تعقيب على
مقال الأستاذ رجاء جمال
اطلعت على ما سطره يراع الأستاذ رجاء بن أحمد جمال في ملحق الرسالة في 28/8/1424هـ
حيث قدم نصيحة رقيقة للأستاذ عمرو خالد تفيض أدباً ورقة ونصحاً للعباد، فجزاهما
الله خيراً، وهكذا ينبغي أن يكون التنبيه والنصح بالكلمة الطيبة مع عدم المحاباة
فإنّ حبّنا لشخص يزيد من حرصنا على نصحه، وحبّنا لدين الله مقدم على حبّنا للأشخاص،
وكلّنا أصحاب سفينة واحدة إن تركنا من يعمل في خرقها غرقنا جميعاً، والكلمة المعلنة
المنشورة بين النّاس تخرج من ملك قائلها، وتحتّم أن تكون النصيحة حينئذ معلنة
منشورة يسمعها كلّ من يُظنّ أنّه سمع الخطأ.
ومما قاله الأستاذ رجاء بن أحمد جمال في مقاله، ولله درّه: أعراض أمّة محمّد صلى
الله عليه وسلّم ليست للتفصيل والخياطة.
أمّا تعليقي فهو:
أولاً: الخطبة: التماس زواج امرأة يحل للمتقدم التزوج بها، وهي وعد بعقد الزواج غير
ملزم للطرفين، ولكل منهما الرجوع عنه، ولا يلتزم الطرفان بأي التزام مالي، أو تعويض
وإن وعد به، بل لو قدم إليها هدية ورجع يطلبها ما أهداها فهديته ترد عليه،
والمخطوبة تظل أجنبية عن خاطبها، لا يحل له أن يستمتع منها بخلوة، أو تلذذ بخضوع
قول، أو نظر، إلاّ ما ورد الإذن به من رؤيتها كما سيأتي، بل اختلف العلماء في
الخطبة هل هي مباحة أم مستحبة؟ ما دامت وعداً غير ملزم، وكلهم متفقون على أنّ
النكاح لو تم بدون خطبة فهو صحيح.
لذلك فإنّ جميع الوعود التي تقدم بالزواج، والهدايا التي تقدم للعروس، أو العروسين،
وما يسمى ((قراءة الفاتحة)) وهو ليس من الشرع في شيء، كل هذا غير ملزم ويظل مجرد
وعود وإظهار للرضا.
ومما راعته الشريعة هاهنا: أنّه كما يشرع إعلان النكاح، فإنه يسن إخفاء الخطبة،
استعانة بقضاء الحوائج بالكتمان، ولأنّ حفظ الأعراض عن قالة السوء قد راعته الشريعة
حتى لا يتناول بعض ضعاف النفوس المرأة التي تركها من خطبها بألسنتهم، فكيف بجلوس
الخاطب معها، وقضائه الوقت في الحديث والتعرف عليها كما يزعمون!
ثانياً: ذهب بعض العلماء إلى استحباب نظر الخاطب إلى من خطبها، وبعضهم ذهب إلى
إباحته بدون استحباب، وذهب الإمام مالك رحمه الله في رواية إلى منعه سداً للذريعة.
ومما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الإرشاد إلى النظر: قوله: ((اذهب فانظر
إليها، فإنه أجدر أن يؤدم بينكما)).
والنظر إلى المخطوبة يجعل المقدم على الزواج يقدم عليه وهو يعلم صفة من سيتزوجها،
وهو أنفى للغرر، وسبب لطول المودة بين الزوجين، وسبب لقطع التردد في الإقدام، أو
الإحجام.
ثالثاً: يشترط لإباحة النظر: أن تكون المنظور إليها ممن تُرجى إجابتها رجاء ظاهراً،
أو غلب على ظنه أن توافق وأولياؤها على نكاحه، أما إذا لم يرج ذلك، أو غلب على ظنه
أنها لا توافق، أو لا يوافق أولياؤها فإنّه يحرم عليه النظر.
ومما بينه الفقهاء رحمهم الله تعالى في هذا: أن النظر إلى من يريد خطبتها مقيد
بإقامة السنة في النظر، فينظر الراغب في الخطبة اتباعاً لإرشاد رسول الله صلى الله
عليه وسلم، ولا يحق له أن يكون نظره بقصد التلذذ بالنظر إلى من يريد خطبتها، فإنه
حرام، لأنّ من ينظر بتلذذ ينظر لقضاء شهوته لا لإقامة السنة؛ ومن أقوال فقهاء
المذاهب الأربعة في ذلك: قال ابن عابدين رحمه الله: المقصود إقامة السنة لا قضاء
الشهوة. وقال ابن مرزوق رحمه الله: يجب سـتر الوجـه والكفين إن خشـيت فتنة من نظره
إليها. وقال الدسوقي رحمه الله: ندب إن لم يقصد لذة وإلا حرم. وقال الشيخ مرعي رحمه
الله: ويحرم النظر لشهوة، أو مع خوف ثورانها، ويحرم التلذذ بصوتها ولو بقراءة،
وتحرم الخلوة.
