الرئيسية|رسالتنا ا أخبر صديقك ا مفضلتك ا أضف مقالك  ا أرسل استفتائك ا سجل الزوار ا المجموعة البريدية ا اتصل بنا|مباشر نـــوافذ الــدعوة Welcome to Dawahwain.com
          
 
القائمة الرئيسية
المشرف
المؤلفات
الديوانية
الصوتيات
الفــتاوى
تراجم علمائنا
ملتقـيات الخير
شبـهات و ردود
مقـالات مخـتارة
المـعهـد العلـمي
دليل مكتبة المرأة
الفـوائـد التـربـويـة
محاضـرات مكتوبة
ســيــر الصـــحـابة
دورة الملك سعود العلمية
دخول المشرفين
اسم المستخدم
كلمة المــرور
دخول
دخول البريد الخاص
Email
كلمة المرور
دخول
نوافذ الدعوة د. عبدالعزيز الحميدي المتقون المتقون - العدد الرابع

المتقون - العدد الرابع

تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :

1 – قبسات من القرآن الكريم .

2 – قبسات من السنة النبوية .

3 – توجيهات ومواقف أخلاقية .

4 – مواقف دعوية من السيرة النبوية .

- قبسات من القرآن الكريم –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : يقول الله سبحانه ( أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ {83} ) [ آل عمران :83] .

 

هذه الآية فيها بيان نوعي الإسلام : الإسلام الاختياري والإسلام الجبري الجِبلِّي، فقول الله تعالى ( وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً ) بيـان للإسلام الاختياري ، وقولـه (وَكَرْهاً) بيان للإسلام الجبري الجبلِّي .

 

فكل من في السماوات والأرض ومافيهما من الأحياء والجمادات، والعقلاء من الأحياء وغير العقلاء مسلمون لله تعالى جبرا وجِبلَّة ، بمعنى أنهم منقادون لـه جل وعلا بما جبلهم عليه من الخلق والتكوين ، فالجمادات والنبات والحيوانات كلها تسير وفق ما أراد الله تعالى في أصل تكوينها ومراحل نموها ، وكذلك العقلاء من الملائكة والإنس والجن يسيرون بأجسامهم وفق أصل تكوينهم ، فالكل مسلمون لله تعالى جبرا وجبلَّة ، فهذا هو الإسلام الجبري الجبلِّي ، ويدخل فيه تسبيح غير العقلاء لله تعالى كما جاء في قـوله سبحانه (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ ) [الإسراء : 44] .

 

أما الإسلام الاختياري فهو إسلام العقلاء لله سبحانه من الملائكة والإنس والجن طوعا واختيارا بعدما كانوا مسلمين له جبرا وجبلَّة ، فهؤلاء المسلمون من العقلاء يعيشون في انسجام بين طبيعتهم التكوينية وذلك بالإسلام الجبري الجبلِّي وبين طبيعتهم الاختيارية وذلك بالإسلام الاختياري ، وقد يكون هذا الانسجام كاملا كما هو الحال في الملائكة والأنبياء عليهم السلام ، وقد يقرب من الكمال كما هو الحال عند الصديقين والصالحين على تفاوت بينهم في ذلك ، وقد يبعد من الكمال كما هو الحال في الظالمي أنفسهم من مسلمي الإنس والجن ، ولكن كل هؤلاء المسلمين لهم حظ من هذا الانسجام وليس في حياتهم تناقض بين الإسلام الجبري والاختياري .

 

أما الذين يقع في حياتهم التناقض فهم الكفار من الإنس والجن حيث تناقض إسلامهم الجبري الجبلِّي مع ماهم فيه من الكفر الاختياري ، فكل من السماوات والأرض من العقلاء وكل مافيهما من غير العقلاء مسلمون لله تعالى (طَوْعاً وَكَرْهاً) اختيارا وجبرا وجبلَّة ما عدا الكفار من الإنس والجن فهم وحدهم الذين تناقضت حياتهم الجبرية التكوينية الجبلِّية مع حياتهم الاختيارية ، وهذا وحده يكفي في بيان شناعة الكفر وفظاعته حيث يصبح الكافر شاذا عن كل من في الكون ومافيه .

 

ففي هذه الآية إنكار على أولئك الكفار من أهل الكتاب وغيرهم الذين يفضلون غير دين الله تعالى فيشركون معه غيره في العبادة أو الطاعة أو فيهما معًا والحال أنه قد انقاد لله سبحانه كل من في السماوات والأرض ومافيهما من العقلاء وغير العقلاء جبرا واختيارا .

 

وعبر سبحانه بـ " من " التي هي للعقلاء تغليبا للعقلاء كما جاء ذلك في آيات أخرى ، وإلى الله جل وعلا وحده يُرجَعون يوم القيامة فيحاسبهم ويجازي كل فريق بعمله ، فصاحب العقل السليم هو الذي يرجع إلى الله تعالى يوم القيامة وهو على ملة الإسلام وبعمل صالح .

