|
المتقون - العدد الأول
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – قبسات من القرآن الكريم .
2 – قبسات من السنة النبوية .
3 – توجيهات ومواقف أخلاقية .
4 – مواقف دعوية من السيرة النبوية .
- قبسات من القرآن الكريم-
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله سبحانه [ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ
الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ
الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ
ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ {14} قُلْ
أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ
جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ
مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ {15}
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا
وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {16} الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ
وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ {17} شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ
لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً
بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {18} إِنَّ الدِّينَ
عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ
مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ
اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ {19}] [آل عمران :14 -19] .
[14] [ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ ]
أي حُسِّنَ لهم حب الأمور المشتَهيات التي تثير الشهوات وتلبيها ، وذلك لأن من
طبيعة خَلق الإنسان وجود الغرائز التي تدفعه إلى تحقيق الشهوات ، ولقد جاءت الشرائع
السماوية لأهداف سامية منها تنظيم تلبية الإنسان لهذه الشهوات ، وفي هذه الآية بيان
أنه قد حُسِّنَ للناس حب الشهوات [مِنَ النِّسَاء ]
أي في التمتع بهن لتلبية داعي الشهوة الغريزية التي هي من أقوى الشهوات ، وهذا
الداعي يوجد عند النساء نحو الرجال ولكن وجوده في الرجال نحو النساء أقوى ، فكان
الاكتفاء بذكر الأقوى متضمنا لوجود الأضعف [
وَالْبَنِينَ ] أي في الشعور بالميل القلبي والعاطفي نحو البنين ، وهذا
الشعور موجود نحو البنات ولكن بدرجة أقل عند أكثر الناس ، فكان الاكتفاء بذكر
الأكثر الذي يتضمن الأقل [وَالْقَنَاطِيرِ
الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ] والمقصود بالقناطير المقنطرة
الأموال الكثيرة التي بعضها فوق بعض ، وهذا يعني بالدرجة الأولى حب المال لذات
المال ، وهذه الشهوة إذا وُجدت يكون لدى الإنسان نَهَمٌ بجمع المال وإن كان لايتمتع
إلا بالقليل منه .
[ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ ]
يعني الحسان المختارة ، والخيل تكون محبتها – قديما – لأنها من أهم وسائل القتال ،
وتكون محبتها من باب التنافس في اقتنائها وتربيتها , [
وَالأَنْعَامِ
]
من
الإبل والبقر والغنم [وَالْحَرْثِ ] أي الأرض
المزروعة سواء في ذلك الحبوب أو الثمار ، وقد ذُكرت هذه الأنواع من الأمور التي
يشتهيها الإنسان ويلحق بها مالم يُذكر مما يستجد في حياة الناس كحب اقتناء السيارات
وغير ذلك .
وقد بين الله تعالى أن ذلك كله مما يُمتَّع به الإنسان في الحياة الدنيا الفانية ،
فلا ينبغي للإنسان العاقل أن يغتر بذلك [ ذَلِكَ
مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ] فالله
تعالى عنده حسن المرجع في الآخرة الخالدة الباقية ، وذلك بالظفر بالسعادة في الجنة
.
[15] ثم يبين الله عز وجل ما هو خير من ذلك المتاع الزائل بقوله
[ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ
خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ
بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ] فهذا النعيم الأخروي الذي أُمر الرسول صلى الله عليه
وسلم بأن يبشر به المتقين يختلف اختلافا جذريا عن متاع الدنيا ، فمتاع الدنيا زائل
ومدته قصيرة ، ونعيم الآخرة خالد دائم ، ونعيم الآخرة خاص بالمؤمنين المتقين الذين
راقبوا الله عز وجل في الدنيا ورجوا ثوابه وخافوا من عقابه فاستقاموا على شريعته ،
فأصحاب الجنة نوع واحد هم المؤمنون فليس فيها كفار ولامنافقون ، بينما متاع الدنيا
مشاع بين المؤمنين والمنافقين والكفار ، وإذا كان في الدنيا حروث وبساتين نضرة فإن
في الآخرة جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار ، في نعيم عظيم لايمكن لمن
يعيش في الدنيا أن يتصوره ولا أن يصفه ، وإذا كان من جملة زينة الدنيا النساء فإن
في الجنة أزواجًا مطهرات من الدنس الحسي كالحيض والنفاس والدنس المعنوي كسوء الخلق
، وفوق ذلك النعيم كله وأعظم منه بكثير ما سيظفر به المتقون من رضوان ربهم جل وعلا
.
والله تعالى مطلع على أسرار عباده ، عليم بمن يستحق ذلك الجزاء العظيم منهم .
[16 – 17] ثم ذكر سبحانه شيئا من صفات هؤلاء العباد المتقين الذين يستحقون ذلك
الجزاء بقوله
[الَّذِينَ
يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ
النَّارِ
]
فهم صادقون في إيمانهم بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم يتوسلون إليه سبحانه
بإيمانهم الصادق ليمحو خطاياهم وينجيهم من النار ، ومن صفاتهم الصبر على طاعة الله
تعالى وعن معصيته وعلى أقداره المؤلمة ، ومن صفاتهم الصدق مع الله تعالى ومع أنفسهم
ومع الآخرين بالأقوال والأفعال ، ومن صفاتهم القنوت وهو طاعة الله جل وعلا ومن
صفاتهم الإنفاق من أموالهم سرًّا وعلنا على الجهاد في سبيل الله تعالى وعلى
المحتاجين ، ومن صفاتهم الاستغفار في آخر الليل وقُبيل الفجر ، وهو وقت ملائم لذلك
حيث الهدوء وحضور القلب وقرب الله سبحانه من عباده .
