كيف
تؤدي العُمْرَة
* المقدمة :
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى
آله
وصحبه، أمَّا بعد..
فهذه رسالة مختصرة ذكرت فيها صفة وأحكام العمرة، وضعتها تذكرةً لنفسي ولمن شاء
الانتفاع بها من إخواني قاصدي بيت الله الحرام من الحجّاج والمعتمرين.
حرصت فيها على إيراد كثيرٍ من الأحكام مقرونةً بأدلَّتها حتَّى تطمئن نفس قارئها
إلى
صحة ما ورد في هذه الرسالة من أحكام.
- وقسمتها أربعة أقسام؛ وهي:
القسم الأول: من تجب عليه العمرة.
القسم الثاني: ماذا تفعل إذا وصلت الميقات.
القسم الثالث: كيف تؤدي طوافك وسعيك.
القسم الرابع: محظورات الإحرام.
واللهَ تعالى أسأل أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن ينفعني وإخواني بها،
وأن يتقبلها بالقبول الحسن، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير وبالإجابة جدير.
وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه والتَّابعين.
* من تجب عليه العمرة :
العمرة واجبة في العمر مرة واحدة على كلِّ مسلم ، بالغ ، عاقل ، حرٍّ ، مستطيع .
قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم :
(( رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَة : عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظ ، وَعَنْ
الطِّفْلِ حَتَّى يَحْتَلِم ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِل )) .
والمستطيعُ هو الصحيح في بدنه الذي يملك المال الذي يستطيع أن يوفِّر لنفسِه به
الزاد ووسيلة المواصلاتِ التي توصله إلى بيت الله الحرام ، وأن تكون الطريقُ خالية
من العوائق .
قال الله تعالى [ وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
سَبِيلاً ] .
وتجوز العمرة في جميع أيام السنة .
* ماذا تفعل إذا وصلت الميقات :
إنَّ مما خصَّ اللهُ تعالى به بيتَه العتيق : أن جعل حوله مواضع لا يجوز لقاصد
البيت
- لحجٍّ أو عمرة - أن يتجاوزها ، أو يحاذيها - إذا لم يمرَّ بها - إلاَّ وهو محرم .
وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدَّ لأمَّته هذه المواضع، وأمرهم أن يحرموا
عند وصولهم إليها ، ماداموا قاصدين الحجَّ أو العمرة .
لذلك يجب على كلِّ مسلم – يريد الحجَّ أو العمرة - أن يحرم من الميقات إذا مرَّ به
، ولا يتجاوزه دون إحرام .
* والمواقيت التي حدَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة ؛ وهي :
- الأول : ذو الحليفة ، المسمى ( أبيار علي ) ، وهذا الميقات لأهل المدينة ومن مرَّ
بها
ممن يريد الحجَّ أوالعمرة ، ويقع على الطريق السريع عن يمين قاصد مكة المشرفة ،
بعد خروجه من المدينة النبوية ، وبينه وبين مكة 410 كيلوات .
- الثاني : الْجُحفة ، بالقرب من رابغ ، في جنوبيه الشرقي ، وهذا الميقات لكلِّ من
أتى
من الشمال الغربي للحجاز ، كأهل مصر والشام والمغرب الذين لم يمروا بالمدينة ،
ويمكن الإحرام من رابغ لقربه من الجحفة ، وهو على بعد 170 كيلاً من مكة المكرمة .
- الثالث : قرن المنازل ( السيل الكبير ) ، وهو واد متصل بوادي محرم ، لذلك يحرم من
جاء من الجنوب - عن طريق جبال السراة - من وادي محرم ، وبينه وبين مكة 80 كيلاً ،
ويقع بين الطائف والهدى ، ومن جاء من نجد يُحرم من قرن المنازل ، وبينه وبين مكة 75
كيلاً
على الطريق السريع الذي يصل الرياض بمكة .
- الرابع : يلملم ( السعديَّة ) في تهامة ، للقادم من جنوب وجنوب غربي الحجاز ،
كأهل اليمن والسودان ، وهو ميقات أهل الساحل الجنوبي ، بينه وبين مكة 135 كيلاً .