 

وقال الله تعالى (قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ {84} وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ {85}) [ آل عمران : 84 – 85] .

 

[84] يأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يعلن شمول الإسلام لكل الأديان السماوية والرسالات السابقة ، فكما أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته مأمورون بالإيمان بالله تعالى والقرآن الكريم فإنهم مأمورون بالإيمان بالكتب التي أنزلها الله سبحانه على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ، وهم الأنبياء الذين بعثهم الله تعالى من بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد يعقوب الذي هو إسرائيل عليهم السلام جميعا (وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى) يعني التوراة والإنجيل (وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ) أي وما أنزل على النبيين من ربهم ، وهذا يعم جميع الأنبياء عليهم السلام (لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ) بل نؤمن بهم جميعا ، فكل واحد منهم لبنة في بناء الإسلام كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بني بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية ، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون لـه ويقولون : هلا وُضعت هذه اللبنة ؟ قال : فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين " أخرجه الإمام البخاري  .( صحيح البخاري رقم (3535) ( 6/558))

 

وهذا الإيمان الشامل لرسالات جميع الرسل يُعدُّ ميزة ظاهرة لأمة الإسلام التي تُوالي جميع الأنبياء عليهم السلام وتذكر فضائلهم ودعوتهم وجهادهم .

 

(وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) ونحن أمة الإسلام منقادون لله تعالى بالطاعة متذللون له بالعبودية لانخضع لغيره ولا نطيع غيره في معصيته .

 

[85] (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) أي لن يُقبل منه ما اختاره من الدين غير الإسلام الكامل الذي أنزله الله تعالى هداية للبشرية لتبلُغ به رضوانه والسعادة الأخروية ، فلا يُقبل من أهل الكتاب بقاؤهم على أديانهم المحرفة لأنها لاتشتمل على الانقياد الكامل لله تعالى والاتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا يُقبل ما يشبه تلك الأديان وإن سُمي إسلاما وذلك بالإيمان بالإسلام على أنه شعائر تعبدية وأحوال شخصية فقط لا على أنه – كذلك – نظام حياة ، فإن ماعرف عن النصارى من قولهم " دع مالقيصر لقيصر وما لله لله " يشبهه قول بعض المنتسبين للإسلام " لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة " فهؤلاء جميعا قد ابتغوا غير الإسلام الحقيقي دينا ، فلن يقبله الله عز وجل منهم .

 

(وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) يعني والذي يطلب دينا غير دين الإسلام هو في الآخرة من الخاسرين ، لأن الاستقامة على الإسلام هي السبيل الوحيد للحصول على سعادة الآخرة .

*        *        *

-  قبسات من السنة النبوية  –

– الحث على صلة الرحم –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : فهذه أحاديث تربوية في مجال صلة الرحم . فمن ذلك ما أخرجه الترمذي رحمه الله تعالى من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلمفيما يرويه عن ربه قال قال الله تعالى " أنا خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي, فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته, ومن بتها بتته "  .( سنن الترمذي , رقم 1907 , كتاب البر ( 4/315))

 

الرحم مشتقة من الرحمة والله جل وعلا هو الرحمن الرحيم , والرحم تشمل جميع الأقارب, وفي هذا الحديث بيان عظيم لمنزلة الرحم وحقوق القرابة .

 

فالمجتمع مكوُّن من الأفراد , وأول مايجمع الأفراد قرابة الرحم, فإن أول من تقع عليه عينا الوليد أمُّه وأبوه وأخوته, على مرآهم ينشأ , ومن حنانهم يرضع الحب والرحمة , ومن معاملتهم يكتسب الأخلاق والآداب , ثم تأتي منـزلة أقاربه الأقرب فالأقرب , فهم أقرب الناس إليه , وأكثرهم اتصالا به , فإذا هو قطع رحمه فإن عقوقه لمجتمعه يكون أولى وأحرى , فإذا حصلت القطيعة بين ذوي الأرحام , فإن تلك القطيعة تسري إلى المجتمع فيتباعد أفراده , وينشؤون على الحقد والأنانية , فتعم الأثرة ثم يقع التنافس على حطام الدنيا , ويكثر النـزاع , فيفسد بذلك عمران الأرض , وإنما يكون صلاحها بمكارم الأخلاق وإيثار المصلحة العامة على المصلحة الخاصة, وذلك يكون أولا بصلة الرحم وحفظ حقوق الأقارب وبذل المعروف لهم , وتمرين النفس على مواصلة ذلك حتى تصبح هذه الصلة خلقا لازما للإنسان , وبالتالي تمتد هذه الصلة من القرابة إلى أفراد المجتمع , فيتكوَّن بذلك المجتمع الصالح .

 

وإنه لشرف عظيم لواصل الرحم أن يصله الله تعالى ! وهل يطمع الإنسان العاقل بشرف أعلى من هذا الشرف ؟! أم هل يطمح بصره إلى منـزلة أعلى من هذه المنـزلة ؟!

