الأدلة من الكتاب ( 2 / 8 )
سأورد ، إن شاء الله تعالى ، آيات من كتاب الله تعالى ، وأذكر ما قاله أئمة التفسير
فيها ؛
من الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم من المفسرين ، حتى يتضح المقصود منها ،
وإذا أردتِ الاستزادة فعليكِ بكتب التفسير التي رجعتُ إليها في هذه الرسالة ،
وعددها قرابة سبعين تفسيراً.
هذه الآية الكريمة نصٌّ جلي واضح على وجوب احتجاب النّساء عن الرجال، بل في الآية
بيان
لطريقة لبس المرأة جلبابها حتى يغطي وجهها وجميع بدنها ، فلا يرى الناظر إليها إلا
السواد .
قال السيوطيّ الشافعيّ ، رحمه الله : هذه آية الحجاب في حقِّ سائر النِّساء ،
ففيها وجوب ستر الرأس والوجه عليهنّ . (عون المعبود 11/158).
والجلباب : ثوب واسع يُلتحف به ، فيجلل جميع الجسد .
(لسان العرب ، لابن منظور ، مادة ( ج ل ب ) 1/273).
وقال القرطبي المالكي ، رحمه الله : الجلباب : الثوب الذي يستر جميع البدن .
(الجامع لأحكام القرآن 14/243 1).
وفي جامع البيان : الجلباب : رداءٌ فوق الخمار يستر من فوق إلى أسفل ،
يعني يرخينها عليهنّ ، ويغطين وجوههنَّ وأبدانهنّ . (عون المعبود 11/158).
وقال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري ، رحمه الله : يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله
عليه
وسلم : يا أيُّها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين لا تتشـبهن بالإماء في
لباسهن
إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فكشفن شـعورهن ووجوههن. ولكن ليدنين عليهن
من جلابيبهن لئلا يعرض لهن فاسق ، إذا علم أنهن حرائر ، بأذى من القول .
(جامع البيان عن تأويل آي القرآن20/324).
وعند نزول هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتلاوته لها
على الصحابة في مسجده صلى الله عليه وسلم بادر الجميع إلى تنفيذ ما جاء فيها .
ولنترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثونا عن ذلك :
قالت أمُّ المؤمنين أمُّ سلمة رضي الله عنها : لَمَّا نزلت هذه الآية :
[ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ] خرج نساءُ الأنصار كأنَّ على
رؤوسهنَّ الغربان
من أكسية سود يلبسنها . (رواه عبد الرزاق 2/123 ، وابن أبي حاتم 10/3154).
وقالت أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها : رحم الله نساءَ الأنصار ! لَمَّا نزلت
[ يَـأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ ]
الآية . شققن مروطهنَّ فاعتجرن بها ،
فصلين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنَّ على رؤوسِهن الغربان .
(رواه ابن مردويه كما في الدر المنثور 6/660).
وقال عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما : أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من
بيوتهن
في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ، يبدين عيناً واحدة .
(رواه ابن أبي حاتم 10/3154 ، وابن جرير 20/324).
وقال محمّد بن سيرين : سألت عبيدة السلماني رضي الله عنه ، عن قول الله تعالى
[ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ] فتقنع بملحفة ، فغطى رأسه ووجهه
وأخرج إحدى عينيه .
(رواه ابن أبي حاتم 10/3155 ، وابن جرير 20/3243).
وقال محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه : أمرهن الله تعالى أن يخالفن زيَّ الإماء ،
ويدنين عليهنَّ من جلابيبهنّ ؛ تخمر وجهها إلا إحدى عينيها .
واه ابن سعد كما في الدر المنثور 6/659 4).
