مقدمة
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات
أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلا الله
وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم أما بعد :
فإن الزواج يعني إضافة لبنة جديدة من لبنات المجتمع المسلم ، ودعامة جديدة من
دعائمه ، فحق على هذا المجتمع أن يحتفل ببناء هذه اللبنة ، ويبارك وجودها ويسر لها
، ويحوطها بمظاهر الفرح والابتهاج ، ويقدم لها القواعد والآداب التي لابد أن تلتزم
بها قبل ، وبع ، وفي أثناء بنائها ، حتى تكون لبنة قوية ، مشاركة في تكوين الإسلامي
المنشود .
وفي هذه الصفحات وضعت لك خطوطاً عريضة لهذه القواعد والآداب ، التي ينبغي أن يلتزم
بها الزوجان قبل ، وبعد ، وفي أثناء زواجهما ، أقدمها هدية لكم مع خالص الدعاء
بالتوفيق للجميع
* لماذا الزواج
سؤال غريب ، وقل أن يفكر أحد فيه ، وذلك لظن الكثيرين أن الإجابة عليها سهلة ميسورة
، إلا أن القارئ لهذه الأسطر سيجد فيها ما هو جدير بالتأمل ، وإعادة التفكير جدياً
، لأن الإجابة مهمة ، وعليها تنبني صياغة الأسرة التي ينشد أعضائها السعادة في
الدارين .
- وإليك الإجابة عن لماذا الزواج ؟
أولاً : أنه امتثال لأمره سبحانه وتعالى : [ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ]
وقوله : [ وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ] .
ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم ، ولا تكونوا
كرهبانية النصارى ) . وسعادة المؤمن وقرة عينة في طاعة الله ورسوله صلى الله عليه
وسلم .
ثانياً : حفظ النسل البشري ليعمر الأرض ، ويحقق الهدف الذي من أجله خلقه الله ، وهو
العبادة.
ثالثاً : لأن في الزواج تلبية مأمونة لحاجة الغريزة بين الرجل والمرأة ، التي إن
توفرت حصلت العفة ، وإن لم تتوفر حصلت الخيانة التي فيها دمار الأمة ، قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم عن الزواج ( إنه أغض للبصر وأحصن للفرج ) .
رابعاً : المحافظة على الأسباب ، ولولا ذلك لعج المجتمع بالأولاد غير الشرعيين ،
الذين بهم تضيع الأخلاق الكريمة الفاضلة ، وتزرع وتنشر الرذيلة والفساد .
خامساً : لأنه بالزواج تكون الأسرة التي تحضن الأطفال ، وتربيهم وتعلمهم ، التعليم
الذي لا غنى لهم عنه ، ويعرفون بها الحنان والألفة والمودة والرحمة ، التي إن
فقدوها في نشأتهم تسبب عن فقدهم لها خلل يصاحب الإنسان في جميع مراحل حياته ، فيصبح
مخلوقاً لا يعرف الرحمة والألفة ن وبذلك تكثر الجرائم وينتشر الفساد .
سادساً : حصول السكن النفسي الذي يسعى له كل إنسان ، وإلا أصبح قلقاً مضرباً ، لا
يعرف الاستقرار ، قال تعالى : (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا
إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) .
سابعاً : الإكثار من عدد أفراد أمة محمد صلى الله عليه وسلم حتى تكون لهذه الأمة
هيبتها وعزتها ، التي أرادها الله لها ، وحتى تحصل المباهاة التي أحبها رسول الله
صلى الله عليه وسلم حيث قال : ( تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم ).
ثامناً : أنه حماية للمجتمع من الأمراض الخلقية ، والأمراض الجنسية التي يعاني منها
المجتمع الدولي ، يوم أن ترك الاهتمام بأمر الزواج ، وفرط في نظامه .
فإذا نوى الرجل والمرأة الزواج فعليهما أن ينويا بزواجهما هذه الأمور التي ذكرت ،
أو بعضها ، حتى يؤجر لك منهما على زواجه ، قال صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال
بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ). وقال صلى الله عليه وسلم : ( وفي بضع أحدكم
صدقة ).
********************
كيف نختار الزوجين ؟
وضع الإسلام قواعد دقيقة لاختيار الزوجين ، حتى تكون الحياة الزوجية ناجحة ، مبنية
على التوافق والتفاهم والمحبة تكون أسرة يتربى فيها الأولاد على الإيمان والخلق
الكريم ، والنفسية المطمئنة الصافية ، فمن هذه القواعد :
- أولا : أن يكون اختيار الزوجين على أساس الدين ، فلا بد أن يختار الرجل المرأة
الصالحة في دينها وخلقها ، ولا تقبل المرأة إلا الرجل الصالح في دينة وخلقه ، قال
تعالى : [ وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم
الله من فضله والله واسع عليم ] .
وقال صلى الله عليه وسلم ( فاظفر بذات الدين تربت يداك) .
وأمر صلى الله عليه وسلم أولياء المرأة بعدم رد من يأتيهم خاطباً إذا كان صالحاً
فقال : ( إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه ، إن لا تفعلوا تكن فتنه في الأرض
وفساد عريض) وأي فتنة وفساد أعرض من رد الخاطب الصالح لأي اعتبار من الاعتبارات
الدنيوية ، وقبول الخاطب غير الصالح من أجلها ؟ حتى تقع المرأة المسكينة بين براثن
رجل غير صالح فيجبرها على الفساد ، فتصبح الأسرة كلها على غير الهدى ، والسبب كان
من سوء الاختيار .