[18] [شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ
وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ
هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ] فهذه شهادة عظيمة من الله جل جلاله يشاركه
فيها الملائكة المقربون عليهم السلام الذين لايسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ،
وتشريف كريم لأهل العلم بالله تعالى أن قُرنت شهادتهم مع شهادة الله جل وعلا .. هذه
الشهادة العظيمة على توحيد الله سبحانه بالألوهية وقيامه بالعدل على خلقه وتدبيره
وتشريعه ، والمشركون الذين يعبدون مع الله الأوثان ، وأهل الكتاب الذين وقعوا في
شرك العبادة أو شرك الطاعة .. كل هؤلاء يؤمنون بالله ربا واحدا ، ولكنهم وقعوا في
شبهات أوْصلَتهم إلى الشرك في الألوهية ، فإذا جاءت الشهادة من الله تعالى على
وحدانيته في الألوهية فإن ذلك مذكِّر قوي للذين يؤمنون به ربا واحدا كي يراجعوا
قناعاتهم حول الشبهات التي أوقعتهم في الشرك في العبادة أو الطاعة .
والملائكة عليهم السلام أيضًا يشهدون وهم الذين لم يقتصر إيمانهم على الغيب بل كان
بالمشاهدة ، فإيمانهم بوحدانية الله تعالى كإيمان الناس جميعا يوم القيامة ، ولاشك
أن من شاهد حجةٌ على من لم يشاهد .
وأولو العلم الراسخ الذين بلغ إيمانهم بالغيب بوحدانية الله تعالى في الألوهية
مايقارب إيمان المشاهدة لقوة إيمانهم ورسوخ يقينهم ، فهم أيضًا حجة على الحيارى
والمتشككين، وهم يعيشون مع الناس ويحاولون إقناعهم بالتعليم والقدوة الحسنة ، ولاشك
أن أول من يدخل في أهل هذا العلم الأنبياء جميعا عليهم الصلاة والسلام .
فهذا ما يتعلق بالشهادة على توحيد الألوهية ، أما ما يتعلق بالشهادة على قيام الله
تعالى بالعدل في خلقه وتدبيره وتشريعه فذلك حجة على الذين يعترضون على قدر الله
تعالى فيما ظاهره ومآله الخير أو فيما ظاهره الشر ومآله الخير ، وحجة على الذين
يستمدون أحكامهم ويقيمون حكمهم على القوانين التي وضعها البشر القاصرون ، فهؤلاء
يعترضون على عدل الله وتشريعه .. أفلا يكفيهم أن الله تعالى وملائكته عليهم السلام
وأهل العلم الراسخ يشهدون بعدالة الله سبحانه في تشريعه ؟ بل ألا تكفيهم شهادة الله
عز وجل على ذلك ؟
[19] [إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ] هذه
الآية تفيد بأن الدين المشروع عند الله تعالى هو الإسلام وأن ماسواه من الأديان غير
مُعتَدٍّ به ولا صحيح ، وهذا أمر لاشك فيه ولاغموض ، حيث إن ماسوى الإسلام من
الأديان إنما هو من صنع البشر أصلاً كالوثنية بمختلف صورها أو بعد التحريف
كاليهودية والنصرانية ، أما الدين الذي أرسل الله جل وعلا به جميع الرسل عليهم
الصلاة والسلام فهو الإسلام الذي هو عبادة الله تعالى وحده ، كما قال جل وعلا في
بيان دعوة الرسل[ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ
إِلَهٍ غَيْرُهُ ] [ المؤمنون : 32] .
فإن قيل : إن الأديان السماوية من عهد بعثة الرسل عليهم السلام وإلى بعثة نبينا
محمد صلى الله عليه وسلم ماكانت تسمى بالإسلام حتى قبل أن تحرف فكيف جاء قصر الدين
عند الله تعالى على الإسلام في هذه الآية ؟
فيقال : إن الأديان السماوية كلها – قبل التحريف – هي الإسلام ، وقد جاءت في ذلك
آيات كثيرة منها قول الله تعالى عن نوح عليه السلام[وَأُمِرْتُ
أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ] [ يونس : 72] وقوله تعالى عن موسى عليه
السلام[وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم
بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ] [ يونس 84] وقوله
تعالى عن أمة عيسى عليه السلام[قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ
] [ المائدة :111] .
وذلك من ناحية اتفاق جميع الديانات في الدعوة إلى التوحيد الذي هو الإسلام ، أما
الشرائع فإنها تختلف من ديانة لأخرى كما في قول الله تعالى[لِكُلٍّ
جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً] [ المائدة :48] وقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم " الأنبياء إخوة لِعَلاَّت ، أمهاتهم شتى ودينهم واحد" (صحيح
البخاري رقم 3443 ، صحيح مسلم رقم 2365 ) يعني كالإخوة لأب ، فاتفاق الأنبياء في
الدعوة إلى التوحيد يجعل دينهم واحدا واختلافهم في الشرائع يشبه تعدد أمهات الإخوة
لأب .( انظر رسالة " شمول الإسلام للأديان السماوية " للمؤلف )
[ آل عمران :19] [ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن
بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ ]
أهل الكتاب هم اليهود والنصارى ، وقد اختلفوا في الدين وتفرقوا فيه بعد أنبيائهم
عليهم السلام .. اختلفوا وتفرقوا عن علم منهم بدين الإسلام الذي دعا إليه انبياؤهم
عليهم السلام، الذي هو الاستسلام الكامل لله تعالى وتوحيده في العبادة والتشريع ،
فحرفوا كتبهم وابتدعوا الشرك بعبادة عزير وعيسى ابن مريم عليه السلام وأحبارهم
ورهبانهم من دون الله تعالى[بَغْياً بَيْنَهُمْ ]
أي بدافع من الحسد والظلم بعضهم لبعض واتباعًا لأهوائهم المنحرفة لا لخفاء الدين
الصحيح عليهم [ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ ]
أي بحججه الواضحة على توحيده بالربوبية والألوهية
[فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ ] أي يعاقبه الله تعالى بعد أن يحاسبه
على أعماله السيئة حسابا سيتحقق عما قريب .
هذا وإن في بيان اختلاف أهل الكتاب في دينهم والتنديد بهم وتهديدهم بالعقاب الأليم
تذكيرًا للأمة الإسلامية وللعلماء على وجه الخصوص بالسعي الحثيث إلى اجتماع الكلمة
والحذر من التفرق في الدين ، حتى لايفقدوا مجتمعهم الإسلامي المتماسك الذي يورث لهم
العزة والهيمنة في الأرض ، وحتى لايتعرضوا للحساب والعذاب يوم القيامة .