 

وبمقابل ذلك فإنه لَضعَةٌ أيُّ ضعة أن يقطع الله تعالى عبده ! وإنه لهول كبير وخسارة فادحة أن يتخلى الله جل وعلا عن عبده , ويبين رسول الله صلى الله عليه وسلمهذا المعنى في حديث آخر بتعبير مؤثر في الضمائر الحية والعقول الرشيدة حيث يقول " الرحم معلقة بالعرش , تقول : من وصلني وصله الله, ومن قطعني قطعه الله " أخرجه الإمام مسلم رحمه الله من حديث عائشة رضي الله عنها  . (صحيح مسلم , رقم 2555 , البر ص 1981)

 

ويبين رسول الله  صلى الله عليه وسلمحقيقة صلة الرحم بقوله : " ليس الواصل بالمكافئ , ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها" أخرجه الأئمة البخاري وأبو داود والترمذي رحمهم الله تعالى من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما  .  (صحيح البخاري, رقم 5951 , الأدب , باب ليس الواصل بالمكافئ ؛ سنن أبي داود , رقم 1697 , في الزكاة , باب صلة الرحم؛ سنن الترمذي رقم 1909 , في البر والصلة , باب صلة الرحم)

 

فالواصل حقا ليس هو الذي يكتفي بأن يبادل الصلة بمثلها , فيصل من وصله ويقطع من قطعه, وإنما الواصل حقا الذي يعرف واجب الرحم حق المعرفة هو الذي يصل أقاربه جميعا حتى من قطع صلته به منهم , لأنه بهذه الصلة لمن قطعه يجعل من نفسه قدوة حسنة لسائر أقاربه , فإن النفوس مجبولة على التأثر بفعل المعروف , فتستيقظ في النفوس دوافع الرغبة في بلوغ الكمال, والتنافس في الاتصاف بأحسن الصفات.

 

ويبشر النبي صلى الله عليه وسلم واصل رحمه التي قطعته بالظفر بإعانة الله تعالى له في جهاده مع ذوي رحمه , وذلك فيما أخرجه الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه "أن رجلا قال: يارسول الله إني لي قرابة أصلهم ويقطعونني , وأحسن إليهم ويسيئون إلي , وأحلم عنهم ويجهلون علي؟ قال: لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهم المَلّ , ولن يزال معك من الله ظهير عليهم مادمت على ذلك "   . (صحيح مسلم , رقم 2558 , كتاب البر والصلة , باب صلة الرحم)

 

وقولـه " فكأنما تسفهم الملّ " يعني فكأنما تطعمهم الرمل الحار الذي يكون تحت النار , وفي هذا بلاغة عظيمة في التعبير عن المكابدة التي يعانيها الواصل الملحّ في وصل قرابته مع نفورهم منه وكراهيتهم لجوانب الصلة التي يمنحهم إياها , فصعوبة ذلك تشبه صعوبة إطعام الناس الرمل الشديد الحرارة .

 

فهذا الذي يصل من قطعه , ويحسن إلى من أساء إليه , ويحلم على من جهل عليه من قرابته إنما يريد أن يعدِّل موازين الحياة من حوله, ويريد أن يرفع من شأن قرابته نحو الرقي والكمال , لأن الحياة القويمة لاتتم إلا بتواصل الرحم, فهو من أجل أن يوجد الحياة السعيدة في مجتمعه الصغير قد غامر في محاولات تكلفه المتاعب وتحمله الأذى .

 

دولكن هل هو وحده في هذا الميدان ؟!

 

لا .. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشره بأن الله جل وعلا معه معينا وناصرا , ومن كان الله معه فلن ينقطع له سعي ولن يخيب له رجاء .

 

وإنها لبشارة عظيمة تدفع بهذا الواصل رحمه إلى مواصلة الجهد , ومضاعفة المحاولات التي توصله إلى تغيير الوضع العائلي الذي يعيش فيه من القطيعة وسوء الخلق إلى الصلة ومكارم الأخلاق .

 

وإنه لن ييأس من بذل المحاولات وتكرارها ما دام يشعر بأن الله جل وعلا معه بنصره وإعانته, فإن الله عز وجل سيلين له قلوب أقاربه فيسعد بذلك بنتيجة أعماله الطيبة معهم .

 

ومن أجل صلة الرحم حثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعلم الأنساب حيث يقول : " تعلموا من أنسابكم ماتصلون به أرحامكم, فإن صلة الرحم محبة في الأهل , مثراة في المال, منسأة في الأثر" أخرجه الإمام الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه   .( سنن الترمذي , رقم 1979 , كتاب البر (4/351))

 

فقد يكون للإنسان أقارب لايعرفهم , وذلك مثل الأعمام الأباعد الذين يلتقي معهم في النسب بأحد أجداده , فإذا عرفهم عرف ذرياتهم , وبهذا تتسع دائرة الرحم, وكلما زاد عدد الأقارب فإن الأجر يتضاعف بصلتهم .

