[ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ ] أَيْ الْجَارِ القريب ، الذي
بينك وبينه صلةُ رحم ،
والجارِ البعيد الذي لا صلةَ بينك وبينه من جهة النسب .
وقَرْنُ الأمرِ بالإحسان إلى الجيران بإفرادِه تعالى بالعبادة دليل على عظيمِ شأن
حق الجار، وخطير أمره .
وَخَتْمُ الآية بقوله [ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ]
إشارة إلى أن الْمُفَرِّط في حقوق
الجيران، المتكبر عليهم ، لا يحبّه الله ، وفي الآية حثٌّ للمسلمين على مراعاة
حقوقِ الجيران ،
والتعاملِ معهم بلطف ولين حتى ينال العبدُ حبَّ ربِّه له .
جاري العزيز ! ألم تسمع قولَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
(( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِـنْ إِلَى جَارِه
)) .
فجعل صلى الله عليه وسلم من شروط تحقيق الإيمان :
الإحسان إلى الجار ، وهو يدل على أن الْمُفَرِّط في حقِّ جاره إنسانٌ ناقص الإيمان
.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ
حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُه )) أي يأمر عن اللهِ بتوريث الجارِ من جاره .
وهذا يدل دلالة ظاهرة على عظيم حقِّ الجار ، حتَّى أنَّ حقّه كاد أن يكون كحقِّ أهل
الرجل داخل الدار ، ممن لهم حقٌّ في ميراثه .
* حقوقنا ، يا جار !
جاري العزيز ! ألم تعلم أننا عندما نقول : حقوقُ الجيران فإنّنا نعني : ما أعطاهم
الله عز وجل من
أمور يجب على جيرانهم القيام بها ، وهي أمور لا يجوز لأحد أن يعتدي عليها، لكونها
ثبتت ثبوتاً
لا شك فيه ، ووجبت وجوباً لا مرية فيه، فكلُّ من تعدى عليها ظالم، ومن استلب
جيرانَه شيئاً منها فهو آثم .
لذلك كان شأن الحقوق عند الله عظيماً ، وخطبها جسيماً، فهي من أعظم أسباب سعادة
المرء
في الدارين ، إن هو أدَّاها كما أراد الله ، ومن أعظم أسباب شقائه إن هو فَرَّطَ
فيها ، ومنعها مستحقيها .
جاري العزيز ! ألا تعلم أنّ من أعظم حقوقي عليك أن تُحسِنَ إليّ ، وكلُّ حقوقي ،
بعد ذلك ،
تندرج تحت هذا الحقِّ العظيم ؟
ألم تعلم ، أنَّ الإحسانَ الذي أمرك اللهُ به هو الإخلاص والإتقان ؟ فالله تعالى
يأمرك أن تعاملني
معاملة تتقن فيها حسن المعاملة .
نعم (( أيُّها الجار )) الإحسان : هذه الكلمة العظيمة، بكل ما تحمله من معانٍ كريمة
،
ومفرداتٍ جميلة ، ومقتضياتٍ سامية ؛ من لين جانب ، وتوددٍ في التقرب ، وحرصٍ على
كفِّ
جميعِ أنواعِ الأذى ، كلُّ ذلك حقٌّ من حقوقي عليك ، أمرك اللهُ أن تلتزمه ، وأي
إخلال منك به
يعني التعرضَ لسخطِ الله وعقابِهِ ، والعياذ بالله تعالى .
قال صلى الله عليه وسلم : (( أَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِناً )) .
ومن حقوقي عليك : أن تكفَّ أذاك عني ، وهذا أقلُّ ما يجبُ عليك تجاهي .
جاري العزيز ! ألا تعلم أنَّك قد تكون مصدرَ قلقٍ لجيرانِك ، وأنت لا تشعر ، وقد
تكون سبباً
لدعائهم عليك ، وأنت لا تعلم ، وقد تكون كابوساً جاثماً على صدورهم ، يتمنون فراقه
،
وأنت لا تحسّ بذلك ؟
كم تكون الحياةُ شقيةً بجارِ السوء ، وكم تكون سعيدةً بصاحبِ الجوارِ الحسن !
هل ترضى لنفسِك أن يخرجَ جارُك من بيتِه ، كلَّ صباحٍ ؛ وهو يقول : اللهم قني شرورَ
جاري ؟
هل ترضى لنفسِك أن تكون سبباً لهروبِ جارِك من جوارِك ؟
هل ترضى أن تكون إذا ذُكرتَ في مجلسٍ ؛ قيل عنك :
بئس الجارُ فلان ! لا أعادَ اللهُ تلك الأيام التي جاورناه فيها ! لم نر الراحةَ
حتَّى تركناه وشرَّه ؟
لقد رأيت أعداداً ممن كانوا جيراناً لك في الحي ، تركوه ، وما أنفقوا فيه من أموال
،
وما تكلفوه للسكنى والانتقال ، بسببِ سوءِ معاملةِ الجيران !