* * *
- قبسات من السنة النبوية-
من حقوق المسلمين بعضهم على بعض
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : فإن للمسلمين بعضهم على بعض حقوقا يجب عليهم أن يراعوها، وقد جمع النبي صلى
الله عليه وسلم بعض هذه الحقوق بقوله "حق المسلم على المسلم خمس : ردُّ السلام ،
وعيادة المريض ، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة ، وتشميت العاطس" أخرجه الشيخان من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه [صحيح البخاري ، رقم 1240 ، الجنائز (3/112) ، صحيح
مسلم ، رقم 2162 السلام ، (ص1704).] ففي هذا الحديث الشريف يبين لنا رسول الله صلى
الله عليه وسلم خمسة حقوق للمسلمين بعضهم على بعض، وحقوق المسلمين على إخوانهم
كثيرة ، وإنما المقصود بيان مايحتاج السامعون إلى معرفته، وهذا المنهج البياني
موجود في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث يعبِّر أحيانا عن الكل بالبعض ،
إما للإهتمام بهذا البعض ، أو لأن السامعين الذين يخاطبهم بهذا البيان بحاجة إلى
معرفة هذه الأمور التي خصها بالذكر ، وأحيانًا يُسأل عن شيء فيجيبُ بذكر بعض أفراد
العام مراعاة لحال السائل ونحو ذلك.
وأحيانًا يكون من الحكمة في تخصيص بعض الوصايا بالذكر كونُها تحقق واحدا من أهداف
الشريعة ، فهذه الوصايا الخمس مثلا كلُّها تؤدي إلى تقوية الأخوة الإسلامية بين
أفراد المسلمين، وهذا لون من ألوان البلاغة النبوية في جمع الخصال التي تؤدي إلى
تقوية أمر من أمور الدين المهمة، ودرء بعض المفاسد التي تحطم الأخلاق وتهدد كيان
الأمة .
فالسلام هو الباب الذي يتم به التعارف بين أفراد المسلمين ، فإذا وجد التعارف تكونت
المودة والمحبة بين القلوب ، وتلك عوامل مهمة في وجود الأخوة الإسلامية وتقويتها .
وإذا كانت هذه الفوائد موجودة في ابتداء السلام فإنها متوافرة بشكل أوضح في رد
السلام، حيث إن عدم رد المسلم على أخيه إذا سلَّم عليه يُوَلِّد في قلبه عليه شيئا
من الحقد والضغينة، والأخلاق السيئة بين المسلمين تُضعف من مفعول الأخوة الإيمانية
بينهم ، فلذلك بيَّن العلماء أن رد السلام واجب وابتداءَه سنة ، لأن ابتداء السلام
تترتب عليه تلك المنافع ولايترتب على فقده ضرر مباشر بين فردين من المسلمين ، بخلاف
عدم رد السلام فإنه يورث علاقة سيئة بين أفراد المسلمين .
أما عيادة المريض فإنها من المواساة والوفاء بين أفراد المسلمين ، فالمسلم بوجوده
داخل المجتمع الإسلامي يُعدُّ لبنة من لبنات هذا المجتمع وعضوا فعالا فيه ، يسهم في
عمرانه وحيويته ، ويبذل طاقته في إعزازه والرفع من شانه ، فإذا مرض هذا الفرد
المسلم فقد تعطل جزء من مكونات هذا المجتمع ، فكان من حقه على إخوانه الذين
يشاركونه في بناء هذا المجتمع أن يزوروه ليشعروه بأنهم معه في السراء والضراء ،
وأنهم يشكرونه على ما قدم من خدمة مجتمعه الإسلامي ، ويرجون له الشفاء ليعود إلى
المشاركة في عمارة المجتمع ، ولذلك كان من وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن
قام بعيادة أخيه المريض أن يقول : "اللهم أشف عبدك ينكأ لك عدوا ويمشي لك إلى
الصلاة" (مسند أحمد 2/172 ، سنن أبي داود ، رقم 3107 ، الجنائز (3/480) ) وفي هذا
بيان لأبلغ مهمات المسلم في حالي السلم والحرب ، كما أن في عيادة المسلم لأخيه
تسليةً له ورفعا لمعنوياته ، حتى لايكون مرضه الجسماني سببا في مرض نفسي ، ولذلك
ينبغي تذكيره بالصبر على قدر الله تعالى والرضى بقضائه وما أعده لعباده الصابرين من
الأجر الجزيل ومغفرة الذنوب ، وفي هذا المعنى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول لمن يعوده : "لا بأس عليك طَهور إن شاء الله" (صحيح البخاري ، رقم 7470 ،
التوحيد (13/447) )
فالمريض في حال المرض يكون منكسر النفس سريع التأثر بالوساوس الشيطانية إن لم يعصمه
الله تعالى باليقين والرضى ، والشيطان حريص على أن يستغل ضعف المسلم حال مرضه ليضعف
من ثقته بالله عز وجل وتوكله عليه فيحاول زلزلة إيمانه .
وعيادة المريض من إخوانه المؤمنين تقوي إيمانه وتشد من عزيمته ، وتُسري عنه من
همومه، حيث يشعر بأنه وإن كان قعيد المرض فإنه مازال عضوا فعالا في المجتمع ، لأن
الذين كان يراهم في المساجد والأسواق ودور العمل قد أصبحوا يأتون إليه في بيته
فيواسونه ويؤنسونه ، فهو لم يفقد بمرضه صلته بالمجتمع .
أما اتباع الجنازة فإن فيه مراعاةً لحق الأخ الميت وحقوق أقاربه الأحياء ، فالمسلم
إذا فارق هذه الحياة فإن حقوقه على إخوانه لاتنقطع بموته ، لأن هذه الحقوق ليست
مقابل عوض يحصل عليه من يؤديها في هذه الحياة الدنيا ولكنه ينتظر أجرها الكبير عند
الله تعالى في الحياة الآخرة .
وإن من حق المسلم الذي شاركَنا العمل في بناء هذا المجتمع الإسلامي أن نوفيه حقه
بعد أن يغادر حياة العمل إلى دار الجزاء ، وأن ندعو له دعاءً صالحا كي يحصل على
السعادة في دار الخلد بعدما قدَّم من عمل في دار الفناء .
