|
قرأت الأحاديث التالية:
( وَأَمَّا الْوَلَدُ فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ
الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ
مَاءَ
الرَّجُلِ نَزَعَتْ الْوَلَد ) . رواه البخاري عن أنس في قصة عبد
الله بن سلام.
وعن عائشة رضي الله
عنها:أن النبي صلى الله عليه و سلم قال:
(علا ماء الرجل ماء المرأة أشبه أعمامه، وإذا علا ماء المرأة ماء
الرجل أشبه أخواله) .
رواه مسلم .
و عن عائشة أن أم سليم قالت:يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من
الحق ،
فهل على المرأة الغسل إذا احتلمت؟ قال: (نعم، إذا رأت الماء).
فضحكت أم سلمة، فقالت : تحتلم المرأة ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(فبم يشبه الولد). رواه
البخاري.
وفى لفظ حديث ثوبان ( إذا علا منى )
شرح هذه الأحاديث في الفتح و شرح مسلم للنووي و تحفة الأحوذي أن
منى الرجل يلتقي
مع منى المرأة فإذا سبق ماء الرجل نزع الولد إليه و العكس و إذا
علا ماء الجل أشبه الولد
أعمامه و العكس ..
هذا الشرح مخالف لحقيقة علمية ثابتة,و ليست مجرد نظرية و هي أن منى
المرأة ليس له
أي علاقة بتكوين الجنين..إنما هو من خليط منى الرجل مع بويضة
المرأة أو السائل المحتوى
على البويضة و هو غير المنى وهو أصفر اللون.
ما رأى فضيلتكم في ذلك خصوصا أنى قد وجدت من يشكك في السنة بل و في
الإسلام
عامة مستغلا هذه الشبهة..
و جزاكم الله خيرا..
* * * * *
الجواب : أمابعد ..
اعلم - علمني الله وإياك ما ينفعنا ورزقنا العمل به وجنبنا الزلل
وسوء الفهم ورزقنا البعد والنفرة منهما- أنّ
الحقيقة التي تتساقط كلّ ادعاءات المدعين أمامها ويظهر الحقّ من
خلالها، أنّ كلّ ما جاء في صريح القرآن وصحيح
السنة حقّ لا مرية فيه ولا شك يعتريه، وأنّ من ظنّ أنّه يمكن أن
يجد في القرآن العظيم والسنّة المطهرة خلاف الحق
فقد ظلم نفسه وأزرى بها بمجانبة الصواب وتكذيبه الحقائق؛ وذلك أنّ
الله تعالى هو خالق كلّ شيء، ومدبر
شؤونه، العالم بدقيق أموره وجليلها، العليم بما كان وبما يكون وبما
سيكون وبما لم يكن لو كان كيف يكون، هو عالم
الغيب والشهادة، عالم السر وأخفى، قوله الحقّ والصدق سبحانه
وتعالى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم
بعصمة الله تعالى له من أن يخبر بشيء غير الحقّ؛ لأنّ قوله الثابت
عنه كالقرآن في صدقه، قال الله تعالى مزكياً كل
نطق ينطق به رسول الهدى محمد صلى الله عليه وسلم في أعظم تزكية
أعطيت لإنسان [وما ينطق عن الهوى.
إن هو إلا وحي يوحى].
لذلك إذا رأينا حقيقة علميّة في علم النّاس القاصر الذي مكنهم الله
تعالى منه تخالف نصاً في الكتاب العزيز، أو في
السنّة النّبوّيّة المطهّرة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فإننا نجزم أنّ الخلل وقع في هذا التعارض من سوء
فهمنا، أو أنّ هذا الحقيقة التي توصل إليها البشر ليست بحقيقة، بل
وهم من الأوهام قادتهم إليه ظنونهم واستنتاجاتهم
الخاطئة، أو نظرهم القاصر على بعض جوانب الحقيقة، الغافل عن بعضها
الآخر.
وهذه القضيّة شديدة الخطورة، وهي جزء من حقيقة إيمان المؤمن، بل هي
شرط من شروط ((لا إله إلا الله محمّد
رسول الله)) التي لا تصح الشهادة إلا بها، فإنّ من شروط الشهادة
لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة:
((تصديقه فيما أخبر عن الأمور الماضية والحاضرة والمستقبلة))، قال
الله تعالى [فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك
فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا
تسليماً] وقال تعالى [قد نعلم إنّه ليحزنك الذي
يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون. ولقد
كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كُذِّبوا
وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ
المرسلين] وقال تعالى [إن الله عنده علم الساعة
وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما
تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم
خبير] وقال تعالى [عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من
ارتضى من رسول] وقال تعالى [وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً].
وفي المسند والصحيحين: عن أبي بن كعب رضي الله عنه، عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه حدث عن موسى
والخضر عليهما السلام لما ركبا في السفينة، قال: ((جاء عصفور فوقع
على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة،
أو نقرتين، فقال له الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله
إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر)).
