)

 

وماجاء في رواية البيهقي من قوله "لمغدق" لعلها لغدق كما جاء في الرواية التي حكاها ابن هشام.

 

وهكذا تبين لنا من هذا الخبر عظمة النبي صلى الله عليه وسلم وقوته في التأثير بالقرآن على سامعيه , فالوليد ابن المغيرة كبير قريش ومن أكبر سادتهم , ومع مايحصل عادة للكبراء من التكبر والتعاظم فإنه قد تأثر بالقرآن ورق له واعترف بعظمته ووصفه بذلك الوصف البليغ المؤثر .

 

وفي هذا الخبر بيان لصورة من صور المكر الذي كان يقوم به فرعون هذه الأمة أبو جهل من التنفير عن الإسلام فكان كلما رأى رجلاً من أشراف قريش قد مال إلى الإسلام ابتكر من أنواع المكر ما يستطيع به التأثير عليه لإدراكه بأن موازين القوى تتغير بانضمام عدد من الأشراف إلى الإسلام , وقد كان الوليد بن المغيرة من أكابر قريش سنًّا ومنزلة , وقد أظهر إعجابه بما سمع من القرآن ووصفه بذلك الوصف البليغ الذي صدر منه وهو في حال استجابة لنداء العقل وتحرر من نداء العاطفة , فلما دخل في تفكيره كلام أبي جهل غلب عليه نداء العاطفة ففضل البقاء على ميراث الآباء والأجداد وإن كان ضلالاً , وحجب نداء العقل السليم والتفكير المتزن .

 

وفي هذا الخبر بيان أثر دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم البالغ على الكفار , حيث حملهم ذلك على الخروج عن مألوف العقلاء , ولاشك أن سلوك رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكيم وطهارة سمعته من أي شائبة من الرذائل بعد توجيه الله سبحانه إياه , حمل الكفار على اختلاق تُهَم لا أصل لها فعقدوا لذلك مجلسًا أعلى لتزوير الحقائق , ثم صاروا يفندونها لوضوح بطلانها ورثاثة نسيجها .

 

وقد استقر رأيهم على اتهام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسحر مع اعترافهم بِبُعْد مابين فحوى كلامه والسحر, إلا أنهم بعد إ عمال الفكر وجدوا نوع تشابه بين أثر دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومايحدثه السحر من التفريق بين الرجل وابنه وزوجه وعشيرته , فتنفسوا الصعداء مما كان يعانون منه من الضيق وانغلاق الفكر , فأجمعوا على اتهامه بالسحر وهم يعلمون أن هناك فرقًا بين أثر دعوة الحق وأثر السحر الباطل , إلا أنهم لفرط عداوتهم وإفلاس حجتهم تعلقوا من ذلك بأوهى من خيوط العنكبوت .

 

وهكذا أهل الباطل في كل زمن ماهرون في إلصاق التهم المزيفة بالدعاة إلى الله تعالى , ولكن سرعان ماينكشف باطلهم ويبطل كيدهم لأنهم مهما عملوا لايملكون الهيمنة على عقول الناس, فإذا قارن العقلاء بين نصاعة دعوة الحق وطهارة دعاته من الرذائل , وسمو مقاصدهم , وطموحهم دائمًا نحو المعالي من صالح الأعمال تبين لهم الصفو من الكدر والحق من الباطل , وزاد تعلقهم بدعاة الحق والتزامهم بتوجيهاتهم الحكيمة .

 

وفي هذا الخبر مثل من نشاط دعاة الباطل في نشر باطلهم وحمايته مع أنهم لايرجون من ورائه إلا متاع الدنيا ومجدها الزائل , وهذا دافع لأهل الحق إلى أن يضاعفوا من جهدهم في نشر الحق والدفاع عنه , لأنهم يرجون من الله مالا يرجو أولئك الكفار .

 

ولئن كانت العاقبة التي يرجوها الكفار من هذه التضحية هي التمكين في الأرض فإن ذلك يحصل للمؤمنين إذا أخلصوا في دعوتهم كما وعدهم الله تعالى , مع ماأعده الله لهم في الآخرة من النعيم المقيم والنجاة من العذاب الأليم .

 

ومن أمثلة قوة تأثر النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن ماكان من وفد النصارى الذين أسلموا لما سمعوا القرآن .

 

قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى : ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجلاً أو قريب من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة , فوجدوه في المسجد , فجلسوا إليه وكلموه وسألوه , ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة , فلما فرغوا من مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا , دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل وتلا عليهم القرآن , فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع , ثم استجابوا له , وآمنوا به , وصدقوا وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره .

 

فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش , فقالوا لهم : خيَّبكم الله من ركْب! بعثكم مَنْ وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل , فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم , وصدقتموه بما قال ! مانعلم ركبًا أحمق منكم – أو كما قالوا – فقالوا لهم : سلام عليكم , لانجاهلكم , لنا مانحن عليه ولكم ما أنتم عليه , لم نأل أنفسنا خيرًا.( سيرة ابن هشام 2/412 – 413)

 

وهكذا لما كان هؤلاء النصارى قد تجردوا من الهوى المنحرف , وأقبلوا وهم يريدون معرفة الحق الذي تحدثت عنه كتب أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام ورأوا هذا الحق متمثلاً ببعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم قد تأثروا بسماع القرآن وبكوا خشوعًا لله تعالى وآمنوا برسوله صلى الله عليه وسلم وعرفوا يقينًا أنه النبي الذي بشر به أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام .

 

ولكن طغاة المشركين لم يعجبهم هذا الموقف , ولما كانوا مفلسين في الحجة فإنهم لم يحاولوا إقناع أولئك النصارى بالعدول عن الإسلام ليقينهم بالفشل في ذلك , ولكنهم حاولوا إفراغ ما في نفوسهم من الحقد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى دعوته فسخروا من ذلك الوفد وانتقصوهم , ولما كان أولئك النصارى قد جمعوا بين تهذيب دينهم السابق وما وقر في نفوسهم من اليقين بدين الإسلام فإنهم لم ينزلوا إلى مستوى أولئك المتجبرين المستكبرين بل خاطبوهم بهدوء وسكينة وأشعروهم بأنهم على قناعة تامة بما آمنوا به .

*          *          *

انتهى

تاريخ إضافة المقال:2008-03-31 16:40:03


5 المتصلين بالموقع 0 المتصلين بالصفحة 8435124 عدد زيارات الموقع 75 عدد زيارات الصفحة
نافـذتك الدعـوية
  - أخبار الدعوة
  - مكتبة الداعية
  - الدعوة والداعية
  - المؤسسات الدعوية
 
 
دعاة مشاركون
  - الشيخ د.محمد أحمد باجابر
  - الشيخ د.عبدالعزيز الحميدي
الــــرأي العــام
أوقات الصلاة - مكة
 
شركة بيرفكت وي لتقنية المعلومات pw4it.com
جميع الحقوق محفوظة لـصالح نوافذ الدعوة All Rights Reserved 2008 © DawaHwin.com