- ثانيا : أن يكون اختيار الزوجين من أسرة معروفة بصلاحها وشرفها وحسن خلقها ، لأنه
ستكون للزوجين علاقة قوية بأسرة كل منهما ، فأسرة الزوج الأعمام والأجداد ، وأسرة
الزوجة الأخوال والأجداد ، فإذا كان هؤلاء أو هؤلاء من منبت سوء فإن الغالب تأثر
الزوجين والأبناء بمن حولهم ، وحينئذ تقع المشكلات ، وإن كانت الأسرتان صالحتين
أعانت الزوجين وأبناءهما على الخير .
- ثالثاً : إذا كان الرجل شاباً فيستحب أن تكون الزوجة بكرا ، وليس ذلك نقصاً في حق
الثيب ، ولكن ذلك حماية للأسرة مما قد ينغص عيشها من خصومات وعداوات ، وذلك أن
الثيب لا تكون كالبكر في الألفة والأنس ، والتعلق القلبي ، أما الرجل الذي يكبر
الثيب سنا وقد جرب الزواج مثلها فإنه يحصل بينه وبينها من الألفة والمودة مالا يحصل
بينها وبين الشاب . وهذا في الأغلب .
- رابعا : أن يختار الزوج زوجة ولودا ( تنجب الأولاد ) ويستطيع أن يستدل على ذلك
بسلامتها من الأمراض ، وبالنظر إلى حال أمها وأخواتها ، فإن كن من النوع الولود ،
فعلى الغالب تكون هي مثلهن ، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك حيث قال :
( تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم ) .
********************
أحكام وآداب الخطبة
أولا : إذا وجد الرجل المرأة التي تنطبق عليها الشروط التي ذكرنا ، وتقدم الرجل
الذي تنطبق عليه تلك الشروط لخطبة امرأة ، فعليهما أن يستخيرا الله عز وجل ، كما
أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، قال جابر رضي الله عنه : كان النبي صلى
الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن : ( إذا هم
أحدكم بالأمر فليركع ركعتين _ من غير الفريضة _ ثم يقول : اللهم إني أستخيرك بعلمك
واستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ،
وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي ، وعاقبة
أمري ، فاقدره لي ، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي ، وعاقبة أمري
، فاصرفه عني ، واصرفني عنه ، واقدر لي الخير حيث كان ، ثم رضني به . ويسمي حاجته )
.
ثانيا : إذا عزم الرجل على الخطبة فيسن له أن يرى من يريد خطبتها ، لقوله صلى الله
عليه وسلم : ( انظر إليها ، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) أي أحرى أن تدوم المودة
بينكما .
ويكون النظر في مجلس واحد لا يتكرر ، بدون خلوة ، ولا يبدو منها إلا الوجه والكفان
، لأن الوجه مصباح البدن ، به يعرف جمال المرأة ، واليدان يعرف منهما خصوبة البدن .
ويجوز أن يسمع صوتها ، ولا يجوز أن يصافحها لأنها ما زالت أجنبية عنه ، ثم ينقطع
عنها وتنقطع عنه حتى يتم عقد النكاح .
ثالثاً : لا يجوز للرجل أن يقدم على خطبة امرأة وهي في العدة ، أو وهو يعلم أنها
مخطوبة ، لأن ذلك يولد العداوة والبغضاء بين المسلمين ، إلا إذا علم أن الخاطب قد
صرف نظره عنها ، أو أنهم ردوه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يخطب أحدكم على
خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك ) .
رابعاً : من التقاليد الغربية الوافدة علينا ( خاتم الخطوبة ) ففيه تشبه بالكفرة ،
لذلك فإن على المسلم أن يبتعد عن هذه العادة ، أما إذا كان الخاتم من ذهب فإن حرمته
تكون شديدة ، قال صلى الله عليه وسلم لما رأى خاتم ذهب في يد رجل : ( يعمد أحدكم
إلى جمرة من نار فيجعلها في يده ) .
خامساً : الشورى ، من الأمور التي ينبغي الاعتناء بها عند الإقدام على الموافقة على
الخطبة ، قال تعلى : [ وأمرهم شورى بينهم ] وعلى من استشير في هذه المسألة أن يصدق
القول فيها ، فبين ما يعرفه من خير أو شر ، فإن ذلك من باب إسداد النصح للمسلمين ،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الدين النصيحة ).
سادسا : يجوز أن يعرض المسلم ابنته أو أخته على من يراه من أهل الخير والصلاح من
الرجال ، وهذا الأمر لا يعد نقصا في حقه ، فإنه كما يستحب للرجل أن يبحث عن المرأة
الصالحة ، كذلك يستحب أن يبحث عن الرجل لصالح ، وقد فعل ذلك من هم خير منا ، صحابة
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد عرض عمر رضي الله عنه ابنته على أبي بكر وعثمان
رضي الله عنهما . ولما خطب عبد الملك بن مروان ابنة سعيد بن المسيب لابنه الوليد
رفض ابن المسيب رحمه الله أن يعطيه ابنته ، مع أنه خليفة ابن خليفة ، وعرضها على
أحد تلامذته الفقراء ، وهو عبد الله بن أبي وداعة ، وزوجه ابنته بدرهمين ، لأن ابن
أبي وداعة رجل تقي نقي ، عالم عابد .
