أما بعد ..
سؤالك عن قضية عريضة جداً، وبما أنك تريد الفرق بينهما فسأعقد مقارنة موجزة بينهما
بذكر ما يعتقده أهل السنة والجماعة وما يعتقده الشيعة الإمامية الاثنى عشرية بناء
على ما جاء في كتبهم المعتبرة التي يؤمن الشيعة بصحتها، ويطبعونها
ويتداولونها بينهم، ويدرسونها في معاهدهم وحوزاتهم إلى يومنا هذا، بل انتعشت
طباعتها بعد الثورة الإيرانية، فأصبحت تطبع في إيران وباكستان ولبنان، وهي
مصدر الدين عندهم، وهذه المعرفة بهم نتاج سنوات طويلة عشت فيها بينهم، قرأت كتبهم،
واستمعت إلى كلام علمائهم؛ ومن أشهر هذه الكتب: نهج البلاغة، والكافي في
الأصول، والكافي في الفروع، وروضة الكافي، وفقيه من لا يحضره الفقيه، والاستبصار،
والتهذيب، وكتاب سليم، وتفسير فرات، وتفسير الصافي، وتفسير العياشي، وتفسير
الطباطبائي (الميزان)، والإيقاظ من الهجعة، والنجعة في الرجعة، والغدير، والأنوار
النعمانية، ومثير الأحزان، وروضات الجنات، وبحار الأنوار، والغيبة، وفصل الخطاب،
وبصائر الدرجات، ومعالم التوحيد، ومفاتيح الجنان، وضياء الصالحين، وكشف الأسرار،
وولاية الفقيه، والاعتقادات، والمقالات، وغيرها من كتب التفسير والحديث والعقائد
عندهم، وهي موجودة بتفصل في كتابي ((ما يجب أن يعرفه المسلم عن عقائد الروافض
الإمامية)).
- وأذكر هنا باختصار شديد أهم الفروق التي بيننا وبينهم :
* أولاً : يؤمن أهل السنة والجماعة أن الكذب حرام، وأنه لا يجوز للمسلم أن يظهر
خلاف ما يعتقد،
وأن من كان ظاهره خلاف باطنه فهو منافق، وإنه لا يجوز أن يلجأ أحد إلى إظهار خلاف
عقيدته إلا في حال الضرورة التي يهدد فيها بالقتل، أو الإيذاء الذي يصل إلى أخذ
ماله، أو النيل
منه ضرباً، أو حبساً، أو نحو ذلك، وما عداه فإنه يجب على المسلم أن يظهر دينه،
ويعتز به،
ويدعو الناس إليه.
أما الشيعة الاثنا عشرية فيعتقدون أن الكذب دين يجب أخذ النفس به، وأنه لا يجوز
تركه، ومن
تركه كان بمنزلة من ترك الصلاة، وبمنزلة من ترك الدين، والكذب عندهم من أعظم
الطاعات،
فتجد أحدهم يعيش بين المسلمين ويظهر لهم أنه موافق لهم ومع ذلك هو في باطنه مخالف
لهم، بل
ويحرص على إظهار مخالفته لقومه الرافضة، وتجد كل جماعة منهم تظهر مخالفتها لغيرها،
ويرون أن ذلك أدعى لبقائهم حتى لا يجتمع الناس على كلمة واحدة بشأنهم.
وحتى يخرجوا من حرج شناعة الكذب في نفوس الناس، سموا الكذب تقية، وأولوا له الآيات
القرآنية وفسروها بما يخدم هدفهم، ووضعوا أحاديث في فضائل التقية، وقالوا لأتباعهم:
إن التقية
لا ترفع حتى يخرج المهدي من سرداب سامراء في العراق.
والتقية هي السبب الذي استطاع من خلاله هؤلاء أن يعيشوا بين المسلمين لا يعلم
بحقيقة دينهم
إلا قليل ممن خالطهم وقرأ كتبهم، وتجدهم كلما اكتشف أحد شيئاً عن دينهم بادروا إلى
الإنكار،
وادعوا أن ما قيل عنهم كذب وافتراء، أو أنه قول شاذ كما هو موجود في كل مذهب.
قال ابن بابويه القمي في كتابه الاعتقادات: التقية واجبة، من تركها كان بمنزلة من
ترك
الصلاة، ولا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم (المهدي) ومن تركها قبل خروجه فقد خرج
عن دين الله، وعن دين الإمامية.
وروى الكليني: عن جعفر بن محمد (ع) أنه قال: تسعة أعشار الدين في التقية،
ولا دين لمن لا تقية له.
