|
المتقون -
العدد الرابع
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – قبسات من القرآن الكريم .
2 – قبسات من السنة النبوية .
3 – توجيهات ومواقف أخلاقية .
4 – مواقف دعوية من السيرة النبوية .
- قبسات من القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله سبحانه ( أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ
يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ {83} ) [ آل عمران :83] .
هذه الآية فيها بيان نوعي الإسلام : الإسلام الاختياري والإسلام الجبري الجِبلِّي،
فقول الله تعالى ( وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً ) بيـان للإسلام الاختياري ،
وقولـه (وَكَرْهاً) بيان للإسلام الجبري
الجبلِّي .
فكل من في السماوات والأرض ومافيهما من الأحياء والجمادات، والعقلاء من الأحياء
وغير العقلاء مسلمون لله تعالى جبرا وجِبلَّة ، بمعنى أنهم منقادون لـه جل وعلا بما
جبلهم عليه من الخلق والتكوين ، فالجمادات والنبات والحيوانات كلها تسير وفق ما
أراد الله تعالى في أصل تكوينها ومراحل نموها ، وكذلك العقلاء من الملائكة والإنس
والجن يسيرون بأجسامهم وفق أصل تكوينهم ، فالكل مسلمون لله تعالى جبرا وجبلَّة ،
فهذا هو الإسلام الجبري الجبلِّي ، ويدخل فيه تسبيح غير العقلاء لله تعالى كما جاء
في قـوله سبحانه (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ
بِحَمْدَهِ ) [الإسراء : 44] .
أما الإسلام الاختياري فهو إسلام العقلاء لله سبحانه من الملائكة والإنس والجن طوعا
واختيارا بعدما كانوا مسلمين له جبرا وجبلَّة ، فهؤلاء المسلمون من العقلاء يعيشون
في انسجام بين طبيعتهم التكوينية وذلك بالإسلام الجبري الجبلِّي وبين طبيعتهم
الاختيارية وذلك بالإسلام الاختياري ، وقد يكون هذا الانسجام كاملا كما هو الحال في
الملائكة والأنبياء عليهم السلام ، وقد يقرب من الكمال كما هو الحال عند الصديقين
والصالحين على تفاوت بينهم في ذلك ، وقد يبعد من الكمال كما هو الحال في الظالمي
أنفسهم من مسلمي الإنس والجن ، ولكن كل هؤلاء المسلمين لهم حظ من هذا الانسجام وليس
في حياتهم تناقض بين الإسلام الجبري والاختياري .
أما الذين يقع في حياتهم التناقض فهم الكفار من الإنس والجن حيث تناقض إسلامهم
الجبري الجبلِّي مع ماهم فيه من الكفر الاختياري ، فكل من السماوات والأرض من
العقلاء وكل مافيهما من غير العقلاء مسلمون لله تعالى
(طَوْعاً وَكَرْهاً) اختيارا وجبرا وجبلَّة ما عدا الكفار من الإنس والجن
فهم وحدهم الذين تناقضت حياتهم الجبرية التكوينية الجبلِّية مع حياتهم الاختيارية ،
وهذا وحده يكفي في بيان شناعة الكفر وفظاعته حيث يصبح الكافر شاذا عن كل من في
الكون ومافيه .
ففي هذه الآية إنكار على أولئك الكفار من أهل الكتاب وغيرهم الذين يفضلون غير دين
الله تعالى فيشركون معه غيره في العبادة أو الطاعة أو فيهما معًا والحال أنه قد
انقاد لله سبحانه كل من في السماوات والأرض ومافيهما من العقلاء وغير العقلاء جبرا
واختيارا .
وعبر سبحانه بـ " من " التي هي للعقلاء تغليبا للعقلاء كما جاء ذلك في آيات أخرى ،
وإلى الله جل وعلا وحده يُرجَعون يوم القيامة فيحاسبهم ويجازي كل فريق بعمله ،
فصاحب العقل السليم هو الذي يرجع إلى الله تعالى يوم القيامة وهو على ملة الإسلام
وبعمل صالح .