سابعا : أن يهدي الخطيب لمخطوبته هدية بمناسبة قبوله زوجا لها ، فإن في ذلك جلبا
للمحبة ، وتبادلا للود ، قال صلى الله عليه وسلم : ( تهادوا تحابوا ) .
********************
أحكام وآداب عقد القران
أولا : شروط النكاح خمسة : الأول : تعيين الزوجين ، كل منهما باسمه أو صفته .
الثاني : رضى الزوجين .
الثالث : وجود الولي ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا نكاح إلا بولي ) .
الرابع : شهادة ذكرين مسلمين مكلفين . الخامس : خلو الزوجين من الموانع .
ثانيا: لعقد القران ركنان : الأول : الإيجاب ، وهو أن يقول ولي المرأة لمن تقدم لها
: زوجتك ، أو نكحتك موليتي فلانة . الثاني : القبول ، وهو أن يقول الزوج : قبلت أو
رضيت هذا النكاح .
ثالثاً : المهر : ينبغي أن يكون قليلا ، لا يغالى فيه ، حتى يسهل الزواج ، ويبارك
فيه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن من يمن المرأة تيسير خطبتها ،
وتيسير صداقها ن وتيسير رحمها )
وخطب عمر رضي الله عنه فقال : ألا لا تغالوا في صدق _ أي مهور _ النساء ، فإنها لو
كانت مكرمة في الدنيا ن أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم
، ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه ، ولا أصدقت امرأة من بناته
أكثر من ثنتي عشرة أوقية .
********************
أحكام وآداب ليلة الزفاف
المقصود من الاحتفال بهذه الليلة ، وصنع الوليمة فيها ، إظهار الفرح والسرور بهذا
الزواج ، وإعلان النكاح حتى يعرف الناس ذلك ، ودعوة أهل الخير والفضل والصلاح
للمشاركة في هذه الليلة ، وطلب دعائهم ن ودعوة الأقارب الذين بهم توصل الأرحام .
إذا علمنا ذلك ، وفهمناه ن تبين لنا أن ما يقع فيه كثير من الناس _ هداهم الله _ من
المغالاة في إظهار الزفاف ، والتنافس في ذلك ، وإنفاق الأموال الطائلة فيه ، التي
غالباً ما ترهق كاهل الزوج ، كل ذلك ليس من الإسلام في شيء ، بل هو من التبذير الذي
نهى الله عز وجل عنه فقال :[ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه
كفورا ] .
ومن أحكام وآداب هذه الليلة :
أولا : يستحب لأهل العروسين نصيحتهما ، وإهداء ما عندهم من خبرات للزوجين ، وأمرهما
بتقوى الله عز وجل ، زمن أحسن النصائح التي قرأتها في هذا الباب ، قول امرأة تنصح
بنتها : يا بنتي ، أنت مقبلة على حياة جديدة ، حياة لا مكان فيها لأمك أو أبيك ، أو
لأحد من إخوتك فيها ، ستصبحين صاحبة لرجل لا يريد أن يشاركه فيك أحد ، حتى لو كان
من لحمك ودمك .
كوني له زوجة _ يا ابنتي _ وكوني له أما . اجعليه يشعر أنك كل شيء في حياته . اذكري
دائما أن الرجل طفل كبير ، أقل كلمه حلوة تسعده . لا تجعليه يشعر أنه بزواجه منك قد
حرمك من أهلك وأسرتك ، إن هذا الشعور نفسه قد ينتابه هو ، فهو أيضا قد ترك بيت
والديه ، وترك أسته من أجلك ، ولكن الفرق بينك وبينه ، هو الفرق بين المرأة والرجل
.
المرأة دائما تحن إلى أسرتها ، إلى بيتها الذي ولدت فيه ، ونشأت ، وكبرت ، وتعلمت ،
ولكن لا بدّ لا أن تعود نفسها على هذه الحياة الجديدة ، لابدّ لها أن تكيف حياتها
مع الرجل الذي أصبح لها زوجا ، وراعيا ، وأبا لأطفالها .
هذه هي دنياك الجديدة _ يا ابنتي _ هذا هو حاضرك ومستقبلك ، هذه هي أسرتك التي
شاركتما أنت وزوجك في صنعها ، أما أبواك فهما ماض . إنني لا أطلب منك أن تنسيهما ،
لأنهما لن ينسياك أبدا يا حبيبتي ، وكيف تنس الأم فلذة كبدها ، ولكني أطلب منك أن
تحبي زوجك ، وتعيشي له ، وتسعدي بحياتك معه .
ثانيا : يشرع أن يصنع وليمة لعروسه ، لقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف
رضي الله عنه لما تزوج : ( أو لم ولو بشاة ) وليحذر التكلف والإسراف .
ثالثا : يستحب لأقارب الزوج وأصدقائه معاونته في تكاليف الزواج ، وخاصة الموسرين
منهم ، كل بحسبه ، لقوله صلى الله عليه وسلم للمسلمين يوم زواجه : ( من كان عنده
شيء فليجيء به ) وبسط نطعا ، فجعل الرجل يجيء بالأقط ، وجعل الرجل يجيء بالتمر ،
وجعل الرجل يجيء بالسمن … .
رابعا : لا يخصص الأغنياء بالوليمة دون الفقراء ن فإن ذلك منهي عنه ، قال صلى الله
عليه وسلم : ( شر الطعام ، طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويمنعها المساكين ) .
خامسا : يجب إلى من دعي إلى وليمة عرس أن يجيب الدعوة ، لقوله صلى الله عليه وسلم :
(ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله) إلا أن يكون في مكان الدعوة منكر لا يقدر
على إزالته ، كخمر ، أو موسيقى فلا يجوز له الحضور .
