|
المنهج
في صفة الحج
* مقدمة :-
قَالَ اللهُ تَعَالَى:
[ وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ لَهُ سَبِيْلاً ].
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :
((مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ ، وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْم
وَلَدَتْهُ أُمُّه)). متفق عليه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله أمَّا بعد :
فهذا موجزٌ انتخبتُه من كتابي ((دليل السالك لأداء المناسك)) أوجزتُه وابتعدتُ فيه
عن التطويل ليكون دليلاً سريعاً لكلِّ حاجّ .
والله تعالى أسأل التوفيقَ والسداد ، والقبول الحسن ، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير .
وصلى الله وسلَّم على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين .
* من يجب عليه الحج :-
الحجُّ واجبٌ في العمر مرة واحدة على كلِّ مسلم، بالغ، عاقل، حرٍّ، مستطيع.
قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ((رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَة: عَنْ
النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظ، وَعَنْ الطِّفْلِ حَتَّى يَحْتَلِم، وَعَنْ
الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِل)).
والمستطيعُ هو الصحيح في بدنه الذي يملك المال الذي يستطيع أن يوفِّر لنفسِه به
الزاد ووسيلة المواصلاتِ التي توصله إلى بيت الله الحرام ، وأن تكون الطريقُ خاليةً
من العوائق .
قال الله تعالى [ وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
سَبِيلاً ] .
فمتى وجدت هذه الشروط وجب الحجُّ فوراً .
* ماذا تفعل إذا وصلت الميقات :-
إنَّ مما خصَّ اللهُ تعالى به بيتَه العتيق : أن جعل حـوله مواقيت لا يجوز لقاصد
البيت - لحجٍّ أو عمرة - أن يتجاوزها ، أو يحاذيها - إذا لم يمرَّ بها - إلاَّ وهو
محرم .
لذلك يجب على كلِّ حاجٍّ أو معتمرٍ أن يحرم من الميقات الذي يمرّ به .
والمواقيت التي حدَّدها رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة :
الأول : ذو الحليفة ، المسمى ( أبيار علي ) ، وهذا الميقات لأهل المدينة ومن مرَّ
بها ممن يريد الحجَّ أوالعمرة ، ويقع على الطريق السريع عن يمين قاصد مكة المشرفة ،
بعد خروجه من المدينة النبوية ، وبينه وبين مكة 410 كيلوات .
الثاني : الْجُحفة ، بالقرب من رابغ ، في جنوبيه الشرقي ، وهذا الميقات لكلِّ من
أتى من الشمال الغربي للحجاز ، كأهل مصر والشام والمغرب وأوربا وأمريكا الذين لم
يمروا بالمدينة ، ويمكن الإحرام من رابغ لقربه من الجحفة ، وهو على بعد 170 كيلاً
من مكة المكرمة .
الثالث : قرن المنازل ( السيل الكبير ) ، ميقات أهل نجد ، بينه وبين مكة 75 كيلاً
على الطريق السريع الذي يصل الرياض بمكة .
الرابع : يلملم ( السعديَّة ) في تهامة ، للقادم من جنوب وجنوب غربي الحجاز ، كأهل
اليمن والسودان ، بينه وبين مكة 155 كيلاً .
الخامس : ذات عرق ( الضريبة ) لأهل العراق ، وهم الآن يحرمون من قرن المنازل .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المواقيت : ((فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى
عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَة ،
فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِه ، وَكَذَاكَ حَتَّى أَهْلُ
مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا)).
فالحاجُّ إذا مرَّ بميقاته وجب عليه الإحرام منه، وإذا كان منزله داخل نطاق
المواقيت أحرم من منزله ، وإذا تجاوز الميقات وهو لا يريد الحجّ ، أو كان متردداً
ثم عزم على الحجِّ فإنَّه يحرم من المكان الذي عزم فيه على الحجّ .
وإذا تجاوز الميقات دون إحرام لزمه ذبح شاة في مكة ، وتوزيع لحمها بين فقراء مكة،
أو يوكِّل من يقوم بذلك . وإن عاد إلى الميقات - قبل أن يُحرم - وأحرم منه ، فلا دم
عليه لأنَّه يكون قد جاء بالواجب ، وهو الإحرام من الميقات .
