|
مقومات الداعية الناجح - أولاً : العلم النافع
إن مقومات الداعية الناجح : هي المعدلات التي تعدل الداعية
وتقيم اعوجاجه فتجعله :
مستقيماً ، معتدلاً ، حكيماً ، منضبطاً في كل أموره ، ناجحاً في
دعوته وموفقاً مسدداً ملهماً بإذن الله تعالى .
ومن هذه المقومات : العلم النافع ، الحكمة ، الحلم ، الأناة
والتثبيت ، الرفق واللين ، الصبر ، الإخلاص والصدق ،
القدوة الحسنة ، الخلق الحسن ..
أولاً : العلم النافع
* أهمية العلم :
العلم من أعظم المقومات للداعية الناجح وهو من أركان الحكمة ،
ولهذا أمر الله به ، وأوجبه قبل القول والعمل ، فقال تعالى :
[ فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات
والله يعلم متقلبكم ومثواكم ]
وقد بوب الإمام البخاري رحمه الله تعالى لهذه الآية بقوله : ((
باب : العلم قبل القول والعمل )) .
والعلم هو ما قام عليه الدليل ، والنافع منه ما جاء به الرسول
صلى الله عليه وسلم ، وقد يكون علم من غير الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقد يكون
علم من غيرالرسول صلى الله عليه وسلم ، لكن في أمور دنيوية ، مثل : الطب ، والحساب
، والفلاحة ، والتجارة ... وغيرها .
ولا يكون الداعية إلى الله مستقيماً حكيماً إلا بالعلم الشرعي
..
وقد مدح الله عزوجل أهل العلم وبين فضلهم ، وأثنى عليهم فقال
سبحانه :
[ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ] .
[ يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين ءامنوا منكم والذين أوتوا
العلم درجات ] .
[ إنما يخشى الله من عباده العلماء ]
.
قال صلى الله عليه وسلم : (( من يرد الله به خيراً يفقه في
الدين )) .
وهذا مما يدل على أهمية العلم للدعاة إلى الله تعالى ، وأنه من
أهم المهمات وأعظم الواجبات ؛ ليدعوا الناس على بصيرة .
فيجب أن يكون الداعية على بينة في دعوته ؛ ولهذا قال سبحانه :
[ قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن أتبعني وسبحن
الله وما أنا من المشركين ]
والعلم الصحيح مرتكز على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه
وسلم لأن كل علم يتلقى من غيرهما يجب أن يعرض عليهما ، فإن وافق ما فيهما قبل ، وإن
كان مخالفاً وجب رده على قائله كائناً من كان .
وهذا معنى كلام الشافعي رحمه الله :
كل العلوم سوى القرآن مشغلة * * * إلا الحديث وعلم الفقه في
الدين
العلم ما كان فيه قال حدثنا * * * وما سوى ذاك وسواس الشياطين
* أقسام العلم :
قسم الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى العلم النافع إلى ثلاثة
أقسام ، فقال رحمه الله :
(( والعلم الممدوح الذي دل عليه الكتاب والسنة هو العلم الذي
ورثه الانبياء )).
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :
(( إن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً ، وإنما ورثوا
العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافرٍ )) .
وهذا العلم ثلاثة أقسام :
- القسم الأول : علم بالله ، وأسمائه ، وصفاته ، وما يتبع ذلك ،
وفي مثله أنزل الله سورة الإخلاص وآية الكرسي ونحوهما .
- القسم الثاني : علم بما أخبر الله به مما كان من الأمور
الماضية ، وما يكون من الأمور المستقبلية , وما هو كائن
من الأمور الحاضرة ، وفي مثل هذا أنزل الله آيات القصص ، والوعد ،
والوعيد , وصفة الجنة والنار ، ونحو ذلك .
- القسم الثالث : العلم بما أمر الله به من العلوم المتعلقة
بالقلوب والجوارح من الإيمان بالله من معارف القلوب
وأحوالها ، وأقوال الجوارح وأعمالها ، وهذا يندرج في :
العلم بأصول الإيمان وقواعد الإسلام ، ويندرج فيه العلم
بالأقوال والأفعال الظاهرة ، ويندرج فيه ما وجد في كتب
الفقهاء من العلم بأحكام الأفعال الظاهرة ، فإن ذلك جزءٌ
من جزءٍ من علم الدين .