سادسا : يستحب لمن حضر الدعوة أن يقول بعد الفراغ من الطعام : ( اللهم بارك لهم
فيما رزقتهم ، واغفر لهم وارحمهم ) أو : ( أفطر عندكم الصائمون ، وأكل طعامكم
الأبرار ، وصلت عليكم الملائكة ) .
سابعا : يستحب أن يدعو للعروسين بالخير والبركة ، فيقول : ( بارك الله لك ، وبارك
عليك ، وجمع بينكما في خير ) .
ثامنا : يستحب للجميع إظهار الفرح والسرور في العرس ، ويجوز للنساء الغناء بدون
آلات موسيقية ، ويجوز لهن الضرب بالدف فقط ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( فصل ما
بين الحلال والحرام الصوت بالدف ) أي أن إظهار العرس ، ودعوة الناس إليه أمر يبين
أن اجتمعا هذين الزوجين عن طريق مشروع حلال لا عن سفاح ، وضرب الدف من أبرز الأمور
التي تبين ذلك .
تاسعا : الابتعاد عن منكرات الأفراح ، وهي منكرات في كل وقت إلا أن وقوعها في
الأفراح أكثر من لذلك نبهنا عليها هنا ، فمنها :
1_ اختلاط الرجال بالنساء ، لا سيما عند دخول الزوج على زوجته ، وهو ما يسمونه بـ (
النصة ) يأتي فيها الرجل فيقف أمام النساء ، فيفتن ويفتتن ، وينظر إلى النساء وهن
في كامل زينتهن ، وينظرن إليه وهو في كامل زينته ن ويتأملن منظره وجماله أو قبحه ،
وتحصل الفتنة ن والغيبة ن فيصفنه بالطول أو القصر ، وبالسمن أو الهزل ، وبالجمال أو
القبح وهكذا .
وهذه العادة قد تفشت حتى ما يكاد يسلك منها إلا القليل ، فعلى المسلمين الحذر من
ذلك ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إياكم والدخول على النساء ) .
2_ من المنكرات إقامة حفل الزفاف في ساعة متأخرة من الليل ، وهذا يؤدي في كثير من
الأحيان إلى تفويت صلاة الفجر .
3_ من المنكرات تصوير ليلة العرس ، والتصوير أمر منكر ، بل من كبائر الذنوب ن قال
صلى الله عليه وسلم : ( أشد الناس عذابا يوم القيامة : المصورون ، يقال لهم أحيوا
ما خلقتم ) هذا مع ما فيه من خطورة وقوع صورة النساء في أيدي رجال لا يخافون الله
فيهن .
4_ من المنكرات الأغاني المصحوبة بالموسيقى ، وقد حذر منها الله عز وجل فقال : [
ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ] وقال صلى الله عليه
وسلم : ( ليكونن من أمتي أقام يستحلون الحر ، والحرير ن والخمر ، والمعازف )
والمعازف جمع معزفة ، وهي كل آلة غناء .
5_ من المنكرات ما يفعله النساء بأنفسهن من زينة قد نهى الشارع عنها ، مثل : إزالة
شعر الحواجب ، أو ترقيقهما ، وتفليج الأسنان بالمبرد ، لقوله صلى الله عليه وسلم :
( لعن الله الواشمات والمستوشمات ، والناصمات ، والمتنمصات ، والمتفلجات للحسن ،
المغيرات خلق الله ) وكذلك : إطالة الأظفار ، وصبغها بالمناكير تشبها بغير المسلمات
، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من تشبه بقوم فهو منهم ) ولأنه صلى الله عليه وسلم
وقت لأمته قص الأظافر أن لا يتركوها أكثر من أربعين ليلة . وكذلك : لبس الباروكة ،
لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله الواصلة والمستوصله ) .
********************
أحكام وآداب خلوة العروسين
أولا : يستحب للزوج أن يلاطف زوجته ليلة الدخول بها ، بأن يحدثها حتى تأنس به ، أو
يقدم لها شرابا كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثانيا : يستحب له كذلك أن يضع يده اليمنى على مقدم رأسها ، ثم يقول كما كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم يأمر : بسم الله اللهم بارك لي في زوجتي ، وبارك لها فيّ ،
واجمع بيننا في خير . اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جلبتها عليه وأعوذ بك من
شرها وشر ما جلبتها عليه .
ثالثا : يستحب أن يصلي بزوجته ركعتين ، تكون هي وراءه ، فإن ذلك أدعى لدوام الألفة
بينهما .
رابعا : إذا أردت أن يأتيها فليقل : بسم الله ، اللهم جنبنا الشيطان ، وجنب الشيطان
ما رزقتنا . فإنه إذا قال ذلك ، وقدر الله بينهما ولدا ، لم يضره الشيطان أبدا ،
كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم .
خامسا : لا يجوز للرجل أن يأتي أهله إلا في موضع الحرث ( الولادة ) . ويجوز له أن
يداعب زوجته كيفما شاء إلا أنه يتقي جماعها حال حيضها ونفسها.
سادسا : إذا كان صباح اليوم التالي للزواج استحب للزوج أن يقابل زوجاته ويدعو لهن
ويدعون له ، إذا كان له زوجات ، قال ، أنس رضي الله عنه : أو لم رسول الله صلى الله
عليه وسلم إذ بنى بزينب ، فأشبع المسلمين خبزا ولحما ، ثم خرج إلى أمهات المؤمنين
فسلم عليهن ، ودعا لهن ، وسلمن عليه ، ودعون له ، فكان يفعل ذلك صبيحة بنائه .
