الأدلة من السنة ( 5 / 8 )
نواصل سرد الأدلة من السنة :
- عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها قَالَت : أَمَرَنَا رسول الله صلى الله عليه
وسلم
أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَى ؛ الْعَوَاتِقَ وَالْحُيَّضَ
وَذَوَاتِ الْخُدُور ،
فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلاة ، وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ
الْمُسْلِمِين ..
قُلْتُ : يَا رَسُولَ الله ، إِحْدَانَا لا يَكُونُ لَهَا جِلْبَاب ، قَال :
(( لِتُلْبِسْها أُختُها مِن جِلْبَابِها ))
(متفق عليه : رواه البخاري/كتاب الحيض/باب شهود الحائض العيدين،
ومسلم/كتاب صلاة العيدين/باب خروج النساء في العيدين).
فهذا أمر صريح من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تخرج المرأة من بيتها
حتَّى تلبس جلبابها ، وإن عُدمت الجلباب فلتلبسها أختُها من جلبابها ،
والجلباب هو الثوب الذي تغطي به المرأة جسدها كما
أمرها الله في آية الجلابيب(سورة الأحزاب ، الآية 59) ،
التي أجمع المفسرون على تفسيرها بستر الوجه ، كما مرَّ معنا في تفسيرها .
قال ابن حجر العسقلانيُّ الشافعيُّ ، رحمه الله : وفي الحديث امتناع خروج المرأة
بغير جلباب
(فتح الباري 1/424).
16- عن عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنهما ؛ قال : جاءت أميمة بنت رقيقة
رضي الله عنها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تبايعه على الإسلام ، فقال :
(( أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئاً ، ولا تسرقي ولا تزني ولا تقتلي ولدك ،
ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك ، ولا تنوحي ، ولا تبرجي تبرج
الجاهلية الأولى )) (رواه الإمام أحمد بإسناد جيد 2/196).
قال الليث: تبرُّج الجاهليَّة الأولى: أن تبدي محاسنها؛ من وجهها وجسدها.
وقال مقاتل: تلقي الخمار على وجهها ولا تشده.
(انظر الدر المنثور في تفسير الآية 33 ، من سورة الأحزاب) .
17- عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه
وسلم :
(( من جَـرَّ ثَوْبَه خُيَلاء لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إليه يَوم القيامة ))
فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رضي الله عنها : فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ
بِذُيُولِهِنّ ؟ قَالصلى الله عليه وسلم :
(( يُرخِينَ شِبْرًا )) فَقَالَت : إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنّ ، قَالَ : ((
فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لا يَزِدْنَ عليه ))
(رواه الإمام أحمد 17/295 ، وأبو داود/كتاب اللباس/باب قدر الذيل ،
والنسائي/كتاب الزينة/باب ذيول النساء ، والترمذي/كتاب اللباس/ باب ما جاء في
جرِّ ذيول النساء ، وقال : حديث حسن صحيح).
والحديث دليل على أنَّ قدم المرأة عورة يجب عليها ستره ، وأنَّ ذلك مما استقر
في أذهان الصـحابيات رضي الله عنهن ، لذلك لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
الرجال أن لا تتجاوز ثيابهم الكعبين طولاً ، قال النساء ، كما في رواية الإمام أحمد
:
إنَّ شبراً لا يستر من عورة ، وخشيت أمُّ المؤمنين أمُّ سلمة رضي الله عنها أن
يكون النهي مما يشمل النساء ، فبادرت بالسؤال ، فأفادها رسول الله صلى الله عليه
وسلم
أنَّ للنساء حكماً هو إرخاء الثوب شبراً ، فرأت رضي الله عنها أنَّ ذلك لا يكفي،
خاصة عند المشي والحركة ، فقالت : إذاً تنكشف أقدامهن ،
فقال صلى الله عليه وسلم : (( فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لا يَزِدْنَ عليه )) .
