الرئيسية|رسالتنا ا أخبر صديقك ا مفضلتك ا أضف مقالك  ا أرسل استفتائك ا سجل الزوار ا المجموعة البريدية ا اتصل بنا|مباشر نـــوافذ الــدعوة Welcome to Dawahwain.com
          
 
القائمة الرئيسية
سيرة المشرف
مؤلفات المشرف
ديـوانية المشـرف
الصـوتـيــــات
مقال الموقع
فتاوى الموقع
شبهات و ردود
مـقـالات مـخـتارة
المـعـهـد العلـمي
دليل مكتبة المرأة
الفـوائـد التـربـويـة
محاضـرات مكتوبة
من فتاوى العلماء
ســيــر الصــحـابة
تراجم من علمائنا
دورة الملك سعود العلمية
ملتقيات الخير
دخول المشرفين
اسم المستخدم
كلمة المــرور
دخول
دخول البريد الخاص
Email
كلمة المرور
دخول
نوافذ الدعوة مؤلفات المشرف جمرة إبليس كيف تُطفأ

جمرة إبليس كيف تُطفأ
( طرق عمليّة لعلاج داء الغضب ) :

* المقـدمـة :
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله محمَّد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه أمَّا بعد : إنَّ الإنسان في هذه الدنيا تنتابه انفعالاتٌ عدَّة ، بِهَا يتمكن من التفاعل مع أمور حياته الدنيا ، وهذا من فضل الله تعالى على عباده ، وإلا لصار كلٌّ منهم إنساناً غير فاعل ، لا فرق بينه وبين الجماد .

ومن هذه الانفعالات ( الغضب ) :
هذا الشعور الذي يجعل الإنسان يضطرب اضطراباً يُخْرِجُهُ عن واقعه السوي ، إن هو استرسل معه ، ووافق مراداتِ نفسه في تنفيذ ما أرادت حال وقوع هذا الانفعال .

ويظل الأمر دائراً بين شدَّةِ الانفعالِ وضعفه إلى أن يأتي العدو الأكبر ، والماردُ المختالُ المتكبر ، العدو الذي أمرنا الله تعالى باتخاذه عدواً ، العدو الذي ما فتيء منذ خلق الله أبانا آدم عليه السلام إلى يومنا هذا وهو يكيد لبني آدم ، ويسعى جاداً لإفسادهم في أمور دينهم ودنياهم.

قال الله تعالى :
[ إِنَّ الْشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌ فَاتَّخِذُهُ عَدُواً إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ] .

وقال تعالى :
[ يَآ أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طِيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُواتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ مَبِينٌ ، إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ] .

وقال تعالى عن الشيطان :
[ قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيْهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ] .

فهذا حال الشيطان مع الإنسان : عداوةٌ مبينة ، تزيينٌ للباطل ، حثٌّ على اقتحام أسباب الردى ، أمرٌ بالفحشاء ، رصدٌ لتصرفات بني آدم ، دخولٌ عليهم من كلِّ باب يرى إبليسُ أنَّه من خلاله يستطيع صرفهم عن الحقِّ الذي فُطِروا عليه ، دفعٌ لهم إلى كلِّ شرٍّ يزينه لهم !
ومن هذه الأبواب التي يأتي منها إبليس ، بل من أعظمها : (( الغضب )) .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( أَلاَ إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى … أَلاَ وَإِنَّ مِنْهُمْ الْبَطِيءَ الْغَضَبِ سَرِيعَ الْفَيْء ، وَمِنْهُمْ سَرِيعُ الْغَضَبِ سَرِيعُ الْفَيْء ، فَتِلْكَ بِتِلْك. أَلاَ وَإِنَّ مِنْهُمْ سَرِيعَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الْفَيْء ، أَلاَ وَخَيْرُهُمْ بَطِيءُ الْغَضَبِ سَرِيعُ الْفَيْء ، أَلاَ وَشَرُّهُمْ سَرِيعُ الْغَضَبِ بَطِيءُ الْفَيْء … أَلاَ وَإِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَم ، أَمَا رَأَيْتُمْ إِلَى حُمْرَةِ عَيْنَيْهِ وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِه، فَمَنْ أَحَسَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَلْصَقْ بِالأَرْض )).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( إِنَّ الغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَان ، وَإنَّ الشَّيْطَانَ مِنَ النَّار )) .

- إذن الغضب انفعالٌ ناري ، مرتبطٌ بالشيطان ، الذي خلقه الله تعالى من نار ، فيجد الشيطانُ في هذا الانفعال مرتعاً خصباً له . هذه حقيقة .