- الخامس : ذات عرق ( الضريبة ) للقادم من العراق ، ولكون الطريق لا يمرّ بها الآن
،
إنَّما يمرّ بقرن المنازل ، فإنَّ أهل العراق يحرمون من ميقات أهل نجد ، وهو قرن
المنازل .
وقد قامت الحكومة السعودية ـ وفقها الله للخير ـ ببناء مساجد كبيرة في هذه المواقيت
،
زودتها بما يحتاجه الحجّاج والمعتمرون من خدمات مختلفة ، يسرت الإحرام منها ،
وتنتدب مرشدين لإرشاد الناس ، والإجابة على أسئلتهم ، وتوزيع الأشرطة والكتب
بينهم مجاناً، فجزاهم الله خيراً .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه المواقيت ، بعد أن وَقَّتَها :
(( فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ
كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَة ،
فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِه ، وَكَذَاكَ حَتَّى أَهْلُ
مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا )) .
فمن مرَّ بشيءٍ من هذه المواقيت – وهو يريد الحجَّ أو العمرة - وجب عليه الإحرام
منه ، ومن كان منزله داخل نطاق المواقيت فإنه يُحرم من منزله ، وكذا من تجاوز
الميقات
وهو لا يريد الحجَّ أو العمرة ، أو كان متردداً ثم عزم على الحجِّ أو العمرة فإنَّه
يحرم من
المكان الذي عزم فيه على ذلك ، وإن كان قد تجاوز الميقات ، أما من كان ناوياً أن
يحجَّ
أو يعتمر وهو خارج المواقيت فإنَّه لا يجوز له تجاوزها إلا وهو محرم .
ومن تجاوز الميقات دون إحرام – وهو يريد الحجَّ أو العمرة- لزمه ذبح شاة في مكة ،
ويوزع لحمها بين فقراء مكة، أو يوكِّل من يقوم بذلك .
وإن عاد إلى الميقات - قبل أن يُحرم - وأحرم منه ، فلا دم عليه لأنَّه يكون حينئذ
قد جاء بالواجب ، وهو الإحرام من الميقات .
- ومن وصل الميقات – وهو يريد الحجّ أو العمرة - شُرع له أن يفعل الآتي :
1-الاغتسال : يستحب للرجال والنساء ، حتَّى الحائض والنفساء ، تغتسل وتحرم ، وتظل
على إحرامها حتى تطهر ، ثم تغتسل من حيضها أو نفاسها ، وتأتي بما بقي عليها من نسك
.
وتخطيء بعض النساء الْحُيّض إذا وصلن إلى الميقات - وهنَّ يردن الحجَّ أو العمرة –
عندما يتركن الإحرام من الميقات ظنَّاً منهنّ أنَّ الحائض والنفسـاء لا يجوز لهما
الإحرام ،
وهذا خطأ بل يجب عليهما الإحرام من الميقات ، وإن كان دم الحيض أو النفاس قد نزل
عليهما ، وَهُوَ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَمَّ
الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ؛
حَيْثُ قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلاَ نَرَى إِلاَّ
الْحَجَّ حَتَّى إِذَا كُنَا بِسَـرِف
( اسم لموضع قريب من مكة ) ، أَوَ قَرِيباً مِنْهَا حِضْتُ ، فَدَخَلَ عَلَيَّ
النَّبِيُّ صلى الله عليه
وسلم وَأَنَا أَبكِـي ؛ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : (( أَنَفِسْتِ ؟ )) يعني
الحيضة. قَالَتْ: قُلْتُ :
نَعَمْ. قَالَ : (( إِنَّ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَم ،
فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غيرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى
تَغْتَسِلِي )) .
ولما ولدت أسماءُ بنتُ عميس رضي الله عنها قَالَ لَهاَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه
وسلم :
(( اغْتَسِلِي ، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ ، وَأَحْرِمِي )) .
[والاستتثفار : شدُّ الوسط بثوب ، ووضع ما يمنع خروج الدَّم] .
2-التنظف : بتقليم الأظفار ، ونتف شعر الإبط ، وحلق شعر العانة، وقص الشارب ،
إن احتاج إلى ذلك ، وكلُّها من سنن الفطرة .
3-التجرد من الثياب للرِّجال وجوباً ، ولبس ثوبي الإحرام، ويستحب أن يكونا أبيضين،
جديدين ، أو غسيلين ، إزاراً ورداءً .
