|
خامساً : الأناة والتثبت
- المبحث الأول : مفهوم الأناة والتثبت :
الأناة في اللغة : التثبت وعدم العجلة ، يقال : تأنى في الأمر :
مكث ولم يعجل.
وعلى ضوء ذلك تكون الأناة هي : التصرف الحكيم بين العجلة
والتباطؤ.
والأناة مظهر من مظاهر خلق الصبر ، وهي من صفات أصحاب العقل
والرزانة.
- المبحث الثاني : أهمية الأناة والتثبت :
والأناة عند الداعية إلى الله تعالى – تسمح له بأن يحكم أموره ،
ويضع الأشياء في مواضعها ، فهي ركن من أركان الحكمة.
والأناة هي الكفيلة – بإذن الله تعالى – بتحقيق المطلوب ،
وتفادي الخسارة.
وعمل الإسلام على تربية المسلمين على الأناة والتثبت الحكيم في
القيام بالأعمال وتصريف الأمور ، قال الله تعالى – للنبي صلى الله عليه وسلم تربية
له وتعليما : (لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا
جمعه وقرءانه * فإذا قرأنه فاتبع قرءانه * ثم إن علينا بيانه).
وقال تعالى :
( فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرءان من قبل أن يقضي
إليك وحيه وقل رب زدنى علماً ).
والدعاة إلى الله أولى بامتثال أمر الله – وبالتأني والثبت من
الأقوال والأفعال.
ولعظم أمر الأناة والتبين أمر الله بها حتى في جهاد الكفار في
سبيل الله الذي هو من أعظم وسائل الدعوة إلى الله
تعالى ، فقال سبحانه :
(يأيها الذين ءامنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا
لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً تبتغون عرض الحيوة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة
كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيراً).
- المبحث الثالث : صور من مواقف تطبيق الأناة في الدعوة
:
* عن أسامة بن زيد – رضي الله عنها – قال : بعثنا رسول الله صلى
الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة ، قال : فصبحنا القوم فهزمناهم ، قال : ولحقت
أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ، قال : فلما غشيناه قال : لا إله إلا الله ، قال :
فكف عنه الأنصاري ، فطعنته برمحي حتى قتلته ، قال : فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى
الله عليه وسلم قال : فقال لي : (يا أسامة ، أقتلته بعد ما قال : لا إله إلا الله
؟) قال : قلت يا رسول الله ، إنما كانت متعوذاً ، قال : فقال :
(أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله) ، قال : فما زال يكررها
حتى تمنيت أنى لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.
* وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الناس أناة وتثبتاً ،
فكان لا يقاتل أحداً من الكفار إلا بعد التأكد بأنهم لا يقيمون شعائر الإسلام ، فعن
أنس ابن مالك – رضي الله عنه – (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا بنا قوماً
لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر ، فإن سمع أذاناً كف
عنهم ، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم).
* ولسمو الأناة أحبها الله عز وجل :
قال صلى الله عليه وسلم للأشج : (إن فيك خصلتين يحبهما الله : الحلم والأناة).
* ومن أمثلة ذلك قصة سليمان مع الهدهد وتثبته وعدم عجلته ، قال
الشاعر ابن هانئ المغربي :
وكل أناة في المواطن سؤدد* * * * * ولا كأناة من قدير محكم
وبهذا يعلم أن الأناة في كل شيء محمودة وخير إلا ما كان من أمر
الآخرة ، وبشرط مراعاة الضوابط التي شرعها الله حتى تكون
المسارعة مما يحبه الله تعالى.
- المبحث الرابع : العجلة والاستعجال
* المطلب الأول : مفهوم العجلة وصورها :
الاستعجال : هو طلب وقوع الأمر قبل وقته ، وهو صفة مذمومة
قال تعالى (خلق الإنسان من عجل) .
وللعجلة صور في حياة الناس منها
1- استعجال نزول العذاب بالمخالفين .
2- استعجال البروز قبل النضوج والرسوخ في العلم.
3- ترك الدعاء ، قال صلى الله عليه وسلم : (لا يزال يستجاب
العيد ما لم يدع بإثم
أو قطيعة رحم ما لم يستعجل) قيل يا رسول الله ، فما الاستعجال ؟
قال : (يقول قد دعوت فلم أر يستجب لي فيستحر عند ذلك
ويدع الدعاء).
4- استعجال النصر دون التمكن من أسبابه.
* المطلب الثاني : ذك العجلة
والعجلة لها أسباب ينبغي اجتنابها ، منها : عدم النظر في
العواقب.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه يرفعه : (( التأني من الله
والعجلة من الشيطان )).
ولذلك قيل : يا صاحبي تلوما لا تعجلا
* * * إن النجاح رهين أن لا تعجلا
* المطلب الثالث : علاج الاستعجال
يمكن التخلص من الاستعجال بأمور منها :
1- العلم بأن وعد الله آت لا ريب فيه. (ولا تحسبن الله غفلاً
عما يعمل الظلمون) .
2- النظر إلى سنن الله في الغابرين الذين استعجلوا العذاب ،
فأصبح لا يرى إلا مساكنهم عبرة لكن معتبر ،
(ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات).
3- عدم وقوع الأمر على وفق استعجال المستعجل قد يكون رحمة من
الله تعالى كقولهم تعالى : (ولو يعجل الله للناس الشر
استعجالهم بالخير لقضى إليهم أجلهم).
4- ويتخلص من العجلة بالتدرب ، والتصبر ، والمجاهدة على عدم
العجلة (والذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلناً وإن
الله لمع المحسنين).
5- تقوى الله تعالى ودعاؤه (ومن يتق الله جعل له مخرجاً) (يأيها
الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً) ، (وقال ربكم ادعوني استجب لكم).
بتصرُّف : من كتاب مقومات الداعية الناجح في ضوء الكتاب والسنة
للشيخ / سعيد بن وهف القحطاني
|