|
بل مقام
العلماء أرفع
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد :
فإن الله تعالى رفع مقام العلماء ، وأعلى منارهم ، وجعلهم مشاعل الهدى في دياجير
الظلمات ، وقادات الورى إذا ادلهمت عظائم الملمات ، وبيّن فضائلهم في كثير من
الآيات البينات ، وجعل ما اختصهم به من العلم يعسوباً يلتف الناس حوله ، وبلسماً
شافياً يقبلون عليهم من أجله .
ويكفيهم أن الله تعالى وتقدس ، بيّن رفيع درجتهم ، وعظيم منزلتهم ، وعلو كعبهم ، إذ
ارتضاهم سبحانه ثالث الشهداء بعده وبعد ملائكته ، فقال عز وجل [ شهد الله أنه لا
إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ،
إنَّ الدين عند الله الإسلام] فقد تضمنت هذه الآية الكريمة : إثبات حقيقة التوحيد ،
وهي أعظم حقيقة في الوجود ، وتضمنت الرد على كل قول يخالفها ، ففيها أجل شهادة ،
وهي التوحيد ، من أجل شاهد وهو الله تعالى ، بأجل مشهود به ، وهي كلمة التوحيد ،
وهذا – لعمر الله – يدل على فضل أهل العلم على غيرهم من الناس ، إذ استشهد بهم الله
تعالى دون سائر الناس ، وقرن شهادتهم بشهادته ، وهذه تزكية عظيمة منه سبحانه لهم ،
لأن الله تعالى لا يستشهد من خلقه إلا العدول .
وكذلك كان العلماء الربانيون في كل زمان ومكان ، يعلم الناس لهم مكانتهم ، ويقدرون
لهم منازلهم ، ويرفعون لهم من قدرهم ، بل ويجعلونهم رمز حضارتهم ، لا ، بل أُسها
وقاعدتها التي تقوم عليها مدنيتهم ، لكونهم صمام أمن كل حضارة ، كيف لا ، وبهم يعرف
الناس الحق من الباطل ، والهدى من الضلال .
لذلك جعل أهل السنة والجماعة : إكرام العلماء وإجلالهم ، باباً من أبواب عقيدتهم ،
منطلقين من كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ، قال العلامة عبد الرحمن بن
ناصر السعدي – رحمه الله تعالى - : " من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يدينون الله
باحترام العلماء " .
ثم ماذا ؟ يأتي في هذا الزمن ، بعض من لم يفهم عن الله تعالى مراده ، ولم يرفع
رأساً بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليجعل من منبره أداة يطعن بها في سادات
الأمة ، يريد – ظن – إنزالهم من منازلهم العالية ، وتشكيك الناس – زعم – في صدقهم
وأمانتهم وتقواهم ، وحقيقة حاله ومآله مع العلماء ..
كما قال الشاعر :
تُعَدُّ ذنوبي عند قوم كثيـــرة * * * * * ولا ذنب لي إلا العلا والفواضــل
وقد ساد ذكري في البلاد فمن لهم * * * * * بإخفاء شمس ضوؤها متكامل ؟
أو كما قال آخر :
كناطح صخرة يوماً ليوهنها * * * * * فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
وقبل أيام كتب كاتب في جريدة المدينة ، بتاريخ 26/8/1418هـ0
مقالاً بعنوان ( ليس التسارع على التحريم بأجمل ما في الجدل ) وهو مقال طويل ، أجلب
فيه بخيله ورجله، وتكلم في أمور لا يحسنها ، وقام بالطعن في بعض علمائنا الأجلاء ،
ومنهم:اللجنة الدائمة للإفتاء ، وعلى رأسها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ، وطعن
في سماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ، وفضيلة الشيخ الدكتور عبد الله الطيار ،
واصماً هؤلاء العلماء الأجلاء بالتسرع في الفتوى ، والرغبة الجامحة إلى التحريم ،
بل ونسب إليهم مالم يقولوا ، وحَمَّل كلامهم مالا يحتمل وظلم نفسه ، بأن جعل من
خصومه علماء الشريعة ، الذين نصبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورثة له ، وأمرنا
باحترامهم، وإجلالهم ، وتبرأ ممن لم يكن كذلك ، حيث قال : ( ليس من أمتي من لم يجل
كبيرنا ، ويرحم صغيرنا ، ويعرف لعالمنا حقه ) .