وروى عنه أيضاً أنه قال: إن الناس إنما هم في هدنة، فلو قد كان ذلك كان هذا.
أي إذا خرج المهدي من سردابه تركت التقية.
وروى عنه أيضاً: كلما تقارب هذا الأمر (خروج المهدي) كان أشد للتقية.
وقال محمد جواد مغنية في كتابه الشيعة في الميزان: (الغاية تبرر الوسيلة)
عنوان يحكي التقية كما هي عندنا، وكانت التقية ومازالت ديناً يدين به كل سياسي
في الشرق والغرب، حتى المخلص الأمين.
ومن عجيب أمرهم: قدرتهم على المراوغة، فكلما جئتهم بقول شنيع من كتبهم،
أخرجوا لك قولاً يناقضه، وهذا أصل من أصولهم يفتخر به علماؤهم،
وهذا من أعجب ما رأيت عند أهل البدع.
ومن نظر في كتب مغنية والرضوي وشرف الدين الحسيني، وقبلهم الطبرسي يجد ذلك
ظاهراً، بل إن الذي يقرأ كتاب الاستبصار، وهو أحد الكتب الصحاح الأربعة عندهم،
لشيخ الطائفة الطبرسي يجد العجب من قدرة الرجل على التلون، فكلما جاءت رواية
عن أئمتهم تخالف ما استقروا عليه من دينهم، قال: هذا خرج مخرج التقية، في
أربعة مجلدات كاملة، هي حجم كتابه الاستبصار.
وروى الكليني عن زرارة أنه قال: سألت أبا جعفر (ع) عن مسألة فأجابني، ثم جاء رجل
فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاء رجل آخر فسأله عنها فأجابه بخلاف ما
أجابني
وأجاب صاحبي، فقلت: يا ابن رسول الله، رجلان من أهل العراق، من شيعتكم، أجبت كل
واحد
منهما بخلاف ما أجبت به صاحبه وما أجبتني ؟ فقال: يا زرارة، إن هذا خير لنا، وأبقى
لنا ولكم،
ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا، ولكان أقل لبقائنا وبقائكم !!!
وعلق خميني في كتابه كشف الأسرار على هذه الرواية قائلاً: إنهم عليهم السلام كانوا
يصدرون
أحياناً أوامر مخالفة لأحكام الله، حتى ينشب الخلاف بين الشيعة أنفسهم لتضليل
الآخرين،
وتفادياً لوقوعهم في المآزق !!!
* ثانياً : يؤمن أهل السنة والجماعة أن الله تعالى هو الخالق الرزاق المحيي المميت،
المدبر لشؤون عباده، عالم الغيب والشهادة وهذا أمر لا يجادل فيه أكثر الأمم التي
بعث
الله أنبياءه إليهم، كما قال تعالى [ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولون
الله].
أما الشيعة الاثنى عشرية فيرون أن الله تعالى خلق اثني عشر إماماً من نور عظمته، ثم
جعلهم
حول عرشه أحقاباً طويلة من السنين، ثم من هذه الأنوار فتق جميع مخلوقاته العلوية
والسفلية، ثم
فوض لهؤلاء الأنوار (الأئمة) شؤون الكون؛ فهم الذين يحيون ويميتون، ويرزقون
ويمنعون،
ويدبرون الكون، ويضرون وينفعون، ويعلمون الغيب والشهادة ما كان منه وما يكون، ولا
يموتون إلا برضاهم وعلمهم، إلى خرافات كثيرة، سلبوا فيها خصائص الرب سبحانه وتعالى
وأعطوها الأئمة، حتى صوروا الله تعالى في عقول أتباعهم أنه تابع لرغبات هؤلاء
الأئمة، بل
خميني في كتابه الحكومة الإسلامية الذي ترجم إلى عدة لغات وكان يتكلم فيه بحذر
شديد، ولا
يريد إظهار مخالفته لأهل السنة والجماعة، ومع كل ذلك اقرأ ما يقول: فإن للإمام
مقاماً محموداً
ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون، وإن من
ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وبموجب ما لدينا
من
الروايات والأحاديث فإن جبريل قال: لو اقتربت قيد أنملة لاحترقت، وقد ورد عنهم (ع):
إن لنا
مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل، ومثل هذه المنزلة موجودة لفاطمة
الزهراء (ع).