* والحاجُّ إذا وصل الميقات شُرع له الآتي :-
1-الاغتسال : يستحب للرجال والنساء ،حتَّى الحائض والنفساء ، تغتسل وتحرم ، فإذا
طهرت اغتسلت وأتت بما بقي عليها من نسك .
وتخطيء بعض النساء الْحُيّض إذا وصلن الميقات -وهنَّ يردن الحجَّ- حين يتركن
الإحرام من الميقات ظنَّاً منهنّ أنَّ الحائض والنفسـاء لا يجوز لهما الإحرام ،
والصواب أنَّه يجب عليهما الإحرام ، وَهُوَ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله
عليه وسلم عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا حِيْنَ حَاضَتْ ، فَقَالَ صلى الله عليه
وسلم لَهَا : ((أَنَفِسْتِ ؟)) يعني الحيضة. قَالَتْ : نَعَم. قَالَ : ((إِنَّ
هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَم ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ
غيرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي)).
2-التنظف : بتقليم الأظفار ، ونتف شعر الإبط ، وحلق شعر العانة، وقص الشارب ، إن
احتاج إلى ذلك ، وكلُّها من سنن الفطرة .
3-التجرد من الثياب للرِّجال وجوباً ، ولبس ثوبي الإحرام، ويستحب أن يكونا أبيضين،
جديدين ، أو غسيلين ؛ إزاراً ورداءً .
أمَّا المرأة فتلبس ما شاءت من ثياب ، بشرط كونها ثياباً ساترة ، ليس فيها تشبه
بالرجال .
ولا بأس بلبس النعال ، والنظارة ، والساعة ، والحزام الذي توضع فيه النقود .
4-الإحرام بعد صلاة فريضة ، أو ركعتي نافلة ، وهو من المستحبات .
5-التطيب : لا بأس به قبل الإحرام ، أما بعده فممنوع منه المحرم - ذكراً كان أو
أنثى - حتى يحلَّ إحرامه ، ولو خلع ثوبه الْمُطَيَّب فلا يجوز له إعادة لبسه حتَّى
يغسل ما به من طيب .
6-النية : وهي شرط ، لا يصح الحجُّ إلاَّ بها ، وصفتها : أن ينوي النسك الذي يريد
أداءه ، فإن كان يريد التمتع ؛ قال سرّاً في نفسه : اللهم إني أريد العمرة فيسرها
لي ، وتقبلها منِّي ، وأعني عليها ، وهو مستقبل القبلة .
وإن كان يريد القران ؛ قال : اللهم إني أريد العمرة والحجَّ .
ويقول إذا أراد الإفراد: اللهم إني أريد الحجّ.
ثمَّ يُلَبِّي وهو مستقبل القبلة ، كما قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : ((
أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي
الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّة )) .
وكما قال أمير المؤمنين عليٌّ رضي الله عنه : اللَّهُمَّ إِنِِّي أُهِلُ بِمَا
أَهَلَّ بِهِ رَسُولُك .
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا : أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ
أَوْجَبْتُ مَعَ عُمْرَتِي حَجًّا، وَكَانَ يُلَبِّي وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ
الْقِبْلَة .
ويشترط قائلاً : فَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فمَحلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي ، لَبَّيْكَ
اللَّهُمَّ عُمْرَة ، لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ضباعة بنت الزبير رضي
الله عنها بالاشتراط،وأرشدت أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها ابن أختها عروة بن
الزبير أن يشترط.
وقال إبراهيم النَّخَعي -رحمه الله -: كانوا (الصحابة والتابعون) يشترطون في الحجّ
.
فإن وقع له ما يمنعه الوصول إلى الحرم فإنَّه يتحلل وليس عليه شيء ما دام قد اشترط
.
7-التلبية : بعد الاستواء على المركوب ، وهو مستقبل القبلة .
وصفتها : ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْك ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْك ،
إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْك ، لاَ شَرِيكَ لَك)).
