|
المتقون -
العدد الثاني
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – قبسات من القرآن الكريم .
2 – قبسات من السنة النبوية .
3 – توجيهات ومواقف أخلاقية .
4 – مواقف دعوية من السيرة النبوية .
- قبسات من القرآن الكريم -
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله سبحانه [ أَلَمْ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ
لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ {23}
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً
مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ {24} فَكَيْفَ
إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا
كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ {25}] [ آل عمران : 23-25] .
[23] يعني : أرأيت – أيها الرسول – أعجب من حال اليهود الذين آتاهم الله حظا من
الكتاب السماوي وهو التوراة فعلموا من كتابهم أن ماجئت به هو الحق يُدعون إلى كتاب
الله وهو القرآن ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه ثم يأبى فريق منهم التحاكم إلى
القرآن والحال أنهم معرضون كعادتهم .
[24] ذلك الإعراض عن قبول الحق والإصرار على الباطل بسبب اعتقادهم الفاسد بأنهم لن
يعذبوا في النار إلا أياما قليلة وغرَّهم في دينهم هذا الاعتقاد الفاسد الذي افتروه
من عند أنفسهم ، وجرأهم ذلك على الاستهانة بدينهم وارتكاب المعاصي الكثيرة.
[25] ويشبههم في الاستهانة بالدين بعض ضعفاء الإيمان من المسلمين الذين استمْرأُوا
الوقوع في المعاصي بحجة أنهم لن يخلدوا في النار ، وإنما سيعذبون بقدر ذنوبهم ،
وربما وقعوا في الكفر الأكبر فيما إذا رفضوا حكم الله تعالى ورضوا بالتحاكم إلى
قوانين البشر وهم يزعمون بأنهم لم يرتكبوا إلا معصية من المعاصي .
فكيف تكون حال هؤلاء المستهينين بدين الله تعالى إذا جمعهم سبحانه ليحاسبوا في يوم
القيامة الذي لاشك في وقوعه وأخذ كل واحد منهم جزاء ما اكتسب ، وهم لن يُظلموا شيئا
وإن ما سيرون من الحساب العسير والعذاب الهائل هو في مقابل أعمالهم السيئة .
قال الله تعالى [قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء
وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء
بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {26} تُولِجُ اللَّيْلَ
فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ
الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ
حِسَابٍ {27} ] [ آل عمران :26- 27]
[26] يأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يتوجه بالدعاء إليه قائلاً :
اللهم يامن له ملك الدنيا والآخرة تعطي الملك من تشاء وتنـزع الملك ممن تشاء أن
تنـزعه منه ، فالملك لم يصل إلى الملوك بجهودهم الذاتية وإنما الله عز وجل هو الذي
ملَّكهم ، وهو القادر على أن ينتزع الملك منهم، فلا يغتروا بكونهم أخذوا الملك
بالقوة فيكون ذلك دافعا إلى الطغيان والجبروت ، فلو شاء الله عز وجل لقدَّر وقوع
العقبات التي تحول دون وصولهم إلى الملك .
( وَتُعِزُّ مَن تَشَاء )
بتمكينه من السلطة وبسط القدرة له ( وَتُذِلُّ مَن
تَشَاء ) بالحيلولة بينه وبين السلطة وتسليط عدوه عليه
( بِيَدِكَ الْخَيْرُ ) وحدك وليس بيد غيرك
لأنك على كل شيء قدير ، فالذين يُعظَّمون من دونك سواء في شرك الطاعة أو شرك
العبادة ليس لهم من الأمر شيء ، فإن كانوا من الأصنام فالأمر واضح ، وإن كانوا من
طغاة البشر فإن قوتهم وهمية وهي لاتثبت أبدا أمام قوة أولياء الله المتقين
( إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) فلا
يعجزك شيء في الوجود ، فلا يظن الذين تمكنوا في الأرض أنهم خارجون عن قدرة الله
تعالى .
[27] ( تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ
النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ) فهذا من دلائل قدرة الله سبحانه العظيمة، وذلك
في إدخال الليل في النهار حتى يكون النهار طويلا وإدخال النهار في الليل حتى يكون
الليل طويلا بدقة متناهية وتدرُّج منظم ، وهذا يترتب على القدرة الفائقة في ترتيب
سير الأفلاك العظيمة .
( وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ )
الذي لا حياة فيه كالزرع من الحب والإنسان من النطفة والدجاج من البيض ، وكذلك
الحياة المعنوية كإخراج المؤمن من الكافر .
( وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ )
كالحب من الزرع والنطفة من الإنسان والبيض من الدجاج، وكذلك الموت المعنوي كإخراج
الكافر من المؤمن .
( وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ )
من غير خشية من النقص والفناء ، وذلك لسعة ملك الله جل وعلا .
وفي الآية دلالة على عظمة قدرة الله تعالى وأن الذين يعظَّمون من دونه لايساوون
شيئا أمام قدرته .
* * *
- قبسات من السنة النبوية -
التحذير من الشبهات
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : فإن كل إنسان له هدف يسعى إلى بلوغه في هذه الحياة , وهدف المسلم أن يصل إلى
رضوان الله عز وجل ونعيم الجنة ( يَبْتَغُونَ فَضْلاً
مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً ) [الحشر:8 ] فالفضل من الله هو الجنة .
ولابد من طريق واضح المعالم يوصل كل إنسان إلى هدفه , ولقد بين لنا رسول الله صلى
الله عليه وسلم شيئا من معالم هذا الطريق في قوله "إن الحلال بيِّن وإن الحرام بين
وبينهما مشتبهات لايعلمهن كثير من الناس , فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ,
ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام , كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه , ألا
وإن لكل ملك حمَى , ألا وإن حمى الله محارمه, ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح
الجسد كله , وإذا فسدت فسد الجسد كله, ألا وهي القلب" أخرجه الشيخان من حديث
النعمان بن بشير رضي الله عنه. [ صحيح البخاري رقم 52 , الإيمان (1/126) , صحيح
مسلم , رقم 1599 , المساقاة (ص1219) ].
فقد تبين من هذا الحديث الشريف الطريقُ الموصل إلى الهدف السعيد , وهو طريق الحلال
الخالص الخالي من الشبهات , وقد صدَّر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث ببيان
وضوح الحلال الخالص من شبهة الحرام ووضوح الحرام الخالص من شبهة الحلال , وذلك عند
عامة المسلمين وخاصتهم, ولكن هناك بين الحلال والحرام أمور مشتبهة تخفى على كثير من
الناس , وهذه الأمور المشتبهة كالقضايا التي اختلف العلماء في حلها وحرمتها بناء
على تعارض الأدلة أو لغير ذلك من الأسباب, وبعض العلماء أدخل في ذلك المكروهات .
وذكر الحافظ ابن رجب أن الإمام أحمد بن حنبل فسر الشبهات باختلاط المال الحلال
بالحرام, قال: ويتفرع على هذا معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط , فإن كان أكثر
ماله الحرام فقال أحمد : ينبغي أن يتجنبه إلا أن يكون شيئا يسيرا أو شيئا لايُعرف ,
قال: وقال الإمام أحمد في المال المشتبه حلاله بحرامه : إن كان المال كثيرا أخرج
منه قدر الحرام وتصرف في الباقي , وإن كان المال قليلا اجتنبه كله , وهذا لأن
القليل إذا تناول منه شيئا فإنه يتعذر معه السلامة من الحرام بخلاف الكثير.[ جامع
العلوم والحكم /61 ]
فمن اتقى الشبهات فابتعد منها واكتفى بالحلال الواضح أمره فقد طلب البراءة لدينه,
حيث اجتنب الأمور المشكوك فيها وأرسى قدميه على أمور واضحة لن يغير رأيه فيها فيما
بعد, واستبرأ لعرضه , حيث حماه من طعن الناس فيه فيما إذا ارتكب أمورًا مشتبهة ,
وبعض الناس يسارع إلى الطعن في الآخرين من غير تثبت ولاروية ولا اطلاع على وجهة
نظرهم فيما ذهبوا إليه .
"ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام" قال الحافظ ابن رجب : والذي يأتي الشبهات مع
اشتباهها عليه قد أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقع في الحرام , فهذا يفسر
بمعنيين : أحدهما أن يكون ارتكابه للشبهة مع اعتقاده أنه شبهة ذريعةً إلى ارتكابه
الحرام الذي يعتقد أنه حرام بالتدريج والتسامح, وفي رواية في الصحيحين لهذا الحديث
"ومن اجترأ على مايَشكُّ فيه من الإثم أوْشَكَ أن يواقع ما استبان" , والمعنى
الثاني أن من أقدم على ماهو مشتبه عنده لايدري أهو حلال أو حرام فإنه لايأمن من أن
يكون حراما في نفس الأمر فيصادفُ الحرام وهو لايدري أنه حرام .[ جامع العلوم والحكم
/63 ]
إن بين الحلال والحرام خيوطا دقيقة قد تخفى على بعض الناس, فمن قطعها فإنه يُخشى
عليه الوقوع في الحرام , ومن احترس منها كان من الحرام أبعد وأنجى .
ذكر ابن المنيِّر عن شيخه القباري أنه كان يقول : المكروه عقبة بين العبد
والحرام,فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام , والمباح عقبة بينه وبين المكروه
فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه .
ذكره الحافظ ابن حجر وقال : ويؤيده رواية ابن حبان من طريق ذكر مسلم إسنادها ولم
يسُقْ لفظها فيها من الزيادة "اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال , من فعل
ذلك استبرأ لعرضه ودينه , ومن أرتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه"
قال: والمعنى : أن الحلال حيث يُخشى أن يؤول فعله مطلقا إلى مكروه أو حرام ينبغي
اجتنابه , كالإكثار مثلا من الطيبات فإنه يحوج إلى كثرة الاكتساب الموقع في أخذ ما
لايستحق , أو يفضي إلى بطر النفس , وأقل مافيه الاشتغال عن مواقف العبودية , وهذا
معلوم بالعادة مشاهد بالعيان.[ فتح الباري 1/127 ]
فالمبالغة في المعيشة والمساكن والمراكب قد تلجئ الإنسان إلى الديون ثم إلى الكسب
الحرام أو أخذ المال بالربا , أو تأخير قضاء الناس حقوقهم , بينما الاقتصاد في أمور
الحياة يجعل الإنسان أقرب إلى الاستقامة وأبعد عن الانحراف .
والورع هو الذي يحمي المؤمن من الوقوع في الشبهات ويباعد بينه وبين الحرام , ولذلك
نال به المتقون أعلى الدرجات , وارتفعت به منزلتهم عند المؤمنين , ولقد عَدَّه
النبي صلى الله عليه وسلم من أعلى أنواع العبادة كما جاء في قوله " يا أبا هريرة كن
ورعا تكن أعبد الناس" أخرجه ابن ماجه وقال البوصيري : إسناده حسن. [ سنن ابن ماجه
رقم 4217 , كتاب الزهد ]
ولقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم من قارب المشتبهات بالراعي يرعى حول الحمى يوشك
أن يرعى ماشيته فيه, فما هو داخل الحمى من المرعى ممنوع منه , فإذا قرب من حدود
الحمى فإنه لايأمن أن تنفلت منه بعض ماشيته فترعى داخل الحمى , أو يشحَّ الكلأ خارج
المرعى ويتكاثر داخله فيغضَّ الطرف عن ماشيته كي تصيب من المرعى داخل الحمى .
وهذا المثل يدل على أن الشبهات من المباح الذي قد يوصل إلى الحرام , كما أن ماحول
الحمى مباح ولكن قد يوصل إلى الحمى .
ثم يبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا كان ملوك الأرض قد حموا لأنفسهم
أجزاء من الأرض لمصالحهم الخاصة , ومع ذلك فقد تعارف الناس على الاعتراف بها
ومراعاتها فإن الله عز وجل قد حمى عباده من المحارم أن يقعوا فيها حتى تتم سعادتهم
في الدنيا والآخرة ولايبغي بعضهم على بعض, فأولى بمحارم الله جل وعلا أن تراعى وأن
يتعارف المسلمين على حمايتها !!
