جمرة
إبليس كيف تُطفأ
( طرق عمليّة لعلاج داء الغضب ) :
* المقـدمـة :
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله محمَّد بن عبد
الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه أمَّا بعد : إنَّ الإنسان في هذه الدنيا
تنتابه انفعالاتٌ عدَّة ، بِهَا يتمكن من التفاعل مع أمور حياته الدنيا ، وهذا من
فضل الله تعالى على عباده ، وإلا لصار كلٌّ منهم إنساناً غير فاعل ، لا فرق بينه
وبين الجماد .
ومن هذه الانفعالات ( الغضب ) :
هذا الشعور الذي يجعل الإنسان يضطرب اضطراباً يُخْرِجُهُ عن واقعه السوي ، إن هو
استرسل معه ، ووافق مراداتِ نفسه في تنفيذ ما أرادت حال وقوع هذا الانفعال .
ويظل الأمر دائراً بين شدَّةِ الانفعالِ وضعفه إلى أن يأتي العدو الأكبر ، والماردُ
المختالُ المتكبر ، العدو الذي أمرنا الله تعالى باتخاذه عدواً ، العدو الذي ما
فتيء منذ خلق الله أبانا آدم عليه السلام إلى يومنا هذا وهو يكيد لبني آدم ، ويسعى
جاداً لإفسادهم في أمور دينهم ودنياهم.
قال الله تعالى :
[ إِنَّ الْشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌ فَاتَّخِذُهُ عَدُواً إِنَّمَا يَدْعُواْ
حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ] .
فهذا حال الشيطان مع الإنسان : عداوةٌ مبينة ، تزيينٌ للباطل ، حثٌّ على اقتحام
أسباب الردى ، أمرٌ بالفحشاء ، رصدٌ لتصرفات بني آدم ، دخولٌ عليهم من كلِّ باب يرى
إبليسُ أنَّه من خلاله يستطيع صرفهم عن الحقِّ الذي فُطِروا عليه ، دفعٌ لهم إلى
كلِّ شرٍّ يزينه لهم !
ومن هذه الأبواب التي يأتي منها إبليس ، بل من أعظمها : (( الغضب )) .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( إِنَّ الغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَان ، وَإنَّ الشَّيْطَانَ مِنَ النَّار )) .
- إذن الغضب انفعالٌ ناري ، مرتبطٌ بالشيطان ، الذي خلقه الله تعالى من نار ، فيجد
الشيطانُ في هذا الانفعال مرتعاً خصباً له . هذه حقيقة .
- والحقيقة الثانية : عند تمادي الإنسان مع الغضب ، نجده يتصرف تصرفاتٍ نارية ،
فيها تطايرٌ ، وطيشٌ ، واضطرابٌ ، وعدمُ استقرار ، وإيذاءٌ لمن يقترب منه ، وهذه
طبيعة النَّار ، وهي ما يحرص إبليسُ ، أعاذنا الله منه ، على أن يتصف الإنسانُ بها
، بعيداً عن صفات أبيه آدم التُّرابية ، التي تتميز بالاستقرار والطمأنينة ،
والدماثة ، وهي صفاتٌ خلق الله تعالى النَّاس عليها ، ولكنَّها لَمَّا كانت صفاتٍ
فيها ركود ، والركودُ لا يصلح للاستفزازِ والدفعِ إلى المعاصي التي يريد إبليسُ من
النَّاسِ أن يقعوا فيها ، حرص إبليسُ على دفعهم ليتصفوا بالصفات النَّارية ،
مستغلاً الانفعالاتِ التي خلقها الله في بني آدم ليتفاعلوا مع حياتهم الدُّنيا ،
فأصبح يدفع النَّاس إلى الخصائص النَّاريةِ من خلالها ، لكونها صفاتٍ فيها تحرك
واضطراب ، والنَّارُ فيها تحرك واضطراب ، فاستغل إبليسُ هذه الصفاتِ المشتركة ،
ودخل منها لِيَصْرِفَ الإنسانَ إلى صفاتِ إبليسَ النَّارية ، التي كلُّها اضطرابٌ
وقلق ، وطيشٌ وخفةٌ حَتَّى يلعب بالإنسان كما يشاء ، فهو في حال الغضب ؛ خفيف العقل
، مضطرب النَّفس ، مستعد للإيذاء ، بل ومندفع إليه ، وحريصٌ على تحقيق الطيش الذي
فيه في عالم الواقع ، لذلك نرى الغضبان متحفزاً للشرّ ، يتربص الدوائر بمن أمامه
ليؤذيه .