ولا بأس أن يزيد: ((لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعدَيْك، وَالْخَيْرُ بِيَدَيكَ
لَبَّيْك، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَل)) و ((لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ
لَبَّيْك)) و ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْك، لَبَّيْكَ إِلَهَ الآخِرَة)).
ومعنى لبيك : إجابة بعد إجابة لله تعالى ، فهو قصدي ووجهتي ، وله محبتي وطاعتي .
يجهر بها الرجال وتخفيها النساء ، ويكثر من التلبية خاصة عند تجدد الأحداث ، وفراغه
من الصلاة حتى يبدأ طوافه ، ويُكثر من ذكر الله .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((قَالَ لِي جِبْرِيْلُ: يَا مُحَمَّد، مُرْ
أَصْحَابَكَ فَلْيَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ فَإِنَّهَا مِنْ
شَعَائِرِ الْحَجّ)).
ملاحظة : إن خشي الحاجُّ في الطائرة أو غيرها أن يفوته الإحرام من الميقات فليسأل
عنه ، فإن لم يجد من يرشده فعليه أن يحتاط ويحرم بوقت يعلم به أنَّه أحرم قبل تجاوز
الميقات .
* كيف تؤدي طوافك وسعيك :-
إذا وصلت المسجد الحرام فادخله متطهراً ، مقدماً رجلك اليمنى ؛ قائلاً : ((أَعُوذُ
بِاللَّهِ الْعَظِـيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيم مِنْ
الشَّيْطَانِ الرَّجِيم ، بِسْمِ الله ، وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ
الله، اللَّهُمَّ افتَحْ لِي اَبْوَابَ رَحمَتِك)) ثم توجه إلى الكعبة ، واضطبع ،
بأن تجعل وسط ردائك في إبطك الأيمن ، وطرف ردائك الأيسر على عاتقك الأيسـر من الخلف
، وطرف ردائك الأيمن على عاتقك الأيسر من الأمام ، وبذلك يكون عاتقك الأيمن مكشوفاً
، والأيسر مغطى بطرفي ردائك . وهو للرجال ، أما النساء فلا يضطبعن إجماعاً .
ثم استقبل الحجر الأسود ، واستلمه بيمينك (أي امسحه) وقبّله إن تيسر لك ذلك ،
وإلاَّ فأشر إليه بيدك ، واحذر مزاحمة إخوانك المسلمين ، فإنَّ المزاحمة من الإيذاء
المنهي عنه .
والمستحب أن يكون تقبيله بدون صوت ، وأن تسجد عليه بوضع جبهتك على الحجر .
ثم ابدأ طوافك قائلاً : ((بِسْمِ الله، وَاللهُ اَكْبَر. اللَّهُمَّ إِيْمَاناً
بِك، وَتَصدِّيقاً بِكِتَابِك، وَوَفَاءً بِعَهْدِك، وَاتِّبَاعاً لِسُّنَّةِ
نَبِيّكَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم )).
وليس للطواف أدعية تُلتزم ، بل ادع الله بما شئت، وإن شئت اقرأ ما تيسر من القرآن.
واجتنب رفع الصوت بالدُّعاء حال الطواف فإنَّ في ذلك تشويشاً على الطائفين
والمصلين.
ويسنّ لك الرَمَل في الأشواط الثلاثة الأُول من الطواف، إن كان ذلك لا يؤذي أحداً.
~ والرَمَل: سرعة المشي مع مقاربة الخُطى، وهو خاص بالرجال لا للنساء لأنَّه مظنّة
تكشفهنّ.
وكلما مررت بين الركنين؛ فقل: ((اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا
حَسَنَة، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَة، وَقِنَا عَذَابَ النَّار)).
وكلما حاذيت الركن الأسود فافعل مثل المرة الأولى، واستلم الركن اليماني إن كان
متيسراً.
وإذا ازدحم المسجد بالطائفين فلا بأس أن تطوف في دائرة أوسع ولو كان على السطح.
وإذا وقع لك أمرٌ احتجت معه إلى التوقف عن مواصلة الطواف؛ كإقامة صلاة فريضة، أو
حضور صلاة جنازة، أو تعب، أو شدَّة زحام، فعليك أن تواصل طوافك بعدها وتبدأ الشوط
الذي توقفت فيه من عند الحجر الأسود.