وقال الله تعالى (قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ
عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا
أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ
أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ {84} وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ
الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
{85}) [ آل عمران : 84 – 85] .
[84] يأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يعلن شمول الإسلام لكل الأديان
السماوية والرسالات السابقة ، فكما أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته مأمورون
بالإيمان بالله تعالى والقرآن الكريم فإنهم مأمورون بالإيمان بالكتب التي أنزلها
الله سبحانه على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ، وهم الأنبياء الذين
بعثهم الله تعالى من بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد يعقوب الذي هو إسرائيل
عليهم السلام جميعا (وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى)
يعني التوراة والإنجيل (وَالنَّبِيُّونَ مِن
رَّبِّهِمْ) أي وما أنزل على النبيين من ربهم ، وهذا يعم جميع الأنبياء
عليهم السلام (لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ)
بل نؤمن بهم جميعا ، فكل واحد منهم لبنة في بناء الإسلام كما في قول رسول الله صلى
الله عليه وسلم : " إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بني بيتا فأحسنه وأجمله
إلا موضع لبنة من زاوية ، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون لـه ويقولون : هلا وُضعت
هذه اللبنة ؟ قال : فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين " أخرجه الإمام البخاري .( صحيح
البخاري رقم (3535) ( 6/558))
وهذا الإيمان الشامل لرسالات جميع الرسل يُعدُّ ميزة ظاهرة لأمة الإسلام التي
تُوالي جميع الأنبياء عليهم السلام وتذكر فضائلهم ودعوتهم وجهادهم .
(وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)
ونحن أمة الإسلام منقادون لله تعالى بالطاعة متذللون له بالعبودية لانخضع لغيره ولا
نطيع غيره في معصيته .
[85] (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن
يُقْبَلَ مِنْهُ) أي لن يُقبل منه ما اختاره من الدين غير الإسلام الكامل
الذي أنزله الله تعالى هداية للبشرية لتبلُغ به رضوانه والسعادة الأخروية ، فلا
يُقبل من أهل الكتاب بقاؤهم على أديانهم المحرفة لأنها لاتشتمل على الانقياد الكامل
لله تعالى والاتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا يُقبل ما يشبه تلك الأديان وإن
سُمي إسلاما وذلك بالإيمان بالإسلام على أنه شعائر تعبدية وأحوال شخصية فقط لا على
أنه – كذلك – نظام حياة ، فإن ماعرف عن النصارى من قولهم " دع مالقيصر لقيصر وما
لله لله " يشبهه قول بعض المنتسبين للإسلام " لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة
" فهؤلاء جميعا قد ابتغوا غير الإسلام الحقيقي دينا ، فلن يقبله الله عز وجل منهم .
(وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)
يعني والذي يطلب دينا غير دين الإسلام هو في الآخرة من الخاسرين ، لأن الاستقامة
على الإسلام هي السبيل الوحيد للحصول على سعادة الآخرة .
* * *
- قبسات من السنة النبوية –
– الحث على صلة الرحم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : فهذه أحاديث تربوية في مجال صلة الرحم . فمن ذلك ما أخرجه الترمذي رحمه الله
تعالى من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلمفيما
يرويه عن ربه قال قال الله تعالى " أنا خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي, فمن
وصلها وصلته ومن قطعها قطعته, ومن بتها بتته " .( سنن الترمذي , رقم 1907 , كتاب
البر ( 4/315))
الرحم مشتقة من الرحمة والله جل وعلا هو الرحمن الرحيم , والرحم تشمل جميع الأقارب,
وفي هذا الحديث بيان عظيم لمنزلة الرحم وحقوق القرابة .
