الرئيسية|رسالتنا ا أخبر صديقك ا مفضلتك ا أضف مقالك  ا أرسل استفتائك ا سجل الزوار ا المجموعة البريدية ا اتصل بنا|مباشر نـــوافذ الــدعوة Welcome to Dawahwain.com
          
 
القائمة الرئيسية
سيرة المشرف
مؤلفات المشرف
ديـوانية المشـرف
الصـوتـيــــات
مقال الموقع
فتاوى الموقع
ملتقيات الخير
شبهات و ردود
مـقـالات مـخـتارة
المـعـهـد العلـمي
دليل مكتبة المرأة
الفـوائـد التـربـويـة
محاضـرات مكتوبة
من فتاوى العلماء
ســيــر الصــحـابة
تراجم من علمائنا
دورة الملك سعود العلمية
دخول المشرفين
اسم المستخدم
كلمة المــرور
دخول
دخول البريد الخاص
Email
كلمة المرور
دخول
نوافذ الدعوة مؤلفات المشرف ولايات المرأة العامة في الفقه الإسلامي

ولايات المرأة العامة في الفقه الإسلامي

مقدمة :
الْحَمْدُ للهِ مُجِيْبِ مَنْ سَأَلَهُ، وَمُثِيْبِ مَنْ عَلَّقَ بِهِ رَجَاهُ وَأَمَلَهُ ، الكَرِيْمِ الَّذِي مَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ قَبِلَهُ ،
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ أَرْدَاهُ وَخَذَلَه .وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً
عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الْبَرَرَةِ، وَصَحْبِهِ الْخِيَرَةِ، وَمَنْ عَلَى نَهْجِهِ سَارَ وَاقْتَفَى
أَثَرَهُ، وَسَلَّمَ تَسْلِيْماً كَثِيْراً ..

أَمَّا بَعْدُ ..
فَهَذَا بَحثٌ مُختَصَرٌ فِي (( الوِلاَيَاتِ العَامَّةِ لِلْمَرأَةِ فِي الفِقْهِ الإِسْلاَمِيِّ )).
وَجَعَلْتُهُ فِي سِتَّةَ عَشَرَ عُنْصُراً؛ وَهِيَ :
العُنْصُرُ الأَوَّلُ: التَّمْهِيْدُ.
العُنْصُرُ الثَّانِي : التَّعرِيْفَاتُ ذَاتُ العِلاَقَةِ.
العُنْصُرُ الثَّالِثُ : أَقْسَامُ الوِلاَيَةِ.
العُنْصُرُ الرَّابِعُ : وِلاَيَةُ الْمَرأَةِ الإِمَامَةَ الكُبْرَى.
العُنْصُرُ الْخَامِسُ : وِلاَيَةُ الْمَرأَةِ الإِمَارَةَ.
العُنْصُرُ السَّادِسُ : وِلاَيَةُ الْمَرأَةِ الوِزَارَةَ.
العُنْصُرُ السَّابِعُ : وِلاَيَةُ الْمَرأَةِ الإِمَامَةَ الصُّغْرَى.
العُنْصُرُ الثَّامِنُ : وِلاَيَةُ الْمَرأَةِ القَضَاءَ.
العُنْصُرُ التَّاسِعُ : وِلاَيَةُ الْمَرأَةِ الْحِسْبَةَ.
العُنْصُرُ العَاشِرُ : وِلاَيَةُ الْمَرأَةِ الإِفْتَاءَ.
العُنْصُرُ الْحَادِي عَشَرَ : الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ تَعَالَى.
العُنْصُرُ الْثَّانِي عَشَرَ : وِلاَيَةُ الْمَرأَةِ فِي مَجْلِسِ الشُّورَى.
العُنْصُرُ الثَّالِثَ عَشَرَ : وِلاَيَةُ الْمَرأَةِ النِّكَاحَ.
العُنْصُرُ الرَّابِعَ عَشَرَ : وِلاَيَةُ الْمَرأَةِ الْمَالَ.
العُنْصُرُ الْخَامِسَ عَشَرَ : وِلاَيَةُ الْمَرأَةِ الوَقْفَ.
العُنْصُرُ الْسَّادِسَ عَشَرَ : الْخَاتِمَةُ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيّدِ الْخَلْقِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الطَّيبِينَ الطَّاهِرِينَ وَصَحبِهِ
الغُرِّ الْمَيَامِينَ وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.