وهنا نجد الفرق كبيرًا بين المسلمين الذين يعرفون حق إخوانهم بعد موتهم وبين غير
المسلمين الذين تنتهي علاقاتهم بانتهاء هذه الحياة الدنيا .
إن المسلم حين يموت لاينتهي وجوده ، بل ينتقل من مرحلة من مراحل الحياة إلى مرحلة
أخرى وهي الحياة البرزخية ثم ينتقل بعد ذلك إلى الحياة الخالدة ، فإذا مات أخونا في
الإسلام فإننا لم نفقده إلى الأبد ، وإنما سبَقَنا إلى المرحلة الثانية ونحن به
لاحقون ، فمن حقه علينا أن نؤدي حقوقه بعد الموت ، من تشييع جنازته والدعاء له
وزيارته في قبره ، فإن ذلك يُعدُّ دليلا على تخلق فاعل ذلك بخلق الوفاء ، حيث لم
ينس أخاه الذي انتقل إلى عالم آخر .
وذلك كله من عوامل تكوين الأخوة الإسلامية وتقويتها فإن أقارب الميت بحاجة إلى من
يواسيهم ليشعروا بأن إخوانهم المسلمين معهم ، وأنهم إن فقدوا فردا منهم فإنهم لم
يعدموا إخوانا لهم في الله كثيرين .
أما إجابة دعوة المسلم إذا دعا إخوانه إلى طعامه فإن ذلك يُعدُّ تطييبا لقلبه ووفاء
بحقه ، وذلك الاجتماع وسيلة من وسائل اللقاء بين المؤمنين وإذا اجتمع المسلمون
بأبدانهم فحريٌّ بهم أن يجتمعوا بقلوبهم ، فلذلك كانت هذه المناسبات من أهم عوامل
تكوين الأخوة الإسلامية وتقويتها.
وإجابة الدعوة سنة إلا إذا كانت في مناسبة زواج والداعي هو الزوج فإنها تكون واجبة
مالم يشتمل المكان على محرمات .
أما تشميت العاطس فإنه من تبادل الدعاء بين المسلمين ، فالمسلم حينما يتخلص بالعطاس
من الأذى فيحمدُ الله تعالى فإن أخاه مأمور بأن يدعو له بالرحمة ، ثم هو مأمور بأن
يدعو لأخيه بالهداية وصلاح البال ، فهذا ربط رائع للمسلم بربه جل وعلا فهو الذي
يشفي من الأمراض فله الحمد والشكر وهو الذي يرحمنا فيتجاوزُ عن تقصيرنا ويمنُّ
علينا بالفضل ، وهو الذي يهدينا إلى الصراط المستقيم الموصل إلى سعادة الدنيا
والآخرة .
وكون المسلم يشارك أخاه فرحته في تخلصه من الأذى ويتبادل معه الدعاء الصالح مما
يوثق الأخوة الإسلامية بينهما ، وإذا توثقت الأخوة بين الأفراد تكوَّن المجتمع
الصالح .
* * *
- توجيهات ومواقف أخلاقية -
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : فإن لمكارم الأخلاق منزلة عليا في الإسلام ، وقد جاءت فيه توجيهات ربانية
ونبوية كثيرة، ولست الآن في مقام الحصر لما ورد في ذلك ، فإن هذه الحلقات لم تكتب
لجمع أطراف هذا الموضوع الجليل ، وإنما تم رصد مواقف لمجموعة من أعلام المسلمين من
الصحابة رضي الله عنهم ومن جاء بعدهم ، فرأيت من المناسب أن أصَدِّر هذه الحلقات
بنبذة من التوجيهات النبوية، حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو قدوة
المسلمين جميعا في جميع أمور الدين .
ومما جاء عنه
صلى الله عليه وسلم في بيان فضل مكارم الأخلاق ومنزلتها من الدين ما أخرجه الإمامان
مالك وأحمد رحمهما الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال : "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" .( مسند أحمد 2/381 ، موطأ مالك 2/904 ،
حسن الخلق )
ففي هذا الحديث وأمثاله بيان أهمية الأخلاق الكريمة في الإسلام، فلقد قصَر النبي
صلى الله عليه وسلم رسالته على إتمام مكارم الأخلاق ، والاهتمامُ بالأخلاق يأتي
مباشرة ، وذلك بالحث على مكارم الأخلاق كالوفاء والصدق والأمانة ، ويأتي بالمقاصد
الشرعية ، فإن من المقاصد الشرعية في العبادات كالصلاة والزكاة والحج مايترتب على
أدائها من مكارم الأخلاق كالصبر والتواضع والمواساة .
فالصلاة مثلا قال الله تعالى عنها [إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء
وَالْمُنكَرِ ] [العنكبوت:45] ومفهوم ذلك أن الصلاة تأمر بالمعروف والإحسان ، وذلك
لأن الصلاة الكاملة تقوي الإيمان بالله تعالى ، وتعمق في نفس المصلي تعظيمه سبحانه
والخوف من عذابه ورجاء ثوابه، وإذا تعمق هذا الشعور الإيماني في قلب المسلم فإنه
يتكوَّن لديه الوازع الديني الذي يدفعه إلى الفضائل ، ويردعه عن الرذائل ، وبالتالي
يكون حاكمًا على تصرفاته وسلوكه في هذه الحياة ، ومن ذلك بلوغه قمة عليا في
الاستقامة على مكارم الأخلاق والبعد عن مساوئها .
وفي بيان درجة مكارم الأخلاق في الدين يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن
المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم" أخرجه أبو داود رحمه الله من حديث
عائشة رضي الله عنها.( سنن أبي داود ، رقم 4798 ، الأدب (5/149) )
وإذا كان المؤمن بحسن خلقه سيدرك درجة العبَّاد المكثرين من نوافل العبادة فما أعظم
مكارم الأخلاق !
ويَعدُّ النبي صلى الله عليه وسلم أصحاب مكارم الأخلاق أكمل المؤمنين إيمانا حيث
يقول :"أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ، وخيارهم خيارهم لنسائهم" أخرجه أبو عبد
الله أحمد بن حنبل رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .( مسند أحمد 2/250 )
وهذا يبين لنا فضيلة أصحاب الخلق الحسن ، الذين يعاملون إخوانهم المسلمين بلطف
وسماحة، ويبين لنا آخر الحديث فضيلة الذين يعاملون نساءهم بالرحمة والعناية .
ويبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة حسن الخلق يوم القيامة حيث يقول :"ما
من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق " أخرجه أبو داود وأبو عيسى الترمذي رحمهما
الله من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.( سنن أبي داود رقم 4799 ، الأدب (5/149)
سنن الترمذي رقم 2002، البر (4/362) )
وهكذا يظهر حجم حسن الخلق في الميزان يوم القيامة حيث توزن الأعمال، وذلك يعطي حسن
الخلق مزية كبرى بين الأعمال الصالحة .
فيا لسعادة من حسَّن خلقه مع المسلمين ولم يعاملهم بقسوة وفظاظة ! وهذا يبين لنا
خسارة من يسيئون أخلاقهم مع المسلمين ، لأنهم يفقدون ثواب عمل صالح كبير ، ويبوؤون
بعقوبة أخلاقهم السيئة .
وقد عَدَّ النبي صلى الله عليه وسلم خيار هذه الأمة أحسنَهم أخلاقا ، وفي ذلك أخرج
الشيخان رحمهما الله من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : لم
يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولامتفحشا ، وإنه كان يقول : "إن خياركم
أحسنكم أخلاقا" وفي رواية أخرى للبخاري من حديث عبد الله بن عمرو : أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال : "إن من أحبكم إلي أحسنَكم أخلاقا .( صحيح البخاري ، رقم 6035
و 3759 ، الأدب وفضائل الصحابة (10/456 و 7/102) ، صحيح مسلم رقم 2321 ، الفضائل (
ص 1810) )
فالمتفوقون في أخلاقهم قد ظفروا بالخيرية على هذه الأمة ، وبمحبة رسول الله صلى
الله عليه وسلم .
ولقد كان حسن الخلق هو وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله
عنه كما أخرج الإمام مالك رحمه الله من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : "كان
آخر ما أوصاني به النبي صلى الله عليه وسلم حين وضعت رجلي في الغرز أن قال : يامعاذ
أحسن خلقك للناس".( طأ ، كتاب حسن الخلق ، باب 1 رقم 1 (902) )
فهذه وصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حينما بعثه إلى اليمن داعيًا
ومعلما ، وإنما أوصاه بذلك لأن مكارم الأخلاق من الدعائم القوية في التأثير على
الناس واجتذابهم إلى الهداية .
* * *
مواقف دعوية من السيرة النبوية
-
إشراقة النور الإلهي – (بدء الوحي )
بينما كانت البشرية تعيش في دياجيير الظلمات الحالكة ، وتعاني من أنماط الحياة
المهلكة، حيث خيم عليها الطغيان البشري الضاغط والجهل العالمي الجاثم ، والاستسلام
للشهوات المنحرفة من غير رادع ولازاجر ، إذا بشعاع النور الإلهي يهبط فجأة من
السماء لينير جنبات الأرض ، يحمله الروح الأمين عليه السلام فيفاجئ به سيد المرسلين
صلى الله عليه وسلم وهو في غار حراء ، قد خلا للتأمل والتعبد بعيدًا عن جلبة الناس
وضجيجهم .
وإنَّ أفضل من
يحدثنا عن هذا الحادث العظيم الذي تغير له وجه التاريخ أم المؤمنين عائشة رضي الله
عنها حيث قالت : أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا
الصالحة في النوم، فكان لايرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح . ثم حبب إليه الخلاء ،
وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه – وهو التعبد – الليالي ذوات العدد ، قبل أن ينـزع
إلى أهله ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها ، حتى جاءه الحق وهو في
غار حراء ، فجاءه المَلَكُ فقال: اقرأ . قال: ما أنا بقارئ . قال فأخذني فغطني حتى
بلغ مني الجهد [الغط بمعنى الضغط و المقصود منه تنبيه النبي صلى الله عليه وسلم ،
ولئن كانت وسائل التنبيه عند العرب تتحدد بدلالات الألفاظ كالحض والاستفهام مثل
قولهم هلا أنبئك وألا أنبئك ، كما تتحدد بتغيير هيئة الجلوس ، فإن الوسائل التي
استخدمها جبريل عليه السلام كانت بالضغط الشديد ثلاث مرات ، وماذاك إلا لإشعار
النبي صلى الله عليه وسلم بأن ما هو مقدم على سماعه وتبليغه أمر في غاية العظمة ،
وإن تلقيه يحتاج إلى تفريغ الفكر من كل العلائق الدنيوية ليكون في غاية الاستجماع
والتركيز . ]، ثم أرسلني فقال : اقرأ . قلت : ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية
حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : اقرأ . فقلت : ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني
الثالثة ، ثم أرسلني فقال : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
الَّذِي خَلَقَ {1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ {2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ
الْأَكْرَمُ {3} ) [ العلق ].
فرجع بها [يعني بأول سورة العلق . ] رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل
على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: زَمِّلوني زِمْلوني ، فَزَمَّلوه حتى ذهب
عنه الرَّوع ، فقال لخديجة وأخبرها الخبر : لقد خشيت على نفسي ، فقالت خديجة : كلا
والله لايخزيك الله أبدًا ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكَلَّ ، وَتكْسِبُ المعدوم ،
وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق .
فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزَّى – ابن عم خديجة –
وكان امرءًا تنصر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبراني ، فيكتب من الإنجيل
بالعبرانية ماشاء الله أن يكتب ، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي فقالت له خديجة : يا ابن
عمِّ اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة : يا ابن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله صلى
الله عليه وسلم خبر ما رأى . فقال له ورقة : هذا الناموس الذي نزَّل الله على موسى
، ياليتني فيها جَذَعًا ، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : أو مخرجيَّ هم ؟ قال نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ماجئت به إلا عودي ، وإن
يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا . ثم لم ينشب ورقة أن تُوفي ، وفتر الوحي. [صحيح
البخاري – كتاب بدء الوحي – رقم 3 ، صحيح مسلم – كتاب الإيمان – رقم 160 ]
لقد كانت الأرض كلها تعيش في ذلك الزمن في ظلمات الجاهلية ، فكانت بداية انطلاق
النور الإلهي في تلك اللحظة التي خاطب بها جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله
عليه وسلم .
