المقـدمـة :
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله محمَّد بن عبد
الله
وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه أمَّا بعد :
ما أجملَ أن يعيش أحدُنا حياته لا يَظْلِمُ أحداً ولا يظلمه أحد !
وما أجملَ أن يعيش أحدُنا يُؤَدِّي الحقوق لأصحابها، وَيُؤَدِّي النَّاسُ إليه
الحقوقَ التي له !
إنَّ الحياة لا تنتظم شؤونُها ، ولا ينتهي عدوانُ أهلها على بعضِهم إلاَّ بأداء
الحقوق لأصحابها.
وإنَّ أعظم حـقٍّ يجب على العبد أن يؤديه ؛ هو (( حقُّ الله تعالى )) .
ثم يأتي بعد ذلك (( حقُّ الوالدين )) :
الوالدان اللذان جعل الله تعالى رضاه في رضاهما، وسخطه في سخطهما ، وأوصى عباده
بالوفاء لهما بحقّهما ، وجعل الوفاءَ بحقّهما قرينَ التوحيد ، والإخلالَ به قرينَ
الشرك ، وَقَرَنَ
حقّهما بحقِّه ، وجعله صفةً بارزةً من صفات أنبيائه ورسلِه عليهم السلام ، وَأَخَذَ
العهدَ على
الأمم السابقة أن يفوا به، وجعل الوفاء به حقّاً واجباً وإن كان الوالدان كافرين ،
وجعل ذلك
من أحبِّ الأعمال إليه ؛ الْمُكَفِّرَةِ للسيئات ، الْمُكَثِّرَةِ للحسنات ،
الرَّافِعَةِ في الدرجات ، وجعله
سبباً للنّجاة من النَّار ، وسبباً لدخول الجنّة ، وليس دخولها فقط ، بل دخولها من
أعظم وأفضل
أبوابها، والسكنى في أعلى درجاتها ، وجعله سبباً في زيادة العمر ، والبسط في الرزق
.
كلّ ذلك لِمَا للوالدين من مكانة عليّة ، ودرجة سامية يعجز عن بلوغها غيرهما ؛ فهما
سبب
وجود الإنسان في هذه الحياة ، وهما من تعبا وأنفقا ، وربيا وحفظا ، وقدّما ما لا
يوصف من
أجل أبنائهما .
لذا أعطاهما الله تعالى هذه المكانة التي سأذكر شيئاً من صفاتها ـ إن شاء الله
تعالى ـ
في هذه الرسالة المختصرة .
سائلاً الله تعالى أن تكون سبباً لدفعي ودفع كلِّ من قرأها إلى أن يفي لوالديه
بحقّهما حتّى
يفوز بالسعادة في الدُّنيا والآخرة . إنَّه ولي ذلك والقادر عليه .
وصلى الله وسلَّم على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين .
* مقام الوالدين العلي :
لقد رفع الإسلامُ من شأن الوالدين إلى درجة عظيمة ، وأخذ بأيديهما وَبَوَّأَهُمَا
عرشاً كريماً ،
وجعلهما في مقام يرفع النَّاسُ إليه أبصارَهم فتعود حاسرة ، وتتطلع لتقارب سماءهما
فترجع
خاسئة خاسرة ، ولا ، ولن تعرف البشرية جمعاء عزاً ناله إنسانٌ كَعِزِّ الوالدين ،
مهما أوتيت
البشريةُ من أنظمةٍ ورقي مدني .
- وإنَّ ممَّا يبيّن المقام العلي الذي جعل الله تعالى فيه الوالدين ، أمور :
- الأول : أنَّ الله تعالى قرن حقّهما بحقّه :
وحقُّ الله تعالى : أن يفردَ بالعباده ، وحقُّ الوالدين : أن يبرهما أبناؤهما ،
فلما قرن الله تعالى
حقّهما بحقِّه دلَّ على أنَّ حقَّهما غايةٌ في العظمة .
قال الله تعالى ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ
وَبِالوَالِدِيْنِ إِحْسَاناً ) .
- الثاني : أنَّ الله جعل برَّ الوالدين صفةً بارزة لأنبيائه عليهم الصلاة السلام :
ومن ذلك ما قال تعالى – على لسان عيسى عليه السلام - ( وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً
أَيْنَ مَا كُنتُ
وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَادُمْتُ حَيّاً ، وَبَرّاً بِوَالِدَتِي
وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً ) .
وقال تعالى عن يحيى عليه السلام ( وَبَرّاً بِوَالِدِيهِ وَلَمْ يَكُن جَبّاراً
عَصِيّاً ) .