فإذا كان قدم المرأة قد أمر الشارع بستره ، فكيف بوجهها مجمع حسنها ،
وموطن الافتتان بها ؟ لا شك أنَّ حكمة الشارع الحكيم تأبى سـتر ما فتنته أقلّ ،
وتعلق الرجال به لا يكاد يُذكر ، وتأمر بكشف ما هو أعظم فتنة منه ؛ وهو الوجه !
ومتى كانت قلوب الرجال تتعلق بكعوب النِّساء وأقدامهنّ ، ولا تتعلق بوجوههنّ ؟!
19- عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال : أتيت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم
فذكرت له امرأةً أَخطُبها ، فقال : (( اذهبْ فانظرْ إليها ، فإنَّه أجدر(أحرى
وأولى)
أنْ يُؤْدَمَ (يؤلف ويوفق) بينكما )) قال : فَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ
فَخَطَبْتُها إلى أَبَوَيْها،
وأخْبَرْتُهُما بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنَّهما كرها ذلك، قال :
فسَمِعَتْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ ، وَهِيَ فِي خِدْرِها (ستر تكون البكر خلفه، مبالغة
في سترها
عن أعين الأجانب ، حتى لا يرون شخصها)، فقالت : إن كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم أَمَرَكَ أَنْ تَنْظُرَ فَانْظُرْ ، وإلاَّ فإنِّي أَنْشُدُك !
كَأَنَّها أَعْظَمَتْ ذلك عليه ،
قَالَ : فَنَظَرْتُ إِلَيْهَا فَتَزَوَّجْتُها .
(رواه الإمام أحمد 4/245 ، والنسائي/كتاب النكاح/باب إباحة النظر قبل التزويج ،
وابن ماجه/كتاب النكاح/باب النظر إلى المرأة والترمذي/كتاب النكاح/باب ما جاء
في النظر إلى المخطوبة ، وقال : حديث حسن).
فانظري ، رعاك الله ، إلى هذا الحديث العظيم الذي يصور لنا حال مجتمع الطهر
والعفاف ، ذلك المجتمع الذي رُبي أفراده على عين رسول الهـدىصلى الله عليه وسلم ،
كيف يعجز الرجل أن يرى المرأة ، ولا يجد سبيلاً إليها، حتَّى يذهب يسـتأذن
والديها في ذلك ، ويخبرهما بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك كرها
أن يطلع رجل أجنبي على ابنتهما ، وفي النهاية يوافقون إطاعة لأمر الله تعالى وأمر
رسوله صلى الله عليه وسلم بعد أن نشدته بالله أن يكون صادقاً في قوله ؛
أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بذلك .
ولو كانت المرأة تخرج كاشفة عن وجهها ، لما احتاج المغيرة بن شعبة رضي
الله عنه أن يستأذن والديها في رؤيتها ، ولقال : أراها إذا خرجت.
ولو كان النساء يخرجن سافرات عن وجوههن لما كره والداها رؤيته لها ،
ولما احتاجت أن تنشده بالله تعالى على صدق قوله حتى تسفر عن وجهها أمامه .
وهذا الحديث صـورة صادقة لمجتمع الصحابة رضي الله عنهم ، يبين مدى
تمسكهم بالحجاب ، وحرصهم عليه، وأنَّ الحجاب معناه، عندهم ، ستر المرأة
جميع جسدها ، بما في ذلك وجهها ، بل كان النساء يبالغن في ذلك حتى يسترن
شخوصهن عن الأجانب ، فتجعل البكر بينها وبينهم ستراً ، فلا يرى الأجانب شخصها .
وليس ذلك خاصاً بهذه المرأة ، بل استتار البكر وراء الخدر كانت عادتهم رضي الله
عنهم
حتى كانوا يضربون المثل بحياء البكر في خدرها.
20- عن عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنهما قال : قبرنا مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم يعني مَيِّتًا ، فلمَّا فرغنا انصرف رسـول الله صلى الله عليه وسلم
وانصرفنا معه ، فلمَّا حاذى بابه وقـف ، فإذا نحن بامرأة مقبلة ، قال :
ما أظُنُّه عرفها ، فلمَّا ذهبت فإذا فاطمة بنتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم
ورضي الله عنها ، فقال : (( ما أخرجك من بيتكِ ، يا فاطمة ؟ ))
قالت : أتيتُ أهل هذا البيت فَرَحَّمْتُ إليهم ميِّتَهم وعزَّيْتُهم .