وبهذا يظهر لنا أنّ ما لدى كل البشر من علم لا يؤهلهم للحديث عن
مقارنة تعقد، أو اعتراض يرفع، أو تردد
يظهر، أو شك في أي أمر جاءنا عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله
عليه وسلم، فالبشر أضعف حالاً وأحقر شأناً
من أن يكون واقعهم مخالفاً للتسليم والرضا بكل ما جاء في الكتاب
والسنة.
وفي الصحيحين: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((بينما رجل يسوق بقرة
له قد حمل عليها، التفتت إليه البقرة فقالت: إني لم أخلق لهذا
ولكني إنما خلقت للحرث)) فقال الناس: سبحان الله !
تعجباً وفزعاً: أبقرة تكلم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((فإني أومن به وأبو بكر وعمر)) قال أبو هريرة :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بينا راع في غنمه، عدا عليه
الذئب فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي حتى
استنقذها منه، فالتفت إليه الذئب فقال له: من لها يوم السبع يوم
ليس لها راع غيري؟)) فقال الناس: سبحان الله !
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فإني أومن بذلك أنا وأبو بكر
وعمر)) وما هما يومئذ في القوم، رضي الله عنهما.
فهذا الحديث الذي يخبر فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر كلّ
الحقائق العلمية الظاهرة في علم الناس القاصر لا
تقرّه؛ والنواميس الكونيّة التي عرفها الناس تصادمه، إذ كيف تعقل
وتتكلم بقرة، وكيف يعقل ويتكلم ذئب،
ويعرف الأمور المستقبليّة الغيبيّة التي لا يعرفها النّاس، يوم أن
قال للرجل: ((من لها يوم السبع يوم ليس لها راع
غيري؟)) أي في زمن الملاحم والفتن في آخر الزمان، ومع ذلك يخبر من
لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم أنّ
هذا سيقع، وأنّه حقّ، بل ويعلق عليه حقيقة إيمانية عظيمة؛ وهي
تصديقه صلى الله عليه وسلم فيما أخبر من الأمور
الغيبية التي وقعت والتي ستقع إلى ما شاء الله تعالى، وضربه صلى
الله عليه وسلم المثل بإيمان أبي بكر وعمر رضي الله
عنهما الكامل الذي لا يخالطه حتى التعجب مما قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وإلاّ فإنّ الصحابة رضي الله
عنهم الذين سمعوا الحديث لم يكذبوه، ولم يترددوا في تصديقه،
وحاشاهم، ولكنهم أظهروا تعجبهم مما قال عليه
الصلاة والسلام، وهذا خلاف حال أبي بكر وعمر رضي الله عنهما الذي
يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم
عنهما، فإنهما لشدّة يقينهما، وكمال تصديقهما لن يقع لهما ما وقع
لغيرهما من التعجب، فضرب رسول الله صلى
الله عليه وسلم بهما المثل ليقتدي بهما الصحابة رضي الله عنهم
أجمعين في كمال التصديق.
ومعلوم أنّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه لم يلقب بالصديق
إلا لكمال تصديقه ويقينه حتى أنّ النّاس لما
كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حادثة الإسراء، ورأى مشركو
قريش أنّها فرصة لصرف النّاس بهذا الخبر
الذي لا يدخل في دائرة قدرة العقل مجرداً على تصديقه، ونواميس
الكون التي وضعها الله تعالى تتعارض قوانينها مع
اختراق إنسان لها بطاقاته الذاتية ليصل من مكة إلى بيت المقدس ثم
يعود من ليلته ويبيت في فراشه، لما رأوا ذلك
أخذوا يحدثون النّاس بهذه الحادثة، فمن مكذب ومن متوقف، إلاّ
الصديق رضي الله عنه، فإنّه أجابهم إجابة المستيقن
بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم في كلّ ما يقول، ولم يكن رضي الله
عنه قد لقي النبي صلى الله عليه وسلم
ذلك اليوم، ولم يكن قد علم بخبر الإسراء، فلما جاءوا وأخبروه، قال:
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وكيف لا أصدقه؟ وهو يأتيني بخبر السماء صباح مساء. فأسكتهم، لذا
لقبه النبي صلى الله عليه وسلم بالصديق.
قال العلامة الطحاوي –رحمه الله-: فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم
الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين.
وقال ابن أبي العز الحنفي –رحمه الله-: اعلم أن مبنى العبودية
والإيمان بالله وكتبه ورسله مبني على التسليم، وعدم
الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع، ولهذا لم
يحك الله سبحانه عن أمة نبي صدقت بنبيها
وآمنت بما جاء به أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما أمرها ونهاها
عنه وبلغها ربها، ولو فعلت ذلك لما كانت مؤمنة
بنبيها، بل انقادت وأذعنت، وما عرفت من الحكمة عرفته، وما خفي عنها
لم تتوقف في انقيادها وتسليمها على
معرفته ولا جعلت ذلك من شأنها، وكان رسولها أعظم عندها من أن تسأله
عن ذلك... ولهذا كان سلف هذه الأمة
التي هي أكمل الأمم عقولاً ومعارف وعلوماً لا تسأل نبيها: لم أمر
الله بكذا؟ ولم نهى عن كذا؟ ولم قدر كذا؟ ولم
فعل كذا؟ لعلمهم أن ذلك مضاد للإيمان والاستسلام، وأن قدم الإسلام
لا تثبت إلا على درجة التسليم.انتهى.