أما المرأة فتلبس ما شاءت من ثياب ، بشرط كونها ثياباً ساترة ، ليس فيها تشبه
بالرجال .
ولا بأس بلبس النعال ، والنظارة ، والساعة ، والحزام الذي توضع فيه النقود .
4-الإحرام بعد صلاة فريضة ، أو ركعتي نافلة ، وهو من المستحبات .
5-التطيب : لا بأس به في الجسد والثوب قبل الإحرام ، أما بعده فممنوع منه المحرم -
ذكراً
كان أو أنثى - حتى يحلَّ إحرامه ، ولو خلع ثوبه الْمُطَيَّب فلا يجوز له إعادة لبسه
حتَّى يغسل
ما به من طيب .
قالت أُمُّ المؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْها : كُنْتُ أُطَيِّبُ
النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ
إِحرَامِهِ بِأَطيَبِ مَا أَجِد.
6-النية : وهي شرط ، لا تصح العمرة إلاَّ بها ، وصفتها: أن يقصد العمرة التي يريد
أداءها،
ويقول في نفسه : اللهم إني أريد العمرة فيسرها لي ، وتقبلها مني ، وأعني عليها ،
ثمَّ يُلَبِّي وهو مستقبل القبلة ، كما قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :
(( أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي
الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّة )) .
وكما قال أمير المؤمنين عليٌّ رضي الله عنه : اللَّهُمَّ إِنِِّي أُهِلُ بِمَا
أَهَلَّ بِهِ رَسُولُك .
ولا بأس أن يزيد : (( لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعدَيْك ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيكَ
لَبَّيْك ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَل ))
و (( لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ لَبَّيْك )) و (( لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْك ،
لَبَّيْكَ إِلَهَ الآخِرَة )) .
ومعنى لبيك : إجابة بعد إجابة لله تعالى ، فهو قصدي ووجهتي ، وله محبتي وطاعتي .
يجهر بها الرجال وتخفيها النساء ، ويكثر من التلبية خاصة عند الصعود والهبوط ،
وتجدد الأحداث ، وفراغه من الصلاة حتى يبدأ في الطواف ، ويُكثر من ذكر الله تعالى .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( قَالَ لِي جِبْرِيْلُ : يَا مُحَمَّد ، مُرْ أَصْحَابَكَ فَلْيَرْفَعُوا
أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ فَإِنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْحَجّ )).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( مَنْ أَضحَى يَوماً مُحرِماً مُلَبِّياً حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ غَرَبَتْ
بِذُنُوبِه فَعَادَ كَمَا وَلَدَتهُ أُمُّه )) .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( مَا أَهَلَّ مُهِلٌّ قَطّ إِلاَّ بُشِّر ، وَلاَ كَبَّرَ مُكَبِّرٌ قَطُّ إِلاَّ
بُشِّر ))
قِيْلَ : يَا نَبِّيَّ الله ، بِالْجَنَّة ؟ قَالَ : (( نَعَم )) .
ملاحظة : إن خشي المعتمر أن يفوته الإحرام من الميقات - خاصة لمن كان يركب الطائرة
–
فليسأل عنه ، فإن لم يجد من يرشده فعليه أن يحتاط ويحرم بوقت يعلم به أنَّه أحرم
قبل تجاوزه .
* كيف تؤدي طوافك وسعيك :
إذا وصلت المسجد الحرام فادخله وأنت على طهارة ، مقدماً رجلك اليمنى ؛ قائلاً :
(( أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِـيم ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيم ، وَسُلْطَانِهِ
الْقَدِيم مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم ، بِسْمِ الله ،
وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ الله ، اللَّهُمَّ افتَحْ لِي اَبْوَابَ
رَحمَتِك )) .
ثم توجه إلى الكعبة ، واضطبع .
[ الاضطباع : أن تجعل وسط ردائك في إبطك الأيمن ، وطرف ردائك الأيسر على عاتقك
الأيسـر من الخلف ، وطرف ردائك الأيمن على عاتقك الأيسر من الأمام ، وبذلك يكون
عاتقك الأيمن مكشوفاً ، والأيسر مغطى بطرفي ردائك . وهو خاصٌ بالرجال ، أما النساء
فلا يضطبعن إجماعاً ] .
