ونواصل الحديث عن الحقوق في هذا العصر :
إنَّ شعار الحقوق الأوربي البراق ينص على : أنَّ حقوق الفرد في مواجهة الدولة فقط ،
وهذا قصور واضح جلي ، تبين لهم أخيراً عواره ، فحوروه إلى أنَّ حقوق الفرد تثبت له
بوصفه إنساناً ، وترجع نشأتها إلى ضمير الجماعة ، فوقعوا في بلاء أشد من سابقه ..
حين فتحوا أبواب الجاهلية على مصاريعها ، وأعطوا البشر حق تشريع ما يشاؤون من أنظمة
،
بعيداً عن شرع الله سبحانه وتعالى ، حين قالوا : " إنَّ إعطاء الحقوق يرجع إلى ضمير
الجماعة " .
أما الحقوق في شرع الله تعالى فهي أمور يتمتع بها الفرد في مواجهة نفسه ،
وفي مواجهة الجميع ، وهذا رقي لا تعرفه دساتير اليوم البتة ، مصدره مستقل عن إرادة
البشر ،
لأنَّ البشر محدودن بالزمان ، وبالمكان ، وبالمفاهيم الموروثة ، وبالمعايير
المختلفة ،
فهم لا يدركون إلا ما عرفوا ، ويجهلون ما غاب عنهم ، هذا على افتراض كمال عقولهم ،
وسداد رأيهم ، وتجردهم عن كل هوىً ، ورغبةٍ خاصة ، وهذا محال .
إنَّ الحقوق في شرع الله ليست سلاحاً في يد السلطة على رقاب البشر ،
وليست سلاحاً - في يد البشر - يخرجون به على حكامهم ، باسم الثورات ،
والمناداة بالحقوق ، التي أوردت الناس المهالك ، وذاقوا بسببها لباس الخوف والجوع ،
والحقوق – كذلك - ليست سلاحاً في أيديهم ضد بعضهم ، يحاول كلٌّ منهم بها جرَّ النار
إلى قرصه ،
بل هي حقوق من لدن من قال عن نفسه [ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ] .
إنها حقوق جاءت من الذي خلق الإنسان ، ويعلم ما في نفسه ، وما يصلح حاله ،
ويصلحه مع غيره ، فنظم علاقته بربه ، وبملائكته ، وبكتبه ، وبرسله ، وباليوم الآخر
،
وبالناس حوله ، بل وبالحيوانات ، والجمادات ، وكلِّ شيء ، حياً كان أو ميتاً .
لقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم فحرر الإنسان من كل عبودية لغير الله تعالى ،
وحمى هذا الجانب حماية أكيدة ، لا تراجع فيها ، بل جعل الإخلال بها باباً من أبواب
الشرك الذي لا يغفره الله تعالى .
قال الله سبحانه [ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ]
وجعل الله تعالى على نفسه حقاً لعباده ، تكرماً منه سبحانه وتعالى :
أن يدخل الجنة كلَّ من مات حراً من عبادة غير الله ، مفرداً الله تعالى بالعبادة .