فقال : (( لَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى(الكُدى : القبور) ؟ ))
قالت : معاذ الله أن أكون بَلَغْتُها معهم وقد سمعتُك تذكر في ذلك ما تذكر !
قال صلى الله عليه وسلم : (( لو بَلَغْتِها معهم ما رأيتِ الجنَّةَ حتَّى يراها
جَدُّ أبيكِ ))
(رواه الإمام أحمد 2/168 ، وأبوداود/كتاب الجنائز/باب التعزية ، والنسائي/كتاب
الجنائز/باب النعي).
وهذا دليل آخر على تغطية المرأة وجهها ، وأنَّ سيِّدة نساء أهل الجنَّة ، فاطمة
رضي الله عنها ، قد طبقت ما أمرها الله تعالى به في آية الجلابيب ، وهي حرية بذلك ،
ولو كانت كاشفة عن وجهها لعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة
رضي الله عنهم ، ولما قال عبد الله رضي الله عنه : ما أظنه عرفها .
21- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قَالَ النَّبِيُّصلى الله عليه وسلم :
(( لاَ تُبَاشِرُ المرأةُ المرأةَ فتنْعَتَها لزوجها كأنَّه ينظر إليها ))
(رواه البخاري/كتاب النكاح/باب لا تباشر المرأة المرأة).
وهذا دليل على أنَّ الشارع قد أمر النساء بالاحتجاب عن الرجال ، فأصبح الرجال
لا يرون منهنَّ شيئاً ، ولا يعرفون عن صفاتهنَّ شـيئاً ، ولم يبق للرجال سبيل
إلى معرفة شيء عن النساء إلا أن ترى المرأةُ المرأةَ فتصفها للرجل ، فأوصد
رسول الله صلى الله عليه وسلم باب الشر ، ونهى المرأة أن تصف المرأة للرجل .
ولو كان كشف المرأة وجهها أمام الرجال الأجانب جائزاً لما احتاج الرجل أن تصف
له المرأة المرأة ، ولاسـتغنى عن الوصف بالنظر إليها ، كما يحصل الآن في
المجتمعات التي نبذت الحجاب ، وأسفرت نساؤهم عن وجوههن، فدل على أنَّ
الحجاب معناه ستر جميع البدن دون استثناء شيء منه.
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة ، رحمه الله : إنّما ضُرب الحجاب على النساء لئلا تُرى
وجوهُهن وأيديهن . والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء ، كما كانت سنة
المؤمنين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه أنَّ الحرَّة تحتجب ،
والأمة تبرز ، وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى أمة مختمرة ضربها ، وقال :
أتتشبهين بالحرائر ، أي لُكاع ! فيظهر من الأمة رأسُها ويداها ووجهُها )
(حجاب المرأة المسلمة ، ص 18 ) .
22- وعن أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها : لما نزلت هذه الآية
[وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ] أخذن أزرهنَّ فشققنها، من قِبل
الحواشي ،
اختمرن بها
(رواه البخاري/كتاب تفسير القرآن/باب (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) ،
والآية في سورة النور ، الآية 31).
وعن صفية بنت شيبة ؛ قالت : بينا نحن عند عائشة رضي الله عنها ، قالت :
فذكرن نساء قريش وفضلهنّ ، فقالت : إنَّ لنساء قريش لفضلاً ، وإنِّي ، والله ،
ما رأيت أفضل من نساء الأنصار ، أشدّ تصديقاً بكتاب الله ، ولا إيماناً بالتنزيل ،
لقد أُنزلت سورة النور [وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ] انقلب
رجالهنَّ إليهنَّ ،
يتلون عليهنَّ ما أنزل الله إليهم فيها ، ويتلو الرجل على امرأته وبنته وأخته ،
وعلى كلِّ ذي قرابته ، فما منهنَّ امرأة إلا قامت إلى مرطها الْمُرَحَّل فاعتجرت به
،
تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه
وسلم
معتجرات ، كأنَّ على رؤوسهنَّ الغربان (رواه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور
6/181).