ثم استقبل الحجر الأسود ، واستلمه بيمينك (أي امسحه) وقبّله إن تيسر لك ذلك ،
وإلاَّ فأشر إليه بيدك ، واحذر مزاحمة إخوانك المسلمين ، فإنَّ المزاحمة من الإيذاء
المنهي عنه .
فعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال
له :
(( يَا عُمَر ، إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيّ ، لاَ تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِيَ
الضَّعِيف ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْه ، وَإِلاَّ فَاسْتَقْبِلْهُ
فَهَلِّلْ وَكَبِّر )) .
واعلم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حدَّث عن فضل الحجر الأسود والركن اليماني
والمقام كثيراً :
وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه ذكر أنَّ الحجر الأسود أنزله الله تعالى من
الجنَّة ،
وكان أشدَّ بياضاً من الثلج ، ثم اسودَّ من خطايا بني آدم ، وفي هذا عبرة للمعتبرين
،
إذ أثرت الذنوبُ في حجر صَلْد فكيف يكون أثرها على القلوب ؟
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إِنَّ الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ
يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّة ،
طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا ، وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ نُورَهُمَا لأَضَاءَتَا مَا
بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِب )) .
والحجر الأسود يأتي يوم القيامة له عينان ، وشفتان ولسان ؛ يشهد لمن استلمه بحقّ .
والمستحب أن يكون تقبيله بدون صوت ، وأن يسجد عليه ، بوضع جبهته على الحجر .
ثم ابدأ طوافك قائلاً : (( بِسْمِ الله ، وَاللهُ اَكْبَر . اللَّهُمَّ إِيْمَاناً
بِك ، وَتَصدِّيقاً بِكِتَابِك ،
وَوَفَاءً بِعَهْدِك، وَاتِّبَاعاً لِسُّنَّةِ نَبِيّكَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه
وسلم )) .
ثم ادع الله بما شئت ، وليس للطواف أدعية تُلتزم ، بل ادع الله بما شئت من خيري
الدُّنيا والآخرة ، وإن شئت اقرأ ما تيسر من القرآن .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلاَة وَلَكِنَّ اللهَ أَحَلَّ فِيْهِ الْمَنْطِق ،
فَمَنْ نَطَقَ فَلاَ يَنْطِقُ إِلاَّ بِخَيْر )) .
واجتنب رفع الصوت بالدُّعاء حال الطواف فإنَّ في ذلك تشويشاً على الطائفين والمصلين
.
ويسنّ لك الرَمَل في الأشواط الثلاثة الأُول من الطواف ، إن كان ذلك لا يؤذي أحداً
.
[ والرَمَل : سرعة المشي مع مقاربة الخُطى ، وهو خاص بالرجال ، وليس على النساء
رَمَل،
لأنَّ الذي ورد في السنة أنَّه من فعل الرجال ، ولأنَّه مظنّة تكشف ، لذلك تُمنع
منه النساء ] .
وكلما حاذيت الركن الأسود فافعل مثل المرة الأولى ، واستلم الركن اليماني إن كان
متيسراً .
وإذا ازدحم المسجد بالطائفين فلا بأس أن تطوف في دائرة أوسع ولو كان على السطح .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعًا
(أي سبعة أشواط) فَأَحْصَاه ، كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَة ، لاَ يَضَعُ قَدَمًا وَلاَ
يَرْفَعُ أُخْرَى إِلاَّ حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ خَطِيئَةً وَكَتَبَ لَهُ بِهَا
حَسَنَة )) .
وإذا وقع لك أمرٌ احتجت معه إلى التوقف عن مواصلة الطواف ؛ كإقامة صلاة فريضة ،
أو حضور صلاة جنازة ، أو تعب ، أو شدَّة زحام ، فعليك أن تواصل طوافك بعدها وتبدأ
الشوط الذي توقفت فيه من عند الحجر الأسود .
وإذا فرغت من طوافك سبعة أشواط ـ من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود ـ
فانطلق إلى مقام إبراهيم عليه السلام وأنت تقرأ قوله تعالى :
[ وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى ] .
