ثالثاً : الخلق الحسن
* المبحث الأول : مفهوم الخلق :
الخلق لغة : السجية ، والطبع ، والمروءة ، والدين.
فالخلق : حال في النفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خير أو شر من غير حاجة
إلى فكر وروية تنقسم إلى قسمين :
- القسم الأول : ما يكون طبيعياً من أصل المزاج ، نحو الغضب ، ويهيج لأدنى سبب ،
كمن يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه.
- القسم الثاني : ما يكون مستفاداً بالعادة والتدريب ، ثم يستمر عليه حتى يكون ملكة
وخلقاً.
أما السلوك : فهو سيرة الإنسان ومذهبه واتجاهه
والسلوك : عمل إداري : الكذب ، والصدق ، والبخل ، والكرم.
- العلاقة بين السلوك والخلق :
فاتضح أن الخلق حالة راسخة في النفس ، فالأخلاق شيء يتصل بباطن الإنسان ، ولا بد
لنا من مظهر يدلنا على هذه الصفة النفسية ، وهذا المظهر هو : السلوك ، فالسلوك : هو
المظهر الخارجي للخلق ، فنحن نستدل من السلوك المستمر لشخص ما على خلقه ، فالسلوك
دليل الخلق ، ورمز له ، وعنوانه ، كان السلوك حسناً دل على خلق حسن ، كان السلوك
سيئاً دل على سلوك قبيح. أن الشجرة تعرف بالثمر ، فكذلك الخلق الحسن يعرف بالأعمال
الطيبة.
* المبحث الثاني : أهمية الخلق الحسن
الخلق الحسن في الدعوة إلى الله تعالى من أهم المهمات ، ومن أعظم القربات ، ومن
أولى الواجبات التي ينبغي أن يتصف بها الدعاة ، ولا بد منها لكل داعية يرغب فيما
عند الله تعالى ، ويرغب في نجاح دعوته وظهور وثمراتها ، فإن الدعاة إلى الله تعالى
أشد حاجة من غيرهم لمعرفة الخلق الحسن وتطبيقه على أنفسهم في جميع مجالات الحياة
طلباً لحصول الآثار العظيمة النبيلة في مجتمعاتهم كما حصل في صدر الإسلام ، فإنه لا
يحصى من دخل في الإسلام بسبب خلق النبي الكريم عليه الصلاة والسلام سواء كان ذلك
الخلق الحسن من : جوده أو كرمه ، أو عفوه أو صفحه ، أو حلمه أو أناته ، أو رفقه أو
عدله ، أو رحمته .
وهكذا أصحابه الكرام رضي الله عنهم ومن أشهر الأمثلة قصة مصعب بن عمير رضي الله عنه
مع سيدي : الأوس والخزرج حينما استخدم معهما الخلق الحسن – الرفق والحلم والأناة–
فأسلما على يديه ، ثم دعا كل منهما قومه إلى الإسلام فلم يبق بيت إلا دخله الإسلام
بفضل
الله تعالى ثم بفضل الخلق الحسن العظيم .
وتبرز أهمية الخلق الحسن في الدعوة إلى الله تعالى في أمور منها :
1- الخلق الحسن في حياة المسلم عامة وفي حياة الدعاة خاصة من أعظم روابط الإيمان
وأعلى درجاته ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً).
2- الخلق الحسن يجعل الداعية إلى الله تعالى من أحسن الناس ، ومن خيارهم مطلقاً ،
ولا يكون كذلك إلا التخلق بهذا الخلق العظيم ، قال عليه الصلاة والسلام : (إن من
خياركم أحسنكم أخلاقاً) .
وقد أحسن الشاعر إذ يقول :
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت * * * * فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
3- إن من لم يتخلق بالخلق الحسن من الدعاة ينفر الناس من دعوته ، ولا يستفيدون من
علمه وخبرته ، لأن من طبائع الناس أنهم لا يقبلون ممن يستطيل عليهم أو يبدو منه
احتقارهم ، واستصغارهم ، ولو كان ما يقوله حقاً. قال عز وجل للنبي الكريم عليه
الصلاة والسلام : (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظاً القلب لا نفضوا
من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر)
4- الخلق الحسن في الدعوة يجعل الداعية مستنير القلب ، ويفتح مداركه ، فيتبصر به
مواطن الحق ، ويهتدي به إلى الوسائل والأساليب الصحيحة في دعوة الناس الملائمة
للظروف والأحوال ، والأشخاص (يأيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً).
5- الخلق الحسن من أعظم الأسباب التي تنجي من النار وتورث الفوز بأعلى الدرجات في
جنات النعيم وهذا هو غاية كل مسلم بعد رضي الله عز وجل ، ولهذا عندما سأل عليه
الصلاة والسلام رجلاً فقال له : (ما تقول في الصلاة) ؟ قال : أتشهد ثم أسأل الله
الجنة وأعوذ به من النار. أما والله ! ما أحسن دندنتك ، ولا دندنة معاذ. فقال عليه
الصلاة والسلام حولها (ندندن) ، وهذا يدل أن جميع الأقوال والدعوات والأعمال ، إنما
هو من أجل الفوز بالجنة والنجاة من النار بعد رضى الله عز وجل.