- والحقيقة الثانية : عند تمادي الإنسان مع الغضب ، نجده يتصرف تصرفاتٍ نارية ، فيها تطايرٌ ، وطيشٌ ، واضطرابٌ ، وعدمُ استقرار ، وإيذاءٌ لمن يقترب منه ، وهذه طبيعة النَّار ، وهي ما يحرص إبليسُ ، أعاذنا الله منه ، على أن يتصف الإنسانُ بها ، بعيداً عن صفات أبيه آدم التُّرابية ، التي تتميز بالاستقرار والطمأنينة ، والدماثة ، وهي صفاتٌ خلق الله تعالى النَّاس عليها ، ولكنَّها لَمَّا كانت صفاتٍ فيها ركود ، والركودُ لا يصلح للاستفزازِ والدفعِ إلى المعاصي التي يريد إبليسُ من النَّاسِ أن يقعوا فيها ، حرص إبليسُ على دفعهم ليتصفوا بالصفات النَّارية ، مستغلاً الانفعالاتِ التي خلقها الله في بني آدم ليتفاعلوا مع حياتهم الدُّنيا ، فأصبح يدفع النَّاس إلى الخصائص النَّاريةِ من خلالها ، لكونها صفاتٍ فيها تحرك واضطراب ، والنَّارُ فيها تحرك واضطراب ، فاستغل إبليسُ هذه الصفاتِ المشتركة ، ودخل منها لِيَصْرِفَ الإنسانَ إلى صفاتِ إبليسَ النَّارية ، التي كلُّها اضطرابٌ وقلق ، وطيشٌ وخفةٌ حَتَّى يلعب بالإنسان كما يشاء ، فهو في حال الغضب ؛ خفيف العقل ، مضطرب النَّفس ، مستعد للإيذاء ، بل ومندفع إليه ، وحريصٌ على تحقيق الطيش الذي فيه في عالم الواقع ، لذلك نرى الغضبان متحفزاً للشرّ ، يتربص الدوائر بمن أمامه ليؤذيه .

وهذا ما صرح به إبليس ، كما ذكر ابنُ الجوزي ، رحمه الله ، عندما تحدث إبليسُ مع موسى عليه السلام وسأله عن أعظم الأبواب التي يستغلها للتمكن من ابن آدم ، قال : إنَّ الإنسان ما يزال في عافية مني حتى يغضب فإذا غضب صار كالكرة في يد الصغير، يقلبها كيف يشاء .
لذلك لما جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب منه أن يوصيه ، قال له :
(( لاَ تَغْضَبْ )) فقال الرجل: ثم ماذا ؟ قال: ((لاَ تَغْضَبْ )) قال: ثم ماذا ؟ قال: (( لاَ تَغْضَبْ )).

- الحقيقة الثالثة : أنَّ الغضب يستولي على الإنسان فيملك عليه جميع جوارحه ، عقلَه ، وأطرافَه ، وعينيه ، ودمَه .

- الحقيقة الرابعة : أنَّ الإسلام دين كامل ، ما ترك خيراً إلا ودلَّنا عليه ، وما ترك شراً إلا وحذرنا منه ، فبيّن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقةَ الغضب ، وعِلاقةَ إبليسَ التحريضيّة به ، وهذا تشخيص عظيم لهذا الدَّاء الخطر ، لذلك نرى الأطباء في هذا الزمن يُجْمِعُونَ على العِلاقةِ الوطيدةِ بين شدَّةِ الغضب وبين كثيرٍ من الأمراض التي تعتري الإنسان ، وبعضها يكون قاتلاً مدمراً لأعضاء الإنسان ووظائفِها ؛ فمن ذلك : مرض السكري ، وضغط الدم ، الذي اتخذه إبليس بحراً يسبح فيه من خلال العروق .

قال صلى الله عليه وسلم : (( إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِن ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّم )) .

وَيُسَبب الغضبُ ، أيضاً ، قرحةَ المعدة ، واضطراباتِ القولون ، ونوباتِ القلب ، والجلطات ، وغير ذلك من أمراض قاتلة .
ولم يقتصر العلاج النبوي على تشخيص الدَّاء ، بل وضع خطواتٍِ عمليةٍ للإنسان ، بها يستطيع التخلص من الغضب ، إن اتبعها ؛ وهي :

* خطوات منع ودفع وإزالة الغضب :
للتخلصِ من الغضبِ خطواتٌ وقائيّة تكون قبل وقوعه ، رجاء منعِه ، وخطواتٌ حالَ وقوعِه ، رجاءَ دفعِه ، وخطواتٌ بعد وقوعِه ، رجاء إزالةِ أضرارِه .