 

ثم يبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مايترتب على صلة الرحم من فوائد في الحياة الدنيا , فصلة الرحم محبة في الأهل , لأن صلة الرحم تَقَارُب في الأفكار , وانسجام في العقول , يترتب عليه محبة في القلوب بين الأقارب , وصلة الرحم مثراة في المال , حيث يبارك الله تعالى لواصل الرحم في ماله, وإذا حلت البركة في المال صار قليله كثيرا , وصلة الرحم منسأة في الأثر يعني تأخير في العمر , والمقصود حلول البركة في الوقت والصحة , بحيث ينجز الإنسان أعمالا لاينجزها إلا من هم أطول منه في العمر , فكأن هذه البركة إضافة له في عمره .

 

وقد أخرج الشيخان هذا الحديث من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه بلفظ "من أحب أن يُبسط عليه في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه. "  .( صحيح مسلم , رقم 2557 , كتاب البر (ص 1982) ؛صحيح البخاري,رقم 2067 , كتاب البيوع(4/301))

 

فهذا جزاء عاجل يحصل عليه واصل الرحم في الحياة الدنيا , إلى جانب ما أعده الله تعالى لـه من الثواب الجزيل في الآخرة .

*         *          *

-  توجيهات ومواقف أخلاقية –

- توجيهات ومواقف في الحلم والعفو –

من مواقف معاوية رضي الله عنه :

قال الحافظ ابن كثير : وقال العتبي : رأى معاوية ابنه يزيد يضرب غلاما له فقال له: اعلم أن الله أقدر عليك منك عليه , سوأة لك !! أتضرب من لايستطيع أن يمتنع منك ؟ والله لقد منعتني القدرة من الانتقام من ذوي الإِحَن , وإن أحسن من عفا لَمَنْ قدر.(البداية والنهاية 8/227)

 

فهذا توجيه سديد من أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه لابنه يزيد نحو التخلق بهذا الخلق الكريم .. العفو عند المقدرة , هذا الخلق الذي يُعدُّ من أهم عناصر السيادة وسياسة الأمة , ولقد ذكَّره بقدرة الله جل وعلا عليه ليحطَّ من تعاظمه بنفسه وليخشى الله سبحانه فيمن هم تحت يده.

 

ومن ذلك ماذكره الحافظ ابن كثير في بيان ماكان يتصف به أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما من الحلم , حيث قال: وقال بعضهم : أسمع رجل معاوية كلاما سيئا شديدًا , فقيل له : لو سطوت عليه ؟ فقال: إني لأستحيي من الله أن يضيق حلمي عن ذنب أحد من رعيتي , وفي رواية قال له رجل : يا أمير المؤمنين ما أحلمك !! فقال : إني لاستحيي أن يكون جرم أحد أعظم من حلمي .

 

وقال الأصمعي عن الثوري قال : قال معاوية : إني لأستحيي أن يكون ذنب أعظم من عفوي, أو جهل أكبر من حلمي , أو تكون عورة لا أواريها بستري .

 

قال وقال : مايسرني بِذُلِّ الحلم عِزُّ النصر .

قال : وقال بعضهم : قال معاوية يابني أمية فارقوا قريشا بالحلم , فو الله لقد كنت ألقى الرجل في الجاهلية فيوسعني شتما وأوسعه حلما , فأرجع وهو لي صديق , إن استنجدته أنجدني, وأثور به فيثور معي , وماوضع الحلم عن شريف شرفه , ولا زاده إلا كرما , وقال : آفة الحلم الذل .

 

وقال : لايبلغ الرجل مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله , وصبره شهوته , ولايبلغ الرجل ذلك إلا بقوة الحلم .

 

قال : وقال رجل لمعاوية : من أسود الناس ؟ فقال : أسخاهم نفسا حين يسأل , وأحسنهم في المجالس خلقا , وأحلمهم حين يستجهل .

 

قال : وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى : كان معاوية يتمثل بهذه الأبيات كثيرًا :

فما قتَل السفاهة مـثل حلم           يعود به على الجهل الحليمُ

فلا تسْفَهْ وإن ملِّـئتَ غيظا           على أحد فإن الفحش لُوْمُ

ولاتقطع أخًا لك عند ذنب             فإن الذنب يغـفره الكريم

 

وقال : كتب معاوية إلى نائبه زياد : إنه لاينبغي أن يُساسَ الناس سياسة واحدة باللين فيمرحوا , ولا

بالشدة فيُحمَلَ الناس على المهالك , ولكن كن أنت للشدة والفظاظة والغلظة , وأنا للين والألفة والرحمة , حتى إذا خاف خائف وجد بابا يدخل منه.(البداية والنهاية 8 / 135 – 136)

 

فهذه الأقوال المروية عن أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه تبين لنا شيئًا مما اشتهر عنه من الاتصاف بخلق الحلم , وقد كان هذا الخلق همزة وصل بينه وبين من يعاملونه بشيء من الجفاء من أفراد رعيته , أو يصارحونه – بقوة – بما يرونه حقا وهو يخالفهم في ذلك .

