أمابعد ..
اعلمي -بارك الله فيك- أنّ الإسلام أحاط المرأة بسياج من العناية
والحفظ ولم يلزمها بما ألزم
به الرجل من البحث عن الرزق ووجوب الإنفاق على من أوجب الله عليه
الإنفاق عليهم من
أهل وولد ووالدين ونحوهم ممن كلف الله عز وجل الرجل أن ينفق عليهم،
بل المرأة يُنفق
عليها منذ أن تكون نطفة في بطن أمها إلى أن تخرج إلى الدنيا إلى أن
تكبر وتتزوج،
ثم ينتقل وجوب الإنفاق عليها من والدها، أو من كان متول أمرها قبل
الزواج إلى الزوج الذي
يكون مكلفاً بالإنفاق عليه منذ أن يتزوجها إلى أن تموت، أو يطلقها
طلاقاً بائناً، أو يموت
عنها فترثه، ثم ينتقل وجوب الإنفاق عليها من زوجها المتوفى، أو
المطلق طلاقاً بائناً إلى
عصبتها، وهكذا تظل المرأة في المجتمع الإسلامي محاطة بالرعاية
والعناية والحفظ، وهذا
الوضع يغنيها عن العمل لطلب الرزق إلا أن تحتاج إلى ذلك، أو يأذن
لها وليها بذلك،
أو تريد أن تنفق على زوجها وأبنائها بطيب نفس منها فهذا من باب
التبرع الذي يعود أمره
إليها، إن شاءت فعلت وإن شاءت أمسكت، قال تعالى [لينفق ذو سعة من
سعته] وقال تعالى:
[وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف] ولم يخاطب الله تعالى
النساء بالإنفاق على
سبيل التكليف. وفي المسند وسنن أبي داود وابن ماجه: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم:
((أطعمها إذا طعمت واكسها إذا اكتسيت ولا تقبح الوجه ولا تضرب)).
وحفظاً لعرض المرأة جعل الله عز وجل الأصل في حالها المكث في
منزلها وعدم الخروج
منه إلا لحاجة، قال تعالى [وقرن في بيوتكن] ونهاها الله عز وجل عن
التبرج إذا خرجت
فقال [ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى] وبين لها تعالى كيف تحتجب
عن الرجال إذا خرجت
فقال [يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن
من جلابيبهن ذلك أدنى
أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً] وفي الصحيحين: عن أم
المؤمنين عائشة رضي
الله عنها، أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل إذا
تبرزن إلى المناصع،
وهو صعيد أفيح، فكان عمر يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: احجب
نساءك، فلم يكن رسول
الله صلى الله عليه وسلم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي صلى
الله عليه وسلم ليلة
من الليالي عشاء وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا
سودة، حرصاً على أن
ينزل الحجاب، فأنزل الله آية الحجاب، فقال النبي صلى الله عليه
وسلم:
((قد أذن أن تخرجن في حاجتكن)).
وإذا خرجت المرأة لحاجتها فعليها التزام التصون والتعفف وأخذ نفسها
بالحشمة في لباسها
وصوتها وبعدها عن الرجال، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:
لقد كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات
في مروطهن ثم
يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد. متفق عليه.
وفي المسند وسنن أبي داود وابن ماجه: قالت رضي الله عنها: كان
الركبان يمرون بنا
ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات فإذا حاذوا بنا سدلت
إحدانا جلبابها من
رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه.
وقالت رضي الله عنها: رحم الله نساء الأنصار ما رأيت مثلهن أشد
تصديقاً بكتاب الله
وعملاً بما جاء فيه إنه لما أنزل الله تعالى آية الحجاب وخرج الرجل
يتلوها على زوجه
وأهله قمن إلى مروطهن المرحلة فشققنها واعتجرن بها (أي غطين
وجوههن) وخرجن خلف
رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن على رؤوسهن الغربان.
وقالت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها لمولاها نبهان لما أعتق:
يا بني إنك لن تراني
بعد اليوم إنها وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من أعتق
عبدها فلا يراها.
رواه الترمذي وصححه.
وعن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها أن النساء في عهد رسول الله
صلى الله عليه
وسلم كن إذا سلمن من المكتوبة قمن فينصرفن إلى بيوتهن وثبت رسول
الله صلى الله عليه
وسلم ومن صلى من الرجال ما شاء الله فإذا قام رسول الله صلى الله
عليه وسلم قام الرجال.
متفق عليه.
ومع كل هذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرشدهن إلى جعل
صلاتهن في بيوتهن
فإن صلاتهن في بيوتهن خير لهن من صلاتهن في مسجد النبي صلى الله
عليه وسلم فكيف
بغيره من المساجد: ففي المسند: عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله
عنها عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((خير مساجد النساء قعر بيوتهن)).
وفي المسند أيضاً: عن أم حميد الساعدية رضي الله عنها أنها جاءت
رسول الله صلى الله
عليه وسلم تسأله أن تصلي في مسجده فقالت: يا رسول الله إني أحب
الصلاة معك، قال:
((قد علمت أنك تحبين الصلاة معي وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في
حجرتك
وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك وصلاتك في دارك خير لك من
صلاتك في
مسجد قومك وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي)) فأمرت
رضي الله
عنها فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه فكانت تصلي فيه
حتى لقيت الله
عز وجل.
وفي الصحيحين: سأل ابن جريج عطاء عن طواف النساء مع الرجال: كيف
يخالطن
الرجال؟ قال: لم يكن يخالطن، كانت عائشة رضي الله عنها تطوف حجرة
من الرجال،
لا تخالطهم، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين، قالت:
انطلقي عنك. وأبت،
يخرجن متنكرات بالليل فيطفن، وكن إذا دخلن البيت قمن حتى يدخلن،
وأُخرج الرجال.