سابعا : يحرم على كلا الزوجين نشر أسرار استمتاعهما لأحد ، لأن ذلك من كبائر الذنوب
، قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما مثل الشيطان لقي شيطانة في طريق
فغشيها والناس ينظرون ) .
********************
حقوق الزوجين
أوضح الإسلام أن حياة الزوجين معا في إطار الأسرة ، إنما قصد بها التعاون على تهيئة
الظروف المثلى ، التي يجد كل منهما في ظلالها طلبته ومبتغاه . فليس الزواج شركة ،
يبتغي كل طرف فيها الربح لنفسه ، و لا يبالي بخسارة غيره ، بل هو ميثاق مؤكد ، وعهد
مشهود بين الزوجين ، أن يعمل كل منهما من أجل الآخر وأن يتعاونا لبلوغ السعادة
المشتركة ، قال تعالى [ هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها ]
.
ولم يرتض الإسلام تمكين أحدهما من ظلم الآخر ن أو إذاقته الهوان ، فهما لم يجتمعا
إلا للتعاون على إقامة الحياة الناجحة .
وعلى هذا المبدأ تقوم الحقوق والواجبات التي قررها الإسلام لكل من الزوجين ، فهناك
حقوق مشتركة بينهما ، وحقوق للزوجة على زوجها ، وحقوق للزوج على زوجته .
* فمن الحقوق المشتركة بينهما :
أولا : التعاون على طاعة الله ، وتذكير بعضهما بعضا بتقوى الله ، ومن أروع صور هذا
التعاون ، ما ذكره لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تعاون الزوجين على قيام
الليل ، حيث يقول : ( رحم الله رجلا قام من الليل فصلى ، وأيقظ امرأته فصلت ، فإن
أبت نضح في وجهها الماء . ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت ، وأيقظت زوجها فصلى
، فإن أبى نضحت في وجهه الماء ) .
ثانيا : إخلاص كل منهما للآخر ، ووفاؤه له ، ومودته ، ورحمته ، تحقيقا لقوله تعالى
[ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن
في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ] .
ثالثا : أن يستشعر كل منهما المسؤولية الملقاة على عاتقه تجاه اللآخر ، ويعلم أنه
مطالب بالقيام بالحقوق التي عليه فيقوم بها على الوجه الأكمل ، قال صلى الله عليه
وسلم : ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ، فالرجل راع في بيت أهله ، ومسؤول عن
رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها ) .
رابعا : أن يتعاون الزوجان على جلب السرور ، ودفع الشرور ما أمكن ، وما أجمل كلمة
أبي الدرداء رضي الله عنه حينما قال لزوجته : إذا رأيتني غضبت فرضني ، وإذا رأيتك
غضبى رضيتك ، وإلا لم نصطحب .
خامسا : أن لا يفشي أحدهما سر صاحبه ، وأن لا يذكره بسوء أمام الناس ، فإن في ذلك
إيذاء لهما جميعا ، وفيه غيبة بغيضة آثمة ، وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم
من ذلك أشد التحذير فقال : ( إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة ، الرجل
يفضي إلى امرأته ، وتفضي إليه ، ثم ينشر أحدهما سر صاحبه ) .
سادسا : أن يعتني كل منهما بمظهره أمام الآخر ، فتتزين المرأة لزوجها ، ويتزين
الزوج لزوجته ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : إني لأحب أن أتزين لامرأتي كما أحب
أن تتزين لي ، لأن الله يقول [ ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ] وقد أوصى رسول الله
صلى الله عليه وسلم الرجل أن لا يدخل على زوجته حتى تتهيأ له وتتزين ، فقال : ( إذا
دخلت ليلا فلا تدخل على أهلك حتى تستحد المغيبة – التي غاب عنها زوجها – وتتمشط
الشعثة ).
وبعض النساء – هداهن الله – لا يتزين لأزواجهن الزينة التي ترغب الزواج فيهن فتجد
الواحدة منهن تستقبل زوجها في بيتها بملابس المطبخ ، ورائحة الطعام تنبعث منها ،
وإذا خرجت إلى الشارع تزينت لغير زوجها ، فينفر منها الزوج ، ويطلب غيرها .
وبعض الرجال - هداهم الله – لا يتزينون لزوجاتهم ، بل تجد الواحد منهم إذا جاء من
عمله ، مكث في البيت ورائحة العرق أو الدخان تفوح منه ، ولا يتنظف لزوجته ، فإذا
خرج للقاء زملائه تجمل وتطيب ، حتى تقع النفرة من زوجته تجاهه .
********************
ومن حقوق الزوجة على زوجها :
* أولا : إعطاؤها مهرها كاملا ، قال تعالى : [ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ] .
* ثانيا : الإنفاق عليها بما تحتاجه من طعام ، وكسوة ، وسكن بحسب قدرته ، قال تعالى
: [ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ] .
بل رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإنفاق على الأهل ، وجعل ذلك أفضل نفقة
ينفقها الإنسان فقال : ( دينار أنفقته في سبيل الله ، ودينار أنفقته في رقبة ،
ودينار تصدقت به على مسكين ، ودينار أنفقته على أهلك ، أعظمها أجرا الذي أنفقته على
أهلك ) .