فالمجتمع مكوُّن من الأفراد , وأول مايجمع الأفراد قرابة الرحم, فإن أول من تقع
عليه عينا الوليد أمُّه وأبوه وأخوته, على مرآهم ينشأ , ومن حنانهم يرضع الحب
والرحمة , ومن معاملتهم يكتسب الأخلاق والآداب , ثم تأتي منـزلة أقاربه الأقرب
فالأقرب , فهم أقرب الناس إليه , وأكثرهم اتصالا به , فإذا هو قطع رحمه فإن عقوقه
لمجتمعه يكون أولى وأحرى , فإذا حصلت القطيعة بين ذوي الأرحام , فإن تلك القطيعة
تسري إلى المجتمع فيتباعد أفراده , وينشؤون على الحقد والأنانية , فتعم الأثرة ثم
يقع التنافس على حطام الدنيا , ويكثر النـزاع , فيفسد بذلك عمران الأرض , وإنما
يكون صلاحها بمكارم الأخلاق وإيثار المصلحة العامة على المصلحة الخاصة, وذلك يكون
أولا بصلة الرحم وحفظ حقوق الأقارب وبذل المعروف لهم , وتمرين النفس على مواصلة ذلك
حتى تصبح هذه الصلة خلقا لازما للإنسان , وبالتالي تمتد هذه الصلة من القرابة إلى
أفراد المجتمع , فيتكوَّن بذلك المجتمع الصالح .
وإنه لشرف عظيم لواصل الرحم أن يصله الله تعالى ! وهل يطمع الإنسان العاقل بشرف
أعلى من هذا الشرف ؟! أم هل يطمح بصره إلى منـزلة أعلى من هذه المنـزلة ؟!
وبمقابل ذلك فإنه لَضعَةٌ أيُّ ضعة أن يقطع الله تعالى عبده ! وإنه لهول كبير
وخسارة فادحة أن يتخلى الله جل وعلا عن عبده , ويبين رسول الله صلى الله عليه
وسلمهذا المعنى في حديث آخر بتعبير مؤثر في الضمائر الحية والعقول الرشيدة حيث يقول
" الرحم معلقة بالعرش , تقول : من وصلني وصله الله, ومن قطعني قطعه الله " أخرجه
الإمام مسلم رحمه الله من حديث عائشة رضي الله عنها . (صحيح مسلم , رقم 2555 ,
البر ص 1981)
ويبين رسول الله صلى
الله عليه وسلمحقيقة صلة الرحم بقوله : " ليس الواصل بالمكافئ , ولكن الواصل من إذا
قطعت رحمه وصلها" أخرجه الأئمة البخاري وأبو داود والترمذي رحمهم الله تعالى من
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما . (صحيح البخاري, رقم 5951 ,
الأدب , باب ليس الواصل بالمكافئ ؛ سنن أبي داود , رقم 1697 , في الزكاة , باب صلة
الرحم؛ سنن الترمذي رقم 1909 , في البر والصلة , باب صلة الرحم)
فالواصل حقا ليس هو الذي يكتفي بأن يبادل الصلة بمثلها , فيصل من وصله ويقطع من
قطعه, وإنما الواصل حقا الذي يعرف واجب الرحم حق المعرفة هو الذي يصل أقاربه جميعا
حتى من قطع صلته به منهم , لأنه بهذه الصلة لمن قطعه يجعل من نفسه قدوة حسنة لسائر
أقاربه , فإن النفوس مجبولة على التأثر بفعل المعروف , فتستيقظ في النفوس دوافع
الرغبة في بلوغ الكمال, والتنافس في الاتصاف بأحسن الصفات.
ويبشر النبي صلى الله عليه وسلم واصل رحمه التي قطعته بالظفر بإعانة الله تعالى له
في جهاده مع ذوي رحمه , وذلك فيما أخرجه الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث أبي
هريرة رضي الله عنه "أن رجلا قال: يارسول الله إني لي قرابة أصلهم ويقطعونني ,
وأحسن إليهم ويسيئون إلي , وأحلم عنهم ويجهلون علي؟ قال: لئن كنت كما قلت فكأنما
تُسِفُّهم المَلّ , ولن يزال معك من الله ظهير عليهم مادمت على ذلك " . (صحيح
مسلم , رقم 2558 , كتاب البر والصلة , باب صلة الرحم)
وقولـه " فكأنما تسفهم الملّ " يعني فكأنما تطعمهم الرمل الحار الذي يكون تحت النار
, وفي هذا بلاغة عظيمة في التعبير عن المكابدة التي يعانيها الواصل الملحّ في وصل
قرابته مع نفورهم منه وكراهيتهم لجوانب الصلة التي يمنحهم إياها , فصعوبة ذلك تشبه
صعوبة إطعام الناس الرمل الشديد الحرارة .