رابعاً: ذهب أكثر الفقهاء إلى أنّه يجوز للخاطب أن ينظر إلى من يريد خطبتها إلى
وجهها وكفيها، وهو مذهب الإمامين مالك الشافعي، ورواية عن أحمد، وزاد بعضهم: وينظر
إلى قدميها من الكعبين فما دون، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة، وزاد بعضهم: وينظر إلى
الرقبة، وهذا مذهب الإمام أحمد.
خامساً: بين الفقهاء أنّ النظر إلى من يريد خطبتها يكون مرة واحدة، ولا يجوز له أن
يراها أكثر من ذلك، لكنهم اختلفوا هل يجوز له تكرار النظر إليها في أول مرة يراها،
فذهب بعضهم إلى جواز تكرار النظر إلى أن يتبين هيئتها، ثم يكف عن النظر إليها
وجوباً، قال ابن عابدين رحمه الله: لو اكتفى بالنظرة الأولى حرم الزائد، لأن النظر
أبيح للضرورة فيتقيد بها.
سادساً: الخلوة بالمخطوبة: قد علمنا أنّ المخطوبة أجنبية عن الخاطب، لا يجوز له
النظر إليها إلا ما ذكرناه سابقاً، ولا يجوز له الخلوة بها، ولو كانا من اتقى خلق
الله تعالى، ولو كانت المرأة شوهاء، أو عجوزاً، لقول رسول الهدى محمد صلى الله عليه
وسلم: ((ما خلى رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)) وقوله صلى الله عليه وسلم:
((لا يخلون رجل بامرأة)) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إياكم والخلوة بالنساء))
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه)). وقد عدها
ابن حجر في كتابه ((الزواجر عن اقتراف الكبائر)) الكبيرة الثانية والأربعين بعد
المائتين، وفي وصية أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز للتابعي الجليل ميمون بن مهران
رحمهما الله، قال: يا ميمون، لا تخل بامرأة لا تحل لك، وإن أقرأتها القرآن.
سابعاً: ما يدعيه بعض الناس من أن فترة الخطبة فرصة ليتعرف كل من المقدمين على
الزواج على بعضهما، هذا ادعاء يكذبه الواقع، إذ من المعلوم حتى عند من تزوج بهذه
الطريقة أنّ ما كانا يريانه من بعضهما لم يكن يتعدى المظاهر الخادعة، وإظهار الأفضل
والأكمل من كل منهما، ومحاولة تغطية جميع التصرفات غير الحسنة بالكلام المعسول
والمجاملات، حتى يظل كل منهما يعيش في حلم لا ينطلق من حقيقة يعيشها الطرفان، ويظل
كل منها يتصور أنه سيقترن بأفضل الناس طراً، ثم إذا دخل بها وجد الأوهام والأحلام
قد تبددت، وظهرت الأمور على حقيقتها، وذهب الهندام المتكامل، والرائحة العطرة،
والأخلاق التي تملأ الجو إنساً، والسلوك الذي يقطر عسلاً.
بينما الحق في التعرف على المتقدم لا يكون إلا بعين العقل بعيداً عن العواطف، ويكون
ذلك بالنظر إلى البيئة التي جاء منها المسؤول عنه، فإن الإنسان في الغالب ابن
بيئته، وبالسؤال عن الأسرة التي ينتمي إليها، فإن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة،
وبالسؤال عن القرناء، لأن القرين بالمقارن يقتدي، وبالسؤال عن دينه وخلقه وسلوكه.
وهكذا تكون الخطبة طريقاً لبناء أسرة مسلمة، ولبنة صالحة، وبيت ترفرف عليه الفضيلة؛
تمتلىء جوانبه بالطهر، ويعطره العفاف، ويؤتي ثماره الحسنة؛ لا سبيل للشيطان ليوسوس
لأفراده، فلا نظر محرم، ولا خلوة مشينة، ولا اختلاط مستهتر مما وفد علينا من شرق،
أو غرب، هذه الخطبة بضوابطها الإسلامية هي التي تمنع الوقوع في الفواحش، وتسهل
الاقتران بالحلال.
والله الموفق والهادي إلى سواء الصراط.
بقلم / أحـمــد بن عبـد العــزيـز الحـمدان
مدير مركز الدعوة والإرشاد بمحافظة جدة
تاريخ إضافة المقال:2008-03-01 11:14:12