* أما الخلق العظيم الذي مدح الله به النبي صلى الله عليه وسمل هو الدين كله ،
والخلق الحسن جزء منه كما ذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى ، وقال الإمام
ابن القيم – رحمه الله تعالى – في مدارج السالكين : (حسن الخلق يقوم على أربعة
أركان ، لا يتصور قيام ساقه إلا عليها : الصبر ، والعفة ، والشجاعة ، والعدل :
ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة).
* المبحث الثالث : طرق تحصيل الخلق الحسن
الأسباب والوسائل التي يكتسب بها الخلق الحسن كثيرة ، وكلن من أبرزها على سبيل
المثال ما يأتي :
1- التدريب العملي ، والممارسة التطبيقية للأخلاق الحسنة ولو مع التكلف في أول
الأمر ، وقسر النفس على غير ما تهوى ، فالعلم بالتعلم والحلم بالتحلم ، والصبر
والاستعفاف بالتعفف ، قال صلى الله عليه وسلم : (ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن
يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله).
2- الغمس في البيئة الصالحة ، لأن من طبيعة الإنسان أن يكتسب من البيئة التي ينغمس
فيها ويعيش من أهلها ، فيكتسب ما لديهم من أخلاق ، وعادات ، وتقاليد ، وأنواع سلوك
عن طريق المحاكاة والتقليد ، ولهذا قيل : (إن الطبع للطبع يسرق ، وأعظم من ذلك
توجيه النبي صلى الله عليه وسلم وبيانه أن الجليس الصالح كحامل المسك إما أن تبتاع
منه أو تجد منه ريحاً طيبة ، ولا شك أن الرجل على دين خليله ، فلينظر كل داعية من
يخالل.
* المبحث الرابع : فروع الخلق الحسن
فروع حسن الخلق كثيرة جداً فهو يشمل : الحلم ، والأناة ، والجود ، والكرم ، والعفو
، والصفح ، والرفق واللين ، والصبر والعزيمة ، والثبات ، والعدل والإنصاف ، والصدق
، والإخلاص ، والبر وغير ذلك.
- المطلب الأول : الجود والكرم :
الجود والكرم خلق عظيم وهو على عشر مراتب كالتالي :
1- الجود بالنفس وهو أعلى مراتب الجود.
2- الجود بالرياسة ، فيحمل الجواد جوده على الجود برياسته والإيثار في قضاء
حاجات الناس.
3- الجود براحته ، فيجود بها تعباً في مصلحة غيره.
4- الجود بالعلم وبذله وهو من أعلى مراتب الجود ، وهو أفضل من المال.
5- الجود بالنفع كالشفاعة وغيرها.
6- الجود ينفع البدن على اختلاف غيرها ، فكل يوم تعدل فيه بين اثنين صدقة ، وتعين
الرجل في دابته فترفع متاعه عليها أو تحمله عليها صدقة.
7- الجود بالعرض ، كمن يعفو عمن اغتابه ، أو سبه ، ونال من عرضه ، كما فعل أبو ضمضم.
8- الجود بالصبر ، والاحتمال ، وكظم الغيظ ، وهذا أنفع من الجود بالمال.
9- الجود الخلق الحسن ، والبشاشة ، والبسطة ، وهو فرق الجود بالصبر.
10- الجود بترك ما في أيدي الناس عليهم فلا يلتفت إليه.
ولكل مرتبة من الجود مزيد وتأثير خاص في القلب.
وكل أنواع الجود والكرم ينبغي الدعاة أن يتحلوا بها في دعوتهم ، ومن الصور العظيمة
لتطبيق الجود والكرم ينبغي للدعاة أن يتحلوا بها في دعوتهم ، ومن الصور العظيمة
لتطبيق الجود الكرم ما فعله رسول الله صلى عليه وسلم ومن ذلك :
عن أنس رضي الله عنه قال : ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً
إلا أعطاه ، قال (فجاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين فرجع إلى قومه فقال : يا قومي
أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء لا يخشى الفاقة.
وهذا الموقف الحكيم العظيم يدل على عظم سخاء النبي صلى الله عليه وسلم ، وغزارة
جوده .
وكان صلى الله عليه وسلم يعطي العطاء ابتغاء مرضاة الله – عز وجل – وترغيباً للناس
في الإسلام ، وتأليفاً لقلوبهم ولهذا شواهد كثيرة ، منها : ما رواه مسلم في صحيحه
أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا غزوة الفتح – فتح مكة – ثم خرج صلى الله عليه وسلم
بمن معه من المسلمين فاقتتلوا بحنين ، فنصر الله دينه والمسلمين ، وأعطى رسول الله
صلى الله صلى الله عليه وسلم يومئذ صفوان بن أمية مائة من الغنم ، ثم مائة ، ثم
مائة. قال صفوان: والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه
لأبغض الناس إلي ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي .
وقال أنس – رضي الله عنه – ( إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يسلم حتى
يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها )
وهذه الأمثلة التي سقتها ما هي إلا قطرة من بحر من كرم النبي صلى الله عليه وسلم ،
فما أحوجنا ، وما أولى جميع الدعاة إلى الله – عز وجل – إلى الاقتداء بالنبي صلى
الله عليه وسلم والاقتباس من نوره وهديه في دعوته وفي أموره كلها ، والله المستعان
.
- المطلب الثاني : العدل
العدل له مجالات كثيرة لا تحصر منها : العدل في الولاية ، والعدل في القضاء ،والعدل
في تطبيق الحدود ، والعدل في المعاملات بين الناس.
ومن الأمثلة العظيمة في تطبيق العدل المثال العظيم التالي :
قد كان النبي صلى الله عليه وسلم أعدل البشر في جميع أموره وأحكامه ، ومما يضرب به
المثل في عدله إلى يوم القيام قصة المخزومية التي سرقت فقطع يدها بعد أن شفع فيها
أسامة ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحاب في ذلك ، ولم يقبل الشفاعة في حد
من حدود الله تعالى. وكما جاء في الحديث عندما .. ( قام رسول الله عليه وسلم فاختطب
فأثنى على الله بما هو أهله ، فقال : (أما بعد ، أيها الناس : إنما أهلك الذين من
قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه
الحد ، وإني الذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطت يدها) . ثم أمر بتلك
المرأة التي سرقت فقطعت يدها.
إن العدل خلاف الجور ، وقد أمر الله – عز وجل – به في القول والحكم ، فقال تعالى :
(وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى). وقال : (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا
بالعدل).
المطلب الثالث : التواضع
يقال : تواضع : تذلل وتخاشع ، والمراد بالتواضع ، إظهار التنزل لمن يراد تعظيمه ،
وقيل : تعظيم من فوقه لفضله.
والتواضع صفة عظيمة وخلق كريم يجب على الدعاة إلى الله تعالى ، وغيرهم ، ولهذا مدح
الله المتواضعين فقال : (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم
الجهلون قالوا سلما) ، أي يمشون في سكينة ووقار متواضعين غير أشرين ولا متكبرين ،
ولا مرحين ، فهم علماء ، حلماء ، وأصحاب وقار وعفة .
والدعاة إلى الله تعالى إذا توضعوا رفعهم الله في الدنيا والآخرة لقوله صلى الله
عليه وسلم ( ما نقصت صدقة من مال ، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً ، ومن تواضع
لله رفعه).
وهذا مما يفتح الله به للداعية قلوب الناس ، فإن الله يرفعه في الدنيا والآخرة ،
ويثبت له بتواضعه في قلوب الناس منزلة ويرفعه عندهم ويحل مكانه ، أما من تكبر على
الناس فقد توعده الله بالذل والهوان في الدنيا والآخرة ، لأن الله عز وجل (العز
إزاره ، والكبرياء رداؤه
فمن ينازعه ذلك عذبه).
ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأسوة للدعاة فقد كان متواضعاً في دعوته للناس ،
فعن أبي مسعود رضي الله عنه قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فكلمه فجعل
ترعد فرائصه فقال له (هون عليك نفسك فإني لست بملك ، إنما أنا ابن امرأة تأكل
القديد)
فعلى الدعاة أن يقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان متواضعاً في دعوته مع
الناس ، فكان يمر بالصبيان فيسلم عليهم ، وتأخذ بيده الأمة فتنطلق به حيث شاءت ،
وكان في بيته في خدمة أهله ، ولم يكن ينتقم لنفسه قط ، وكان يخصف نعله ، ويرقع ثوبه
، ويحلب الشاة لأهله ، ويعلف البعير ، ويأكل مع الخادم ، ويجالس المساكين ، ويمشي
مع الأرملة واليتيم في حاجتهما ، ويبدأ من لقيه بالسلام ، ويجيب دعوة من دعاه ولو
إلى أيسر شيء ، فكان متواضعاً من غير ذلك ، جواداً من غير سرف ، رقيق القلب رحيماً
بكل مسلم خافض الجناح للمؤمنين ، لين الجانب لهم ، فيجب على الدعاة إلى الله عز وجل
الاقتداء به صلى الله عليه وسلم.
بتصرُّف : من كتاب مقومات الداعية الناجح في ضوء الكتاب والسنة
للشيخ / سعيد بن وهف القحطاني
تاريخ إضافة المقال:2008-03-01 11:44:37