فجعل اللهُ برّ الوالدة مما أثنى به عيسى عليه السلام على نفسه ، وبِرَّ الوالدينِ
مما أثنى الله به على يحيى عليه السلام .
- الثالث : أنَّ الله تعالى أخذ العهد على الأمم السابقة أن يبروا آباءهم :
فقال تعالى ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيْثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ
إِلاَّ اللهَ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَاناً ) .
قال ابن كثير– رحمه الله تعالى : فأمرهم تعالى أن يعبدوا الله لا يشركوا به شيئاً،
وبهذا
أَمَرَ جميع خلقه، ولذلك خلقهم … ثمَّ بعده حَقُّ المخلوقين، وآكدهم وأولاهم بذلك
حقُّ الوالدين .
- الرابع : وليس البرّ خاصاً بالوالدين المسلمين :
بل الواجب على الولد برُّ وحسنُ مصاحبة والديه وإن كانا كافرين ، قال الله تعالى (
وَإِن
جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا
وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً ).
قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما : قَدِمَتْ عليّ أمي ، وهي مشركة ،
في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت
:
قدمت عليّ أمي ، وهي راغبة ( أي طامعة فيما عندي ، تسألني الإحسانَ إليها )
أَفَأَصِلُ أُمِّي ؟ قال صلى الله عليه وسلم : (( نَعَمْ ، صِلِي أُمَّك )) .
- الخامس : برَّ الوالدين من أحبِّ الأعمال إلى الله :
فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أيُّ
العمل أحبُّ إلى الله ؟ قال : ((الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا )) قلت : ثمَّ أي ؟ قال
: (( بِرُّ الْوَالِدَيْن ))
قلت : ثمَّ أيّ ؟ قال : (( الْجِهَادُ فِي سَبِيْلِ الله )) .
فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم برّ الوالدين مقدّماً على الجهاد في سبيل الله
تعالى .
- السادس : أنَّ الله تعالى جعل بِرَّ الوالدين سبباً لدخول الجنَّة ، وعقوقهما
سبباً لدخول النَّار :
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال : ارتقى النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر
درجة
، فقال : (( آمين )) ثمَّ ارتقى الثانية، فقال : (( آمين )) ثمَّ ارتقى الثالثة ،
فقال : (( آمين ))
ثمَّ استوى فجلس ، فقال أصحابه : على ما أمنت ؟ قال صلى الله عليه وسلم : (( أتاني
جبريل
فقال : رَغِمَ أَنْفُ امرىء ذُكرتَ عنده لم يصل عليك ، فقلت : آمين ؛ فقال : رَغِمَ
أَنْفُ امرىء
أدرك أبويه فلم يدخل الجنّة ، فقلت : آمين ، فقال : رَغِمَ أَنْفُ امرىء أدرك رمضان
فلم يُغفر له،
فقلت: آمين )) .
ومعنى (( رَغِمَ أَنْف )) أي : التصق بالرَّاغام ، وهو التُّراب ، والمقصود :
الدُّعاء عليه بأن يذله الله تعالى كما أنَّ الذي يلتصق أنفه بالتراب ذليل . لذلك
تجد عاقَّ والديه مسلوب العزّة ، ذليلاً .
وعن مالك بن عمرو الشقيري رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول : (( مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْه ، أَوْ أَحَدَهُمَا ثُمَّ دَخَلَ النَّارَ
-مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ- فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَسْحَقَه )) .
أي : أهلكه ، وأبعده عن رحمته .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ثَلاَثَةٌ لاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّة،
وَلاَ يَنْظر اللهُ إِلَيْهِمْ يَومَ
القِيامَة : الْعَاقُّ لِوَالِدَيْه ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِلَةُ
الْمُتَشَبِّهَةُ بِالْرِجَال ، وَالدَّيُّوث )) .
- السابع: البارُّ بوالديه يدخل الجنَّة من أفضل أبوابها:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّة ))
.
أي : إنَّ من أبواب الجنَّة : بابُ بِرِّ الوالدين ، كما أنَّ منها : باب الصلاة ،
وباب الزكاة ،
وباب الجهاد ، وباب الريَّان ، فكذلك لها باب (( برِّ الوالدين )) يدخل منه من كان
باراً بوالديه.
وقوله صلى الله عليه وسلم : ((أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّة )) الأوسط : هو الأفضل
، والأمثل ، والأعظم .