وقد أجمع المفسرون على تفسير الآية بما فسَّرها به الصحابة رضي الله عنه ،
وإليكِ ، أختي المسلمة ، بعض أقوالهم :
قال المودوديُّ ، رحمه الله : كلُّ من تأمل كلمات الآية ، وما فَسَّرَها به أهل
التفسير في جميع
الأزمان بالاتفاق ، وما تعامل عليه النَّاس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ،
لم ير في الأمر مجالاً للجحود بأنَّ المرأةَ قد أمرها الشرعُ الإسلامي بستر
وجهها عن الأجانب ، ومازال العمل جارياً منذ عهد النبيِّ
صلى الله عليه وسلم إلى هذا اليوم .
(الحجاب والسفور ص 98).
وفي تفسير الكشاف : ومعنى [ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ] يرخينها
عليهنّ ،
ويغطين بها وجوههنَّ وأعطافهنّ ، يقال إذا زال الثوب عن وجه المرأة : أدني ثوبكِ
على وجهِكِ
… أُمرن أن يخالفن بزيهنَّ عن زيِّ الإماء بلبس الأردية والملاحف ، وستر الرؤوس
والوجوه ،
ليحتشمن ويهبن فلا يطمع فيهنَّ طامع .
(الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل 3/274).
وقال البُرسويّ الحنفيّ ، رحمه الله : [ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ
] والمعنى :
يغطين بها وجوههنَّ وأبدانهنَّ وقت خروجهنَّ من بيوتهنَّ لحاجة، ولا يخرجن مكشوفات
الوجوه
والأبدان كالإماء [ فلا يُؤذين ] من جهة أهل الفجور بالتعرض لهنّ …
وفي الآية تنبيه لهن على حفظ أنفسهنَّ ورعاية حقوقهنَّ بالتصاون والتعفف .
وفيه إثبات كرامتهنَّ وعزَّة قدرهنّ ، وينبغي للمسلمات التستر والتعفف ، وإذا خرجن
نهاراً لضـرورة ، يبالغن في التغطي ورعاية الأدب والوقار ، وغضّ البصر عن الرجال ،
ولا يخرجن
إلاَّ في ثياب دنيئة . وعلامة المرأة الصالحة ، عند أهل الحقيقة ، أن يكون حسنها
مخافة الله ،
وغناها القناعة ، وحليها العفة ، أي التكفف عن الشرور والمفاسد والاجتناب عن مواقع
التهم .
(تنوير الأذهان من تفسير روح البيان 3/254 ، وللمزيد يُنظر أحكام القرآن للجصاص
3/372 ، وبحر العلوم للسمرقندي 3/60 ، والنسفي 3/79 ، وأبو السعود 4/433 ، والآلوسي
22/89 ، والمنصوري 4/281 ، وحوى 8/4484 ، والخجواني 2/163 ، والسيزواري 5/453 ،
والصابوني 2/532 .).
وقال ابن عطية الأندلسيُّ المالكيُّ ، رحمه الله : لَمَّا كانت عادة العربيات
التبذل في معنى الحجبة
، وكنَّ يكشفن وجوههنّ ، كما يفعل الإماء ، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن ،
وتشعب
الفكر فيهنّ ، أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأمرهنَّ بإدناء الجلابيب ،
ليقع سترهن
، ويبين الفرق بين الحرائر والإماء ، فيعرف الحرائر بسترهنّ ، فيكف عن معارضتهنّ .
(المحرر الوجيز 13/99 ).
وقال القرطبيُّ المالكيُّ ، رحمه الله : لما كانت عادة العربيات التبذل ، وكنَّ
يكشفن وجوههنَّ كما
يفعل الإماء ، وكان ذلك داعيةً إلى نظر الرجال الأجانب إليهنّ ، وتشعب الفكرة فيهنّ
، أمر الله
رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهنَّ إذا أردن الخروج إلى
حوائجهنّ .
(الجامع لأحكام القرآن 14/243).
وقال أبو حيان الأندلسيُّ ، رحمه الله : قال السُّدي : تغطي إحدى عينيها وجبهتها
والشق الآخر إلا العين .انتهى. وكذا عادة بلاد الأندلس ؛ لا يظهر من المرأة إلا
عينها الواحدة .