أما كلامه عن سماحة الشيخ محمد العثيمين ، فقد سبق للكاتب أن نقل فتوى لسماحته
مبتورة ، وسود صفحات في الرد على ما جاء فيها ، وسعى جاهداً للتشهير بالشيخ ، حتى
أغضب الخاصة والعامة بسبب قوله ، ومع ذلك عفا عنه سماحته ، وتكرم واتصل به شخصياً
، وقدم له نصيحة أبوية ، وطلب منه أن يعتذر مما كتب ، وأن يبين للناس الخطأ الذي
وقع فيه ، وأن ما نقله غير صحيح ، مع أنه كان بإمكانه أن يتصل بالشيخ ليتحقق مما
كتب ، قبل أن يسود تلك الصفحات ، ومع كل هذا لم نره يعتذر مما صدر عنه ، بل زاد
الطين بلة وعاد مرة أخرى ليكتب متهماً الشيخ بما ليس فيه ، ومتقولاً عليه مالم يقل
، وما ندري ما يريد الكاتب بذلك ؟
وخلاصة اتهامه للشيخ – هذه المرة - : زعمه أن الشيخ قال : " من مات وفي بيته هذا (
الدش ) فقد حرّم الله عليه الجنة " . وهذا افتراء ، خطته يداه ، ومن اطلع على فتوى
سماحته علم أن هذا افتراء على الشيخ، وأنه مع الشيخ كمن قرأ قوله تعالى في سورة
الماعون[ فويل للمصلين] وسكت ، تاركاً قوله تعالى [ الذين هم عن صلاتهم ساهون] ثم
أخذ يظهر ذكاءً واستدراكاً على الشيخ ، حين قال : " هب أن رجلاً وضع هذا الدش في
بيته ، ثم ثبت قنواته على قراءة القرآن وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام ،
وتفاسير كتابه العزيز ، والندوات الفقهية ، أو دروس في الطبخ ، أو الإطلاع على
عجائب مخلوقات الله في ملكوته ، ونحو ذلك ، هل هذا يكون أيضاً ممن حرم الله عليه
الجنة ؟ إلخ …". وهذا كلام في غير محله ، لأن الشيخ لم يرد هذا النوع من القنوات ،
الذي لم تلده أمه إلى اليوم ، إنما ذكر من أحضر هذا الجهاز إلى زوجه وأبنائه ،
وتركه عندهم يشاهدون فيه ما يغضب الله تعالى ، من كفر، وفحش ، وخنا ، وما يعلمه كل
من اقتنى هذا الجهاز ، من أجساد عارية ، وبرامج ومسلسلات دأبت على زعزعة العقيدة،
والتشكيك في الدين ، وإثارة الشهوات ، وتحريك الغرائز ، بعرض المفاتن،والحث على
الفجور ، وهذا أمر لا يختلف فيه اثنان ، وهو ما يشتكي منه كل غيور على أمته ، حريص
على تماسك مجتمعه ، مراقب لهذا الجهاز وأخطاره ، وهو من الشكوى المريرة التي تطفح
منها وبها صحفنا المحلية .
والشيخ عندما تكلم عن الجهاز ، تكلم عما يعرض فيه من بلاء ، وحذر منه ، ثم ذَكَّر
أولياء الأمور بواجباتهم تجاه أسرهم ، ومنها : حفظهم في دينهم ، لقول الله تعالى[
ياأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة] فمن فرط في
هذه الأمانة ،وأتى لأهله بهذا الجهاز الذي يعرض فيه ما يوردهم المهالك ، فهو غاش
لرعيته ، لم يحطهم بعنايته وحفظه ، ومن مات غاشاً لرعيته ، فقد قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم فيه : ( ما من عبد يسترعيه الله رعية ، يموت يوم يموت ، وهو غاش
لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)
رواه البخاري(رقم 6617) ومسلم(رقم 203) .