وجاء رجل إلى النبيصلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، دلني على عمل أعمله
يقربني
إلى الله ، قال : (( هَلْ بَقِيَ مِن وَالِدَيْكَ أَحَد ؟ )) قال : أمي . قال :
((فَاتَّقِ اللهَ فِي بِرِّهَا ، فَإِذَا فَعَلْتَ فَأَنتَ حَاجٌّ وَمُعْتَمِرٌ
وَمُجَاهِد )) .
وهذا يدل على أن برَّ الوالدين في أعلى المقامات بين الأعمال الصالحات .
وعن عمرو بن مرَّة الجهني رضي الله عنه ، قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه
وسلم
فقال : يا رسول الله ، شهدت أن لا إله إلا الله ، وأنَّك رسول الله ، وصلّيت الخمس
، وأدَّيتُ
زكاة مالي ، وصمت رمضان ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ مَاتَ عَلَى
هَذَا كَانَ
مَعَ الْنَبِيِّينَ وَالصِّدِّقِينَ وَالشُّهَدَاء يَومَ القِيَامَة )) ونصب أصبعيه
: (( مَا لَمْ يَعُقَّ وَالِدَيه )) .
وفي هذا دليل على أنَّ عقوق الوالدين يحبط ثواب الأعمال الصالحة ، وأنَّ قبول العمل
الصالح
معلق بِبِرِّ الوالدين ؛ وهذه القضية الخطيرة تجعل المسلم يعيش وَأَهَمُ ما يفكر
فيه – بعد رضا
الله – أن يكون والداه راضيين عنه ، فيواصل إحسانَه إليهما ، وبِرَّهُ بهما .
- الثامن : والبارُّ بوالديه في أعلى درجات الجنَّة :
فعَنْ أمِّ المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله عنها : عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
قال : (( دَخَلْتُ
الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ فِيهَا قِرَاءَة، قُلْتُ مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : حَارِثَةُ
بْنُ النُّعْمَانِ . كَذَاكُمُ الْبِرُّ ، كَذَاكُمُ الْبِرُّ ))
وكان رضي الله عنه براً بأمِّه .
- التاسع : جعل الله تعالى رضاه في رضاهما ، وسخطه في سخطهما :
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال :
(( رضا الربِّ في رضا الوالدين ، وسخطه في سخطهما )) .
- العاشر : جعل الله تعالى عقوقهما قرين الشرك به :
فعن أبي بكرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أَلاَ
أُنَبِئُكُم بِأَكْبَرِ
الْكَبَائِر ؟ )) قلنا : بلى ، يا رسول الله . قال : (( الإِشْرَاكُ بِالله ،
وَعُقُوق الْوَالِدَين )) الحديث .
وهذا بيان منه صلى الله عليه وسلم أنَّ العاق لوالديه مرتكب لذنب عظيم مقرون بالشرك
، عياذاً بالله .
- الحادي عشر : جعل الله برَّ الوالدين سبباً في زيادة العمر، وبسط الرزق :
حيث ربط رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظمَ ما يَرْغَبُ النَّاسُ فيه من أمور
دنياهم بِبِرِّ
الوالدين ، وهو : زيادة العمر، وبسط الرزق ، فقال : (( من سرَّه أن يُمَدَّ في عمره
، ويُزَادَ
في رزقه فَلْيَبَرَّ والديه وليصل رحمه )).
فهؤلاء الثلاثة كلٌّ منهم دعا الله عز وجل بأفضل عمل عمله ، فكان أفضلَ عمل عمله
أَوَّلُهُم :
بِرُّهُ بوالديه ، فكان هذا البرُّ سببَ تفريجِ كربتهم ، وخروجهم من تلك الورطة
التي وقعوا فيها .
وهذا أويس القَرَنِي – رحمه الله – كان مجاب الدعوة ، لكونه كان بَـرّاً بأمِّه ،
وكان عمر بن
الخطاب رضي الله عنه يسأل عنه أهل اليمن ، حتى وجده ، فقال له : أنت أُويس القَرَني
؟
فقال : نعم . قال : فكان بك برص فَبَرِأْتَ إلاَّ موضعَ درهم؟ قال : نعم. قال : لك
والدة ؟ قال:
نعم . قال عمر رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( يَأْتِي
عَلَيْكُمْ
أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَن ، مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ
قَرَن، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلاَّ
مَوْضِعَ دِرْهَم ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرّ ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ
لأَبَرَّه ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ
فَافْعَل )) قال عمر رضي الله عنه : فَاسْتَغْفِرْ لي ، فَاسْتَغْفَرَ لَه .