وحذر صلى الله عليه وسلم أشد التحذير من التفريط في النفقة على الأهل ، لما لذلك من
آثار وخيمة ، قد تضطر الأهل إلى سلوك طريق منحرف للحصول على النفقة فقال : ( كفى
بالمرء إثما أن يضع من يقوت ) .
* ثالثا : معاشرتها بالمعروف ، قال تعالى [ وعاشروهن بالمعروف ] .
وكان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس معاشرة لأهله ، وأخبر أن خير المسلمين أحسنهم
معاملة لأهله فقال : ( خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي ) وقال : صلى الله
عليه وسلم : ( ألا واستوصوا بالنساء خيرا ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يفرك –
أي لا يبغض – مؤمن مؤمنة ، إن كره منها خلقا رضي منها آخر ) فهذا من حسن العشرة ،
لأن التغاضي عن بعض أخطاء الزوجة ونقائصها ، وتذكر ما هي متحلية به من مكارم ومحاسن
، يجعل الحياة الزوجية تستمر . وصدق تعالى إذ يقول [ وعاشروهن بالمعروف فإن
كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ] .
* رابعا : العمل على وقايتها من النار ، وذلك بإقامتها على الحق ، فيأمرها بما أمر
الله ، وينهاها عما نهى الله ، ويعينها على الحق امتثلا لأمره سبحانه : [ يأيها
الذين امنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد
لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون] .
* خامسا : أن يغار عليها الغيرة المطلوبة شرعاً ، وذلك بحفظها عن كل ما يمكن أن
يلحقها من أذى الرجال ، من نظرة أو كلمة أو لمسة .
والغيرة أخص خصائص الرجال الشجعان ، المتحلين بمكارم الرجولة والشهامة ن ولا تنزع
إلا من سافل . وغيرة الرجل تكون بإلزام زوجته بالحجاب الإسلامي ، وإبعادها عن مواطن
الفتن ومنعها من الاختلاط .
* سادسا : أن يعلمها ما تحتاجه من أمور دينها ، لأنه راعيها ، وكل راع مسؤول عن
رعيته ، فإن لم يعرف لجهله سأل العلماء .
* سابعا : أن يعدل في القسم بين زوجاته ، فإن عجز حرم عليه التعدد ، فإن فعل فهو
ظالم ، وله نصيب من قوله صلى الله عليه وسلم : ( من كان له امرأتان فمال إلى
إحداهما دون الأخرى ، جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل ) .
* ثامنا : أن لا يسيئ الرجل استخدام الحقوق والسلطات التي أعطاه الله إياها أو
يستخدمها بأسلوب ظالم ، فإن الظلم من كبائر الذنوب ن قال تعالى [ولا تحسبن الله
غافل عما يعمل الظالمون ] وقال صلى الله عليه وسلم : ( اتقوا الظلم ، فإن الظلم
ظلمات يوم القيامة ) .
********************
أما حقوق الزوج على زوجته ، فمنها :
* أولا : إطاعة الزوج بالمعروف ، لأن الحياة الزوجية لا تستمر إلا كذلك ، فالله عز
وجل قد أعطى حق القوامة للرجل لما له من قوة ، وما يجب عليه من الإنفاق على
أهلهورعايتهم ، وحمايتهم ، وتوجيههم ، وتربيتهم ، وتعليمهم ، فمن كانت لك هذه
المسؤوليات والواجبات عليه فإنه لا بد أن يطاع و لا يعصى أمره ، حتى يتمكن بالقيام
بما عليه من واجبات ، وحتى تحفظ الأسرة من التصدع والإنهيار ، لأنه لا رأى لمن لا
يطاع .
قال تعالى : [ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من
أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ] .
وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم خطورة طاعة الزوج ، وأهميتها ، فقال لإحدى نساء
الصحابة رضي الله عنهم : ( أذات بعل ؟ ) قالت : نعم ، قال : ( كيف أنتِ له ؟ ) قالت
: لا آلوه – أي لا أقصر في طاعته – إلا ما عجزت عنه ، قال : ( فانظري أين أنت منه
فإنه هو جنتك ونارك ) أي هو سبب دخولك الجنة إن أطعتيه ، ودخولك النار إن عصيتيه .
وحذر صلى الله عليه وسلم من عصيان المرأة لمر زوجها فقال : ( لا تؤذي امرأة زوجها
في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين : لا تؤذيه – قاتلك الله – هو عندك دخيل
يوشك أن يفارقك إلينا ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( إذا دعا الرجل امرأته إلى
فراشه فلم تأته ، فبات غضبان عليها ، لعنتها الملائكة حتى تصبح ) وقال صلى الله
عليه وسلم : ( لا ينظر الله تبارك وتعالى إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني
عنه ) .
وبين صلى الله عليه وسلم خطورة مقام الزوج وأهمية إطاعته فقال : ( لو كنت آمر أحدا
أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ) أي لو كان لأحد من البشر أن يسجد لأحد
، لكان أولى الناس أن يؤمر بالسجود الزوجة لزوجها ، تقديراً واعترافاً بحقه ، وما
دام أنه لا سبيل لأحد أن يسجد لأحد فعلى الزوجة أن تشكر لزوجها رعايته ، وحمايته
ونفقته عليها ، وأن تطيعه في كل شيء إلا في المعصية . قالت أبنت سعيد بن المسيب
رحمهما الله : ما كنا نكلم أزواجنا إلا كما تكلمون أمراءكم .