فإن تمكنت من الصلاة خلفه فحسن ، وإلا فصل في أي مكان من المسجد ركعتين ،
اقرأ في الأولى منهما : سورتي الفاتحة والكافرون ، وفي الثانية : سورتي الفاتحة
والإخلاص،
ثم عد إلى الحجر الأسود ـ إن تيسر لك ذلك ، ولا تزاحم من أجله ـ واستلمه .
ثم اخرج إلى المسعى، وإذا اقتربت من الصفا ؛ فاقرأ [ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَروَةَ
مِنْ شَعَائِرِ الله ] .
ثم ارق على الصفا ، واستقبل القبلة ، ووحد الله ، وكبره ، وقل : (( لاَ إِلَهَ
إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ
شَرِيكَ لَه ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير .
لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَه ، أَنْجَزَ وَعْدَه ،
وَنَصَرَ عَبْدَه ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَه )) ثم ادع الله تعالى بما شئت من
أنواع الدعاء .
ثم قل الدعاء الأول مرَّة ثانية ، ثم ادع الله بما شئت من أنواع الدعاء .
ثم قل الدعاء الأول مرَّة ثالثة ، ثم ادع الله بما شئت من أنواع الدُّعاء .
ثم انزل من الصفا متجهاً إلى المروة ، فإذا وصلت إلى العلم الأخضر فهرول
- إن قدرت على ذلك - إلى العلم الأخضر الآخر .
ملاحظة : صعود الصفا والمروة ، والهرولة بين العلمين الأخضرين سننٌ خاصة بالرِّجال
دون النساء إجماعاً ، لذلك فمن كان بصحبته نساء فلا يفعل ذلك ، لأنَّه مظنّة
اضطرارهنَّ للهرولة والتكشف .
وامش بقية سعيك حتَّى تصل المروة ، وافعل عليه وقل مثل ما فعلت وقلت على الصفا ،
وبذا يتمُّ لك شوطٌ من سعيك .
ثم انزل متجهاً إلى الصفا ، وافعل في هذا الشُّوط مثل ما فعلت في الشُّوط الأول ،
وهكذا في بقيّة الأشواط السبعة حَتَّى تتمها ، فتكون قد بدأت بالصفا وختمت بالمروة
.
ويسنُّ أن تكثر في سعيك من ذكر الله ودعائه وقراءة للقرآن ؛ لقول رسول الله صلى
الله عليه وسلم : (( إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوافُ بِالْبَيْت ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ ،
وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لإِقَامَةِ ذِكْرِ الله )) .
وإذا فرغت من سعيك فاحلق شعر رأسك ، أو قصِّره .
وَقَدْ دَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِلْرِّجَالِ اِلْمُحَلِّقِينَ
بِالْمَغْفِرَةِ ثَلاَثَ مَرَّات ،
وَلِلْرِّجَالِ الْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً وَاحِدَة .
أمَّا المرأة فلا تزيد في كلِّ حال على أخذ قدر أُنملة من طرف شعرها ، ولا يجوز لها
الحلق .
ويجوز لك أن تحلق أو تُقَصِّر في أي مكان شئت حتَّى لو خرجت من مكة ،
لكن لا يجوز لك أن تفعل محظوراً من محظورات الإحرام قبل الحلق أو التقصير .
فإذا فعلت ذلك فقد تمت عمرتُك ، ولله الحمد والمنَّة .
* محظورات الإحرام :
المحظورات هي ما يحرم على المحرم فعله ، بسبب الإحرام .
والمحظورات في العمرة تسعة ؛ وهي :
- الأول والثاني : إزالة الشعر والأظفار : بأي نوع من أنواع الإزالة ، من حلق وقص ،
ونتف ، إلاَّ أن ينكسر الظفر فتجوز إزالته .
ومن احتاج أن يغتسل وهو محرم فله ذلك ، وإن سقط شيء من شعره أثناء الغسل فلا شيء
عليه ، إلاَّ أن يتعمد الإزالة فعليه الفدية .
- الثالث : تعمد الرجل لبس المخيط : وهو كلُّ لباس صُنع على قدر العضو وإن لم
يكن مخيطاً، وهذا الحكم خاص بالرجال دون النساء .