فهذا الذي يصل من قطعه , ويحسن إلى من أساء إليه , ويحلم على من جهل عليه من قرابته
إنما يريد أن يعدِّل موازين الحياة من حوله, ويريد أن يرفع من شأن قرابته نحو الرقي
والكمال , لأن الحياة القويمة لاتتم إلا بتواصل الرحم, فهو من أجل أن يوجد الحياة
السعيدة في مجتمعه الصغير قد غامر في محاولات تكلفه المتاعب وتحمله الأذى .
دولكن هل هو وحده في هذا الميدان ؟!
لا .. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشره بأن الله جل وعلا معه معينا وناصرا ,
ومن كان الله معه فلن ينقطع له سعي ولن يخيب له رجاء .
وإنها لبشارة عظيمة تدفع بهذا الواصل رحمه إلى مواصلة الجهد , ومضاعفة المحاولات
التي توصله إلى تغيير الوضع العائلي الذي يعيش فيه من القطيعة وسوء الخلق إلى الصلة
ومكارم الأخلاق .
وإنه لن ييأس من بذل المحاولات وتكرارها ما دام يشعر بأن الله جل وعلا معه بنصره
وإعانته, فإن الله عز وجل سيلين له قلوب أقاربه فيسعد بذلك بنتيجة أعماله الطيبة
معهم .
ومن أجل صلة الرحم حثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعلم الأنساب حيث يقول :
" تعلموا من أنسابكم ماتصلون به أرحامكم, فإن صلة الرحم محبة في الأهل , مثراة في
المال, منسأة في الأثر" أخرجه الإمام الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .(
سنن الترمذي , رقم 1979 , كتاب البر (4/351))
فقد يكون للإنسان أقارب لايعرفهم , وذلك مثل الأعمام الأباعد الذين يلتقي معهم في
النسب بأحد أجداده , فإذا عرفهم عرف ذرياتهم , وبهذا تتسع دائرة الرحم, وكلما زاد
عدد الأقارب فإن الأجر يتضاعف بصلتهم .
ثم يبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مايترتب على صلة الرحم من فوائد في
الحياة الدنيا , فصلة الرحم محبة في الأهل , لأن صلة الرحم تَقَارُب في الأفكار ,
وانسجام في العقول , يترتب عليه محبة في القلوب بين الأقارب , وصلة الرحم مثراة في
المال , حيث يبارك الله تعالى لواصل الرحم في ماله, وإذا حلت البركة في المال صار
قليله كثيرا , وصلة الرحم منسأة في الأثر يعني تأخير في العمر , والمقصود حلول
البركة في الوقت والصحة , بحيث ينجز الإنسان أعمالا لاينجزها إلا من هم أطول منه في
العمر , فكأن هذه البركة إضافة له في عمره .
وقد أخرج الشيخان هذا الحديث من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه بلفظ "من أحب أن
يُبسط عليه في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه. " .( صحيح مسلم , رقم 2557 ,
كتاب البر (ص 1982) ؛صحيح البخاري,رقم 2067 , كتاب البيوع(4/301))
فهذا جزاء عاجل يحصل عليه واصل الرحم في الحياة الدنيا , إلى جانب ما أعده الله
تعالى لـه من الثواب الجزيل في الآخرة .
* * *
- توجيهات ومواقف أخلاقية –
- توجيهات ومواقف في الحلم والعفو –
من مواقف معاوية رضي الله عنه :
|