 

وكان لتخلقه بخلق الحلم الذي لم يخالطه ضعف أثر في نجاحه في تثبيت أركان دولته , وذلك بمقدرته الفائقة على امتصاص غضب المخالفين , وتحويلهم إلى الرضى والقناعة بسياسته , وهكذا تأتي مكارم الأخلاق التي من أهمها الحلم والعفو والصبر والكرم لتكون من أهم عناصر السيادة .

 

وقد أبان في هذه الأقوال بأن الحلم يخالطه شيء من الذل , كما أن النصر يخالطه شيء من العز , ولكنه أبدى سروره بذلك الذل لما يترتب عليه من النتائج الحميدة التي منها اكتساب الأصدقاء والأنصار .

 

وفي كتابه إلى زياد أمير العراق بيان لسياسته الجيدة التي تخيف المتهورين الميالين إلى إحداث الفوضى والإخلال بالأمن , ولكنها في الوقت نفسه تبعث الأمل لدى من يراجعون أنفسهم ويريدون سلوك طريق الاستقامة والسلامة .

 

ولقد أثنى على أمير المؤمنين معاوية حكماء عصره وذكروا اتصافه بمكارم الأخلاق وخاصة خلق الحلم , وفي ذلك يقول الحافظ ابن كثير : وقال عبد الملك بن مروان – يوما وذكر معاوية فقال - : مارأيت مثله في حلمه واحتماله وكرمه .

 

وقال قبيصة بن جابر : ما رأيت أحدًا أعظم حلما , ولا أكثر سؤددا , ولا أبعد أناة , ولا ألين مخرجا , ولا أرحب بالمعروف من معاوية .

 

وقال عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما : لله در ابن هند , إن كنا لنُفْرقه [أي لنخيفه] وما الليث على براثنه بأجرأ منه فيتفارق لنا , وإن كنا لنخدعه وما ابن ليلةٍ من أهل الأرض بأدهى منه فيتخادع لنا , والله لوددت أنا مُتِّعنا به مادام في هذا الجبل حجر – وأشار إلى أبي قبيس -.(البداية والنهاية 8/135 – 136)

 

وفي قول ابن الزبير هذا وصف دقيق لمعاملة معاوية لقادة المسلمين وسادتهم , فهو جريء شجاع, ولكنه يظهر الخوف عمدا ليصل من ذلك إلى عدم إثارة المخالفين , لأن إظهار الشجاعة يثير عنصر التحدي لديهم , وهو أدهى أهل الأرض في زمانه , ولكنه يظهر الانخداع أمام محدثيه ليصل إلى تجفيف منابع نقمتهم عليه , وهو في ذلك كله يخدم هدفا ساميا وهو تحقيق حياة الرخاء والأمن للأمة الإسلامية .

 

ولقد تمنى ابن الزبير أن يطول عمر معاوية لأنه يخشى من تغير الأحوال من بعده , ولقد قال ذلك مع أنه من الطموحين للخلافة لأنه نظر إلى مصلحة الأمة التي تتحقق ببقاء معاوية خليفة على المسلمين .

 

ويصف حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما سياسة معاوية بكلام موجز , لكنه يعني خلاصة تفكير عميق حيث يقول : قد علمت بِمَ غلب معاوية الناس , كانوا إذا طاروا وقع, وإذا وقع طاروا.(البداية والنهاية 8/136)

 

وهذا يعني أنه إذا رأى السيول الجارفة قد أقبلت لم يقاومها , وإنما يفسح لها حتى تمر , ثم يحتوي الميدان وقد زال إقبال الناس الشديد فيتمكن مما يريد , وقد عبر معاوية عن هذه السياسة بقوله المشهور : لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت , إذا جذبوها أرخيتها , وإذا أرخوها جذبتها , رضي الله عنه وعن الصحابة جميعا .

 

ومن ذلك ماذكره الحافظ ابن كثير في بيان ماكان يتصف به أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه من مكارم الأخلاق قال : وقال الشعبي والأصمعي : جرى بين رجل يقال له أبو الجهم وبين معاوية كلام , فتكلم أبو الجهم بكلام فيه غَمْرٌ لمعاوية , فأطرق معاوية ثم رفع رأسه فقال: يا أبا الجهم إياك والسلطان فإنه يغضب غضب الصبيان ويأخذ أخذ الأسد , وإن قليله يغلب كثير الناس, ثم أمر معاوية لأبي الجهم بمال , فقال أبو الجهم في ذلك يمدح معاوية :

نميل على جوانبه كأنا                          نميل إذا نميل عـلى أبينا

نُقلِّبه لنخـبر حـالتيه                          فنخبر منهما كرما ولينا

(البداية والنهاية 8/135)

 

وهكذا كان لحلم معاوية رضي الله عنه وحسن خلقه ومبادلته الإساءة بالإحسان الأثر الكبير في نفس أبي الجهم فقال هذين البيتين في شكر معاوية وبيان اتصافه بالكرم والسماحة .