وهاك ـ أخي الكريم ، أختي الكريمة ـ هذه الخطواتِ بالتفصيل :
- أولاً : الخطوات الوقائية من الغضب ؛ ومنها :
1- تشخيصُ الدَّاء ، وبيانُ كونِهِ من نزغاتِ إبليسَ اللعين ، والإنسانُ مأمورٌ بتجنبها ، ويعلم أنَّ كلَّ ما جاء من إبليس فهو بلاءٌ عليه في الدُّنيا والآخرة ، لكون إبليس عدوَ الإنسانِ الأكبر .

فمتى فقُه الإنسانُ ذلك أعانه على تثقيف نفسه ضدَّ أنواعِ المكرِ الإبليسيّة ، وكان على علم ووعي بمداخل إبليس عليه ، فيأخذ حِذره منه .

2- أن يُوَطِّنَ المسلمُ نفسـه على عدم الغضب ، وقد جاء في الحديث : (( إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّم ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّم )) .

وقد أوصى النبيُّ صلى الله عليه وسلم الرجلَ ألاَّ يغضب ، وكرر ذلك مراراً .

ولما جاءه سفيان بن عبدالله رضي الله عنه وقال : يا رسول الله، قل لي قولاً انتفع به ، وأقلل ؟ قال : (( لاَ تَغْضَبْ وَلَكَ الْجَنَّة )) .

فالأمر يحتاج إلى توطين النَّفس على عدم الغضب ، وذلك بالبعد ، قدر الطاقة ، عن أسبابه ، التي عهد الإنسان أنَّها تجلبه ، كالذهاب إلى أناس أو مواطن لا يرتاح إليها وإلى أهلها ، وأن يترك التدخل فيما لا يعنيه وأن يَكِلَ بعض أموره إلى غيره ، وهكذا يتحسس المواطنَ التي بسببها يغضب ويسعى أن يبتعد عنها .

3- بما أنَّ الغضب من الشيطان ، والشيطان كيده ضعيف ، وقوته في وسوستِه ، وتحريضِه على الشرّ ، فإنَّ من أنفع معالجة وسوسته التزام الطاعة ، والبعد عن المعاصي ، لأنَّ المعاصي مرتعٌ خصب للشيطان ، والشيطان ما يزال بالعاصي حتى يستلم قياده ، فيقلبه كيف يشاء .

4- بما أنَّ الغضب من الشيطان ، والشيطان يُدفع بالأذكار والتحصينات ، فعل المسلم أن يحرص عليها ، في الصباح وفي المساء ، وفي أدبار الصلوات ، وعند النَّوم ، وعند الاستيقاظ منه ، وعند دخول المسجد ، وعند الخروج منه ، وعند دخول البيت ، وعند الخروج منه ، وعند دخول الخلاء ، وعند الخروج منه ، وهكذا في جميع شؤونه .

- ثانياً : إن وقع الغضب فليدفعه قدر الطاقة :
ودفعُه يكون بكظم الغيظ ، رجاء ما عند الله تعالى من أجر لمن كظم غيظه ، وخوفاً من عواقب الغضب في الدُّنيا والآخرة .

وكظم الغيظ : مقاومةٌ داخل الإنسان يُحْدِثُها ليُضْعِفَ أسبابَ الانفعال ، ولِيُحْدِثَ الهدوءَ الذي هو من خصائص الإنسان التُّرابية ، وبحدوثه ينقطع الغضب النَّاري ، الذي هو من خصائص الشيطان .

قال تعالى :
[ وَسَارِعُوآ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ، الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ] .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ كَظَمَ غَيْظاً وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِنفَاذِه ، دَعَاهُ اللهُ عز وجل عَلَى رُؤُوسِ الْخَلاَئِقِ يَومَ الْقيَامَة ، حَتَّى يُخَيّرَ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاء )) .

وقال صلى الله عليه وسلم : (( لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَة ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَب )) .

ومرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم يصطرعون، فقال: (( مَا هَذَا ؟ )) قالوا : فلان ، ما يصارع أحداً إلا صرعه . قال : (( أَفَلاَ أَدُلُكُمْ عَلَى مَنْ هُوَ أَشَدّ مِنْه ؟ رَجُلٌ كَلَمَهُ رَجُل (أي جَرَحَه) ؛ فَكَظَمَ غَيْظَه ، فَغَلَبَه ، وَغَلَبَ شَيْطَانَه ، وَغَلَبَ شَيطَانَ صَاحِبِه )) .