وكم سمعت من أهلِ الحي من يتمنى الانتقالَ عنه ، لأنَّ بعض الجيرانِ أصبحوا لا
يُطاقُون !
جاري العزيز ! لا تقل هذه مبالغة ، لأنَّ الأدلة على صدقها أمام عينيك ظاهرة ،
تراها وتعيشها .
انظر إلى أبناءِ بعض جيرانك في المسجدِ ، ماذا يصنعون في مؤخرتِه، كم تكلم الخطيبُ
عن
لعبِهم فيه ، كم تكلم عن تشويشهم وإيذائهم المصلين ، كم تكلم عن عبثِ الصغارِ
بالمصاحفِ، كم تكلم عن عدمِ استجابتِهم لنصحِ الكبار ، بل سوءِ أدبهم معهم ؟
ثم انظر ، ماذا ترى إذا خرجت من المسجد ، مرافقُ الحي ، ماذا صنعَ بها الصغار ؟ هذه
المرافقُ
التي كَلَّفتِ الملايين ، لا تجدُ جداراً في الحي إلا وقد رُشَّ ببخاخ الصبغ ،
وكُتب عليه من
الكتاباتِ والذكرياتِ ، بل وبعضِ العباراتِ التي يندى لها الجبين ، بل حتَّى جدران
المسجدِ لم تسلم منهم !
وأعجبُ من هذا ، أن ترى مصابيح الشوارعِ ، التي عُلقت على الأعمدة ؛ قد كُسر
زُجاجُها ،
وتدلت أسلاكُها ، وكأن بينها وبين أبناءِ الجيرانِ عداءٌ قديم .
سياراتُ الجيرانِ التي أصبحتْ هدفاً لأبناءِ جيرانِهم ، وكلما نزلَ جارُك إلى
سيارتِه ،
قال : اللهم استر !
فهو يخشى أن يكون عبثُ أبناءِ الجيرانِ قد امتد إليها؛ إمَّا بوضعِ مسمارٍ تحت
العجلة ،
أو بحكِ جوانِبِها بمسمار ، أو بسرقةِ شعارها ، أو بخلعِ مراياها ، أو بتهشيمِ
زجاجِها .
أبناءُ الجيرانِ يلعبون الكرةَ في مواقفِ السياراتِ إلى أذانِ الفجر ، أين آباؤهم
عنهم ؟
كيف ترضى (( أيُّها الجار )) أن يظل ابنُك إلى هذا الوقتِ في الشارع ؟ أم أنَّه
هناك بأيدٍ أمينة ، ومع رفاقِ استقامة ؛ لا يدلونه إلا على الخير ، ولا يرشدونه إلا
إلى الصلاح ؟
* قصة في حينا :
جاءني أحدُ الجيرانِ الأفاضلِ في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ يشكو حاله مع جيرانِه ،
تأتي زوجتُه
لتنظف غرفةَ جلوسِهم ، وإذا بحجرٍ كبيرٍ يقتحمُ عليها المجلسَ ، ويكسرُ الزجاجَ ،
ويجرحُها في
رجلها فيأخذها زوجُها إلى المستشفى ، ويصلحُ زجاج المجلس ، وبعد أن أخبرَ جارَه بما
صنعَ أولادُه،
وَعَدَهُ خيراً ، ولم تمض إلا فترةٌ وجيزةٌ ، كاستراحةٍ بين شوطين ، حتَّى يقع عليه
وعلى أبنائه ،
وهم يتسحرون في الخامسـة صباحاً ، حجرٌ يُهَشِّمُ الزجاج ، وينثُرُه على طعامِهم ،
فينظرُ مع
النافذةِ وإذا أبناءُ جيرانِه ينظرون ماذا يقع بعد هذه القذيفة ، ثم لمَّا رأوا
جارهم هربوا ، فخرج
يبحثُ عن جارِه الذي ترك أبناءه في الشارعِ يلعبون إلى هذا الوقتِ فلم يجدْه .
أيُّها الجارُ الذي آذى جيرانه ، من حيث يشعر أو لا يشعر ، ألم تسمع قول رسول الله
صلى الله عليه وسلم : (( لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ
بَوَائِقَه )) .