أما الأحاديث التي أوردتها: فالحديث الأول رواه الإمام أحمد
والبخاري: عن أنس رضي الله عنه، قال: بلغ عبد الله
بن سلام مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأتاه فقال:
إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، قال:
ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء
ينزع الولد إلى أبيه؟ ومن أي شيء ينزع إلى
أخواله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خبرني بهن آنفاً
جبريل)) فقال عبد الله: ذاك عدو اليهود من
الملائكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أما أول أشراط
الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب،
وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الشبه في
الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان
الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها)) قال: أشهد أنك رسول الله
!
والحديث الثاني: رواه الإمام أحمد ومسلم: عن أم المؤمنين عائشة رضي
الله عنها، أن امرأة قالت لرسول الله صلى
الله عليه وسلم: هل تغتسل المرأة إذا احتلمت وأبصرت الماء؟ فقال:
((نعم)) فقالت لها عائشة: تربت يداك وألت!
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دعيها، وهل يكون الشبه إلا
من قبل ذلك، إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه
الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه)).
والحديث الثالث: في المسند والصحيحين: عن أم المؤمنين أم سلمة رضي
الله عنها، قالت: جاءت أم سليم إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي
من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا رأت الماء)) فغطت أم سلمة،
تعني وجهها، وقالت: يا رسول الله، أوتحتلم
المرأة؟ قال: ((نعم تربت يمينك، فبم يشبهها ولدها؟)).
وهناك حديث روى مسلم: عن ثوبان رضي الله عنه، قال: جاء حبر من
أحبار اليهود، فقال: جئت أسألك، ...
فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معه، فقال: ((سل)) فقال
اليهودي: ... جئت أسألك عن شيء لا
يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي، أو رجل، أو رجلان، قال: ((ينفعك
إن حدثتك؟)) قال: أسمع بأذني. قال: جئت
أسألك عن الولد؟ قال: ((ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا
اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن
الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله)) قال
اليهودي: لقد صدقت، وإنك لنبي، ثم انصرف فذهب، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه
وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله به)).
فهذه الأحاديث ونحوها أحاديث صحيحة، لا مطعن في ثبوتها عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ويبقى الحديث في
معانيها، فإن وافق العلم الحديث هذه النصوص فبها، وإلاّ فالعبرة
بما جاء عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه
وسلم، والمتهم بعدم الإصابة فهوم الناس وتصوراتهم ومداركهم التي لم
تصب الحق.
قال الله تعالى [وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا
تمنى].
قال ابن القيم –رحمه الله-: مني المرأة خاصته الرقة والصفرة
والسيلان بغير دفع... فإن نفى ذلك عنها أخطأ.
وقال ابن حجر -رحمه الله-: السبق علامة التذكير والتأنيث، والعلو
علامة الشبه، وكأنّ المراد بالعلو الذي يكون
سبب الشبه بحسب الكثرة بحيث يصير الآخر مغموراً فيه فبذلك يحصل
الشبه، وينقسم ذلك ستة أقسام:
الأول: أن يسبق ماء الرجل ويكون أكثر فيحصل له الذكورة والشبه،
والثاني: عكسه.
الثالث: أن يسبق ماء الرجل ويكون ماء المرأة أكثر فتحصل الذكورة
والشبه للمرأة، والرابع: عكسه.
والخامس: أن يسبق ماء الرجل ويستويان فيذكر ولا يختص بشبه،
والسادس: عكسه.
وقال الدكتور محمد علي البار: إفرازات المهبل حامضية بينما إفرازات
عنق الرحم قلوية، كما نعلم أن إفرازات عنق
الرحم تكون ثخينة ولزجة في غير وقت الإبياض... أما عند خروج
البويضة من المبيض فإن هذه الإفرازات ترق
وتخف لزوجتها لتسمح للحيوانات المنوية بالولوج بسهولة... ونحن إلى
الآن لا نعلم دور هذه الإفرازات في تشجيع
الحيوان المنوي الذي يحمل شارة الذكورة، أو الحيوان المنوي الذي
يحمل شارة الأنوثة... ويحتاج الأمر إلى مزيد من
الأبحاث لتحديد دور هذه الإفرازات في تحديد الذكورة والأنوثة...
وذلك بواسطة تأثيرها على الحيوانات المنوية
المذكرة أو المؤنثة.
وقال: ولا يزال العلم الحديث يجهل الكثير الكثير من الحقائق التي
تحدد الشبه في الولد. ولا ندري إلى الآن ما هو
دور السبق في ماء الرجل، أو ماء المرأة في الشبه من الناحية
العلمية.إلخ.
وإلى أن يجد المسلمون المقصرون في البحث العلمي جواباً فنحن نجزم
أنهم لن يصلوا إلى حقيقة علمية ثابتة تخا
|