هذا ما قاله الشيخ ،فأين هذا القول من افتراء الكاتب ، وإطلاقه الذي أطلقه ،
وتعميمه الذي أورده ، وتعقيبه الذي فرح به ؟
لماذا لم يورد الكاتب كلام الشيخ كاملاً ؟ حتى يظهر مراده ، هل خشي من تفويت فرصة
النقد لنفسه ؟
هل خشي من إيراده ظهور عور فهمه ؟ هل ظن أن لن يرد عليه أحد، كما حصل في المرة
السابقة ؟
واستمر الكاتب في انتقاده ، ولمزه الشيخ بأن الشيخ وضع الدليل في غير موضعه ، وأنه
في واد ، والحديث في واد آخر ، وأنه ممن يملأ فاه " بتحريم الجنة على خلق الله
لأدنى سانحة ، وأقصى شاردة ، من أوهن دليل !! " . كذا قال .
ثم قفز – دون سابق إنذار – لينتقد عالماً آخر ، وهو فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور
عبد الله بن محمد الطيار ، وكيل وزارة الشؤون الإسلامية سابقاً ، ويشن هجوماً عليه
، لا لشيء إلا لأنه قال : " إن العلماء الربانيين قالوا : إن الاستنساخ مرفوض شرعاً
" ثم أخذ يواصل هجومه واصماً الشيخ الطيار بمن يريد أن يأخذ الناس قوله بدون علم ،
ويقول في ذلك مستهزئاً : " يؤخذ هذا التحريم مسلماً موثوقاً به بهمهمته وغمغمته ،
فهو من عند العلماء الربانيين الذين لا يلزم ، ولا ينبغي إثارة النقاش في مثل هذه
الأمور – كذا - فهم أدرى وأعلم بأسرار الأحكام وخبايا التشريع " .انتهى .
وما أدري ما وجه الانتقاد هنا ؟ هل غضب الكاتب الهمام من وجود علماء ربانيين في دين
الله ؟ مع أن الله تعالى ذكرهم في أربعة مواطن من كتابه العزيز ، في قوله تعالى [
كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون] وهذا أمر من الله تعالى
للعلماء أن يكونوا ربانيين ، والعلماء الربانيون ، هم : الحكماء الأتقياء الحلماء ،
كما قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره .
انظر سورة آل عمران ، الآيتين 79 و 146 ، وسورة المائدة ، الآيتين 44 و 63 .
ومع هذا كله لم يرض الكاتب أن يكون في الأمة علماء ربانيون ، يعملون بما علموا ،
ويفهمون عن الله مراده ، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم ، ويعلمون أسرار الشريعة
ومقاصدها، ويرى أن هذا من دين اليهود والنصارى ، حيث يقول : " إن الذي عليه الناس
أنه ليس في دين الله سبحانه وتعالى خبايا ولا أسرار ولا باطنية ولا كتمان وليس
لدينا قسس الكنائس ولا بابواتهم ولا كهنوت المعابد ولا حاخاماتهم بل كل ما عندنا من
شرع إنما هو قال الله سبحانه وتعالى وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم جهاراً
ونهاراً على رؤوس الأشهاد " .انتهى .
نقول للكاتب : حنانيك ، أي حاخامات ، وقسس تتكلم عنهم ؟ وهل تحريم الاستنساخ يعني
كيل الاتهامات والافتراءات التي ذكرت ؟ وهل وجود علماء يعلمون مقاصد الشارع ،
وأسرار الشرع يعني الكهنوت ؟
إن كان كذلك فاقرأ على علمك – إن كان – السلام ، وقولك هذا معناه : أنه لا يجوز أن
يكون لعلم من العلوم أسرار لا يدركها إلا الخبراء به ، وأنه لا فرق بين رجل الشارع
والمدرس في الجامعة .
وهذا يعني أنه للرجل العامي ، أن نراه يوماً في أرقى المستشفيات ، يجري لمريض
بالقلب أدقى الفحوصات، ثم نراه - بعد ذلك – وقد تلثم في غرفة العمليات ، وبيده
المبضع يشرشر به صدر المريض ، بحجة أنه ليس في الطب أسرار ، وأنه قرأ كتاباً في
أمراض القلب !
وعامي آخر ، يرسم رسماً على كراس رسم ابنه في المدرسة ، تخيل فيه مدينة إفلاطونية
فاضلة ! ثم يجادل مهندسي الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض ، بأنه جاء بما لم
تستطعه الأوائل والأواخر ، وأنه خطط لمدينة الرياض بما عجزوا عن تخطيطه ، بحجة أنه
ليس في الهندسة أسرار ، وأنه قد قرأ مقرر الهندسة في الصف السادس الابتدائي دون
معلم ، وفهمه ، وهكذا يكون كل حمى مرتعاً لمن هب ودب ، وعاشت الفوضى ، خاصة إذا
كانت في أمور الدين .