وإذا فرغت من طوافك سبعة أشواط، فانطلق إلى مقام إبراهيم وأنت تقرأ قوله تعالى [
وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى ] .
فإن تمكنت من الصلاة خلفه فحسن، وإلا فصل في أي مكان من المسجد ركعتين، اقرأ فيهما
الكافرون، والإخلاص، ثم –إن تيسر- عد إلى الحجر الأسود- ولا تزاحم، واستلمه.
ثم اخرج إلى المسعى، وإذا اقتربت من الصفا؛ فاقرأ[ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَروَةَ
مِنْ شَعَائِرِ اللهِ ] .
ثم ارق على الصفا، واستقبل القبلة، ووحد الله، وكبره، وقل: ((لاَ إِلَهَ إِلاَّ
اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَه، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِير. لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَه، أَنْجَزَ وَعْدَه،
وَنَصَرَ عَبْدَه، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَه)) ثم ادع الله عز وجل بما شئت من
أنواع الدعاء.
ثم قل الدعاء الأول مرَّة ثانية، ثم ادع الله بما شئت من أنواع الدعاء.
ثم قل الدعاء الأول مرَّة ثالثة، ثم ادع الله بما شئت من أنواع الدُّعاء.
ثم انزل من الصفا متجهاً إلى المروة، فإذا وصلت إلى العَلَم الأخضر فهرول -إن قدرت
على ذلك- إلى العَلَم الأخضر الآخر.
ملاحظة: صعود الصفا والمروة، والهرولة سننٌ خاصة بالرِّجال إجماعاً، ومن كان بصحبته
نساء فلا يفعل ذلك، لأنَّه مظنّة تكشفهنّ.
وامش بقية سعيك حتَّى تصل المروة، وافعل عليه وقل مثل ما فعلت وقلت على الصفا، وبذا
يتمُّ لك شوطٌ من سعيك.
ثم اتجه إلى الصفا، وافعل مثل ما فعلت في الشُّوط الأول، وهكذا حَتَّى تتمّ سبعة
أشواط، فتكون قد بدأت بالصفا وختمت بالمروة.
ويسنُّ أن تكثر في سعيك من ذكر الله ودعائه وقراءة القرآن.
وإذا فرغت فاحلق شعر رأسك، أو قصِّره. وَقَدْ دَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه
وسلم لِلْرِّجَالِ اِلْمُحَلِّقِينَ بِالْمَغْفِرَةِ ثَلاَثَ مَرَّات،
وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً وَاحِدَة.
والمرأة لا تزيد على أخذ قدر أُنملة من طرف شعرها، ولا يجوز لها الحلق.
ويجوز لك أن تحلق أو تُقَصِّر في أي مكان، لكن لا يجوز لك أن تفعل محظوراً من
محظورات الإحرام قبل الحلق أو التقصير.
فإذا فعلت ذلك فقد تمت عمرتك-إن كنت متمتعاً- وحلَّ لك ما كان محرماً عليك، أما إن
كنت مفرداً أو قارناً فإنك تبقى على إحرامك حتى تطوف للإفاضة بعد نزولك من عرفات.
تنبيه: إذا حاضت المرأة قبل أن تطوف فإنها تبقى على إحرامها حتى تطهر، فإذا طهرت
قبل الخروج إلى منى طافت وسعت ، وقصَّرت، وإذا لم تطهر فإنها تكمل مناسك حجِّها حتى
إذا طهرت طافت وسعت.
تنبيه آخر: الأفضل للمتمتع أن يقصر شعر رأسه ويدع شيئاً منه ليحلقه إذا أتمَّ
حجَّه.
* أعمال الحج :-
إذا كان يوم التروية -وهو اليوم الثامن من ذي الحجَّة- وكنت قارناً أو مفرداً فإنك
تكون محرماً ، وإذا كنت متمتعاً فأحرم بالحجِّ من مكة، ويشرع لك أن تفعل -عند
إحرامك- ما فعلت عند إحرامك من الميقات؛ من الغسل، والتنظف، ولبس ثياب الإحرام
والنية والتلبية .