ولقد حل ذلك النور في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تحول إلى مصباح متحرك
يضيء لمن حوله، وأصبح يراه من زالت عن عينيه الغشاوة فينجذب إليه ويترقى بهديه نحو
الكمال.
لقد كان وقع نزول الوحي شديدًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو واضح من
هذا النص على الرغم من أنه كان أشجع الناس وأقواهم قلبًا كما دلت على ذلك الأحداث
خلال ثلاث وعشرين سنة ، وذلك لأن الأمر ليس مخاطبة بشر لبشر ولكنه كان مخاطبة عظيم
الملائكة وهو يحمل كلام الله تعالى ليستقبله من اصطفاه الله جل وعلا لحمل هذا
الكلام وإبلاغه لعامة البشر .
ولقد كان موقفًا رهيبًا ومسؤولية عظمى لايقوى عليها إلا من اختاره الله تبارك
وتعالى لحمل هذه الرسالة وتبليغها .
ومما يصور رهبة هذا الموقف ماجاء في هذه الرواية من قول رسول الله صلى الله عليه
وسلم "لقد خشيت على نفسي" وقول عائشة رضي الله عنها في هذا الحديث "فرجع بها رسول
الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال:
زملوني زملوني ، فزملوه حتى ذهب عنه الروع" .
ومما يبين شدة نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخرجه الإمامان
البخاري ومسلم رحمهما الله من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : "ولقد رأيته – تعني
رسول الله صلى الله عليه وسلم - ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه
وإن جبينه لَيَتَفَصَّدُ عرقًا ". (صحيح البخاري – كتاب بدء الوحي – رقم 2 ، صحيح
مسلم – الفضائل رقم 2333 )
وما أخرجه الإمام مسلم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: "كان نبي الله
صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي كُرب لذلك وتربَّد وجهه".(صحيح مسلم ،
الفضائل رقم 2334 )
- أثر المرأة الصالحة في خدمة الدعوة –
( إسلام خديجة بنت خويلد وجهودها في الدعوة )
من المعروف أن المجتمع مكون من الرجال والنساء ، وأنه كما أن للرجال جهودًا مشكورة
في خدمة الإسلام فإن للنساء جهودًا مشكورة كذلك ، وإن كانت هذه الجهود قد تختلف في
بعض أنواعها حسب اختلاف تكوين الرجال والنساء .
وأمامنا في هذه المرحلة التي يدور حولها الحديث مثل من جهود المرأة الصالحة في حياة
زوجها الداعية .
فحينما أنزل الله تعالى الوحي بواسطة جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله
عليه وسلم فوجئ به كما تقدم في خبر بدء الوحي الذي أخرجه الإمام البخاري عن عائشة
رضي الله عنها.
فكان موقف خديجة رضي الله عنها عاليًا في تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم حيث قالت
: "والله لايخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم وتحمل الكَلَّ وتكسب المعدوم ، وتقري
الضيف ، وتعين على نوائب الحق" ثم في ذهابها إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وعرضها
الموضوع عليه رجاء أن تجد عنده ما يُسَرِّي عن النبي صلى الله عليه وسلم ويقوي قلبه
.
وهكذا كان موقف خديجة رضي الله عنها الذي يدل على قوة قلبها حيث لم تفزع من سماع
هذا الخبر الخارق للعادة ، ولعل ماكانت تسمعه من ابن عمها ورقة بن نوفل من انطباق
صفات النبي المنتظر على محمد صلى الله عليه وسلم كان له الأثر الأكبر في ثباتها
ويقينها حيث غاب عنها عامل المفاجأة واستقبلت الأمر بهدوء وسكينة ، ولا أدل على ذلك
من ذهابها فور سماعها الخبر إلى ورقة وعرض الأمر عليه .
ومن أجل هذا التصديق برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ورقة بن نوفل ولما صدر
منه من ذلك الموقف الذي ثَبَّتَ به النبي صلى الله عليه وسلم فإنه صلى الله عليه
وسلم قد شهد له بالجنة كما جاء في رواية أخرجها الحاكم بإسناده عن عائشة رضي الله
عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين"
قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي.(المستدرك 2/609
، وذكره الهيثمي من رواية الطبراني ، قال : ورجاله رجال الصحيح – مجمع الزوائد
9/416. )
وذكر الصالحي أن البزار وابن عساكر روياه بإسناد جيد ، وقال: وروى الإمام أحمد بسند
حسن عن عائشة أن خديجة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ورقة
فقال:" قد رأيته فرأيت عليه ثيابًا بيضًا ، فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه
ثياب بيض" قال: وروى أبو يعلى بسند حسن عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ورقة بن نوفل فقال: " أبصرته في بطنان الجنة وعليه
السندس"سبل الهدى والرشاد 2/244 ، وذكره الهيثمي من رواية أبي يعلى وقال: فيه مجالد
، وهذا مما مدح من حديث مجالد وبقية رجاله رجال الصحيح – مجمع الزوائد 9/416 )
كما أن موقف خديجة من خبر الوحي يدل على سعة إدراكها حيث قارنت بين ماسمعت وواقع
النبي صلى الله عليه وسلم فأدركت أن من جُبِلَ على مكارم الأخلاق لايخزيه الله
أبدًا ، فقد وصفته بأنه يصل الرحم ، وكون الإنسان يصل أقاربه دليل على استعداده
النفسي لبذل الخير والإحسان إلى الناس ، فإن أقارب الإنسان هم المرآة الأولى لكشف
أخلاقه ، فإن نجح في احتواء أقاربه وكسبهم بماله عليهم من معروف كان حريًّا به أن
ينجح في كسب الآخرين من البشر ، وإن هو أخفق مع الأقربين كان إخفاقه مع الأبعدين من
باب أولى .