وهذا ما صرح به إبليس ، كما ذكر ابنُ الجوزي ، رحمه الله ، عندما تحدث إبليسُ مع
موسى عليه السلام وسأله عن أعظم الأبواب التي يستغلها للتمكن من ابن آدم ، قال :
إنَّ الإنسان ما يزال في عافية مني حتى يغضب فإذا غضب صار كالكرة في يد الصغير،
يقلبها كيف يشاء .
لذلك لما جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب منه أن يوصيه ، قال له :
(( لاَ تَغْضَبْ )) فقال الرجل: ثم ماذا ؟ قال: ((لاَ تَغْضَبْ )) قال: ثم ماذا ؟
قال: (( لاَ تَغْضَبْ )).
- الحقيقة الثالثة : أنَّ الغضب يستولي على الإنسان فيملك عليه جميع جوارحه ، عقلَه
، وأطرافَه ، وعينيه ، ودمَه .
- الحقيقة الرابعة : أنَّ الإسلام دين كامل ، ما ترك خيراً إلا ودلَّنا عليه ، وما
ترك شراً إلا وحذرنا منه ، فبيّن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقةَ الغضب ،
وعِلاقةَ إبليسَ التحريضيّة به ، وهذا تشخيص عظيم لهذا الدَّاء الخطر ، لذلك نرى
الأطباء في هذا الزمن يُجْمِعُونَ على العِلاقةِ الوطيدةِ بين شدَّةِ الغضب وبين
كثيرٍ من الأمراض التي تعتري الإنسان ، وبعضها يكون قاتلاً مدمراً لأعضاء الإنسان
ووظائفِها ؛ فمن ذلك : مرض السكري ، وضغط الدم ، الذي اتخذه إبليس بحراً يسبح فيه
من خلال العروق .
قال صلى الله عليه وسلم : (( إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِن ابْنِ آدَمَ مَجْرَى
الدَّم )) .
وَيُسَبب الغضبُ ، أيضاً ، قرحةَ المعدة ، واضطراباتِ القولون ، ونوباتِ القلب ،
والجلطات ، وغير ذلك من أمراض قاتلة .
ولم يقتصر العلاج النبوي على تشخيص الدَّاء ، بل وضع خطواتٍِ عمليةٍ للإنسان ، بها
يستطيع التخلص من الغضب ، إن اتبعها ؛ وهي :
* خطوات منع ودفع وإزالة الغضب :
للتخلصِ من الغضبِ خطواتٌ وقائيّة تكون قبل وقوعه ، رجاء منعِه ، وخطواتٌ حالَ
وقوعِه ، رجاءَ دفعِه ، وخطواتٌ بعد وقوعِه ، رجاء إزالةِ أضرارِه .
وهاك ـ أخي الكريم ، أختي الكريمة ـ هذه الخطواتِ بالتفصيل :
- أولاً : الخطوات الوقائية من الغضب ؛ ومنها :
1- تشخيصُ الدَّاء ، وبيانُ كونِهِ من نزغاتِ إبليسَ اللعين ، والإنسانُ مأمورٌ
بتجنبها ، ويعلم أنَّ كلَّ ما جاء من إبليس فهو بلاءٌ عليه في الدُّنيا والآخرة ،
لكون إبليس عدوَ الإنسانِ الأكبر .
فمتى فقُه الإنسانُ ذلك أعانه على تثقيف نفسه ضدَّ أنواعِ المكرِ الإبليسيّة ، وكان
على علم ووعي بمداخل إبليس عليه ، فيأخذ حِذره منه .
2- أن يُوَطِّنَ المسلمُ نفسـه على عدم الغضب ، وقد جاء في الحديث : (( إِنَّمَا
الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّم ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّم )) .
وقد أوصى النبيُّ صلى الله عليه وسلم الرجلَ ألاَّ يغضب ، وكرر ذلك مراراً .