بل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الزوج المؤمن طريق من طرق الجنة للزوجة
المؤمنة فقال : ( أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة ) وقال صلى الله عليه
وسلم : ( المرأة إذا صلت خمسها ، وصامت شهرها ، وأحصنت فرجها ، وأطاعت زوجها فلتدخل
من أي أبواب الجنة شاءت ) وقال صلى الله عليه وسلم ( والذي نفس محمد بيده ، لا تؤدي
المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها كله ، حتى لو سألها نفسها وهي على قتب – أي قتب
البعير – لم تمنعه ) .
* ثانيا : أن تحافظ على عرضه وماله ، قال الله تعالى [ فالصالحات قانتات حافظات
للغيب بما حفظ الله ] .
* ثالثا : مراعاة كرامته وشعوره ، حتى لا يرى منها إلا خيرا ، ولا يسمع منها إلا ما
يحب ، وما أجمل وصية أسماء بنت خارجة الفزارية لابنتها وهي تزفها : يا بُنية ، إنك
خرجت من العش الذي فيه درجت ، فصرت إلى فراش لم تعرفينه ، وقرين لم تألفينه ، فكوني
له أرضا يكون لك سماء ، وكوني له مهدا يكون لك عمادا ، وكوني له أمة يكن لك عبدا .
لا تلحفي به فيقلاك ( أي لا تلحي عليه فيكرهك ) و لا تباعدي عنه فينساك .
واحفظي أنفه وسمعه وعينه ، فلا يشمن منك إلا طيبا ، ولا يسمع إلا حسنا ، ولا ينظر
إلا جميلا ، واعلمي أن أطيب الطيب الماء .
* رابعا : تربية الأولاد ، وهي المهمة الأساسية والأولى التي يجب أن تقوم بها ،
وتسعى إليها ، لتقيم أسرة سعيدة ، متماسكه قوية ، تكون لبنة من لبنات المجتمع
الإسلامي ، قال الله تعالى [ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ] .
وقد أجاد من قال :
الأم مدرسة إذا أعددتها * * * أعددت شعبا طيب الأعراق
* خامسا : قيامها بتدبير شؤون مملكتها ( منزلها ) فهو الوظيفة الطبيعية للمرأة قال
صلى الله عليه وسلم : ( والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها ) .
ورضي الله عن أسماء بنت أبي بكر الصديق وعن أبيها إذ قالت : تزوجني الزبير ، وماله
في الأرض من مال ، ولا شيء إلا فرسه وناضحه ( أي بعيره ) فكنت أعلف فرسه وأسلوبه ،
وأدق النوى لناضحه ، وأستقى الماء ، وأخرز غربه ، وأعجن ، وكنت أنقل النوى على رأسي
من ثلثي فرسخ ، حتى أرسل أبو بكر بخادم ، فكان يكفيني سياسة الفرس ) .
وقال أنس رضي الله عنه : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زفوا امرأة
إلى زوجها يأمرونها بخدمة الزوج ، ورعاية حقه ، وتربية الأولاد ...
********************
لماذا الحجاب ؟
سؤال مهم ، والإجابة عنه أهم ، إلا أنها طويلة ، لذلك سأذكر منها :
أولا : لأنه إطاعة لأمر الله عز وجل وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، فإن في ذلك
سعادة الدارين ، والفوز العظيم الذي لا يعدله فوز ، ولن يذوق طعم الإيمان إلا من
رضي بما أمر الله به ورسوله ، وسعى لتنفيذ هذه الأوامر ، قال الله تعالى : [ ومن
يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ] وقال صلى الله عليه وسلم : ( ذاق طعم الإيمان
من رضي بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا ) .
ثانيا : أن التبرج معصية تسخط الله ورسوله ، قال تعالى : [ ومن يعص الله ورسوله فقد
ضل ضلالا مبينا ] وقال صلى الله عليه وسلم : ( كل أمتي معافى إلا المجاهرين )
والمتبرجة من أكبر المجاهرين بمعاصيهم .
ثالثا : أن الله أمر بالحجاب لأنه يقف أمام الفتنة حتى لا تجد مقاما لها في وسط
المجتمع الذي تتحجب نساؤه ، أما إن تُرك الحجاب ، وانتشر التبرج فإن الفتنة ستظهر ،
وتهيج الغرائز ، وتثير الشهوات المؤدية إلى الفساد ، فالجسد الخليع يؤدي حتما إلى
النظرة المسمومة ، وهي اول خطوة على طريق الفساد ، الذي هو سبب هلاك المجتمع ودماره
.
رابعا : أن ترك الحجاب ، وإظهار الزينة التي أمر الله بإخفائها عن الأجانب ، يجعل
المرأة الحرة التي أراد الله لها الكرامة والعزة نهبا لكل ذئب يغرز فيها سهم عينيه
طولا وعرضا ، ولو استطاع لفعل أكثر من ذلك متى تسنت له فرصة . وصدق الشاعر إذ يقول
: نظرة فابتسامة فسلام * * * * فكلام فموعد فلقاء
خامسا : أن المسلمة إذا التزمت بالحجاب فإن لسان حالها يقول لكل رجل : غض الطرف ،
فلستُ لك ، ولستَ لي . إنما أنا لمن أحلني الله له إنِّي حرّة مستقلة ، لا أستجدي
أحدا نظرة أو غيرها ، فأنا أعلى من ذلك بكثير .