- الرابع : تعمد الرجل تغطية رأسه بملاصق له كالعمامة ، والخرقة ، وتغطية المرأة
وجهها
ببرقع أو نقاب ، ولبسها للقفازين ، وإذا احتاجت المرأة إلى ستر وجهها ويديها فإنها
ترخي
ثوبها على وجهها ويديها وتغطيهما حتى لا يراها الرجال الأجانب ، وذلك إجماع بين
العلماء،
ذكره ابن المنذر وابن قدامة والنووي إجماعاً .
عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَت : كَانَ
الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
صلى الله عليه وسلم مُحْرِمَات ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا
جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا ،
فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاه .
- الخامس : التطيب في البدن والثياب ، وقصد شم الطيب ، وأكله ، وشرب ما فيه طيب
واستعمال الصابون المُمسّك .
- السادس : قتل الصيد .
- السابع : عقد النكاح .
- الثامن : المباشرة فيما دون الفرج ، والاستمناء .
- التاسع : الجماع في الفرج ، وهو المحظور الذي يُفْسِدُ العمرة ،
ناسياً فعله المحرم أو ذاكراً ، جاهلاً أو عالماً ، الواطيء والموطوء فيه سواء .
* الفدية :
من فعل محظوراً من هذه المحظورات فعليه الفدية ؛ وهي أنواع :
-فمن أزال أظفاره أو شعره ، أو لبس مخيطاً ، أو غطى رجل رأسه ، أو غطت المرأة وجهها
ببرقع أو نقاب ، أو يديها بقفازين ، أو تطيب ؛ ففديته : صيام ثلاثة أيام ، أو إطعام
ستة مساكين أو ذبح شاة ، مع التوبة إن كان فعل شيئاً من المحظورات بدون عذر .
فَعَنْ كَعبِ بنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه ؛ قَالَ : وَقَفَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ
صلى الله عليه وسلم
بِالْحُدَيْبِيَةَ وَرَأْسِي يَتَهَافَتُ قَمْلاً ، فَقَالَ : (( يُؤْذِيْكَ
هَوَامُّك ؟ )) قَلْتُ : نَعَم . قَالَ :
(( فَاحلِقْ رَأَسَك )) قَالَ : فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَة [ فَمَنْ كَانَ
مِنْكُمْ مَرِيْضاً أَوْ بِهِ أَذَىً مِنْ رَأَسِهِ
فَفِديَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ] ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله
عليه وسلم : (( صُمْ ثَلاَثَةَ أَيَام ،
أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرقٍ بَيْنَ سِتَة ، أَوْ انْسُكْ بِمَا تَيَسَّر )) .
ومن قتل صيداً فهو مخير بين إخراج المثل ، يخرجه ويذبحه ، ويتصدق به على فقراء
الحرم ، أو يعرف قيمته ويخرج بها طعاماً لفقراء الحرم ، أو يصوم يوماً عن طعام كل
مسكين .
وعقد النِّكاح لا فدية فيه ، إلا أنَّه عقد باطل .
والمرأة لا حجَّ ولا عمرة عليها إذا لم تجد زوجاً أو محرماً يحجُّ بها ، لما رَوَى
عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ
صلى الله عليه وسلم يَقُول :
(( لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَة ، وَلاَ تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلاَّ
وَمَعَهَا مَحْرَم )) فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ
اللَّهِ اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا ، وَخَرَجَتْ امْرَأَتِي حَاجَّة
)) قَالَ : اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِك .
فلم يأذن له النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج إلى الغزو ، مع أنَّه اكتتب فيه ،
وَأَمَرَهُ
أن لا يترك امرأته تخرج دون محرم .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :
(( لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ
بَرِيْداً إِلاَّ وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا )) .
والبريد يساوي ثلاثة وعشرين كيلاً تقريباً .
فالمرأة إذا لم تجد زوجاً أو محرماً يسقط عنها وجوب الحجِّ والعمرة . والله الموفق
.
وصلى الله على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم .
حرر في 3/7/1422هـ.
بقلم / أحمد بن عبد العزيز الحمدان
ملاحظة : ( حقوق الاستفادة من هذه الكتب مشاعة لكل مسلم بشرط العزو إليها ).