* وفي السيرة النبوية الشريفة نماذج عجيبة لكظم رسول الله صلى الله عليه وسلم غيظه عن الجاهلين ، الذين تعرضوا له بالإيذاء ، عليه الصلاة والسلام ؛ فمن ذلك :
أنَّ رجلاً غليظاً جاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين النَّاسِ الغنائم ، فقال الرجل : والله ، إن هذه قسمة ما عُدل فيها ، وما أُريد بها وجهُ الله ! فتغير وجهه عليه الصلاة والسلام ، إذا كيف يُتهم اللهُ تعالى بعدم العدل ، وهو الذي أمرَ بهذه القسمة ، ويُتهم رسـولُهُ صلى الله عليه وسلم ، ولكنَّه صلى الله عليه وسلم كظم غيظه ، وقال : (( فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِل اللهُ وَرَسُولُه ؟ )) ثم قال : (( يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى ! قَدْ أُذِيَ بِأَكْثَر مِنْ هَذَا فَصَبَر )) .

وهذا أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه دخل عليه رجل فأغلظ له القول ، وقال : هيه ، يا ابن الخطاب ، فوالله ، ما تعطينا الجزل ، ولا تحكم بيننا بالعدل ، فغضب عمر رضي الله عنه ، فقال له الحرُّ بن قيس : يا أمير المؤمنين ، إنَّ الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم [ خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ] وإنَّ هذا من الجاهلين ! قال عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما : فوالله ، ما جاوزها عمرُ حين تلاها الحرّ ، وكان رضي الله عنه وقّافاً عند كتاب الله تعالى .

وصدق تعالى القائل :
[ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ] .

- ثالثاً : معالجة الغضب بعد وقوعه . وذلك بأمور ؛ فمنها :
1- بما أنَّ الغضب من الشيطان ، كما تبيّن لنا ، والشيطان مخلوق من نار ، والنَّار من طبيعتها الخفة ، والطيش ، والاضطراب ، وعدمُ السكون ، والإنسان مخلوق من التُّراب ، والتُّراب من طبيعته الثقل ، والسكون ، والإنسانُ حالَ الغضب ينتقل من طبيعته التُّرابية إلى طبيعة إبليسَ النَّارية ، فعلاجه سهل ميسور لمن كان عاقلاً ، حريصاً على الخير ، وهو أن يُخَالِفَ طبيعةَ إبليسَ النَّارية ، ويعود إلى طبيعته التُّرابية ، فيسعى مسرعاً للالتصاق بالتُّراب .
وهو علاج عجيب ، نافعٌ مفيد ، سريعُ المفعول ، مجربٌ ، يُنهي المشكلةَ من أساسها .
دلَّنا عليه رسول الهدى صلى الله عليه وسلم ، فقال : (( أَلاَ وَإِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ ، أَمَا رَأَيْتُمْ إِلَى حُمْرَةِ عَيْنَيْه ، وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِه ؟ فَمَنْ أَحَسَّ بِشَيْءٍ فَلْيَلْصَقْ بِالأَرْض )) وفي رواية : (( فَالأَرْضَ الأَرْض )) .

وهذا أبو ذَرٍّ الغفاري رضي الله عنه كان على حوض ماء يسقي ، فجاء رجل فَدَقَّهُ عن عمد ، فما كان منه رضي الله عنه وهو قائم إلاَّ أن جلس ، ثم اضطجع ، فقيل له : يا أبا ذر لم فعلت هذا ؟ فقال رضي الله عنه : إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا : (( إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلاَّ فَلْيَضْطَجِعْ )) .

2- بما أنَّ الغضب من الشيطان ، والشيطانٌ مخلوقٌ من نار ، والنَّار من طبيعتها الإحراق ، وهي لا تُطفأ إلا بالماء ، فليحرص من غضب على الوضوء .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَان ، وإنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّار ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاء ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَأ )) .

3- الغضب من أعظم مراتع الشيطان ، وَأَدَواتُهُ في جسم الإنسان : اللسان ، لذلك نرى الغضبان يُكْثِرُ من الكلام ، وقد تخرج منه ألفاظٌ شنيعة ، لا يرضى العاقلُ لنفسه النُّطق بها ، ولكنَّ الشيطان حال غضب الإنسان يدفعه لقولها ، فقد يُطَلِّقُ الغضبانُ زوجتَه ، وقد يلعن نفسه ، وقد يلعن أبناءه ، وقد يفشو عند النَّاس سرَّه ، وقد ينطق بكلمة الكفر ، عياذاً بالله ، حسب تمكن إبليسَ منه ، لذلك كان (( السُّكوتُ )) من أنجع أنواع العلاج النَّبوي للغضبان .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُتْ ، وإِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُتْ ، وإِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُت )) .