ولما جاءه سفيان بن عبدالله رضي الله عنه وقال : يا رسول الله، قل لي قولاً انتفع
به ، وأقلل ؟ قال : (( لاَ تَغْضَبْ وَلَكَ الْجَنَّة )) .
فالأمر يحتاج إلى توطين النَّفس على عدم الغضب ، وذلك بالبعد ، قدر الطاقة ، عن
أسبابه ، التي عهد الإنسان أنَّها تجلبه ، كالذهاب إلى أناس أو مواطن لا يرتاح
إليها وإلى أهلها ، وأن يترك التدخل فيما لا يعنيه وأن يَكِلَ بعض أموره إلى غيره ،
وهكذا يتحسس المواطنَ التي بسببها يغضب ويسعى أن يبتعد عنها .
3- بما أنَّ الغضب من الشيطان ، والشيطان كيده ضعيف ، وقوته في وسوستِه ، وتحريضِه
على الشرّ ، فإنَّ من أنفع معالجة وسوسته التزام الطاعة ، والبعد عن المعاصي ،
لأنَّ المعاصي مرتعٌ خصب للشيطان ، والشيطان ما يزال بالعاصي حتى يستلم قياده ،
فيقلبه كيف يشاء .
4- بما أنَّ الغضب من الشيطان ، والشيطان يُدفع بالأذكار والتحصينات ، فعل المسلم
أن يحرص عليها ، في الصباح وفي المساء ، وفي أدبار الصلوات ، وعند النَّوم ، وعند
الاستيقاظ منه ، وعند دخول المسجد ، وعند الخروج منه ، وعند دخول البيت ، وعند
الخروج منه ، وعند دخول الخلاء ، وعند الخروج منه ، وهكذا في جميع شؤونه .
- ثانياً : إن وقع الغضب فليدفعه قدر الطاقة :
ودفعُه يكون بكظم الغيظ ، رجاء ما عند الله تعالى من أجر لمن كظم غيظه ، وخوفاً من
عواقب الغضب في الدُّنيا والآخرة .
وكظم الغيظ : مقاومةٌ داخل الإنسان يُحْدِثُها ليُضْعِفَ أسبابَ الانفعال ،
ولِيُحْدِثَ الهدوءَ الذي هو من خصائص الإنسان التُّرابية ، وبحدوثه ينقطع الغضب
النَّاري ، الذي هو من خصائص الشيطان .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ كَظَمَ غَيْظاً وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى
إِنفَاذِه ، دَعَاهُ اللهُ عز وجل عَلَى رُؤُوسِ الْخَلاَئِقِ يَومَ الْقيَامَة ،
حَتَّى يُخَيّرَ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاء )) .
وقال صلى الله عليه وسلم : (( لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَة ، إِنَّمَا
الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَب )) .
ومرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم يصطرعون، فقال: (( مَا هَذَا ؟ ))
قالوا : فلان ، ما يصارع أحداً إلا صرعه . قال : (( أَفَلاَ أَدُلُكُمْ عَلَى مَنْ
هُوَ أَشَدّ مِنْه ؟ رَجُلٌ كَلَمَهُ رَجُل (أي جَرَحَه) ؛ فَكَظَمَ غَيْظَه ،
فَغَلَبَه ، وَغَلَبَ شَيْطَانَه ، وَغَلَبَ شَيطَانَ صَاحِبِه )) .
* وفي السيرة النبوية الشريفة نماذج عجيبة لكظم رسول الله صلى الله عليه وسلم غيظه
عن الجاهلين ، الذين تعرضوا له بالإيذاء ، عليه الصلاة والسلام ؛ فمن ذلك :
أنَّ رجلاً غليظاً جاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين النَّاسِ الغنائم ،
فقال الرجل : والله ، إن هذه قسمة ما عُدل فيها ، وما أُريد بها وجهُ الله ! فتغير
وجهه عليه الصلاة والسلام ، إذا كيف يُتهم اللهُ تعالى بعدم العدل ، وهو الذي أمرَ
بهذه القسمة ، ويُتهم رسـولُهُ صلى الله عليه وسلم ، ولكنَّه صلى الله عليه وسلم
كظم غيظه ، وقال : (( فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِل اللهُ وَرَسُولُه ؟ )) ثم
قال : (( يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى ! قَدْ أُذِيَ بِأَكْثَر مِنْ هَذَا فَصَبَر )) .