وهذا وصف صادق لحال الصحابيات رضي الله عنهن لما نزلت آية الحجاب ،
وكيف كان تطبيقهنَّ لها ، حيث خرج الرجال من المسجد ، بعد أن سمعوها من
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يتلو الرجل الآية على نسائه ، فبادر النِّساء إلى
مروطهنَّ فشققنها واعتجرن بها ، وما جاء وقت الصلاة حتَّى غطَّت كل منهنَّ
جسدها ورأسها ووجهها ، وأصبحن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُرى
منهنَّ إلاَّ السواد حتَّى وصفتهنَّ أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها بقولها :
كأن
على رؤوسهنَّ الغربان ، ومعلوم أنَّ الغراب كله أسود ، ولا يُرى منه إلا السواد ،
ولو كنَّ كاشفات عن وجوههن لما صح هذا التشبيه .
والمروط : الأكسية ، والاعتجار بها : أن تلف المرأة مرطها على رأسها ووجهها .
قال أهل اللغة : الاعتجار بالعمامة : هو أن يلفها على رأسه ، ويرد طرفها على وجهه
(لسان العرب ، لابن منظور ، مادة ( ع ج ر ) 4/544).
وقد جاء بيان ذلك في السُّنَّة المشرّفة :
ففي حديث عبيدالله بنِ عَدِيِّ ابنِ الْخِيَارِرضي الله عنه قال : وعبيدُ الله
مُعْتَجِرٌ بعِمَامتِه ،
ما يرى وحْشِيٌّ إِلاَّ عَيْنَيْهِ ورِجْلَيْه ، فقال عبيدُ الله : يَا وَحْشِيُّ ،
أَتَعْرِفُنِي ؟ قال :
فنظر إليه ، ثمَّ قال : لاَ والله ، إِلاَّ أنِّي أعلَمُ أنَّ عَدِيَّ بنَ
الْخِيَارِ تزوَّج امرأةً يقال لها :
أُمُّ قِتَالٍ بنتُ أبي العِيصِ فَوَلَدَتْ له غلامًا بمكَّة ، فكنت أَسْتَرْضِعُ
له ، فَحَمَلْتُ ذلك
الغُلامَ مع أُمِّهِ فَنَاوَلتُها إيَّاه ، فَلَكَأنِّي نظرت إلى قدميك ! قال :
فكشف عبيد الله
عن وجهه (رواه البخاري/كتاب المغازي/باب قتل حمزةرضي الله عنه).
والْخِمَارُ : ما تغطي به المرأة رأسها ووجهها .
قال أهل اللغة : التخمير : التغطية ، يقال : خَمَّرَ وجهه أي غطّاه… وكلُّ مغطى :
مُخَمَّر (لسان العرب ، لابن منظور ، مادة ( خ م ر ) 4/254).
وقال ابن حجر العسقلانيُّ الشافعيُّ ، رحمه الله : (( فاختمرن )) أي غطين وجوههن ،
وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه على الجانب الأيمن على العاتق الأيسر ،
وهو التقنع (فتح الباري 8/490).
وقال العينيُّ الحنفيُّ ، رحمه الله : (( فاختمرن بها )) أي غطين وجوههنَّ
بالمروط التي شققنها (عمدة القاري بشرح صحيح البخاري 19/92).
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة ، رحمه الله : إنّما ضُرب الحجاب على النِّساء لئلا
تُرى
وجوهُهنَّ وأيديهنّ . والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء ، كما كانت سنة
المؤمنين في زمن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وخلفائه أنَّ الحرة تحتجب ،
والأمة تبرز ، وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى أمة مختمرة ضربها ، وقال :
أتتشبهين بالحرائر ، أي لُكاع ! فيظهر من الأمة رأسها ويداها ووجهها
(حجاب المرأة المسلمة ص 18).