 

ولقد كان سلوك أمير المؤمنين معاوية تطبيقا لقول الله تعالى (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ {34} وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ {35})  [ فصلت : 34 – 35 ] .

 

وقال الحافظ ابن كثير : وقال عمر بن يحيى بن سعيد الأموي عن جده قال: دخل معاوية على عمر وعليه حلة خضراء , فنظر إليها الصحابة , فلما رأى ذلك عمر وثب عليه بالدِّرة فجعل يضربه بها , وجعل معاوية يقول : ياأمير المؤمنين اللهَ اللهَ فيَّ , فرجع عمر على مجلسه فقال لـه القوم, لِمَ ضربته يا أمير المؤمنين , ومافي قومك مثله ؟ فقال : والله مارأيت إلا خيرا , ومابلغني إلا خير , ولو بلغني غير ذلك لكان مني إليه غير مارأيتم , ولكن رأيته – وأشار بيده – فأحببت أن أضع منه ماشمخ.(البداية والنهاية 8/125)

 

ففي هذا الخبر موقفان : الأول صرامة أمير المؤمنين عمر رضي  الله عنه في حمل أمرائه على حياة التواضع والزهد , ولقد لاحظ شيئًا من الترفع في معاوية في ذلك اللباس الذي لبسه , فكان منه ذلك التأديب التربوي الذي أراد منه الحدَّ من ذلك السلوك الذي لاحظه على معاوية رضي الله عنه .

 

وحينما عذله في ذلك مَنْ حوله , وذكروا فضل معاوية على قومه أبان لهم أنه لم يغضب عليه لنقص في سياسته وإدارته , وأنه لو كان منه شيء من ذلك لكان له معه تصرف آخر , ويقصد بذلك عزله عن الولاية , وفي ذلك دلالة على ظهور تفوق معاوية في أعمال الولاية في السلم والحرب .

 

والثاني : موقف لمعاوية في الحلم والصبر , حيث لم يَبْدُ منه أيُّ تُسخُّط مما حدث , بل كان يستعطف أمير المؤمنين ليخفف من غضبه عليه , مع أن في ضربه أمام الناس إهانة كبيرة له , لكنه يدرك أن أمير المؤمنين يقصد من ذلك صيانة أخلاق الإسلام التي يجب أن تتمثل أوَّلا في الولاة ليقتدي بهم عامة الناس .

 

ونظرًا لحلم معاوية الكبير مع مايتصف به من الشجاعة والعزة فإن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أثنى عليه بقوله : دعوا فتى قريش وابن سيدها , إنه لَمَنْ يضحك في الغضب ولايُنال منه إلا على الرضا , ومَنْ لايؤخذ مافوق رأسه إلا من تحت قدميه.(البداية والنهاية 8/124)

 

فهذا قول دقيق من عمر في وصف معاوية , فقد وصفه بالدرجة العالية من الحلم , والعزة التي تجعله منيعا لاينال ماعنده على قهر منه , وهذه الصفة هي التي جعلته يبقيه أميرا على الشام لخطورة ذلك الثغر .

*          *          *

- مواقف دعوية من السيرة النبوية –

-مثل من ثبات الصحابة على دينهم واعتزازهم به -

(خبر سعد بن أبي وقاص وأصحابه )

قال ابن إسحاق : وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلّوا ذهبوا في الشعاب فاستَخْفَوْا بصلاتهم, فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب من شعاب مكة , إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون , فناكروهم , وعابوا عليهم مايصنعون حتى قاتلوهم, فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلاً من المشركين بلَحْيِ بعير فشجّه , فكان أولَ دم هُريق في الإسلام   .( سيرة ابن هشام 1/261 , وتاريخ الإسلام للذهبي 1/147)

 

هذا الخبر يدل على مقدار ما واجهه الصحابة رضي الله عنهم في مبدأ الإسلام من محاصرة المشركين ومتابعتهم إياهم حتى اضطروهم إلى الاستخفاء بصلاتهم في الشعاب النائية , ومع ذلك وصل إليهم المشركون فناكروهم وعابوهم وقاتلوهم .

 

إن محافظة هؤلاء الصحابة على دينهم وحماسهم في الدعوة إليه مع ذلك الاضطهاد الشديد من أعدائهم دليل على قوة إيمانهم وهو موقف جليل يكتب في سجلهم الحافل بالمواقف العالية .