أقول : أوردها سعد وسعد مشتملما هكذا تورد يا سعد الإبل ثم أخذ الكاتب ينتقد اللجنة
الدائمة للإفتاء ، التي يرأسها أكبر سلطة تشريعية في الديار، وينتقد نهيهم عن
التعامل الذي يكون فيه تعاون على الإثم والعدوان ، ويرى – لا فُض فوه – أن استدلال
اللجنة في غير محله ، ولو سئل ما الاستدلال ؟ لحار في جوابه .
ثم جاء ببلية ، حيث اتهم حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم : الزبير بن العوام
رضي الله عنه بأنه كان يعمل عمل البنوك ، قال : " الزبير بن العوام رضي الله عنه
كان يعمل بمثابة أعمال البنوك في حفظ أموال الناس ، بل وتشغيلها " . انتهى . وأظن
الكاتب سمع بالقصة ، ولا يدري ما حقيقتها ، فأخذ يدندن حولها ، والقصة على خلاف
مراده تماماً ، إذ أخرج القصة البخاري في صحيحه (رقم 3129 ) : قال عبد الله بن
الزبير رضي الله عنهما : إن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه ، فيقول الزبير
رضي الله عنه : لا ، ولكنه سلف ، فإني أخشى عليه الضيعة . أي أنه رضي الله عنه
لورعه كان يرفض أن يعطيه أحد مالاً على أنه وديعة ، خوفاً عليه من الضياع أو التلف
، فينسبه إلى التفريط في حقوق الناس ، وعدم الاعتناء بحفظها ، أو ينسب ورثته – إذا
مات – إلى إنكار حقوق الناس ، لذلك كان يقول للمستودِع : اجعله ديناً عليّ حتى إذا
ضاع مني كنت ملزماً بأدائه إليك ، بخلاف الوديعة فإنه غير ملزم ، مالم يثبت عليه
فيها تفريط ، وهذا من مناقبه رضي الله عنه ، لا مما يُستدل به على ما تقوم به
البنوك من معاملات ربوية ، فأين هذا من هذا ؟
ولو أن الكاتب بحث عن القصة ، وقرأ كلام العلماء عنها ، لكفى نفسه عناء تسويد صفحات
مقاله ، ولكن من دخل فيما لا يُحسن جاء بالعجائب ، أما قوله : إن الزبير رضي الله
عنه كان يشغلها ، فهذه من جعبته ، وما أعظمها وأبلاها .
وهكذا أخذ الكاتب يتخبط يمنة ويسرة ، ولم أشأ أن أتابعه في كل ذلك ، وأكبر أمر تحلى
به : جهله أنه يجهل ، فحكم على المصيب بالخطأ ، وما علم أنه ممن رمت غيرها بدائها ،
ثم انسلت .
ومما تكلم به: نقده الذين حرموا الغناء ، فأقول له ولغيره : النقاش في هذه المسألة
قد أغلق ، والباب أوصد ، والقافلة سارت ، والمرحلة قطعت ، وإن كان مريداً للحق ،
فأحيله على كتاب ( أحكام الموسيقى والغناء في الكتاب والسنة وأقوال العلماء ) ففيه
أسماء ستة وعشرين عالماً ، من كبار علماء الأمة السالفين ، من مختلف المذاهب ، كل
واحد منهم ينص على أن المسألة مجمع على تحريمها، وأن الأمر فرغ منه .
