|
ثانياً
: القدوة الحسنة
*
مفهوم القدوة الحسنة :
القدوة
: هي الحالة التي يكون الإنسان الإنسان عليها في اتباع غيره إن حسناً وإن قبحاً ،
وإن ساراً وإن ضاراً ، ولهذا قال تعالى :
( لقد
كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً
).
والأسوة أو القدوة نوعان : أسوة حسنة وأسوة سيئة ، فالأسوة الحسنة الأسوة بالرسول
صلى الله عليه وسلم ، وأما الأسوة بغيره إذا خالفه فهي أسوة سيئة ، كقول المشركين
حين دعتهم الرسل للتأسي بهم ( بل قالوا إنا وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على إثرهم
مهتدون ).
والمقصود هنا أن يكون الداعية المسلم قدوة صالحة فيما يدعو إليه فلا يناقض
قوله فعله ، ولا فعله قوله.
*
أهمية القدوة الحسنة :
ويكن
إجمال أهمية القدوة الحسنة في الأمور التالية :
1- إن
المثال الحي والقدوة الصالحة يثير في نفس البصير العاقل قدراً كبيراً من الاستحسان
والإعجاب والتقدير والمحبة ، فيميل إلى الخير ، ويتطلع إلى مراتب الكمال ويأخذ
يحاول يعمل مثله حتى يحتل درجة الكمال والاستقامة.
2- إن
القدوة الحسنة المتحلية بالفضائل تعطي الآخرين قناعة بأن بلوغ هذه الفضائل والأعمال
الصالحة من الأمور الممكنة التي هي في متناول القدرات الإنسانية وشاهد الحال أقوى
من شاهد المقال.
3- إن
الأتباع والمدعوين الذين يربيهم ويدعوهم الداعية ينظرون إليه نظرة دقيقة دون أن
يعلم هو أنه تحت رقابة مجهرية ، فرب عمل يقوم به من المخالفات لا يلقي له
بالا يكون في نظرهم من الكبائر ، لأنهم يعدونه قدوة لهم.
4-
الفعل أبلغ من القول إن مستويات الفهم للكلام عند الناس تتفاوت ، ولكن الجميع
يستوون أمام الرؤية بالعين المجردة ، وذلك أيسر في إيصال المفاهيم التي يريد
الداعية إيصالها للناس المقتدين به.
وفي
هذا أمثلة كثيرة أذكر منها :
لما
أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة :
أذن
يأذن لهم في القتال وأن ينصروا فيكملوا عمرتهم ، قالت له أم سلمة :
أخرج
إليهم واذبح واحلق ففعل فتابعوه مسرعين ، فدل ذلك كله على أهمية القدوة وعظيم
مكانتها .
5- إن
النبي صلى الله عليه وسلم قد حذر الدعاة من المخالفة لما يقولون ، فبين صلى الله
عليه وسلم في الحديث الشريف حال الدعاة الذين يأمرون الناس وينهونهم وينسون أنفسهم
، قال : (( أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار ، كلما قرضت وفت
، فقلت ياجبريل من هؤلاء؟ قال :
خطباء
أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون ، ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به )) ، ولا يقتصر
الخطر على الداعية وعلى دينه بل يتعدى إلى كل من يدعوهم . فليحتاط الداعية لهذا
الأمر المهم ، ويراقب أفعاله وأقواله .. وليُري الله تعالى من نفسه خيرا .
6- إن
جميه الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم كانوا قدوة
حسنة لأقوامهم ، وهذا يدل على عِطم وأهمية القدوة الحسنة ، ولهذا قال شعيب عليه
السلام لقومه : [ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما
استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ].
