رابعاً : الرفق واللين
* المبحث الأول : مفهوم الرفق واللين
اللطف ولين الجانب ، هو ضد العنف ، ضد الخشونة
( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك ) ..
إن الرفق واللين يتضمن : لين الجانب بالقول والفعل ، والأخذ بالأسهل والأيسر وحسن
الخلق ،
وكثرة الاحتمال ، وعدم الإسراع بالغضب والتعنيف .
ويطلق الرفق واللين على المداراة إذا كان في ذلك دفع برفق.
وفي الحديث :
( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي فجاءت بهمة تمر بين يديه فما زال
يدارئها )
وفي حديث عائشة أنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال :
(ائذنوا له فبئس ابن العشيرة – أو بئس أخو العشيرة – فلما دخل ألان له الكلام) .
قالت عائشة فقلت له : يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له في القول. فقال :
(أي عائشة إن شر الناس منزلة عند الله من تركه – أو ودعه – الناس اتقاء فحشه) .
والمداراة ليست من المداهنة :
قال ابن بطال – رحمه الله – المداراة من أخلاق المؤمنين وهي خفض النجاح للناس ،
ولين الكلمة ، وترك الإغلاظ لهم في القول ، وذلك من أقوى أسباب الألفة. قال :
وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط ، لأن المداراة مندوب إليها ، والمداهنة
محرمة ،
- والفرق : أن المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه ،
وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق وإظهار الرضى بما هو فيه من غير إنكار عليه .
والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم ، وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ
عليه
حيث لا يظهر ما هو فيه ، والإنكار عليه بلطف القول والفعل ولا سيما إذا احتيج إلى
تألفه
ونحو ذلك .
وقد قال الله تعالى لموسى وهارون
( اذهبا إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى )
( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك ).
ولهذا قال القائل :
وإذا عجزت عن العدو فداره * * * وامزح له إن المزاح وفاق
فالنار بالماء الذي هو ضدها * * * تعطي النضاح وطبعها الإحراق
* المبحث الثاني : أهمية الرفق واللين
عن عائشة – رضي الله عنها – أن البني صلى الله عليه وسلم قال لها :
(إنه من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة ، وصلة الرحم ،
وحسن الخلق ، وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار).
فقد عظم النبي صلى الله عليه وسلم شأن الرفق في الأمور كلها ، وبين ذلك بفعله وقوله
بياناً
شافياً كافياً ، لكي تعمل أمته بالرفق في أمورها كلها ، وخاصة الدعاة إلى الله – عز
وجل - ،
فإنهم أولى الناس بالرفق في دعوتهم ، وفي جميع تصرفاتهم ، وأحوالهم.
فالرفق سبب لكل خير ، لأنه يحصل به من الأغراض ويسهل من المطالب ،
ومن الثواب ما لا يحصل بغيره ، وما لا يأتي من ضده .
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من العنف ، وعن التشديد على أمته صلى الله عليه
وسلم ،
فعن عائشة – رضي الله عنها – قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي
هذا : (اللهم من ولي من أمر أمتى شيئاً فشق عليهم ، فاشقق عليهم ، ومن ولي من أمر
أمتي
شيئاً فرفق بهم فارفق به) ، وكان صلى الله عليه وسلم إذا أرسل أحداً من أصحابه في
بعض
أمرهم بالتيسير ونهاهم عن التنفير .
فعن أبي موسى – رضي الله عنه – قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث
أحداً
من أصحابه في بعض أموره قال : (بشروا ولا تنفروا ، ويسروا ولا تعسروا).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(إذا أراد الله – عز وجل – بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق).
وقال صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري ومعاذ – رضي الله عنهما –
حينما بعثهما إلى اليمن : (يسرا ولا تعسرا ، وبشرا ولا تنفرا ، وتطاوعا ولا تختلفا)
.