ثم يبين صلى الله عليه وسلم أن جسد الإنسان مكوَّنٌ من أعضاء , وهذه الأعضاء مدفوعة
بالغرائز , وأن لهذه الأعضاء حاكما تأتمر بأمره , إن أمرها بخير سارت في طريق الخير
, وإن أمرها بشر وقعت فيه, ألا وهو القلب , وهو الذي يعبَّر عنه بالضمير والوجدان .
فالإنسان يرتفع بالعقل عن مرتبة البهيمية ويكون أهلا للخلافة في الأرض , فإن صلَح
قلبه صلح جسده كله , بسموه نحو الأهداف العالية وترفُّعه عن الدنايا , وإن فسد قلبه
فسد جسده كلُّه بالهبوط نحو الأهداف القريبة والارتكاس في الخطايا .
* * *
- توجيهات ومواقف أخلاقية -
- توجيهات ومواقف في الحلم والعفو –
مثل من حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعفوه :
ستمرُّ بنا أمثلة مما كان يتصف به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحلم والعفو في
المواقف الدعوية, وهذا مثل من حلمه وعفوه كان سببا في دخول أحد أحبار اليهود في
الإسلام , وذلك فيما أخرجه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني بإسناده من خبر محمد بن حمزة
بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده قال قال عبد الله بن سلام رضي الله عنه
: إن الله عز وجل لما أراد هُدَى زيد بن سعنة (هو أحد علماء اليهود , واختلف في اسم
أبيه فقيل سعنة بالنون وقيل سعية بالياء والأول أشهر ) قال زيد بن سعنة : إنه لم
يبق من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم حين نظرت
إليه إلا اثنين لم أخبرهما منه : يسبق حلمه جهله , ولايزيده شدة الجهل عليه إلا
حلما , فكنت أتلطف له لأَنْ أخالطه فأعرف حلمه وجهله .
قال : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما من الحجرات ومعه علي بن أبي طالب ,
فأتاه رجل على راحلته كالبدوي , فقال: يارسول الله إن قرية بني فلان قد أسلموا
ودخلوا في الإسلام, فكنت حدثتهم أنهم إن أسلموا أتاهم الرزق رغدا , وقد أصابتهم
سنَة وشدة وقحوط من الغيث : وإني أخشى يارسول الله أن يخرجوا من الإسلام طمعًا
كمادخلوا فيه طمعا , فإن رأيتَ أن ترسل إليهم بشيء تعينهم به.
قال : فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل إلى جانبه أُراه عليّا فقال:
مابقي منه شيء يارسول الله (يعني فهم على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن
مال معين ) , قال زيد بن سعنة : فدنوت إليه فقلت: يامحمد هل لك أن تبيعني تمرا
معلوما من حائط بني فلان (الحائط هو البستان ) إلى أجل كذا وكذا , فقال: لا يايهودي
ولكن أبيعك تمرا معلوما إلى أجل كذا وكذا ولا أسمي حائط بني فلان (يعني لأنه قد
لايثمر الحائط المذكور فلا يمكن الوفاء منه ), قال: فقلت : نعم فبايعني , فأطلقت
همياني فأعطيته ثمانين مثقالا من ذهب في تمر معلوم إلى أجل كذا وكذا , فأعطى الرجل
, وقال : أعجل عليهم وأغثهم بها.
قال زيد بن سعنة : فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة وخرج رسول الله صلى الله
عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار ومعه أبو بكر وعمر وعثمان في نفر من أصحابه رضي
الله عنهم, فلما صلى على الجنازة ودنا من جدار ليجلس عليه أتيته فأخذت بجوامع قميصه
وردائه , ونظرت إليه بوجه غليظ , وقلت: ألا تقضيني يامحمد حقي فو الله ماعلمتكم
يابني عبد المطلب إلا لَمُطْل (يعني لاتؤدون الحقوق ), ولقد كان لي بمخالطتكم علم .
قال : فنظر إليَّ عمر بن الخطاب وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير , ثم رماني
بطرفه وقال :ياعدو الله أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع وتفعل به ما
أرى ! فو الذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر فَوْتَه لضربت بسيفي رأسك , ورسول الله صلى
الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة , وتبسَّمَ ثم قال: أنا وهو كنا أحوج
إلى غير هذا منك ياعمر , أن تأمرني بحسن الأداء , وتأمره بحسن التِّباعة ( أي طلب
الحق ),اذهب ياعمر فاقضه حقه وزده عشرين صاعا مكان مارُعْتَه .