وهذا أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه دخل عليه رجل فأغلظ له القول ، وقال : هيه ،
يا ابن الخطاب ، فوالله ، ما تعطينا الجزل ، ولا تحكم بيننا بالعدل ، فغضب عمر رضي
الله عنه ، فقال له الحرُّ بن قيس : يا أمير المؤمنين ، إنَّ الله تعالى قال لنبيه
صلى الله عليه وسلم [ خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ
الْجَاهِلِينَ ] وإنَّ هذا من الجاهلين ! قال عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما :
فوالله ، ما جاوزها عمرُ حين تلاها الحرّ ، وكان رضي الله عنه وقّافاً عند كتاب
الله تعالى .
- ثالثاً : معالجة الغضب بعد وقوعه . وذلك بأمور ؛ فمنها :
1- بما أنَّ الغضب من الشيطان ، كما تبيّن لنا ، والشيطان مخلوق من نار ، والنَّار
من طبيعتها الخفة ، والطيش ، والاضطراب ، وعدمُ السكون ، والإنسان مخلوق من
التُّراب ، والتُّراب من طبيعته الثقل ، والسكون ، والإنسانُ حالَ الغضب ينتقل من
طبيعته التُّرابية إلى طبيعة إبليسَ النَّارية ، فعلاجه سهل ميسور لمن كان عاقلاً ،
حريصاً على الخير ، وهو أن يُخَالِفَ طبيعةَ إبليسَ النَّارية ، ويعود إلى طبيعته
التُّرابية ، فيسعى مسرعاً للالتصاق بالتُّراب .
وهو علاج عجيب ، نافعٌ مفيد ، سريعُ المفعول ، مجربٌ ، يُنهي المشكلةَ من أساسها .
دلَّنا عليه رسول الهدى صلى الله عليه وسلم ، فقال : (( أَلاَ وَإِنَّ الْغَضَبَ
جَمْرَةٌ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ ، أَمَا رَأَيْتُمْ إِلَى حُمْرَةِ عَيْنَيْه ،
وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِه ؟ فَمَنْ أَحَسَّ بِشَيْءٍ فَلْيَلْصَقْ بِالأَرْض )) وفي
رواية : (( فَالأَرْضَ الأَرْض )) .
وهذا أبو ذَرٍّ الغفاري رضي الله عنه كان على حوض ماء يسقي ، فجاء رجل فَدَقَّهُ عن
عمد ، فما كان منه رضي الله عنه وهو قائم إلاَّ أن جلس ، ثم اضطجع ، فقيل له : يا
أبا ذر لم فعلت هذا ؟ فقال رضي الله عنه : إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
لنا : (( إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ ، فَإِنْ ذَهَبَ
عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلاَّ فَلْيَضْطَجِعْ )) .
2- بما أنَّ الغضب من الشيطان ، والشيطانٌ مخلوقٌ من نار ، والنَّار من طبيعتها
الإحراق ، وهي لا تُطفأ إلا بالماء ، فليحرص من غضب على الوضوء .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَان ، وإنَّ
الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّار ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاء ،
فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَأ )) .
3- الغضب من أعظم مراتع الشيطان ، وَأَدَواتُهُ في جسم الإنسان : اللسان ، لذلك نرى
الغضبان يُكْثِرُ من الكلام ، وقد تخرج منه ألفاظٌ شنيعة ، لا يرضى العاقلُ لنفسه
النُّطق بها ، ولكنَّ الشيطان حال غضب الإنسان يدفعه لقولها ، فقد يُطَلِّقُ
الغضبانُ زوجتَه ، وقد يلعن نفسه ، وقد يلعن أبناءه ، وقد يفشو عند النَّاس سرَّه ،
وقد ينطق بكلمة الكفر ، عياذاً بالله ، حسب تمكن إبليسَ منه ، لذلك كان ((
السُّكوتُ )) من أنجع أنواع العلاج النَّبوي للغضبان .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُتْ ، وإِذَا غَضِبْتَ
فَاسْكُتْ ، وإِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُت )) .