ألم تسمع قوله عليه الصلاةُ والسلام حين بَيّن حقيقةَ جار السوء فقال :
(( وَاللهِ لاَ يُؤْمِن ، وَاللهِ لاَ يُؤْمِن ، وَاللهِ لاَ يُؤْمِن ! )) قالوا :
وما ذاك يا رسول الله ؟ قال :
(( الْجَارُ الَّذِي لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَه )) قـالوا: وما بوائقُه ؟ قال
: (( شَرُّه )) .
وهذا الحديث فيه تأكيد على أنّ من اتصف بهذه الصفة - بحيث يصبح هو وجيرانه في نكد
من العيش يخشونه ، ويخافون شرَّه – فإنّه لا يكون مؤمناً ، وعمله هذا عملُ أهل
النَّار الذين لا
يستحقون دخول الجنّة ، فهو مثلهم في ذلك ، عياذاً بالله .
وهذا بيان ظاهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ أذى الجار كبيرة من الكبائر ،
التي يستحق فاعلها النَّار ، وأن كفّ الأذى عن الجار مع أداءِ الفرائض سبب لدخول
الجنّة .
جاري العزيز ! هل تعلم أنَّ من حقوقي عليك أن تُوصل إليَّ الخيرَ الذي أحتاجُه وأنت
قادر عليه ؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( خَيْرُ الْجِيْرَانِ ، عِندَ اللهِ ،
خَيْرُهُمْ لِجَارِه )) .
جاري العزيز ! ومن حقوقي عليك: إجابة دعوتي ، وعيادتي في مرضي ، والسـلام عليَّ إذا
لقيتني
وتشييع جنازتي ، وتفقد حالي إذا احتجت ، فأين أنت من ذلك ؟
جاري العزيز ! أتظنُّ أنَّ عدمَ دخولك منزلي منذ سنةٍ أو سنتين ، أو منذ سكنتُ داري
يُرْضِي عنك الباري ؟
بل أظنُّك لا تعرفُ أسماءَ بعضِ جيرانِك ، ولا تعلم بأحوالِ مرضاهم، وفرحِهم
وترحِهم، وفقرِهم وغناهم .
أَوَ تظنُّ أنَّك تُرْضِي ربَّك بحرصِك على إغلاقِ بابِ دارِك في وجهِ جارِك ؟ أَوَ
تظنُّ أنَّك عندما تصرفُ
وجهَك عن جارِك ، كأنك ما رايتَه ، إذا لقيتَه في الصباحِ وأنت تركبُ سيارتَك ،
يخفى على
جيرانِك ، وتكونُ به معذوراً ؟ أَوَ تظنُّ أنَّ أفعالَك هذه حسنة ؟
* قصة مؤلمة :
رجلٌ زوجتُه في المستشفى لتضع ولدَها الثالث ، وهو في البيتِ مع ابنيه الصغيرين ،
أحدُهما نائمٌ في
سريرِه ، والآخر يقومُ والدُه بتغييرِ ملابسِه ، فيصابُ الوالدُ بنوبةٍ قلبيه، ويقع
على الأرضِ ، لا
يعلمُ به أحد ، ويظلُ الصغيرُ يبكي، ويستيقظُ الآخرُ على صراخِ أخيه فيبكي ، ويموتُ
الأبُ
لعدمِ المغيث ، ويظلُ الصغيرانِ يصرخانِ ساعاتٍ طويلةٍ من ذاك اليومِ ، والجيرانُ
يسمعون ، ولكن
كلٌّ منهم يرى أنَّ الأمرَ لا يعنيه ، ويُغشى على الصبيين من شدَّةِ البكاء،
ويموتانِ بعد ساعات ،
ولا يُعلم عنهم إلا بعد مضي يومين ، وقد تعفنوا. فأيُّ جيرةٍ هذه ؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتّ
)) قِيلَ : مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّه؟
جاري العزيز! ومن حقوقي عليك : الصبر على أذاي ، فإن المجاورة تُظهِرُ كثيراً من
الأمور التي
تحتاج إلى صبر وتغافل ، وإلا فإنّ الإنسان الذي لا يصبر على أذى غيره لا يكون له
صديقٌ ، وكلَّ
إنسان فيه من الهفوات والأخطاء ما لا بدَّ من الصبر عليها ، ولولا ذلك لما جالس أحد
الآخر ، ولما
جاور أحد الآخر .
ومن حقوقي عليك : غض البصر عن العورات : لأنَّ الملاصقة والمخالطة تجعل
الْمُخَالِطَ بصيراً
بعيوب من يخالط ، فإن لم يغض طرفه ، ويمتنع عن كلِّ ما من شأنه كشف عورات غيره
فإنَّه لا
بدَّ أن يطلع على عوراته ، فإن اطلع عليها خشي عليه من نفسه أن تميل إلى خيانة
الجـار ، وحينئذ
تُنتهك الأعراض .