* ثالثاً : يؤمن أهل السنة والجماعة أن الله تعالى سمى نفسه بأسماء ووصف نفسه
بصفات، هي
أسماء حسنى وصفات عليا، وأن هذه الأسماء والصفات لا نأخذها إلا من كتاب ربنا وما صح
من
سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن هذه الأسماء والصفات لها معان حقة، إلا أنا
لا نعلم
كيفيتها، بل لا يعلمها إلا الله تعالى، فنثبت ما أثبته الله تعالى لنفسه من الأسماء
والصفات، ونؤمن
أنها حق، ونكل أمر كيفيتها إلى الله تعالى، كما قال سبحانه [ليس كمثله شيء وهو
السميع
البصير] فأثبت سبحانه لنفسه السمع والبصر، ونفى عن نفسه مشابهة المخلوقين.
أما الشيعة الاثنا عشرية، فكانوا في أول أمرهم مشبهة، يشبهون الله تعالى بخلقه؛ ومن
رؤوسهم في هذا الباب هشام الجواليقي وشيطان الطاق ونحوهم، ثم أخذوا مذهب المعتزلة
في
نفي صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه، وزادوا عليهم ادعاء أن هذه الأسماء والصفات
هم
الأئمة الاثنا عشر، فيقولون: قدرة الله الإمام، وعين الله الإمام، ويد الله
الإمام...إلخ.
* رابعاً : يؤمن أهل السنة والجماعة أن الله تعالى ما بعث رسله عليهم السلام إلا
لتبليغ دينه وأمر
الناس أن يفردوا الله تعالى بالعبادة، فيكون دعاؤهم، ورجاؤهم، وإنابتهم، وخوفهم،
وخشيتهم،
ورهبتهم، وبذلهم ومنعهم، وحبهم وبغضهم كله لله تعالى وحده لا شريك له، لأنه تعالى
المتفرد
بالخلق، المتفرد باستحقاق العبادة، قال تعالى [وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون]
وقال تعالى
[إياك نعبد وإياك نستعين] وبين تعالى حجة المشركين الواهية التي عبدوا غير الله
بسببها، فكانوا
يتوجهون بدعائهم لغير الله تعالى [ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى] ولم يبعث
الله عز وجل
نبياً من أنبيائه عليهم السلام إلا ودعا قومه إلى توحيد ربه تعالى، قال تعالى :
[وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون].
أما الشيعة الاثنا عشرية فلا يعرفون الله تعالى إلا من خلال الإشراك به، فجعلوا
قبلة دعائهم قبور
أئمتهم؛ شيدوها، وبنوا عليها القباب العالية الفاخرة، وألفوا كتباً في أحكام وآداب
حجها وزيارتها،
واستغاثتهم بأصحابها من دون الله تعالى، يطوفون بها كما يطوفون بالكعبة، ويعتقدون
أن حجهم
للقبور أفضل من حجهم بيت الله تعالى، بل عندهم أن حج قبر الحسين بن علي رضي الله
عنهما
أفضل من سبعين ألف حجة إلى بيت الله تعالى، ومن زاره في قبره فكأنما زار الله في
عرشه،
وأن من زار قبر الرضا لزمه ما يلزم الحاج من اجتناب محظورات الإحرام.
قال خميني في كشف الأسرار: طلب الحاجة من الحجر، أو الصخر ليس شركاً.
ومن نظر إليهم كيف يصنعون إذا جاءوا إلى البقيع علم أنهم عباد قبور.
* خامساً : يؤمن أهل السنة والجماعة أن القرآن الكريم هو كتاب الله العظيم، وحبله
المتين، وأن الله
تعالى حفظه من عبث العابثين، فسلم من التحريف والتغيير منذ أنزله الله تعالى على
رسوله محمد
صلى الله عليه وسلم، ومن ادعى أنه زيد فيه أو نقص منه ولو حرفاً واحداً كفر بإجماع
العلماء.
أما الروافض فيعتقدون أنه لم يجمع القرآن إلا أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وأنه
أخفاه
بعد ذلك، وورثه لبنيه من بعده إلى أن وصل إلى مهديهم الذي دخل به سرداب سامراء ولن
يخرج إلا في آخر الزمان ومعه مصحف فاطمة، وهو مثل قرآن المسلمين ثلاث مرات، وليس
فيه مما في قرآن المسلمين حرف واحد، ويعتقدون أن القرآن الموجود الآن بين أيدي
المسلمين
كتاب محرف، زيد فيه ما ليس منه، ونقص منه ما هو منه، وحرفت كلماته، وهذا أمر أطبق
عليه
علماؤهم، وصرحوا به في كتبهم، بل وأفردوا كتباً في إثبات هذا الأمر بزعمهم، وذكروا
أن عدد
الأحاديث المصرحة بوقوع تحريف القرآن بلغت أكثر من ألفي حديث عندهم، بل كتبهم التي
يستقون منها دينهم والتي لا مصدر لعقائدهم سواها صرحت بهذه العقيدة الباطلة، وأن
القول بها
من ضروريات التشيع، وأن من قال من علمائهم بخلاف هذا، وهم أربعة علماء فقط، فقوله
عندهم محمول على التقية ومجاراة أهل السنة والجماعة !!!