 

وهكذا رأينا هؤلاء العظماء الأبطال قد اضطروا إلى الاستخفاء بأبرز شعائر دينهم وهي الصلاة, فأصبحوا يقيمونها في الشعاب والأودية خوفا من سخرية المشركين وبطشهم , ومع ذلك لم يتركوا الصلاة , فكيف بالمسلمين الذين أقيمت لهم المساجد العامرة بالمصلين المزودة بكل وسائل الراحة والنشاط ومع ذلك يهجرها طائفة من المسلمين زهدًا فيها وإيثارًا لمتاع الدنيا ولهوها؟!

 

إنه أمر منكر عجيب يدل على البون الشاسع بين مستوى إيمان الصحابة رضي الله عنهم وإيمان من جاء بعدهم والتفوق الواضح للصحابة في مجال الفهم والتطبيق .

 

كما أن هذا النص يدلنا على مستوى العزة التي ارتفع إليها المسلمون آنذاك على الرغم من ضعفهم وقلتهم حيث قام أولئك النفر بمدافعة من داهمهم من المشركين ولم يستخذوا لهم وفي ذلك إعزاز ظاهر للإسلام وتثبيت لوجوده في الأرض .

- مثل من الثبات على الشدائد –

( إسلام خالد بن سعيد بن العاص )

أخرج الإمام البيهقي بإسناده عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال : كان إسلام خالد – يعني ابن سعيد بن العاص – قديمًا , وكان أول أخوته أسلم , وكان بدء إسلامه أنه رأى في النوم أنه وُقف به على شفير النار , فذكر من سعتها ما الله أعلم به , ويرى في النوم كأن أباه يدفعه فيها, ويرى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بحقويه لايقع , ففزع من نومه فقال : أحلف بالله إن هذه لرؤيا حق.

 

فلقي أبا بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه فذكر ذلك له فقال أبو بكر : أريد بك خير , هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه , فإنك ستتبعه وتدخل معه في الإسلام , والإسلام يحجزك أن تدخل فيها وأبوك واقع فيها .

 

فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأجياد فقال : يامحمد إلام تدعو ؟ فقال: أدعو إلى الله وحده لاشريك له وأن محمدًا عبده ورسوله , وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لايسمع ولايبصر ولاينفع ولايدري من عبده ممن لم يعبده .

 

فقال خالد : فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله , فسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامه , وتغيب خالد , وعلم أبوه بإسلامه فأرسل في طلبه , فأتي به فأنَّبه وضربه بمقرعة في يده حتى كسرها على رأسه , وقال : والله لأمنعنك من القوت , فقال خالد : إن منعتني فإن الله يرزقني ما أعيش به, وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يلزمه ويكون معه.(دلائل النبوة للبيهقي 2/172 , وأخرجه أبو عبد الله الحاكم من هذا الطريق وذكر مثله – المستدرك 3/248)

 

وهكذا هدى الله تعالى خالد بن سعيد بن العاص بتلك الرؤيا المباركة , فأخرجه بها من ظلمات الشرك إلى أنوار التوحيد , وكان يقينه بالإسلام قويّا حيث لم يتزعزع إيمانه لما وبخه أبوه وضربه وهدده بقطع رزقه مع أن أباه كان من سادة أهل مكة الكبار , بل أعلن خالد استغناءه عن أبيه واعتماده الكامل على الله تعالى وحده , وثبت رضي الله عنه على حياة الفقر لأنه أحس بأن الإسلام هو سعادة الروح , وأيقن بأن الحياة الدنيا لاتساوي شيئًا أمام الآخرة , فلتكن الدنيا كما يريد الكفار المتسلطون حياة بؤس وفاقة على المسلمين فإن الموازين ستتبدل في الآخرة فيصبح المسلمون هم أصحاب الحياة السعيدة الخالدة , وقد تتبدل في الدنيا حينما ينتصر المسلمون وتكون لهم الدولة والهيمنة في الأرض .

- مثل من الدعوة الناجحة والتضحية الخالدة –

( إسلام عمرو بن عبسة السُّلَمي )

أخرج الإمام مسلم بإسناده عن أبي أمامة قال : قال عمرو بن عبسة السلمي : كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة , وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا , فقعدت على راحلتي , فقدمت عليه , فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيًا , جُرَءَاءٌ عليه قومه .

 

فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت له : ما أنت ؟ قال : "أنا نبي" فقلت : ومانبي ؟ قال: "أرسلني الله " فقلت : وبأي شيء أرسلك؟ قال: " أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لايشرك به شيء " قلت له : فمن معك على هذا ؟ قال: " حر وعبد" قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به فقلت : إني متبعك . قال: " إنك لاتستطيع ذلك يومك هذا , ألا ترى حالي وحال الناس ؟ ولكن ارجع إلى أهلك , فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني " .

 

قال فذهبت إلى أهلي , وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة , وكنت في أهلي , فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة , حتى قدم عليَّ نفر من أهل يثرب من أهل المدينة , فقلت: مافعل هذا الرجل الذي قدم المدينة ؟ فقالوا : الناس إليه سِرَاعٌ . وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك .

 

فقدمت المدينة فدخلت عليه , فقلت : يارسول الله ! أتعرفني ؟ قال: " نعم . أنت الذي لقيتني بمكة؟ " .

وذكر بقية الحديث وفيه أنه سأله عن الصلاة والوضوء.(صحيح مسلم 569 رقم 832 , كتاب صلاة المسافرين)

 

ففي هذا الخبر موقف يذكر لعمرو بن عبسة حيث آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم في أوائل دعوة الإسلام وفي حال قلة المسلمين وكثرة أعدائهم , ولم يقتصر على ذلك , بل أبدى رغبته في مصاحبة النبي صلى الله عليه وسلم والبقاء معه في ذلك الظرف العصيب , ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قبل منه إسلامه , وأبان له بأنه لايستطيع أن يتحمل مشقة الصحبة والاتباع في ذلك الوقت , لما سيتعرض له من الأذى الشديد على يد الكفار ولكون النبي صلى الله عليه وسلم لايستطيع حمايته .

 

وقد جاء في هذا الخبر أن عمرو بن عبسة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام بعد أن علم بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : وبأي شيء أرسلك ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لايشرك به شيء " وفي هذا دليل على أهمية صلة الأرحام حيث كان هذا الخلق العظيم من أوليات دعوة الإسلام , مع اقترانه بالدعوة إلى التوحيد .

 

وقد ظهر في هذا البيان الهجوم على الأوثان بقوة مع أنها كانت أقدس شيء عند العرب , وفي هذا دلالة على أهمية إزالة معالم الجاهلية , وأن دعوة التوحيد لاتستقر ولاتنتشر إلابزوال هذه المعالم .

 

وفي اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم المبكر بإزالة الأوثان مع عدم قدرته على تنفيذ ذلك في ذلك الوقت دلالة على أن أمور الدين لايجوز تأخير بيانها للناس بحجة عدم القدرة على تطبيقها , فالذين يبينون للناس من أمور الدين مايستطيعون تطبيقه بسهولة وأمن , ويحجمون عن بيان أمور الدين التي يحتاج تطبيقها إلى شيء من المواجهة والجهاد .. هؤلاء دعوتهم ناقصة , ولم يقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي واجه الجاهلية وطغاتها وهو في قلة من أنصاره , والسيادة في بلده لأعدائه .

 

وجاء في هذا الخبر أن عمرو بن عبسة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أتباعه فقال " حر وعبد" وقد فسر ذلك عمرو بأن المراد أبو بكر وبلال, وهذا يحتمل أمرين :

الأول : أن الكلام على ظاهره وأنه لم يسلم في ذلك الوقت خارج بيت النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبو بكر وبلال, وبناء على ماسبق من أن أبا بكر هو أول من أسلم يكون بلال ثاني رجل أسلم خارج البيت النبوي .

 

الثاني : أن هناك مسلمين آخرين ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أخفى ذكرهم لكونهم يخفون إسلامهم عن قومهم, بينما كان أبو بكر ظاهر الإسلام , وبلال قد ظهر إسلامه , فذكرهما لكونهما لايتضرران بهذا الذكر , وهذا هو الظاهر لأن عمرو بن عبسة علم عن الإسلام وهو في بلاده , وظهور الإسلام خارج مكة وعلم القبائل به كان بعد الجهر بالدعوة بينما كان المسلمون الأوائل قد دخلوا في الإسلام قبل الجهر بالدعوة كما سبق في إسلام الخمسة على يد أبي بكر .

 

ومما يدل على تأخر وفادة عمرو بن عبسة قوله في وصف النبي صلى الله عليه وسلم "جُرءاء عليه قومه" , وقول النبي صلى الله عليه وسلم " ألا ترى حالي وحال الناس؟ " فهذا يدل على أن وفادته كانت بعد حدوث الخلاف والعداء من المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم , وذلك بعد أن جهر بنقد الجاهلية التي كان عليها قومه , وهذا النقد كان بعد الجهر بالدعوة , بل إنه قد جاء في هذا الخبر التصريح بكسر الأوثان وهذا كان بعد الجهر بالدعوة .

*          *          *

انتهى

تاريخ إضافة المقال:2008-03-31 20:47:11


6 المتصلين بالموقع 0 المتصلين بالصفحة 8399355 عدد زيارات الموقع 45 عدد زيارات الصفحة
نافـذتك الدعـوية
  - أخبار الدعوة
  - مكتبة الداعية
  - الدعوة والداعية
  - المؤسسات الدعوية
 
 
دعاة مشاركون
  - الشيخ د.محمد أحمد باجابر
  - الشيخ د.عبدالعزيز الحميدي
الــــرأي العــام
أوقات الصلاة - مكة
 
شركة بيرفكت وي لتقنية المعلومات pw4it.com
جميع الحقوق محفوظة لـصالح نوافذ الدعوة All Rights Reserved 2008 © DawaHwin.com