في هذه الأحاديث الأمر بالتيسير والنهي عن التنفير ، وقد جمع النبي صلى الله عليه
وسلم
في هذه الألفاظ بين الشيء وضده ، لأن الإنسان قد يفعل التيسير في وقت والتسعير في
وقت ،
ويبشر في وقت وينفر في وقت آخر فلو اقتصر على يسروا لصدق ذلك على ما يسر مرة
أو مرات ، وعسر في معظم الحالات ، فإذا قال ولا تعسروا انتفى التعسير في جميع تعسرا
،
وبشرا ولا تنفرا ، وتطاوعا ولا تختلفا ، لأنهما قد يتطاوعان في وقت يختلفان في وقت
وقد
يتطاوعان في شيء ويختلفان في شيء ، والنبي صلى الله عليه وسلم قد حث في هذه
الأحاديث
وفي غيرها على التبشير بفضل الله وعظيم ثوابه ، وجزيل عطائه ، وسعة رحمته ، ونهى عن
التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير ، وهذا فيه تأليف
لمن
قرب إسلامه وترك الشديد عليه ، وكذلك من قارب البلوغ من الصبيان ، ومن بلغ ، ومن
تاب
من المعاصي كلهم ينبغي أن يتدرج معهم ويتلطف بهم في أنواع الطاعات قليلاً قليلاً ،
وقد كانت أمور الإسلام في التكليف على التدريج فمتى يسر على الداخل في الطاعة ، أو
المريد
للدخول فيها سهلت عليه وكانت عاقبته غالباً الازدياد منها ، ومتى عسرت عليه أوشك
أنه
لا يدخل فيها ، وإن دخل أو شك أو لا يدوم ولا يستحليها. وهكذا تعليم العلم ينبغي أن
يكون
بالتدريج ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخول أصحابه بالموعظة في الأيام
كراهة
السامة عليهم .
فصلوات الله وسلامه عليه فقد دل أمته على كل خير وحذرهم من كل شر ، ودعا على من
شق على أمته ، ودعا لمن رفق بهم كما تقدم في حديث عائشة وهذا من أبلغ الزواجر عن
المشقة على الناس ، وأعظم الحث على الرفق بهم .
* المبحث الثالث : صور في مواقف تطبيق الرفق في الدعوة
- الصورة الأولى : مع شاب استأذن في الزنا
عن أبي أمامة – رضي الله عنه – قال : إن فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم
فقال :
يا رسول الله ، ائذن لي بالزنا ، فأقبل القوم عليه فزجروه ، وقالوا : مه مه ! فقال
له :
(ادنه) ، فدنا منه قريباً ، قال : (أتحبه لأمك ؟) قال : (لا والله ، جعلني الله
فداءك ، قال : لا
والله يا رسول الله ، جعلني الله فداءك. قال : (ولا الناس يحبونه لبناتهم). قال :
(أفتحبه لأختك ؟)
قال : لا والله جعلني الله فداءك. قال (ولا الناس يحبونه لأخواتهم). قال : (أفتحبه
لعمتك ؟)
قال : لا والله ، جعلني الله فداءك. قال : (ولا الناس يحبونه لعماتهم) . قال
(أفتحبه لخالتك ؟)
قال : لا والله جعلني الله فداءك. قال : (ولا الناس يحبونه لخالاتهم) .
قال : فوضع يده عليه ، وقال : (اللهم اغفر ذنبه ، وطهر قلبه ، وحصن فرجه) ،
فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء .
- الصور الثانية : مع اليهود
عن عائشة – رضي الله عنها – قالت :
(دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : السام عليكم .
قالت عائشة : ففهمتها فقلت : وعليكم السام واللعنة. قلت : فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم :
(مهلاً يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله) ، فقلت : يا رسول الله أو لم تسمع
ما قالوا ؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (قد قلت وعليكم) .
وقال صلى الله عليه وسلم : (يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق ، ويعطي على الرفق ما
لا
يعطي على العنف ، وما لا يعطي على ما سواه) .
وقال صلى الله عليه وسلم : (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ، ولا ينزع من شيء
إلا شانه).
وقال صلى الله عليه وسلم : (من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من الخير ،
وليس شيء أثقل في الميزان من الخلق الحسن) .
- الصورة الثالثة :
عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال : بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم إذ جاء أعرابي ، فقام يبول في المسجد ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله
عليه
وسلم : مه مه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تزرموه ، دعوه) ،
فتركوه
حتى بال ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له : (إن هذه المساجد لا
تصلح
لشيء من هذا البول ، ولا القذر ، إنما هي لذكر الله ، والصلاة وقراءة القرآن) ، أو
كما قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال : فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلوا من ما فشنه عليه.
وعن أبي هريرة – رضي الله عنه - قال : دخل رجل أعرابي المسجد فصلى ركعتين ،
ثم قال : (اللهم ارحمني ومحمداً ، ولا ترحم معنا أحداً ! فالتفت إليه رسول الله صلى
الله عليه
وسلم فقال : (لقد تحجرت واسعاً) ، ثم لم يلبث أن بال في المسجد ، فأسرع الناس إليه
فقال
لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إنما بعثتم ميسرين ، ولم تبعثوا معسرين ،
أهريقوا
عليه دلوًا من ماء ، أو سجلاً من ماء) .
وهذا الأعرابي قد عمل أعمالاً تثير الغضب ، وتسبب عقوبته وتأديبه من الحاضرين ،
ولذلك
قام الصحابة إليه ، واستنكروا أمره ، وزجروه ، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن
يقطعوا
عليه بوله . وهذا في غاية الرفق والحلم والرحمة ، ويجمع ذلك كله الحكمة .