4- أن يتذكر كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكظم غيظه ، وكيف كان الصالحون
يفعلون هذا ، فإنَّ هذا التذكر علاج نبوي ناجع . وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم
لما اتهمه رجل بعدم العدل ، ما كان منه إلا أن تذكر ما فعل قومُ موسى عليه السلام
به من إيذاء ، ومع ذلك صبر ، فقالصلى الله عليه وسلم : (( يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى ،
قَدْ أُذِيَ بِأَكْثَر مِن هَذَا فَصَبَر )) .
5- بما أنَّ الغضب من الشيطان ، والشيطان كيده ضعيف ، وقوته في وسوستِه ، وتحريضِه
على الشرّ ، فإنَّ من أنفع أنواعِ معالجة وسوسته : الاستعاذة منه ، قال تعالى [
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الْشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ
سَمِيْعٌ عَلِيْمٌ ، إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ
الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ] .
وقال سليمان بن صُرَدٍ رضي الله عنه : اسْتَبَّ رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم
، فجعل أحدُهما تَحْمَرُّ عيناه ، وتنتفخُ أوداجه، قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم
: (( إِنِّي لأَعْرِفُ كَلِمَةً لَو قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِد:
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم ))
فَبَيّنَ صلى الله عليه وسلم أنَّ الاستعاذةَ تُذْهِبُ الغضب .
فعلى من غضبَ أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم مباشرة ، ويكرر ذلك ، ويتفكر في
هذه الكلمة العظيمة التي أمره الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بها ، حتى يذهب
عنه الغضب .
(( وكلُّ هذا الذي ذكرناه خاص بالغضب من أجل الدُّنيا )).
* الغضب المحمود :
من الغضب غضبٌ يحبّه الله تعالى ، وينبغي أن يتصف به المسلم ، في مواطنه الخاصةِ به
، وإلاَّ فقد يخرجه عدمُ الغضب في هذه المواطن إلى أن يقع في الذنب ، أو يخرج من
دائرة الإيمان ، عياذاً بالله .
وهو الغضب لله تعالى ، وهو غضب مضبوط بضوابط الشرع ، لا يُخْرِجُ صاحبه عن آداب
الإسلام ، بل يحملُهُ على دفع الشرِّ الذي لا يرضاه الله فقط .
كمن يرى منكراً ، فإنَّ الغضب لوجود المنكر أمرٌ مطلوب شرعاً ، وهو غضب يدفع صاحبه
إلى تغيير المنكر بالطرق الشرعيّة ، دون تجاوز وشطط ، وقد كان صلى الله عليه وسلم
لا يغضب للدُّنيا أبداً ، ولا ينتصر لنفسه ممن أساء إليه ، ولكنَّه ، كما وصفته
أمُّ المؤمنين عائشةُ رضي الله عنها ، إذا انتهكت حرمات الله لا يقوم لغضبه شيء .
قال صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ
بِيَدِه ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِه ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ
فَبِقَلْبِه ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَان )) .
ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ستراً فيه صور ، غضب لذلك ، حتى عرفت عائشة
رضي الله عنها الغضب في وجههصلى الله عليه وسلم ، فقالت : أتوب إلى الله ورسوله مما
صنعت ، يا رسول الله! فقالصلى الله عليه وسلم مبيناً سبب غضبه : (( يَا عَائِشَة!
أَشَدُّ النَّاسِ عَذَاباً عِنْدَ اللهِ يَومَ القِيَامةِ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ
بِخَلْقِ الله )) .
وهكذا يكون الغضب لله تعالى بالطرق الشرعيّة التي أمر الله تعالى بها ، وسنَّها
رسوله صلى الله عليه وسلم .
أسأل الله تعالى أن يوفقني وإيّاكم لما فيه رضاه ، وأن يجنبنا ما يغضبه ، وأن
يجعلنا من الراشدين .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم .
بقلم / أحمد بن عبد العزيز الحمدان
ملاحظة : ( حقوق الاستفادة من هذه الكتب مشاعة لكل مسلم بشرط العزو
إليها )