7- إن
الناس كما ينظرون إلى الداعية في أعماله وتصرفاته ينظرون إلى أسرته وأهل بيته وإلى
مدى تطبيقهم لما يقول ، وهذا يفيد ويبين أن الداعية كما يجب عليه أن يكون
قدوة في نفسه يجب عليه أن يقوم أهل بيته وأسرته وسلزمهم بما يأمر به الناس ،
ويدعوهم إليه ، ولهذه الأهمية كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا صعد المنبر فنهى
الناس عن شيء ، جمع أهله فقال : (( إني نهيت الناس عن كذا وكذا ، وإن الناس ينظرون
إليكم نظر الطير إلى اللحم ، وأقسم بالله لا أجد أحداً منكم فعله إلا أضعفت عليه
العقوبة )).
*
المبحث الثالث : وجوب القدوة الحسنة
(1)
قال الله – جل وعلا - : [ يا أيها الذين ءامنوا لم تقولون مالا تفعلون ، كبر مقتاً
عند الله أن تقولوا مالا تفعلون ] ، [ ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله وعمل صالحاً
وقال إنني من المسلمين ] .
هذه
الآية العظيمة تبين لنا أنا الداعي إلى الله - عز وجل – ينبغي أن يكون ذا عمل صالح
يدعو إلى الله بلسانه ، ويدعو إلى الله بأفعاله أيضاً ، ولهذا قال بعده [ وعمل
صالحاً ] ، فالداعي إلى الله – عز وجل – يكون داعية من الناس ، هم الدعاة إلى الله
بأقوالهم الطيبة ، وهم يوجهون الناس بأقوالهم والأعمال فصاروا قدوة صالحة في
أقوالهم وأعمالهم وسيرتهم .
فالداعي إلى الله - عز وجل - من أهم المهمات في حقه أن يكون ذا سيرة حسنة وذا عمل
صالح ، وذا خلق فاضل حتى يقتدى بفعاله وأقواله .
أيضاً
فإن هذه الآية الكريمة تفيد أن الدعاة إلى الله – عز وجل – هم أحسن الناس قولاً
إذا حققوا قولهم بالعمل الصالح ، والتزموا الإسلام عن إيمان ومحبة وفيح بهذه النعمة
الظيمة ،
وبذلك يتأثر الناس بدعوتهم وينتفعون بها ويحبونهم عليها .
(2)
قال الله موبخاً اليهود : [ أتأمون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب
أفلا تعقلون ] ، فأرشد – سبحانه – في هذه الآية إلى أن مخالفة الداعي لما يقول أمر
يخالف العقل كما أنه يخالف الشرع فكيف يرضى بذلك من له دين أو عقل .
(3) صح
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار
قتندلق أقتاب فيدور فيها كما يدور الحمار بالرحى ، فيجتمع عليه أهل النار فيقولون
له يا فلان ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، فيقول بلى كنت آمركم بالمعروف
ولا آتيه ، وأنهاكم عن المنكر وآتيه )) .
هذه
حال من دعا إلى الله وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، ثم خالف قوله فعله ، وفعله
قوله ، نعوذ بالله من ذلك ، فمن أهم الأخلاق ومن أعظمها في حق الداعية ، أن يعمل
بما يدعوا إليه ، وأن ينتهي عما ينهى عنه .
فينبغي
للدعاة إلى الله تعلى أن يعنوا عناية تامة بالقرآن والسنة ، فالعلم هو ماقاله الله
في كتابه الكريم ، أو ماقاله الرسول الصلى الله عليه وسلم ، في سنته الصحيحة ،
ليعرف ما أمر الله به وما نهى عنه ، ويعرف طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في
دعوته إلى الله وإنكاره المنكر وطريقة أصحابة – رضي الله عنهم -.
وهل
هناك هدف للمؤمن أعظم من أن يكون على أهدى السبل وأقومها . فعلى جميع أهل العلم
وطلبته أن يعنوا بهذا الخلق ، وأن يقبلوا على كتاب الله قراءة وتدبراً وتعقلاً
وعملاً ، يقول – سبحانه وتعالى – : [ كتاب أنزلنه إليك مبارك ليدبروا ءايته وليتذكر
ألوا الألباب ].
بتصرُّف : من كتاب مقومات الداعية الناجح في ضوء الكتاب والسنة
للشيخ
/ سعيد بن وهف القحطاني
|