ثم اخرج إلى منى، وصل بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والفجر؛ اقصر الصلاة
الرباعية ركعتين، وصل كلَّ صلاة في وقتها.
ثم إذا كان يوم عرفة، فصل الفجر بمنى، وانتظر حتَّى تطلع الشمس، ثم سر إلى عرفات،
فإذا دخل وقت الظهر فصل الظهر والعصر قصراً جمع تقديم، وامكث في عرفات إلى غروب
الشمس، وأكثر من ذكر الله تعالى ، ودعائه، واستقبل القبلة حال دعائك، وأكثر من قول:
((لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَه، لَهُ الْمُلْكُ ، وَلَهُ
الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْر)).
وكن كذلك إلى ان تغرب الشمس، فإنَّ يوم عرفات يوم عظيم، ترجى فيه إجابة الدعوات،
ويعتق الله فيه رقاب كثير من خلقه من النار.
فإذا غربت الشمس ادفع إلى المزدلفة وعليك السكينة والوقار، وأكثر من التلبية، وذكر
الله تعالى، حتى إذا وصلت المزدلفة فانزل بها، وصل المغرب والعشاء جمعاً وقصراً،
بأذان وإقامتين، قبل أن تحطَّ رحلك.
ملاحظة: السنة أن تصلي المغرب والعشاء بالمزدلفة إلا إذا خشيت خروج وقت العشاء فإنك
تصلي المغرب والعشاء في الطريق.
وبت بالمزدلفة، وصل بها الفجر، وقف عند المشعر الحرام -إن استطعت- مستقبلاً القبلة،
وأكثر من الدعاء، وذكر الله تعالى إلى أن يسفر الصبح جداً، ثم ادفع إلى منى، وأكثر
من التلبية.
قال تعالى [ فَإِذَآ أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللهَ عِنْدَ
الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ] .
إذا وصلت منى فابدأ بجمرة العقبة، وارمها بسبع حصيات متتابعات، قدر كل حصاة أكبر من
الحِمَّص بقليل، واقطع التلبية مع أول حصاة ترميها، وارفع يدك مع كلِّ رمية، وكبر.
ثم -إن كنت متمتعاً أو قارناً- انحر هديك، وإن كنت مفـرداً فلا هدي عليك، ومن السنة
أن تأكل من هديك، وتتصدق، وتهدي.
ثم احلق شعر رأسك، أو قصره، والحلق أفضل، أما المرأة فتأخذ من شعرها قدر أنملة.
فإذا فعلت ذلك فقد حلَّ لك كل شيء كان محرماً عليك بسبب الإحرام إلا النِّساء، وهذا
التحلل يُسمى: التحلل الأول.
ثم اتجه إلى المسجد الحرام، وطف طواف الإفاضة، وهو ركن من أركان الحجّ.
ويسن أن تأخذ قدحاً من ماء زمزم، استقبل به القبلة، وسم الله، واجعل نيتك بشربه
حصول ما تحبّ من خيري الدنيا والآخرة، واشرب بيمينك حتى تروى ، ثم احمد الله تعالى،
لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإخباره أنَّه ماء مبارك.
ثم اسع -إذا كنت متمتعاً- سعيك الثاني، وهو سـعي الحجّ، وإذا كنت قارناً أو مفرداً
فإن سعيك الأول يكفيك، إلا إذا لم تسع قبل الحجِّ؛ فيلزمك السعي للحجِّ بعد
الإفاضة.
وإذا فرغت من طواف الإفاضة وسعي الحج فقد حصل لك التحلل التامّ، وهو الذي يحلُّ لك
به كلّ شيء كان محرماً عليك بسبب الإحرام حتَّى النِّساء.
والأفضل أن ترتب أعمال يوم النحر اقتداءً برسول اللهصلى الله عليه وسلم ؛ وهي:
الرمي، ثم الذبح، ثم الحلق، ثم الطواف والسعي، فإن قدَّمت بعض هذه الأفعال على بعض
فلا حرج عليك، لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سئل عن شيء قُدِّم ولا أُخر
في هذا اليوم إلا قال: ((افْعَلْ وَلاَ حَرَج)).
