كنا ذكرنا في الموضوع السابق من ثار على الباطل من أهل الأرض ،
بعد أن عانوا من بطش طواغيتهم ، الذين حكموهم في رقابهم ،
وأن أشهر الثورات ما قام في أوربا ، وما لاقت تلك الثورات إلى أن جاء عام 1776م ..
فأعلنت الولايات المتحدة الأمريكية استقلالها ، وكتبت في نظامها حقوق الإنسان في
الحياة ، والحرية ، والمساواة .
وفي عام 1789م. – أي بعد ثلاثة عشر عاماً - سارت الثورة الفرنسية في درب
الولايات المتحدة الأمريكية ، وأعلنت عن حقوق الإنسان ، واستمرت الدول الغربية في
إعلان ذلك تترى ، كلما أعلنته دولة تبعتها أخرى ، وهكذا ، إلى أن جاء عام 1948م.
أي : قبل خمسين سنة من الآن حيث توجت الجمعيةُ العموميةُ في الأممِ المتحدةِ
المدنيةَ الغربية ،
بإصدار وثيقةِ " حقوق الإنسان " ، تعبيراً عن الرغبة في أن ينال كلُّ فرد حقوقه ،
بعد أن
عانى قروناً طويلة تحت سيطرة وتسلط المَلَكِّيّة الإقطاعية ، وكنائس الظلماتِ
البابوية ،
التي تسلطت على أموال الناس بغير حق ، وسخرتهم لمصالحها ، وسلبتهم كلَّ شيءٍ
يرتفقون به ،
حتى حقهم في التفكر في أرض الله سبحانه وتعالى ، وسمائه ، وما قصص المفكرين في تلك
العصور عنا ببعيد .
فشعار الحقوق – الذي يُرفعُ في عصرنا الحاضر - شعار أوربي المنشأ ، والنزعة ،
والأسباب ، والمنهج ، والأهداف ، صناعتُه بشرية قاصرة ، وصبغتُه أوربية ظاهرة ،
لا يعترف بخصائص غيره ، ولا بدين ، ولا بثقافة ، وعادات وتقاليد ، وباسم النظام
العالمي عُمم،
وأصبح سلاحاً استبدادياً خطيراً للدول الاستعمارية الكبرى ، تحكمت بسببه في رقاب
كثير من الناس ،
حتى أصبح سلاحاً يلوح به في وجه كل من رفض التغريب ، أن يحرم من المساعدات المخصصة
للدول المحتاجة .
فمنهج الحقوق عندهم ضعيف هزيل ، لكونه قام لأسباب مالية ، وفكرية ،
وسياسية في محيطهم الضيق ، لتخليص مجتمعهم من سيطرة رجال الإقطاع والكهنوت ،
وعندما يعمم على كلِّ أهل الأرض يفقد جلَّ قوته ، لأنَّ ما خُصص لهم لا يصلح لكل
الناس ، إ
لا أن يكونوا نسخاً مطابقة لهم ، في فكرهم ، وأخلاقهم ، وسلوكهم ،وطرائق عيشهم ،
ومستويات حياتهم،
بل ودياناتهم ، وفلسفاتهم في حياتهم ، وهذا محال ، إلا أن تصادر بسببه حريات
مليارات من البشر ،
وهذه العبودية بعينها ، وهم يدعون حربهم لها ، وحرصهم على نيل الجميع حقوقه .