وقال :[ عَلَيْهِنَّ ] على وجوههن ، لأنَّ الذي كان يبدو منهنَّ في الجاهلية هو
الوجه .
(البحر المحيط 7/240، وللمزيد يُنظر ابن صمادح ص 480 ، وابن العربي 3/624 ،
وابن جزي 3/144 ، والمرغني 2/93 ، والشنقيطي 6/586 ، والجزائري 3/580).
وقال البيضاويُّ الشافعيُّ ، رحمه الله : [ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن
جَلاَبِيبِهِنَّ ] يغطين وجوههنَّ وأبدانهنَّ
بملاحفهنَّ إذا برزن لحاجة ، ومِن للتبعيض ، فإنَّ المرأة تُرخي بعض جلبابها وتتلفع
ببعض .
(أنوار التنزيل وأسرار التأويل 4/168).
وقال القميُّ الشافعيُّ ، رحمه الله : [ ذَلِكَ ] الإدناء [ أَدْنَى ] وأقرب إلى [
أَن يُعْرَفْنَ ] أنَّهنَّ حرائر ،
أو أنَّهنَّ لسن بزانيات ، فإنَّ التي سترت وجهها أولى بأن تستر عورتها [ فلا يؤذين
] لا هنَّ
ولا رجالهنَّ أقاربهن ، لأنَّ أكثر الإيذاء والطعن إنَّما يتفق من جهة نساء العشيرة
إذا كنَّ مرئيات،
فضلاً عن كونهن مزينات (غرائب القرآن ورغائب الفرقان 22/30).
وقال الواحديُّ الشافعيُّ ، رحمه الله: قال المفسرون: يغطين رؤوسهنَّ ووجوههنَّ إلا
عيناً واحدة،
فيُعلم أنَّهنَّ حرائر فلا يُعرض لهنَّ بأذى (الوسيط 3/482).
وقال الهنداوي : فحسبنا أقوال المفسرين التي تضافرت جميعها على أنَّ المقصود منها
هو إدناء
الجلباب على الوجه بحيث لا يظهر من المرأة إلا عينُها اليسرى ، ولو كان ثم دليل على
فريضة
النِّقاب لكانت الآية وكفى .
(الحجاب والسفور ص 98 ، ولمزيد تفصيل يُنظر تفاسير القرآن العظيم للعلماء
الشافعيّة: الفراء
2/349 ، وابن أبي حاتم 10/3154 ، والنحاس 5/377 ، والماوردي 4/424 ، والواحدي
في الوجيز 2/873 ، وفي الوسيط 3/482، والسمعاني 4/306 ، وإلكيا الهراس 4/350 ،
والبغوي 6/376 ، والرازي 25/231 ، وابن عبد السلام 2/590 ، والبيضاوي 5/168 ،
والخازن 5/276 ، والقمي 22/30 ، وابن كثير 6/470 ، والمحلي ص 357 ، والثعالبي
4/359 ، والبقاعي 15/410 ، والسيوطي 6/658 ، والشربيني 3/271 ، والخفاجي
7/229 ، والصاوي 3/288 ، والجمل 3/455).
وفسَّر الآية الكريمة بتغطية المرأة وجهها أئمةُ التفسير قاطبة في تفاسيرهم ،
على اختلاف مذاهبهم ، وبلدانهم ، وعصورهم .
(وللمزيد يُنظر تفسير البصري 2/214، والسُّدي ص 386 ، وعبد الرزاق 2/123، وابن
الجوزي 6/422 ، وابن تيمية 5/343، وابن عادل 15/589 ، والشـوكاني 4/295 ،
والقنوجي 11/143 ، والقاسمي 13/308 ، وجوهري 16/38 ، والمبارك 3/518 ،
والمراغي 22/36 ، والسعدي 6/347 ، والرفاعي 3/518 ، وحجازي 22/27 ،
وسيد طنطاوي 11/115 ، والزحيلي 22/106).