إنَّه انتقال لم يُعهد له مثيل ، إسراءٌ بليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ،
ثمَّ عروج إلى الملأ الأعلى ، وملكوت السماء ، ومشاهداتٌ لأياتِ ربِّه الكبرى ،
وعودةٌ إلى فراشه صلى الله عليه وسلم قبل طلوع فجره .
إنَّها آيةٌ كبرى ومعجزةٌ عظمى ، تضمنت آياتٍ عظامٍ وأحداثٍ جسام ، فالحديثُ عنها
معجز ،
ومحاولةُ بيانها فوق حدود البيان ، لأنَّ أحداثها قد جاوزت الأحداث ،وتصورها أبعد
من رسومِ التصور.
وهي ـ في جملتها ـ فوق طاقة العقل ، لولا الهداية بنور الإيمان ، والاستناد إلى قوة
حجة البرهان ، وَصِدْقِ ما جاء فيها من نصوص السنة والقرآن .
ولقد أعظم القرآن بيانه ، فاستهل الحديثَ عنه بسبحانه ، فسبح الله تعالى نفسه
إشعاراً لكماله ،
وإبعاداً لتوهمِ استبعاده وبطلانه ، وأضاف عبده إليه تعظيماً لشأنه . وجعل منطلق
الرحلة
البيت الحرام ، ومقصدها المسجد الأقصى ، ومنتهاها سدرة المنتهى ، أشرف بقاع الأرض
ومنتهى منازل السماء . فهي بحقٍّ كبرى المعجزات ، ومشاهدها أكبر المشاهدات ، فهي في
نفسها آية ، وقد اشتملت على آيات .
[ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا
حوله
لنريه من آياتنا إنَّه هو السميع البصير ]
كانت رحلة محاطة بعناية الله ، يحفظه ويرعاه ، فهو السميع لا يخفى عليه شيءٌ ،
وهو البصير لا يغيب عنه شيء فأُسري به صلى الله عليه وسلم تحت سمعه وبصره سبحانه .
ولقد هيأه الله لهذا المقام ، بما أجراه له عند المقام من شق صدره ، وامتلاء قلبه
بما جعله أهلاً
لتلك المنازل التي لم تنزل قبله ، وثبت بصره حينما رأى ما يبهر العقول ، ويزيغ
الأبصار ،
ويخلب الألباب والأفهام [ إذ يغشى السدرة ما يغشى ، مازاغ البصر وما طغى ، لقد رأى
من
آيات ربِّه الكبرى ] .
من رسالة الإسراء والمعراج لفضيلة الشيخ عطية محمد سالم