قال زيد : فذهب بي عمر فقضاني حقي وزادني عشرين صاعا من تمر , فقلت: ماهذه الزيادة
؟ فقال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أزيدك مكان مارُعْتُك , فقلت:
أتعرفني ياعمر؟ قال: لا , فقلت : أنا زيد بن سعنة , قال : الحَبْر ؟ قلت : الحبر ,
قال: فما دعاك أن تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ماقلت وتفعل مافعلت ؟! قال :
ياعمر , كل علامات النبوة قد عرفت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نظرت
إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه : يسبق حلمه جهله , ولايزيده شدة الجهل عليه إلا
حلما, فقد خبرتهما , فأُشهدك ياعمر أني قد رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا , وبمحمد
نبيا, وأشهدك أن شطر مالي – فإني أكثرها مالا – صدقةٌ على أمة محمد صلى الله عليه
وسلم , فقال عمر : أو على بعضهم فإنك لاتسعُهم كلَّهم , فقال : أو على بعضهم .
قال : فرجع عمر وزيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال زيد : أشهد أن لاإله
إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله , فآمن به وتابعه , وشهد مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم مشاهد كثيرة.(دلائل النبوة لأبي نعيم /23 – 24 )
وأخرج هذا الخبر من هذا الطريق الإمام الطبراني وابن حبان والحاكم وأبو الشيخ, كما
ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني وذكر أن رجال الإسناد موثقون.(الإصابة 1/548 , رقم
2904)
فهذا الخبر يدل على اتصاف النبي صلى الله عليه وسلم بالكمال في صفتي الحلم والعفو ,
فإنه قد واجه الإهانة القولية والفعلية من ذلك الرجل , فتحمل ولم يغضب , وإنما واجه
هذا الموقف بالسكون والطمأنينة, وأنكر على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ماقام به من
مخاطبة ذلك الرجل بالشدة والإرهاب , ووجَّهه إلى مايتطلبه الموقف فيما لو تكرر ذلك
المشهد , وهو أن يكون له جُهْد في امتصاص غضب أصحاب القضية , وذلك بتذكير كل طرف
بواجبه , وهذا من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم , لأن ذلك الرجل قد جاء يتقاضى
حقه قبل موعد حلول الدين, فليس النبي صلى الله عليه وسلم بحاجة إلى أن يُذكَّر بحسن
القضاء , ولكنه صلى الله عليه وسلم أتحف أمته بهذا التوجيه الحكيم لمن حضر مثل هذا
المشهد حتى يمكن القضاء على الخلاف قبل أن يتحول إلى عداء وخصام .
ونجد في هذا الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يهتَمَّ بالدفاع عن نفسه , ولم
ينظر إلى مايجب لذاته من الاحترام والتقدير باعتباره زعيم أمة , بل نظر إلى ماينبغي
عمله في حال وقوع الخلاف بين الناس, من المبادرة إلى الإصلاح بين المتخاصمين وإيجاد
التفاهم بينهم , وانتزاع بواعث الدفاع عن النفس واعتبار الذات في سبيل القضاء على
الخصومات وإصلاح أحوال المجتمع .
هذا وينبغي الإشادة بموقف عمر رضي الله عنه الذي جعل من نفسه حاميا لرسول الله صلى
الله عليه وسلم يَرُدُّ عنه صولة السفهاء والجاهلين , فهيأ بذلك جوّا من الهيبة
يجعل الأعداء يحسبون حسابا كبيرا قبل أن يقدموا على مخاطبة النبي صلى الله عليه
وسلم .
* * *
- مواقف دعوية من السيرة النبوية -
-إسلام أبي بكر واهتمامه بالدعوة –
أسلم أبو بكر رضي الله عنه بدعوة من النبي صلى الله عليه وسلم في أوائل المرحلة
السرية .
قال ابن إسحاق بعدما ذكر إسلام خديجة وعلي وزيد رضي الله عنهم: ثم أسلم أبو بكر بن
أبي قحافة .
قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول – فيما بلغني – : "مادعوت أحدًا إلى
الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة ونظر وتردد , إلا ماكان من أبي بكر بن أبي قحافة ,
ماعَكَم حين ذكرته له وماتردد فيه" .
وقوله "كبوة" أي امتناع , و"عكم" أي تلبث.(سيرة ابن هشام 1/255 )
وبعد أن أسلم أبو بكر دعا إلى الله في هذه المرحلة الحرجة , حتى أسلم على يده شباب
كان لهم دور كبير في مستقبل الجهاد والدعوة .
وقد ذكر محمد بن إسحاق رحمه الله شيئًا من مآثره في الدعوة حيث قال: فلما أسلم أبو
بكر رضي الله عنه أظهر إسلامه – يعني لخاصة من يثق به – ودعا إلى الله تعالى وإلى
رسوله صلى الله عليه وسلم , وكان أبو بكر رجلاً مؤلفًا لقومه محببًا سهلاً وكان
أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير أو شر , وكان رجلاً تاجرًا ذا
خلق ومعروف , وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر , لعلمه وتجارته
وحسن مجالسته , فجعل يدعو إلى الله تعالى وإلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه
ويجلس إليه .
ثم ذكر الخمسة الذين أسلموا على يديه في أول الإسلام , وهم عثمان بن عفان , والزبير
بن العوام , وعبد الرحمن بن عوف , وسعد بن أبي وقاص , وطلحة بن عبيد الله رضي الله
عنهم .
قال : فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له فأسلموا
وصلَّوا.(سيرة ابن هشام 1/254 )
هذا النص يبين لنا شيئا من مآثر أبي بكر رضي الله عنه في الدعوة إلى الإسلام ,
فهؤلاء الخمسة المذكورون الذين أسلموا على يديه كلهم أصبحوا من المبشرين بالجنة ,
ومن أكابر أهل الحل والعقد في الإسلام وهم إضافة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنهم
كانوا أهل الشورى الذين جعل عمر رضي الله عنه الخلافة فيهم .
فكم هي فضائل أبي بكر رضي الله عنه , وكم هي سوابقه على المسلمين ! إنه لم يكتف
بأنه غامر بنفسه فاتبع دينًا لايمثله خارج بيت النبي صلى الله عليه وسلم أحد , وفي
ذلك مافيه من المغامرة , بل صار يدعو من يثق بهم سرّا إلى اتباع هذا الدين الجديد ,
فاستجاب له هؤلاء العظماء الذين صار لهم في مستقبل الإسلام شأن كبير .
ولاشك أن الذين أسلموا واتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو وحيد ليس معه أحد أو
معه النفر اليسير .. لاشك أن لهم مكانة وفضلاً كبيرًا في الإسلام , فإن الإقدام على
دين جديد يهدم الأديان السائدة في المجتمع أمر له خطورته ,وهؤلاء الذين أقدموا على
الإسلام آنذاك يدركون خطر ماتوجهوا إليه, لذلك أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم
بكتمان دعوتهم , وظلوا يدعون إلى الله تعالى سرّا حتى أذن لهم النبي صلى الله عليه
وسلم بإعلان الدعوة بعد ثلاث سنوات من البعثة .
وإن استمرار هؤلاء الصحابة على دعوتهم السرية ومقدرتهم على كتمانها طيلة هذه المدة
أمر يستحق الإشادة والتقدير , والدراسة والتأمل , خاصة مع ملاحظة عيشهم في مجتمع
صغير بالقياس إلى حياة المدن في العصر الحاضر , فكم هي الإحراجات التي مروا بها مع
أهاليهم وقومهم ! وكيف استطاعوا التخلص منها !
إن كتمان الدعوة يحصر انتشارها بلا شك , وكان هذا واقعًا اضطراريّا تمليه هيمنة
الباطل , ولكنه مع ذلك يصنع رجالاً كاملين في مواهبهم وقدراتهم , لأنهم يحسون من
أول خطوة في الطريق أنهم يواجهون معركة بعيدة المدى , فيخرجهم هذا الشعور من حياة
الدعة والسكون التي قد تعطل بعض المواهب والقدرات , وهكذا تمت تربية أولئك العظماء
في تلك الفترة .