- الثالث عشر : أنَّ الله تعالى جعل برَّ الوالدين سبباً لتكفير الذنوب :
فعن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ فقال :
إنَّي أذنبت
ذنباً عظيماً ، فهل من توبة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : (( هَلْ لَكَ وَالِدَان ؟
)) قال : لا .
قال : (( فَهَلْ لَكَ مِن خَالَة ؟ )) قال : نعم . قال : ((فَبِرَّهَا )) .
فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى برِّ خالته ، لكونها كالأمِّ ،
وقد قال صلى الله عليه وسلم : (( الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمّ )) .
- الرابع عشر: أنَّ الله يستجيب دعاءهما على الولد :
فعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ثَلاَثُ
دَعَوَاتٍ
مُسْـتَجَابَاتٌ ، لاَ شَـكَّ فِيهِنّ : دَعْـوَةُ الْمَظْلُوم ، وَدَعْـوَةُ
الْمُسَافِر ، وَدَعْـوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِه )) .
- الخامس عشر : أنَّ حقهما لا يمكن أن يفي به الولدُ إلا أن يجدهما مملوكين
فيعتقهما :
فعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لاَ
يَجْزِي وَلَدٌ
وَالِدَهُ إِلاَّ أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَه )) .
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنَّه قيل له : ما حقُّ الوالدين على الولد ؟ قال :
لو خرجت من أهلك ومالك ما أديت حقَّهما !
وهذا وفاء بحقِّ كونهما سبب وجود الولد فقط، وإلا فإنَّ ما تعبا عليه ، وسهرا من
أجله ،
وأنفقاه من أموال ، وغير ذلك ممَّا لا يكاد يُحْصَر فلا يجزي الولد والديه عنه .
* قصة وعبرة :
جاء رجل من اليمن فرآه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يطوف بالبيت ،
يحمل أُمَّه على كتفيه ، ويرتجز قائلاً :
إنِّي لها بعـيرها المذلـلإن أذعرت ركابها لم أُذعـر
ثمَّ التفت إلى ابن عمر وقال : يا أبا عبد الرحمن ! أتراني جزيتها ؟
فقال : لا ، ولا بزفرة في طلقها.
قيل: ولم ؟ قال : لأنَّها تعبت عليه ترجو حياته، وهو يتعب عليها ينتظر وفاتها .
وشتان ما بين العملين ، وشتان ما بين النيتين !
ثم اعلم أنَّ للوالدين وَلَهاً على ابنهما ، وفيهما حُرْقَةً عليه لا يدركها ، ولا
يمكن أن يصفها إلا
من كابدها ، وعاناها ، وأشدّ ما يكون ذلك عند الوالدة، لذلك كان حقُّها أعظم ،
ورتبتها – في
البرِّ – أعلى ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أمُّك ، ثمَّ أمُّك ، ثمَّ
أمُّك ، ثمَّ أبوك )).
* وقصة أُخرى :
يروى : أنَّ بعض الصالحين أراد الحجَّ فاستأذن أمَّه ، فأذنت له - مراعية بذلك حاجة
ولدها ،
متحملة أَلَمَ فِرَاقِه - فودعها عند باب داره ، ثمَّ انصرف ، فلمَّا كان في بعض
طريقه ، جلس
ليقضي حاجته ، فأصاب البولُ ثوبه ، فاستنكر ذلك ، ولم يكن يعهده من نفسه ، فقال
لنفسه :
لا بدَّ أني أحدثت شيئاً ، فعاد إلى بلده ، فطرق الباب، وإذا بِأُمِّهِ جالسة وراء
الباب ، فقال لها:
مالك ، يا أمَّاه ؟ قالت : يا بني ، آليت (تعني : أقسمت) على نفسي أن لا أبرح هذا
المكان
حتى ترجع إليَّ !
وهذا شاعر يصور وَلَهَ الوالدةِ على ولدها ، وإن كان عاصياً مسيئاً ، فيقول :
أغرى امرؤٌ يوماً غـلاماً جاهلاً
بدراهـمٍ كي ما ينالَ به الضــرر
قال ائتني بفـؤاد أمِّـك يا فتى
ولك الدراهـمُ والجـواهرُ والدُّرر
فمضى فأغرز خنجراً في صـدرها
والقلبَ أخـرجه وعاد على الأثر
لكـنَّه من فـرط سـرعته هـوى
فتدحـرج القلب المضرج إذ عثر
ناداه قـلبُ الأمِّ وهـو معفر
ولدي ، حبيبي ، هل أصابك من ضرر
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بقلم / أحمد بن عبد العزيز الحمدان
ملاحظة : ( حقوق الاستفادة من هذه الكتب مشاعة لكل مسلم بشرط العزو إليها )