إنَّ العبد إن فُتِح له باب من أبواب العمل الصالح فإنه
ينبغي عليه أن لا يدعه ، بل يداوم عليه ، وباب الخير نعمة ، شكرها المداومة عليها ،
وقد كان هذا دأب النبي صلى الله عليه وسلم ، في جميع أعماله الصالحة ، تصفه أم
المـؤمنين عائشة رضي الله عنها فتقول :( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عمل
عملاً أثبته ).
وروت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قَلَّ
)) .
بل كان صلى الله عليه وسلم لشدة مداومته على العبادات إذا
عمل عملاً ، ولو كان من المستحبات ، لا يتركه ، ولو حصل له عارض منعه من أدائه ،
قضاه بعد زوال المانع ، قالت رضي الله عنها : كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا
صلى صلاة أحب أن يداوم عليها ، وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من
النهار اثنتي عشرة ركعة .
وأمر صلى الله عليه وسلم من فاته شيء من عمل صالح أن يقضيه ، فقال : ((من فاته شيء
من ورده من الليل ، فقرأه مابين صلاة الفجر إلى الظهر فكأنما قرأه من ليله)) .
وللمداومة على الطاعة ثمرات جليلة ؛ فمنها : امتثال أمر الله
تعالى ، والقيام بحقه ، الذي من أجله خلق الخلق، والبعد عن الغفلة التي بسببها يترك
الإنسان المأمور ، ويقع في المحظور ، والمداومة سبب محبة الله عز وجل عبده، وسبب
حفظ الله له : (( احفظ الله يحفظك )) ، وهي من أعظم أسباب حسن الختام ، نسأل الله
حسنه .
قال الله تعالى – في حق المداومين على طاعته – : [ يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوةِ الدُّنيَا وَفِي الأَخِرَةِ
وَيُضِلُّ اللهُ الظَّلِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَآءُ ] .
ومن أعظم أسباب استمرار العبد على العمل الصالح : إخلاص
التوجه في عبادته لله تعالى ، وقوة عزيمته على عدم الانقطاع ، واتباع السنة في
التوسط ، بعيداً عن التفريط والإفراط .
قال الله تعالى [ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأَتِيَكَ الْيَقِينُ ] أي: داوم على
عبادة ربك حتى يأتيك الموت ، فإن طاعة الله تعالى ، بامتثال أمره ، واجتناب نهيه لا
منتهى لها دون الموت .
وها أنت – يا أُخي – قد وفقك الله تعالى لفعل الطاعات في شهر
رمضان ، فلا تحرمن نفسك الأجر بالانقطاع عنها بعد رمضان ، فإن ربّ رمضان هو ربّ
شوال ، وربّ كل الشهور ، فاتق الله حيثما كنت .