وفي قولـه عن أبي بكر : "وكان رجال من قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر,
لعلمه وتجارته وحسن مجالسته" إشارة إلى عامل مهم من عوامل نجاح الداعية , وهو أن
يكون متعدد المواهب, له مشاركة في عدد من الجوانب التي تربطه بالمجتمع , فيأتي إليه
في كل جانب طائفة من الناس, فإذا توافر لديه مع ذلك الدافع القوي الذي يجعله يبذل
كل طاقته في سبيل دعوته فإنه يعمل عمل عدد من الناس , وينجح في اجتذاب الكثير منهم
.
هذا وقد بذل أبو بكر ماله في سبيل خدمة الدعوة الإسلامية , كما جاء في خبر ذكره
الحافظ ابن حجر عن يعقوب بن سفيان بإسناده عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال :
أسلم أبو بكر وله أربعون ألفًا فأنفقها في سبيل الله ... " ثم ذكر المماليك السبعة
الذين أعتقهم.[الإصابة 2/334 ]
دعوة بني عبد المطلب
(وموقف لعلي رضي الله عنه )
أخرج الإمام أحمد بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : جمع رسول الله صلى
الله عليه وسلم , [أو قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ] بني عبد المطلب ,
فيهم رهط كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفَرَق! ( الجذعة الشاة الصغيرة , والفرق بفتح
الراء مكيال يتسع لستة عشر رطلاً , وقوله "كلهم" أي كل واحد منهم )
وهكذا بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بعشيرته الأقربين فدعاهم إلى الإسلام وحماية
دعوته فلم يستجب منهم غير علي بن أبي طالب رضي الله عنه على الرغم من مشاهدتهم تلك
المعجزة الظاهرة من تكثير الطعام والشراب وبقائه بعد أكلهم وشربهم وكأنه لم يمس ,
مع أن فيهم – كما في الرواية- من اشتهروا بكثرة الأكل والشرب .
لقد اجتمع في ذلك الموقف أكابر بني عبد المطلب ومع رهبة الموقف فإن علي بن أبي طالب
رضي الله عنه أبدى استعداده ثلاث مرات لبيعة النبي صلى الله عليه وسلم رغم صغر سنه
وهذا دليل واضح على قوة إيمانه وشجاعته المبكرة التي أصبحت فيما بعد مضرب الأمثال .
مثل من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم
( إسلام عبد الله بن مسعود )
لم يقتصر منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكيم المشتمل على اللطف والتودد على
الأكابر وزعماء القبائل , بل نجده يعامل بهذا المنهج الغلمان الضعفاء .
ومن أمثلة ذلك ما أخرجه الإمام أحمد بإسناده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "كنت
أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط , فمرَّ
بي
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر فقال: ياغلام هل من لبن؟ قلت: نعم ولكني
مؤتمن , قال: فهل من شاة لم يَنْزُ عليها الفحل ؟ فأتيته بشاة فمسح ضرعها فنزل لبن
فحلبه في إناء فشرب وسقى أبا بكر , ثم قال للضرع : اقلص , فقلص قال: ثم أتيته بعد
هذا فقلت: يارسول الله علمني من هذا القول , قال : فمسح رأسي وقال: يرحمك الله فإنك
غلَيِّم معلَّم".[ وقد ذكر الحافظ الهيثمي هذا الخبر من رواية الإمام أحمد وأبي
يعلى , وقال: ورجالهما رجال الصحيح مجمع الزوائد 6/17؛ وهكذا رواه أبو داود
الطيالسي رحمه الله تعالى بإسناده عن ابن مسعود رضي الله عنه , وذكر مثله ؛ وذكره
الحافظ ابن كثير والحافظ الذهبي , وصحح الذهبي إسناده – البداية والنهاية 3/32 ,
سير أعلام النبلاء 1/465] .
فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يحتقر هذا الغلام الذي لم يكن ينتمي لقبيلة قريش
وليس له عشيرة بمكة, بل اهتم به وقدر مايتمتع به من خلق الأمانة الذي يدل على أنه
عنصر زكي , فأثنى عليه بالعلم والفهم وأقرأه القرآن حتى أصبح بعد ذلك من قراء
الصحابة وفقهائهم .
* * *
انتهى
|