أما المتبرجة ، التي أظهرت محاسنها أمام الرجال ، فلسان حالها يستجدي كل ذئب بشري ،
ويترجاه قائلا : ألا تنظروا إلى هذا الجمال ؟ هل من راغب في القرب والوصال ؟ هل من
نظرة ؟ هل من بسمة ؟ هل من آهة ؟ تستجدي هذا وذاك ، وتتهالك على عتباتِ نظراتهم ،
علَّ أحدهم يجود عليها بنظرة .
فأي هاتين حرة مستقلة ؟ لا شك أنها المسلمة المتحجبة ، التي فرضت على كل من رآها
حريتها واستقلالها ، وأجبرته على احترامها ، وغض الطرف عنها [ ذلك أدنى أن يعرفن
فلا يؤذين ] .
أما المتبرجة فهي كالشحاذ ، الذي يتكفف الناس ، تردها النظرة والنظرتان . أهانت
نفسها فضاعت عزتها ، وظنها الذئاب سلعة رخيصة ، عرضت نفسها للمهانة والإزدراء .
والحديث في هذا الموضوع يطول ، وفيما ذكرت كفاية ، إن شاء الله تعالى .
********************
والآن يأتي دور صفات الحجاب الإسلامي الذي يجب أن تلتزم به المسلمة .
* أولا : أن يغطي جميع البدن ، فلا يبدو منه شيء ، قال تعالى : [ يأيها النبي قل
لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا
يؤذين وكان الله غفورا رحيما ] .
قال العلامة القرطبي المالكي رحمه الله : كانت عادة العربيات _ في الجاهلية _
التبذل وكشف الوجوه ، فأمر الله الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأمرهن بإدناء
الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن ، وإدناء الجلباب يعني تغطية الوجه ،
كما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من
بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المرأة عورة ) .
وقد أجمع العلماء على حرمة خروج المرأة كاشفة عن وجهها أمام الرجال الأجانب ، خاصة
عند خوف الفتنة ، أو كثرة الفساق ، ذكر ذلك العلامة ابن عابدين الحنفي ، والدسوقي
المالكي ، وإمام الحرمين الشافعي ، وابن قدامة الحنبلي .
وذكر أئمة الشافعية أن الفتنة لا تؤمن إلا من المعصوم صلى الله عليه وسلم .
* ثانيا : أن لا يكون الحجاب مثيرا لنظر الرجال الأجانب ، وعدم الإثارة يكون بأمور
:
1_ أن يكون صفيقاً ( متيناً) لا يشف عما تحته .
2_ أن يكون فضفاضا واسعاً ، لا يجسد أعضاء المرأة .
3_ أن لا يكون زينة في نفسه ، بل يكون ذا لون غير مزركش .
4_ أن لا يكون ثوب شهرة لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من لبس ثوب شهرة في الدنيا
ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة ، ثم ألهب فيه النار ) .
5_ أن لا يكون مبخراً أو مطيباً ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا
استعطرت المرأة فمرت على القوم ليجدوا ريحها فهي زانية ) .
ثالثا : أن لا يكون فيه تشبه لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من تشبه بقوم فهو منهم
).
ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة ، والمرأة تلبس لبسة
الرجل .
ملاحظة : غطاء الوجه يكون بوضع ما يسمى بـ( الغدفة ) أو ( المسفع ) وهو ثوب
رقيق أسود له ثقوب صغيرة جدا ، تسمح للمرأة برؤية طريقها ، ولا يرى أحد وجهها .
ويكون بإدناء الجلباب ( العباءة ) على الوجه ، وإبداء العين اليسرى لترى بها المرأة
الطريق .
ويكون بلبس البرقع ،وهو غطاء على قدر الوجه ، له ثقبان صغيران على قدر العينين ،
تبصر المرأة بهما .
ويكون بلبس القناع ، وهو ثوب تلفه المرأة على وجهها ، فوق أنفها ، فتبدو عيناها ،
كالرجل إذا تلثم .
ومما ينبغي التنبه له ، أن المرأة عندما تجهل السبب الذي من أجله احتجبت عن الرجال
، ويتحول حجابها إلى عادة مجردة ، لا تقصد منها إطاعة أمر الله بإخفاء مفاتنها عن
الرجال ، تجدها تبدأ في التلاعب في غطاء وجهها ، فتقلل عدد طبقات ( الغدفة ) أو (
المسفع ) حتى يصبح الغطاء كعدمه ، بل قد يزيدها إغراء وفتنة . وقد ترفع العباءة عن
وجهها قليلا قليا حتى يبدو وجهها كله ، وهذا يجر إلى ما بعده من كشف جزء من الشعر ،
ثم جزء من الرقبة والنحر وهكذا . وقد توسع فتحتي البرقع حتى تشمل محاجر عينها ،
وجزء من الخدين والجبهة ، فتصبح أكثر فتنة وإغراء ، وإن لم تكن في الواقع جميلة .
فعلى المرأة المسلمة الحذر من ذلك كله ، ومن خطورة التساهل فيه ، لأنه يجر إلى ما
هو أكبر منه .
وفقني الله وإياكم إلى ما يحب ويرضى ، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وزادنا
فقها في دينه .
ونسأله تعالى أن يجعل فرحنا وسرورنا وفوزنا الأكبر يوم لقاه ، وأن يجعلنا من ورثة
جنة النعيم .
بارك الله لكم ، وبارك عليكم ، وجمع بينكم في خير .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
بقلم أحمد بن عبد العزيز الحمدان
تاريخ إضافة المقال:2008-03-01 11:09:07