ارجع إلى منى وأقم بها اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، وارم الجمار في
كلِّ يوم بعد زوال الشمس؛ ارم الجمرة الأولى، وهي الصغرى بسبع حصيات، كما رميت جمرة
العقبة يوم النحر، ثم تقدم وادع الله رافعاً يديك، ثم اتجه إلى الجمرة الوسطى
وارمها بسبع حصيات، وقف عندها لتدعو، ثم ارم جمرة العقبة بسبع حصيات، وانصرف ولا
تقف للدُّعاء.
وعليك أن تبيت بمنى ليلة الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، وإن شئت أن تتعجل فلك
ذلك في اليوم الثاني عشر، إذا رميت الجمار وخرجت قبل مغيب الشمس ، أما إذا غابت
الشمس وأنت بمنى فعليك أن تبيت بها ، وترمي الجمار في اليوم الثالث عشر .
والمكث بمنى إلى اليوم الثالث عشر هو الأفضل، لأنَّه فعل رسول اللهصلى الله عليه
وسلم .
وبعد فراغك من أعمال الحجّ، وعزمك على السفر طف طواف الوداع، ثم اخرج من مكة، ولا
تشتغل بعد طوافك بشيء من بيع أو زيارة، فإن فعلت وجبت عليك إعادة الطواف حتى يكون
آخر عهدك بمكة الطواف بالبيت.
وطواف الوداع يسقط عن الحائض والنفساء.
* محظورات الإحرام :-
المحظورات: هي ما يحرم على المحرم فعله، بسبب الإحرام؛ وهي تسعة:
الأول والثاني: إزالة الشعر والأظفار: إلاَّ أن ينكسر الظفر فتجوز إزالته.
ومن احتاج أن يغتسل وهو محرم فله ذلك، وإن سقط شيء من شعره أثناء الغسل فلا شيء
عليه، إلاَّ أن يتعمد الإزالة فعليه الفدية.
الثالث: تعمد الرجل لبس المخيط: وهو كلُّ لباس صُنععلى قدر العضو وإن لم يكن مخيطاً،
وهذا الحكم خاص بالرجال دون النِّساء.
الرابع: تعمد الرجل تغطية رأسه بملاصق له؛ كالعمامة والخرقة، وتغطية المرأة وجهها
ببرقع أو نقاب، ولبسها للقفازين، وإذا احتاجت المرأة إلى ستر وجهها ويديها فإنها
ترخي ثوبها على وجهها ويديها وتغطيهما حتى لا يراها الرجال، ذكره ابن المنذر وابن
قدامة والنووي إجماعاً.
الخامس: التطيب في البدن والثياب، وقصد شم الطيب، وأكله، وشرب ما فيه طيب واستعمال
الصابون الْمُمَسَّك.
السادس: قتل الصيد.
السابع: عقد النِّكاح.
الثامن: المباشرة فيما دون الفرج ، والاستمناء.
التاسع: الجماع في الفرج، وهو المحظور الذي يُفْسِدُ الحجّ، ناسياً فعله المحرم أو
ذاكراً، جاهلاً أو عالماً، الواطيء والموطوء فيه سواء.
* الفدية :-
من فعل محظوراً من هذه المحظورات فعليه الفدية؛ وهي أنواع:
-فمن أزال أظفاره أو شعره، أو لبس مخيطاً، أو غطى رجل رأسه، أو غطت المرأة وجهها
ببرقع أو نقاب، أو يديها بقفازين، أو تطيب؛ ففديته: صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة
مساكين أو ذبح شاة، وإن فعل شيئاً من المحظورات بدون عذر فعليه مع الفدية التوبة.
ومن قتل صيداً فهو مخير بين إخراج المثل، يذبحه ويتصدق به على فقراء الحرم، أو يعرف
قيمته ويخرج بها طعاماً لفقراء الحرم، أو يصوم يوماً عن طعام كلِّ مسكين.
وعقد النِّكاح لا فدية فيه ، إلا أنَّه عقد باطل.
ومن باشر دون الفرج، أو كرر النظر، أو استمنى، فإن نزل منه منيٌّ فعليه بدنة ، وإن
لم ينزل فعليه شاة .