قال المفيد في المقالات: اتفقوا (الشيعة) على أن أئمة الضلال –أبا بكر وعمر-
خالفوا في كثير من تأليف القرآن، وعدلوا فيه عن موجب التنزيل.
وقال نعمة الله في الأنوار النعمانية: إن الأصحاب (علماء الشيعة) قد أطبقوا على صحة
الأخبار المستفيضة، بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن؛
كلاماً ومادة
وإعراباً، والتصديق بها.
وقال الشريف في مرآة الأنوار: إن القول بتحريف القرآن من ضروريات مذهب التشيع.
ومن أشهر كتبهم المؤلفة في هذا الشأن كتاب :
((فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب)) للنوري الطبرسي.
- ملاحظة: تأتي شبهة قوية؛ وهي أننا نرى بعض الشيعة يتعاملون مع القرآن قراءة
وحفظاً،
فكيف نجمع بين هذا وبين قولهم بتحريف القرآن؟
الجواب: معرفة أصول هذا المذهب، وما قاله علماؤهم في هذا الباب توضح الأمر
وتبين لماذا يفعلون هذا؟ وذلك من أوجه:
1- أنّ من أصول مذهب الروافض: الإيمان بالتقية والعمل بها؛ لذلك يخفون هذا الأمر
لشناعته عند المسلمين، ولا يظهرونه أمامهم؛ لذلك تجدهم يظهرون خلاف ما في كتبهم حتى
يحار الناظر في حالهم، ويصعب عليه الجمع بين ما في كتبهم وبين قولهم وادعائهم وعمل
بعضهم.
2- من أصولهم: إظهار أنهم مختلفون فيما بينهم، كما ذكرت ذلك في مسألة التقية قبل
قليل؛
فتجد منهم من ينكر ذلك، ومنهم من ينسبه إلى بعض الغلاة، ومنهم من يأتيك بأسماء
علمائهم
الأربعة الذين أنكروا التحريف، وإذا نظرت في كتبهم التي يستقون دينهم منها وجدت هذه
العقيدة
بعبارات صارخة قوية لا تحتمل التأويل موجودة في كتبهم المعتبرة، بل ووجدت نفي
ومهاجمة
كل قول يقول إنه لم يقع التحريف في القرآن، بل ستجدهم يذكرون الإجماع من كبار
علمائهم أن
عقيدة القول بتحريف القرآن أصل من أصولهم.
3- من أقل المسلمين عناية بالقرآن الروافض الاثنا عشرية، فلا تكاد ترى أحدهم يقرأ
القرآن،
ويندر أن ترى من يقيم حروفه، فضلاً عن أن تجد حافظاً له.
4- يخاف أكثر الاثنى عشرية حفظ كتاب الله تعالى قبل خروج مهديهم المزعوم؛
لأنهم يعتقدون أن المهدي سيأتي بالقرآن الخاص بهم، الذي لا يعرفه أحد غيره، ومن حفظ
القرآن
المحرف (وهو كتاب الله تعالى الذي يعتقده المسلمون أجمعون) من حفظه الآن فإنه يصعب
عليه
حفظ قرآن المهدي، لذلك يجتنبون حفظه الآن ما أمكنهم إلا القليل منهم الذي يحفظونه
لتقوية
ألسنتهم بالعربية، ومعرفة الأحكام لمن أراد التخصص في الحوزات.
قال الطبرسي في فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب: قد صح عن أئمتنا (ع)
أنهم قد أمروا بقراءة ما بين الدفتين، وأن لا نتعداه إلى زيادة فيه ولا إلى نقصان
منه إلى أن يقوم
القائم (ع)، فيقرىء الناس على ما أنزل الله، وجمعه أمير المؤمنين (ع)، وإنما نهونا
عن قراءة
ما وردت به الأخبار؛ لأنه متى قرأ الإنس