وحينما بال في المسجد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتركه ، لأنه قد شرع في المفسدة
،
فلو منع ذلك لزادت المفسدة ، وقد حصل تلويث جزء من المسجد ، فلو منعه صلى الله عليه
وسلم
بعد ذلك لدار بين أمرين :
1- إما أن يقطع عليه بوله فيتضرر الأعرابي بحبس البول بعد خروجه.
2- وإما أن يقطع فلا يأمن من تنجيس بدنه ، أو ثوبه ، أو مواضع أخرى من المسجد.
فأمر البني صلى الله عليه وسلم بالكف عنه للمصلحة الراجحة.
وهذا من أعظم الحكم العالية ، فقد راعي النبي صلى الله عليه وسلم هذه المصالح ،
وما يقابلها من المفاسد ، ورسم صلى الله عليه وسلم لأمته والدعاة من بعده كيفية
الرفق بالجاهل ،
وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ، ولا سب ولا إيذاء ولا تشديد ، إذا لم يكن ذلك منه
عناداً ولا استخفافاً.
- الصورة الرابعة : مع معاوية بن الحكم :
عن معاوية بن الحكم السلمي – رضي الله عنه – قال :
بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم ، فقلت : يرحمك
الله !
فرماني القوم بأبصارهم ، فقلت : واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي ؟ فجعلوا يضربون
بأيديهم
على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني ، ولكني سكت ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم
فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه ، فو الله ما كهرني
ولا ضربني
ولا شتمني ، قال (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هو التسبيح
والتكبير وقراءة القرآن) .
- الصورة الخامسة :
عن عمر بن أبي سلمة – رضي الله عنه – قال : كنت غلاماً في حجر رسول الله صلى الله
عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصفحة ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(يا غلام سم الله ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك) ، فمازالت تلك طعمتي بعد.
- الصورة السادسة : مع من أصاب من امرأته قبل الكفارة
عن سلمة بن صخر الأنصاري – رضي الله عنه – قال في حديثه :
(خرجت فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبري فقال لي : (أنت بذاك) ؟ فقلت :
أنا بذاك ، فقال : (أنت بذاك)؟ فقلت : أنا بذاك ، فقال : (أنت بذاك) ؟ فقلت : نعم
ها أنذا
فأمض في حكمك فإني صابر له. قال (أعتق رقبة) قال : فضربت صفحة رقبتي بيدي وقلت :
لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها. قال : (فصم شهرين) قال قلت : يا رسول
الله
وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام ، قال : (فتصدق) قال فقلت : والذي بعثك بالحق
لقد
بتنا ليلتنا هذه وحشاً ما لنا عشاء.
قال: (اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك ، فأطعم عنك منها وسقا ثم
استعن بسائره عليك وعلي عيالك) .
قال فرجعت إلى قومي فقلت : وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند رسول الله
صلى الله عليه وسلم السعة الكبرى وقد أمر لي بصدقتكم فادفعوها لي ، قال : فدفعوها
لي).
- الصورة السابعة :
عن أنس – رضي الله عنه – قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر
فقال :
(اتق الله واصبري) قالت : إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ، ولم تعرفه ، فقيل لها :
إنه النبي صلى الله عليه وسلم فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين .
فقالت : لم أعرفك. فقال : (إنما الصبر عند الصدمة الأولى) ، وهذا فيه الدلالة على
رفق النبي صلى الله عليه وسلم بالجاهل ، وترك المؤاخذة.
- الصورة الثامنة : من رفق صلة بن أشيم :
ومن المؤلف التطبيقية ما فعله صلة بن أشيم – رحمه الله – مرصلة بن أشيم برجل قد
أسبل
ثيابه يسحبها ويجرها على الأرض فأخذ الناس يسبونه ويغلظون له في القول ، فساءه ذلك
وأراد أن يريهم درساً عملياً للرفق واللين في الإنكار فقال لهم : دعوني أكفكم أمره.
ثم قال :
يا ابن أخي إن لي إليك حاجة. قال : ما هي ؟ قال : أحب أن ترفع إزارك ، قال : نعم
ونعمي
عيني – أن أقر عينك بطاعتك واتباع أمرك – فرفع إزاره. فقال : صلة لأصحابه : هذا كان
أمثل مما أردتم ، فإنكم لو شتمتوه وآذيتموه لشتمكم .
بتصرُّف : من كتاب مقومات الداعية الناجح في ضوء الكتاب والسنة
للشيخ / سعيد بن وهف القحطاني