4- أن يتذكر كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكظم غيظه ، وكيف كان الصالحون يفعلون هذا ، فإنَّ هذا التذكر علاج نبوي ناجع . وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اتهمه رجل بعدم العدل ، ما كان منه إلا أن تذكر ما فعل قومُ موسى عليه السلام به من إيذاء ، ومع ذلك صبر ، فقالصلى الله عليه وسلم : (( يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى ، قَدْ أُذِيَ بِأَكْثَر مِن هَذَا فَصَبَر )) .

5- بما أنَّ الغضب من الشيطان ، والشيطان كيده ضعيف ، وقوته في وسوستِه ، وتحريضِه على الشرّ ، فإنَّ من أنفع أنواعِ معالجة وسوسته : الاستعاذة منه ، قال تعالى [ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الْشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيْعٌ عَلِيْمٌ ، إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ] .

وقال سليمان بن صُرَدٍ رضي الله عنه : اسْتَبَّ رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل أحدُهما تَحْمَرُّ عيناه ، وتنتفخُ أوداجه، قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم : (( إِنِّي لأَعْرِفُ كَلِمَةً لَو قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِد: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم ))
فَبَيّنَ صلى الله عليه وسلم أنَّ الاستعاذةَ تُذْهِبُ الغضب .

فعلى من غضبَ أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم مباشرة ، ويكرر ذلك ، ويتفكر في هذه الكلمة العظيمة التي أمره الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بها ، حتى يذهب عنه الغضب .

(( وكلُّ هذا الذي ذكرناه خاص بالغضب من أجل الدُّنيا )).

* الغضب المحمود :
من الغضب غضبٌ يحبّه الله تعالى ، وينبغي أن يتصف به المسلم ، في مواطنه الخاصةِ به ، وإلاَّ فقد يخرجه عدمُ الغضب في هذه المواطن إلى أن يقع في الذنب ، أو يخرج من دائرة الإيمان ، عياذاً بالله .

وهو الغضب لله تعالى ، وهو غضب مضبوط بضوابط الشرع ، لا يُخْرِجُ صاحبه عن آداب الإسلام ، بل يحملُهُ على دفع الشرِّ الذي لا يرضاه الله فقط .

كمن يرى منكراً ، فإنَّ الغضب لوجود المنكر أمرٌ مطلوب شرعاً ، وهو غضب يدفع صاحبه إلى تغيير المنكر بالطرق الشرعيّة ، دون تجاوز وشطط ، وقد كان صلى الله عليه وسلم لا يغضب للدُّنيا أبداً ، ولا ينتصر لنفسه ممن أساء إليه ، ولكنَّه ، كما وصفته أمُّ المؤمنين عائشةُ رضي الله عنها ، إذا انتهكت حرمات الله لا يقوم لغضبه شيء .

قال صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِه ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِه ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِه ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَان )) .

ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ستراً فيه صور ، غضب لذلك ، حتى عرفت عائشة رضي الله عنها الغضب في وجههصلى الله عليه وسلم ، فقالت : أتوب إلى الله ورسوله مما صنعت ، يا رسول الله! فقالصلى الله عليه وسلم مبيناً سبب غضبه : (( يَا عَائِشَة! أَشَدُّ النَّاسِ عَذَاباً عِنْدَ اللهِ يَومَ القِيَامةِ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ الله )) .

وهكذا يكون الغضب لله تعالى بالطرق الشرعيّة التي أمر الله تعالى بها ، وسنَّها رسوله صلى الله عليه وسلم .

أسأل الله تعالى أن يوفقني وإيّاكم لما فيه رضاه ، وأن يجنبنا ما يغضبه ، وأن يجعلنا من الراشدين .

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم .

بقلم / أحمد بن عبد العزيز الحمدان
ملاحظة : ( حقوق الاستفادة من هذه الكتب مشاعة لكل مسلم بشرط العزو إليها )

تاريخ إضافة المقال:2008-03-31 03:02:03


3 المتصلين بالموقع 0 المتصلين بالصفحة 8287173 عدد زيارات الموقع 132 عدد زيارات الصفحة
نافـذتك الدعـوية
  - أخبار الدعوة
  - مكتبة الداعية
  - الدعوة والداعية
  - المؤسسات الدعوية
 
 
دعاة مشاركون
  - الشيخ د.محمد أحمد باجابر
  - الشيخ د.عبدالعزيز الحميدي
الــــرأي العــام
أوقات الصلاة - مكة
 
شركة بيرفكت وي لتقنية المعلومات pw4it.com
جميع الحقوق محفوظة لـصالح نوافذ الدعوة All Rights Reserved 2008 © DawaHwin.com