ومع هذا المستوى العلمي المتميز الذي أظهر الكاتب به نفسه ، مقارعاً لعلماء الأمة ،
تكلم الكاتب في أدق علوم الشريعة ، وهي : أصول الفقه وقواعده ، وجاء فيها بما يدل
على عدم إدراك لشيء منها ، وظن أن مجرد إيراده لأسماء بعض الكتب التي ألفت في فن
القواعد ، وتفسير ( أضواء البيان ) أنه يكفي ليدل على علمه بالقواعد ، وأن جميع
العلماء الذين يخالفهم الرأي لم يفهموا هذه القواعد ، وأنه قد جاء لهم بما لم
تستطعه الأوائل :
يقولون هذا عندنا غير جائز * * * * * فمن أنتم حتى يكون لكم عند ؟
ومن القواعد التي أوردها : قاعدة ( اليقين لا يزول بالشك ) ومنها انطلق إلى قاعدة
العادة ، دون أن يشير إلى اسمها ، وتحدث على أن الأصل في الأشياء الإباحة ، هكذا
بإطلاق ، ولم يدر أن العلماء عندما أطلقوا اللفظ أرادوا التقييد المعلوم يقيناً ،
وهو أن الأصل في الأشياء التي تيقنا منفعتها الإباحة ، وأن الأصل في الأشياء التي
تيقنا مضرتها الحظر ، لا أنا إذا وجدنا شيئاً لم يرد دليل خاص به، قلنا :هو مباح ،
ولا يجوز أن يقال غير هذا ، كما فهم الكاتب لما دخل في غير فنه ، ولو كان كما قال ،
لأغلق باب الاجتهاد ، وعاش الناس في فوضى ،ولأصبح كل شيء مباحاً ، ولأسقطنا قاعدة (
لا ضرر ولا ضرار ) وقد اتفق جميع علماء الأمة – رحمهم الله تعالى – على أن الأصل في
الأشياء الضارة الحظر .
وأما كلامه عن عادات وتقاليد الجماعات المختلف التي دخلت في دين الله تعالى ، في
زمن الفتوحات ، فإنها لم تبق على ما كانت عليه ، كما ذكر الكاتب ، بل ضبطت بضوابط
الشرع ، لأن العادات التي أقرها الشرع، هي : ما شهد لها دليل الشرع بالاعتبار ، أو
لم يشهد لها نفياً ولا إثباتاً ، لكنها عادات لا تفوت مصلحة ، ولا تجلب مفسدة ، أما
العادات التي شهد لها دليل الشرع بعدم بالاعتبار ، أو لم يشهد لها نفياً ولا
إثباتاً ، ولكنها تفوت مصلحة ، أو تجلب مفسدة فهي محرمة .
والأمثلة التي ذكر الكاتب في مقاله ، منتقداً من حرمها ، ليست مما تنطبق عليه
القواعد التي أوردها ، فما يُعرض في بعض وسائل الإعلام من كفر وفحش وخنا ، هو مما
نهانا الشارع عنه ، ولا يقال فيه : إن الأصل في الأشياء الإباحة ، واليقين لا يزول
بالشك ، ومثله العبث في الهندسة الوراثية ، الذي يحاربه الطب عالمياً ، بل ووقعت
الدول الأوربية قبل أيام – في باريس – بروتوكولاً يحظر تعاطي الاستنساخ البشري ، بل
ويجعل متعاطيه مطارداً بالقانون ، حتى وإن فعله خارج أوربا ، وأفتى العلماء
الربانيون بعدم جوازه ، لا يقال فيه : إن الأصل في الأشياء الإباحة .
والتأمين المبني على الغرر والغبن ، والربا ، لا يقال : إن الشرع المطهر يبيحهما ،
لأن الأصل في
المعاملات الإباحة ، وإن تضرر بسببهما الناس ، وإن ورد النص بتحريمها .
والموسيقى والغناء المحرم لا يقال : إن الشرع المطهر يبيحه ، لأن الأصل في العادات
الإباحة ،
وإن وردت نصوص الشرع بتحريمه ، وإن أجمع عليه العلماء .
وأخيراً أقول للكاتب ، ولكل من يسير على نهجه ، طريقكم سُلكت ، والطعن في العلماء
قديم ، قدم وجودهم ، وعلى رأسهم أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام ، فماذا
كانت النتيجة ، خاب أهل الباطل ، وفاز أهل الحق ، فالحق بركاب أهل العلم ، والزم
غرزهم ، ودع عنك الطعن في صفوة خلق الله بعد الأنبياء ، فإن الحق أبلج ، والباطل
لجلج .
اللهم وفقنا لسداد الأمر كله ، يا أرحم الراحمين .
بقلم / أحمد بن عبد العزيز الحمدان
الثلاثاء 8/9/1418هـ
|