وقد أشار الإمام ابن القيم إلى هذه الأقسام بقوله :
العلم أقسام ثلاثة ما لها * * * من رابع والحق ذو تبيان
علمٌ بأوصاف الإله وفعله * * * وكذلك الأسماء للرحمن
والأمر والنهي الذي هو دينه * * * وجزاؤه يوم المعاد الثاني
* العمل بالعلم :
إن العلم النافع هو : ما كان مقروناً بالعمل ، أما العلم بلا
عمل ، فهو حجة على صاحبه يوم القيامة ؛ ولهذا حذر الله
المؤمنين من أن يقولوا مالا يفعلون ، رحمةً بهم ، وفضلاً منه وإحساناً ،
فقال : [ ياأيها الذين ءامنوا لم تقولون ما لا تفعلون . كبر
مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ] .
وحذر سبحانه عن كتمان العلم ، وأمرهم بتبليغه للبشرية على حسب
الطاقة والجهد ، وعلى حسب العلم الذي أعطاهم الله - عز
وجل – لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، قال تعالى :[ إن
الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بينّاه للناس في الكتاب
أولائك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ].
وقد بين صلى الله عليه وسلم أن (( من سُئِل عن علم يعلمه فكتمه
ألجم يوم القيامة بلجام من نار )) .
وقال أو الدرداء – رضي الله عنه - : (( لا تكون تقيًّا حتى تكون
عالماً ، ولا تكون بالعلم جميلاً حتى تكون به عاملاً ))
وقال سفيان ين عيينة : في العمل بالعلم والحرص عليه : (( أجهل
الناس من ترك ما يعلم ، وأعلم الناس من عمل بما يعلم ، وأفضل الناس أخشعهم لله ))
ولهذا قال الشاعر :
إذا العلم لم تعمل به كان حجةً * * * عليك ولم تعذر بما أنت
جاهله
فإن كنت قد أوتيت علماً فإنما * * * يصدق قولَ المرء ما هو
فاعله
وبهذا يتضح أنا العلم لا يكون من دعائم الحكمة إلا باقترانه
بالعمل ، وقد كان علم السلف الصالح – وعلى رأسهم أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم – مقروناً بالعمل ؛ وكانت أقوالهم ،
وأفعالهم ، وسائر تصرفاتهم تزخر بالحكمة .
* طرق تحصيل العلم :
1- أن يسأل العبد ربه العلم النافع ، ويستعين به تعالى ، وبفتقر
إليه ، وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بسؤاله أن
يزيده علماً إلى علمهه ، فقال تعالى : [ وقل ربي زدني علماً ] ،
وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول الله انفعني بما علمتني ،
وعلمني ما ينفعني ، وزدني علماً )).
2- الاجتهاد في طلب العلم ، والشوق إليه ، والرغبة الصادقة فيه
ابتغاء مرضاة الله تعالى ، وبذل جميع الأسباب في طلب علم
الكتاب والسنة .
وقد جاء رجل إلى أبي هريرة – رضي الله عنه – فقال : إني أريد أن
أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه ، فقال أبو هريرة – رضي الله
عنه - :
(( كفى بتركك له تضيعيعاً )).
ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله :
أخي لن تنال العلم إلا بستة * * * سأنبيك عن تفصيلها ببيان
ذكاءٌ ، وحرصٌ ، واجتهادٌ ، وبلغةٌ * * * وصحبة أستاذ وطول زمان
3-اجتناب المعاصي بتقوى الله تعالى ؛ فإن ذلك من أعظم الوسائل
إلى حصول العلم ، كما قال تعالى : [ واتقوا الله ويعلمكم
الله والله بكل شيء عليم ].
وقال عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه - :
(( إني لأحسب أن الرجل ينسى العلم قد علمه بالذنب يعمله ))
وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي * * * فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور * * * ونور الله لا يهدى لعاصي
4- عدم الكبر والحياء عن طلب العلم ، ولهذا قالت عائشة رضي الله
عنها : (( نِعمَ النساء نساء الأنصار ، لم يمنعهن الحياء
أن يتفقهن في الدين )). وقال مجاهد : (( لا يتعلم العلم
مستحي ولا مستكبر )).
5- الإخلاص في طلب العلم والعمل به ، - وهو أعظمها ولُبُّها - :
قال صلى الله عليه وسلم : (( من تعلم علماً مما يبتغى به وجه
الله – عز وجل - ، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من
الدنيا لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة )) يعني ريحها.
فظهر مما تقدم أن العلم لا بد فيه من العمل والإخلاص والمتابعة.
بتصرُّف : من كتاب مقومات الداعية الناجح في ضوء الكتاب والسنة
للشيخ / سعيد بن وهف القحطاني
|