وكان النساء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حضرن الصلاة
مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم ابتعدن عن الرجال وابتعد الرجال عنهن عملاً
بأمر رسول الله صلى الله
عليه وسلم ووعيده لكل امرأة صلت في الصفوف المقدمة خوف اقترابها من
الرجال ولكل
رجل صلى في الصفوف المؤخرة خوف اقترابه من النساء، فعن أبي هريرة
رضي الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خير صفوف الرجال أولها
وشرها آخرها وخير
صفوف النساء آخرها وشرها أولها)). وقال صلى الله عليه وسلم للرجال:
((تقدموا فأتموا بي وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى
يؤخرهم الله))
رواهما مسلم.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعدهن عنه ولكونهن يجلسن في
آخر الصفوف
بينهن وبين الرجال بون يعلم أنهن مع هذا البون لا يسمعن موعظته
فكان يأتيهن ليعظهن
ويأمرهن بالصدقة.
وفي الصحيحين: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما التصفيق
للنساء))
حتى لا يسمع الرجال أصوات النساء في تنبيه شرعي في أقدس مكان عبادة
وهو
المسجد فكيف بالتنبيه غير الشرعي بل كيف بالكلام بلين القول
ومرققه؟
وفي الصحيحين: كان الرجال يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم فيقال
للنساء:
لا ترفعن رءوسكن حتى يستوي الرجال جلوساً. خوفاً من أن يرين الرجال
وهم سجود
وقد تبدوا عورة أحدهم.
وفي الصحيحين: جعل صلى الله عليه وسلم للنساء يوماً دون الرجال
يعظهن ويعلمهن فيه.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم:
((لو تركنا هذا الباب للنساء)) قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى
مات.
أي حتى في غير وقت دخول النساء لشدة متابعته لأمره صلى الله عليه
وسلم. رواه أبو داود.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن ليخرجن وهن تفلات))
والتفلات:
التاركات للزينة الخارجات بلباس البذلة.
وفي المسند: عنه رضي الله عنه قال: إني سمعت حبي أبا القاسم صلى
الله عليه وسلم
يقول: ((لا تقبل صلاة لامرأة تطيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل
غسلها من الجنابة)).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إياكم والدخول على النساء))
فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: ((الحمو
الموت)) متفق عليه.
وفي المسند وسنن الترمذي وابن ماجه: عن أمير المؤمنين عمر بن
الخطاب رضي الله
عنه، أنه خطب الناس بالجابية، فقال: قام فينا رسول الله صلى الله
عليه وسلم مثل مقامي فيكم،
فقال: ((لا يخلون أحدكم بامرأة فإن الشيطان ثالثهما)).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم
يخطب يقول:
((لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر المرأة إلا مع
ذي محرم)) فقام رجل
فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا
وكذا، قال:
((انطلق فحج مع امرأتك)) متفق عليه.
فإذا كان هذا في أشرف مكان وأطهره وأقدسه وهو المسجد بيت الله
الحرام يأمر رسول
الله صلى الله عليه وسلم الرجال والنساء بالابتعاد عن الاختلاط
والابتعاد عن السفور والابتعاد
عن الخلوة والسفر بغير محرم في مجتمع الصحابة وأمهات المؤمنين
الطاهر الذي تمسك
رجاله بغض البصر ونساؤه بالبعد عن أسباب الفتنة فكيف بغيرهم من
الرجال والنساء الذين
كثر فيهم الجهل ورغبوا عن التمسك بأسباب الحشمة ورفضوا التصون
والعفاف.
قال الله تعالى [وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم
أطهر لقلوبكم
وقلوبهن] أي حتى تحفظوا أطهرية قلوبكم ابتعدوا عن رؤية النساء
وليبتعد النساء عن البروز
أمامكم فإن دعت حاجة إلى سؤالهن فليكن وهن وراء حجاب.
وقال تعالى [فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً
معروفاً] أي لا
ترققن الكلام وتجعلنه ليناً فيطمع فيكن مريض القلب الذي ابتلي بمرض
الشهوة الحرام، فإنه
مستعد لأدنى محرك من محركات الشهوة لمرض قلبه فيستجيب لذلك المحرك
والوسائل تأخذ
أحكام المقاصد لذلك فالكلام الرقيق من المرأة مع الرجل ما دام يؤدي
إلى ميل قلبه الشهواني
وميل القلب محرم فإنه يحرم على المرأة ترقيق صوتها عند الرجل
الأجنبي.
فإذا ضبطت المرأة خروجها إلى العمل بهذه الضوابط فبها وإلا فلتحفظ
على نفسها عفتها
ودينها والحرة لا تأكل بثدييها، وملخص هذه الضوابط:
(1)أن يكون خروجها لحاجة.
(2)أن لا يكون خروجها في ساعة متأخرة من الليل، أو في وقت يكثر فيه
الفساق
فتعرض نفسها للأذى.
(3)أن لا تخرج إلى أماكن تخشى من وجود فساق مؤذين فيها لا يتوانون
عن
التعرض للنساء.
(4)أن تخرج في جلبابها مستترة لا يبدو منها أمام الرجال الأجانب
شيء.
(5)أن لا تخالط الرجال في طريقها وعملها.
(6)أن تتحدث بالكلام المعروف إذا احتاجت إليه ولا تخضع بصوتها.
(7)أن تجتنب التطيب في بدنها وثيابها.
(8)أن تجتنب ثياب الزينة بل تخرج كما أمر النبي صلى الله عليه
وسلم: تفلة.