اعتاد بعض النَّاس ، جزاهم الله خيراً ، المجاورة في رمضان بقرب الحرم ،
أو الاعتكاف في العشر الأواخر منه فيه ، وهذا فعل حسن ، وسنة ماضية ،
وشعار لبعض الصالحين من عباد الله تعالى .
إلاَّ أنَّ الناظر في أحوال بعض هؤلاء المجاورين والمعتكفين يرى عدم قدرة على
التوفيق
بين حقوق الأهل والمجاورة أو الاعتكاف ، حيث يعيشون تلك الأيام والليالي الفاضلة
بين
إفراط أو تفريط ، فإمَّا أن يُمضي الواحد منهم كلَّ أو جُلَّ وقته في الحرم ، يصلي
، ويقرأ
القرءان ، ويُكثر من الذكر ، ويُهمل أهله ، لا يضع لهم برنامجاً للطاعات في الحرم
معه،
فيحرمهم من الخير الكبير الذي يقوم به ، وكأن فعل الطاعات أمر خاص بالرجال ، أمَّا
الأهل والأبناء فلا حاجة لهم في ذلك عنده ، فيتجهون إلى بعض الأمور المخلة بالمروءة
والآداب أو ما هو أشد ، فترى النساء يجبن الأسواق متبرجات بكلِّ زينة ، والصلاة
مقامة
في الحرم ، والأبناء يسرحون ويمرحون ، كلٌّ على شاكلته ، وربُّكم أعلم بمن هو أهدى
سبيلاً .
وبعض المجاورين لا يحضر إلى الحرم إلا لصلاة العشاء والتراويح ، ويمضي جلَّ وقته
مع أهله وأبنائه في سكنه الذي اكتراه ، بل بعضهم يقف على الشُرفة يتفرج هو وأهله
على المصلين في ذهابهم وإيابهم إلى الحرم ، وكأنَّه غير مطالب بمشاركتهم .
وكلا الطرفين فعله غير صحيح ، والصحيح أنَّه لا بدَّ من التوفيق بين الأهل وبين
العبادة في الحرم ، فإن عَلِم المعتكف أو المجاور أنَّه هو وأهله وأبناؤه سيمضـون
وقتهم في الخير ؛ يصلون ، ويقرؤون ، ويطوفون ، وتحافظ النساء على احتشامهن
وتسترهن ، فهذا اعتكافه ومجاورته فعل حسن ، وإن علم أنَّه لن يشارك المسلمـين
في الخير الذي هم فيه ، أو لا يمكنه السيطرة على أهله وأبنـائه ، فمكثه في وطنه
مع أهله وأبنائه خير له من مجاورة أو اعتكاف تقع بسببه هذه المخالفات .