ووصفته ببذل المعروف والإحسان حيث قالت : "وتحمل الكَلَّ" والكل هو العاجز الذي
لايستقل بأمره بنفسه بل يحتاج لمعونة غيره .
كما وصفته بالكرم النادر المثال حيث قالت :" وَتكْسِبُ المعدوم" يعني وتعطي غيرك
المال المعدوم ، أي نفائس المال التي يعدم نظيرها، والذي تسخو نفسه بنفائس المال
سيعطي ماهو دون ذلك من باب أولى ، وهذا من أبلغ الوصف في الكرم .
وخصَّت بالذكر إكرام الضيف وهو من الكرم لسمو من يتصف بذلك عند العرب .
ثم وصفته بالنجدة عند الشدائد حيث قالت : "وتعين على نوائب الحق" وهذه صفة من يعيش
لغيره أكثر مما يعيش لنفسه وهي من أبرز صفات السادة النجباء .
وجاء في روايات أخرى عند البخاري :" وَتصدُق الحديث وتؤدي الأمانة" وهذه تكملة
لسلسلة عظيمة من مكارم الأخلاق قلما تجتمع في رجل واحد .
وفي آخر هذا الخبر موقف كريم لورقة بن نوفل رحمه الله في آخر لحظات من عمره حيث
ثَبَّتَ النبي صلى الله عليه وسلم وقوى قلبه بما أخبره به من أن الذي خاطبه هو صاحب
السر الأعظم الذي يكون سفيرًا بين الله تعالى وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام .
ومما يدل على أثر كلام ورقة في تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم وطمأنته ما جاء
في رواية أخرى أخرجها ابن إسحاق وفيها : "فرجعَتْ – يعني خديجة رضي الله عنها – إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرتْه بما قال لها ورقة فسهَّل ذلك عليه بعض ماهو
فيه من الهمِّ بما جاءه" وفي موضع آخر من الرواية : "ثم انصرف رسول الله صلى الله
عليه وسلم إلى منزله وقد زاده الله عز وجل من قول ورقة ثباتًا وخفف عنه بعض ماكان
فيه من الهمِّ".(دلائل النبوة للبيهقي 1/146 ) .
ولقد كان الباعث على الاطمئنان إلى كلامه علمه السابق بكتب أهل الكتاب التي فيها
وصف مفصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومبعثه .
وهكذا تبين لنا أثر المرأة الصالحة في نجاح الدعوة ، وذلك في موقف خديجة رضي الله
عنها وماقامت به من تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يواجه الوحي لأول مرة .
وفي بيان مواقفها بعد ذلك يقول محمد بن إسحاق رحمه الله : وآمنت به خديجة بنت خويلد
وصدقت بما جاءه من الله ووازرته على أمره وكانت أول من آمن بالله وبرسوله وصدَّق
بماجاء منه فخفف الله بذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم ، لا يسمع شيئًا مما يكرهه
من ردٍّ عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها ، تثبته
وتخفف عليه ، وتصدِّقه وتهون عليه أمر الناس، رحمها الله تعالى.(سيرة ابن هشام
1/245 )
لقد كانت خديجة رضي الله عنها تثبت قلب النبي صلى الله عليه وسلم وتسكنه وتهون عليه
مخالفة الناس إياه، وكان يطلعها على جلية أمره مع المجتمع الذي يدعوه ويكابد صدوده
وعداءه .
ولاشك أن الزوجة الصالحة المؤهلة لحمل مثل هذه الرسالة لها دور عظيم في نجاح زوجها
في مهمته في هذه الحياة ، وبخاصة الأمور التي يعامل بها الناس ، وإن الدعوة إلى
الله تعالى هي أعظم أمر يتحمله البشر ، فإذا وفق الداعية بزوجة صالحة ذات كفاءة فإن
ذلك من أهم عوامل نجاحه مع الآخرين .
فالإنسان يقضي مع الناس جزءًا من وقته ، ولكنه يقضي في بيته الجزء الأكبر ، فإذا
وفق بمثل هذه الزوجة فإنه يفضي إليها بما قام به من دعوة الناس وما واجهوه من لين
أو عنف، واستجابة أو امتناع ويبثها همومه ويشرح لها مشكلاته ، وهي بما لديها من
صلاح وكفاءة إذا وضع زوجها بها هذه الثقة ستبذل كل مافي طاقتها من تفكير ومقدرة على
العمل فتبدأ أولاً بتقوية قلبه وتخليصه شيئًا فشيئًا مما يعانيه من الهم والقلق ،
ثم تكون عونًا له على إكمال مهمته بنجاح ، إلى جانب قيامها بمهمتها في الدعوة فيما
يتعلق بالنساء ، وقيام زوجها بتأييدها وتثبيتها وإكمال ماتحتاج إليه لنجاحها في
مهمتها ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول : "الدنيا متاع وخير متاع
الدنيا المرأة الصالحة".(صحيح مسلم رقم 1467 ، ص 1090 ، كتاب الرضاع )
وخديجة رضي الله عنها قد قامت بدور مهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، لما لها
من شخصية في مجتمع قومها ، ولما جبلت عليه من الكفاءة في المجالات النفسية التي
تقوم على الأخلاق العالية من الرحمة والحلم والحكمة والحزم وغير ذلك من مكارم
الأخلاق .
والرسول صلى الله عليه وسلم إلى جانب ماحباه الله به من الكمالات البشرية في جميع
المجالات ، وإلى جانب كونه قبل ذلك محفوفًا بعناية الله جل وعلا وتأييده في كل خطوة
يخطوها ، فإن الله تعالى وفقه بهذه الزوجة الصالحة ، لأنه قدوة للعالمين وخاصة
الدعاة إلى الله تعالى ، فقيام خديجة بذلك الدور الكبير إعلام من الله تعالى لجميع
حَمَلة الدعوة الإسلامية بما يشرع لهم أن يسلكوه في هذا المجال من التأسي برسول
الله صلى الله عليه وسلم حتى يتحقق لهم بلوغ المقاصد العالية التي يهدفون إليها .
