ونواصل حديثنا عن وضع المرأة قبل الإسلام ، فنجد أنَّ العربي مع نخوته وحميته ،
واعتزازه بوالدته ، وبنساء قبيلته - أحياناً - إلا أنَّ بعده عن الحنيفية السمحة ،
وتقديمه عوائد القبائل جعله يتخبط في باب مكانة المرأة ، كغيره من البشر ، حينما
ينحرفون عن دين الله تعالى .
فقد كانت المرأة عابدة للأوثان ، لكونها جزءً من مجتمع هذا دينه ، وكانت إذا حجت مع
قومها حجت عارية ،
حتى قالت إحداهن ، وهي تطوف :
اليوم يبدو بعضه أو كله *** فما بدا منه فلا أحله
وكان كره العرب للمرأة معلوم ، حتى أنَّ الله تعالى ذكر ذلك في كتابه فقال : [
ويجعلون لله ما يكرهون ] أي : البنات .
وكان الواحد منهم إذا رزق بالأنثى اسود وجهه كرهاً لما رزقه الله ، قال تعالى [
وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم . يتوارى من القوم من سوء ما بشر
به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ] .
وكان منهم من يئد البنت ، حتى جاء عن قيس بن عاصم أنه وأد ثلاث عشرة من بناته ، حتى
أنزل الله فيهم
[ وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت ] .
وكانت المرأة في الجاهلية تسير أمام الرجال مبدية مفاتنها ، ومعلوم ما وراء التبرج
من فتن وفساد وفجور ،
ولم تكن كثير من صور الزواج عندهم بمعزل عن هذا الفساد ،
فقد روى البخاري في صحيحه : عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، قالت :
إنَّ النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء :
فنكاح منها نكاح الناس اليوم ، يخب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم
ينكحها ،
ونكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها ، أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه
، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبداً حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه ،
فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب ، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد فكان
هذا النكاح نكاح الاستبضاع ،
ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها ، فإذا حملت
ووضعت ومر ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم ، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى
يجتمعوا عندها ، تقول لهم : قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك ، يا
فلان ، تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها ، لا يستطيع أن يمتنع به الرجل،
ونكاح رابع يجتمع الناس فيدخلون على المرأة ، لا تمنع من جاءها ، وهن البغايا ، كن
ينصبن رايات على أبوابهن تكون علماً فمن أرادهن دخل عليهن.