ومن وطيء في الفرج قبل التحلل الأول فسد حجُّه ، وعليه أن يمضي فيه ، ويحجَّ من
قابل، ويهدي بدنة.
ومن وطيء في الفرج بعد التحلل الأول لم يفسد حجُّه، وعليه شاة يذبحها، ويخرج إلى
الحلّ، ويأتي بعمرة.
ومن لم يجد قيمة دم التمتع والقران، والفوت والإحصار، وترك واجب، ووطيء فإنَّه يصوم
ثلاثة أيام في الحجّ، وسبعة إذا رجع إلى أهله، فالثلاثة تكون أيام السادس والسابع
والثامن، أو السابع والثامن والتاسع، ويجوز أن يقدم الصيام ليكون بعد إحرامه
بالعمرة إن كان متمتعاً، أو الحجّ إن كان قارناً.
ومن أخر الصيام عن يوم عرفة وجب عليه قضاؤه بعده، وعليه دم تفويت وقت الصيام.
أمَّا صيام السبعة أيام فيكون إذا فرغ من أعمال الحجّ، أو عاد إلى أهله.
والمرأة لا حجَّ ولا عمرة عليها إذا لم تجد زوجاً أو محرماً يحجُّ بها، لما رَوَى
عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى
الله عليه وسلم يَقُولُ: ((لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَة، وَلاَ تُسَافِرَنَّ
امْرَأَةٌ إِلاَّ وَمَعَهَا مَحْرَم)) فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ
اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وَخَرَجَتْ امْرَأَتِي حَاجَّة، قَالَ:
((اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِك)).
فلم يأذن له النبي صلى الله عليه وسلم بالغزو، مع أنَّه اكتتب فيه، وَأَمَرَهُ أن
لا يترك امرأته تخرج دون محرم.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :
((لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ
بَرِيْداً إِلاَّ وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا)).
والبريد ثلاثة وعشرين كيلاً تقريباً.
* وصايا لإخواني الحجَّاج :-
1-اشتغل –أخي الحاجّ ، أختي الحاجَّة- بأعمال البر، لقول رسول الله صلى الله عليه
وسلم : ((الحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنَّة)).
وأعمال البر كثيرة؛ فأعظمها: تصحيح التوحيد وأداء العبادات والإحسان إلى الخلق، كلّ
ذلك بالتزام حسن الخلق، واجتناب سيئه.
2-أكثر من ذكر الله تعالى ، فقد أمر الله تعالى الحجَّاج بكثرة ذكره ؛ فقال عز وجل
[ فَإِذَآ أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ
الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ
الضَّآلِّينَ ، ثُمَّ أَفِيْضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ
اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيْمٌ ، فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ
فَاذْكُرُواْ اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَـدّ ذِكْـراً ] إلى قوله [
وَاذْكُرُواْ اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ] الآية .
وقال تعالى [ لِيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللهِ فِي
أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ] .
3-احذر من الإكثار من الكلام الدنيوي لكونه مضيعة للوقت، أو يجرّ إلى كلام محرم.
4-احذر من الوقوع في غيبة أو نميمة، أو كذب أوبهتان، أوسبٍّ شتم أولعن، وكل ذلك مما
يُخشى معه حبوط أجر الحجّ؛ قال الله تعالى [ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَات فَمَنْ
فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ ]
.
5-ابتعد عن التشاحن والتنازع مع الناس، فإنَّه أشد خطراً على عملك مما سبق.
6-احرص على تعلم أحكام الحجّ حتى تعبد ربَّك على بصيرة لا على جهل.
7-احذر مزاحمة إخوانك في الطواف والسعي وعند رمي الجمار، فإنَّ المزاحمة في الحجّ
قد تكون سبباً للهلاك، وبإمكانك الانتظار حتى تذهب شدَّة الزحام ، ثم قم بالعبادة.
والله الموفق.
وصلى الله وسلَّم على نبيّنا محمَّد.
بقلم / أحمد بن عبد العزيز الحمدان حرر في 23/8/1422هـ
ملاحظة : ( حقوق الاستفادة من هذه الكتب مشاعة لكل مسلم بشرط العزو إليها ).
|