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثالاً عاليًا للوفاء ورد الجميل لأهله ،
فقد كان يعامل خديجة رضي الله عنها بغاية الإكرام والتقدير حال حياتها ، وظل يذكرها
ويثني عليها بعد وفاتها، كما أخرج الإمامان البخاري ومسلم من حديث علي بن أبي طالب
رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير نسائها مريم ، وخير نسائها
خديجة" [صحيح البخاري ، مناقب الأنصار ، رقم 3815 (7/133) ، صحيح مسلم 1886 رقم
2430 ، كتاب فضائل الصحابة ، والضمير في "نسائها " يعود على الدنيا ، يعني أن مريم
خير أهل زمانها وخديجة خير أهل زمانها " فتح الباري 7/135" ]. وبشرها صلى الله
عليه وسلم ببيت في الجنة حال حياتها ، وأبلغها سلام الله جل وعلا وسلام جبريل عليه
السلام كما أخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : "أتى جبريل
النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يارسول الله هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إدام-
أو طعام أو شراب- فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها عز وجل ومني وبشرها ببيت
في الجنة من قصب [يعني من لؤلؤ أو ذهب ] لاصخب فيه ولانصب.(صحيح مسلم 1887 رقم 2432
، كتاب فضائل الصحابة )
وتذكر عائشة رضي الله عنها وفاء النبي صلى الله عليه وسلم لخديجة بعد وفاتها بقولها
:"ماغِرْتُ على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ماغرت على خديجة وما رأيتها ،
ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم
يبعثها في صدائق خديجة ، فربما قلت له : كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة ؟
فيقول : إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد".(صحيح البخاري رقم 3818 ، كتاب مناقب
الأنصار (7/132) )
بل إنه أظهر
البشاشة والسرور لأخت خديجة لما استأذَنتْ عليه لتَذَكُّره خديجة كما أخرج الإمام
مسلم من حديث عائشة قالت : استأذَنتْ هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله صلى
الله عليه وسلم فعرف استئذان خديجة (يعني لتشابه صوتيهما ) فارتاح لذلك وقال :
اللهم هالة بنت خويلد ، فغرت فقلت: وماتذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين
(يعني لا أسنان لها من الكبر ) هلكت في الدهر فأبدلك الله خيرًا منها" [ صحيح مسلم
– كتاب فضائل الصحابة رقم 2437 ص 1889 ] . وأخرجه الإمام أحمد بنحوه من غير ذكر
هالة بنت خويلد وزاد : فتَمعَّر وجهه تمعرًا ماكنت أراه إلا عند نزول الوحي أو عند
المَخِيلة [يعني السحاب ] حتى ينظر أرحمة أم عذاب. (مسند أحمد 6/150 ).
وذكره الحافظ ابن كثير وقال : تفرد به أحمد وهذا إسناده جيد.(البداية والنهاية
3/126 . وذكر نحوه الهيثمي عن الإمام أحمد والطبراني بعدة أسانيد وحسنها – مجمع
الزوائد 9/224 )
وهذا يصور مقدار غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم لخديجة وحفظه حقها رضي الله عنها
.
ونجد أن النبي صلى الله عليه وسلم يظهر الحفاوة بامرأة كانت تأتيهم زمن خديجة ويبين
أن حفظ العهد من الإيمان ، وقد أخرج خبر ذلك الحاكم من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة
رضي الله عنها قالت: جاءت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو عندي فقال لها
رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أنت؟ قالت: أنا جثامة المزنية ، فقال: بل أنت
حسانة المزنية ، كيف أنتم ؟ كيف حالكم ؟ كيف كنتم بعدنا؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي
يارسول الله ، فلما خرجت قلت: يارسول الله تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال ؟ فقال:
إنها كانت تأتينا زمن خديجة وإن حسن العهد من الإيمان .
قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين فقد اتفقا على الاحتجاج برواته في
أحاديث كثيرة وليس له علة ، وأقره الذهبي.(المستدرك 1/15 – 16 )
إن هذه الأخبار تعدُّ أمثلة مهمة في الدفاع عن أهل الفضل والتقدم في حال غيبتهم ،
فالمسلم يُحفظ له حقه في حال حضوره وغيبته ، وفي حال حياته وموته ، لأن الحفاظ على
ذلك ليس مبعثه محاسبة صاحب الحق ، وإنما مبعثه رقابة الله عز وجل في حقوق المسلمين
أولاً، ثم الوفاء لأصحاب المواقف العالية في بذل النفس والمال من أجل إعلاء كلمة
الله تعالى ونصرة المسلمين.
وفي وصف عائشة رضي الله عنها غضب النبي صلى الله عليه وسلم بالشدة دليل على أن
الغضب يكون محمودًا إذا انتهكت حرمات الله تعالى أو حرمات المسلمين ، مع امتلاك
النفس بحيث يتصرف المسلم بالحكمة ، أما عدم الغضب والحالة هذه فإنه دليل على ضعف
الإيمان ، وعلى قدر الإيمان يكون التاثر والغضب فيمايتعلق بأمور الدين ، بخلاف أمور
الدنيا فإن الأمر يكون بضد ذلك.
هذا ومن مناقب خديجة رضي الله عنها أنها أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم
على الإطلاق ، وهي أول من صلى معه .
قال ابن إسحاق : وحدّثني بعض أهل العلم : أن الصلاة – حين افترضت على رسول الله صلى
الله عليه وسلم-أتاه جبريل وهو بأعلى مكة ، فهمز له بعَقبه في ناحية الوادي ،
فانفجرت منه عين ، فتوضأ جبريل عليه السلام ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر
إليه ليُريه كيف الطُّهور للصلاة ، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رأى
جبريل توضأ ثم قام به جبريل فصلى به وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاته، ثم
انصرف جبريل عليه السلام .
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة ، فتوضأ لها ليريها كيف الطهور للصلاة كما
أراه جبريل ، فتوضأت كما توضأ لها رسول الله عليه الصلاة والسلام ، ثم صلى بها رسول
الله صلى الله عليه وسلم كما صلى به جبريل ، فصلت بصلاته(سيرة ابن هشام 1/248 ،
وأخرجه الحافظ البيهقي من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق، وذكر نحوه – دلائل
النبوة للبيهقي 2/160 )
* * *
انتهى
|