** العُنْصُرُ الأَوَّلُ : تمهيد :-
وِلاَيَةُ الْمَرأَةِ العَامَّةِ فِي الفِقْهِ الإِسْلاَمِيِّ، جُلُّ مَسَائِلِهَا الَّتِي هِيَ مَدَارِ حَدِيْثِ الْخَائِضِيْنَ فِي هَذَا الزَّمَنِ؛
زَمَنِ فِتَنِ وَتَسَلُّطِ الأَعدَاءِ، وَتَفَرْنُجِ بَعضٍ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُسْلِمِيْنَ، وَظُهُورِ وَتَصَدُّرِ الرُّوَيْبِضَاتِ*، وَصَمْتِ
أَكْثَرِ أَهْلِ الْحَقِّ، وَاضْطِرَابِ أُمُورِ بَعضِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى العِلْمِ وَالدَّعوَةِ، وَقَفْزِ كَثِيْرٍ مِنْ مُرِيْدِي الإِصْلاَحِ
فِي الظَّلاَمِ عَلَى غَيْرِ هُدَىً مِنَ أَهْلِ العِلْمِ وَالتَّقْوَى.

[*الرويبضات: جمع رويبضة؛ هو الذي بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقته في الحديث
الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّهَا سَتَأْتِي عَلَى
النَّاسِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا
الأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ)) قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: ((السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ))
رواه الإمام أحمد، وابن ماجه: كتاب الفتن/باب شدة الزمان].

أَقُولُ: جُلُّ مَسَائِلِ ((وِلاَيَةِ الْمَرأَةِ العَامَّةِ)) لَمْ تَكُنْ مَدَارَ نِقَاشِ وَجَدَلِ أَهْلِ العِلْمِ فِي تَأْرِيْخِ الْمُسْلِمِيْنَ
الطَّوِيْلِ كَمَا هُوَ الْحَالُ الآنَ، حَتَّى عِنْدَ الفُقَهَاءِ الَّذِيْنَ كَانَتْ لَهُمْ آرَاءُ خَالَفُوا فِيْهَا الأَدِلَّةَ الشَّرعِيَّةَ، بَلْ
ظَلَّتْ هَذِهِ الْمَسَائِلُ –فِي الْجُمْلَةِ- حَبِيْسَةَ الكُتُبِ، أَوْ يُفْتَى بِهَا لِلْحَاجَةِ، أَوْ لِلضَّرُورَةِ.

وَلَكِنْ عِنْدَمَا ضَعُفَ الْمُسْلِمُونَ، وَابْتُلُوا بِالاسْتِعمَارِ الَّذِي مَهَّدَ لَهُ الاسْتِشْرَاقُ وَالتَّنْصِيْرُ وَالبِعثَاتُ
الْخَارِجِيَّةُ، وَظَهَر الانْبِهَارُ بِالغَربِ وَالْخُضُوعُ لَهُ، وَالسَّيْرُ فِي رِكَابِهِ، جَاءَتْنَا أَنْظِمَتُهُ وَعَقَائِدُهُ وَأَفْكَارُهُ،
وَجَاءَ بَرِيْقُهَا اللاَّمِعُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَخْتَطِفَ الْمُسْلِمِينَ بَعيْداً عَنْ كِتَابِ رَبِّهِمْ وَسُنَّةِ نَبِيّهِمْ صلى الله عليه
وسلم ، وَجَاءَ الغَربُ بِأَنْظِمَتِهِ الَّتِي تَرجَمَهَا وَبَشَّرَ بِهَا وَرَوَّجَ لهَا بَعضُ أَبْنَاءِ جِلْدَتِنَا النَّاطِقِينَ بِأَلْسِنَتِنَا،
وَبَهَرُّوا النَّاسَ بِاسْمِ ((الْمُسَاوَاةِ وَالعَدَالَةِ وَالْحُرِّيَّةِ)) وَهِيَ ثَالُوثُ الْمَاسُونِيَّةِ الْخَادِعِ الأَكْبَرِ.

وَلَمَّا تَسَرَّبَتْ هَذِهِ الأَفْكَارُ الهَدَّامَةُ بَيْنَ صُفُوفِ الْمُسْلِمِيْنَ، كَانَ مِنْ أَخْطَرِ مَا نَادَتْ بِهِ
((إِفْسَادُ مُرَبِيَةِ الأَجْيَالِ)) تَحتَ شِعَارِ ((نَيْلِ الْمَرأَةِ حُقُوقَهَا)).

[انظر في قصة هذا الصراع المرير المؤلم: واقعنا المعاصر: لمحمد قطب،
وعودة الحجاب: لمحمد المقدم، والأدلة المطمئنة: لأحمد الحمدان].

حَيْثُ وَجَدُوا الْمَرأَةَ الْمُسْلِمَةَ قَدْ صَانَهَا الإِسْلاَمُ مِنَ الفَسَادِ بِحُصُونٍ مَنِيْعَةٍ عَظِيْمَةٍ؛ مِنْ حِجَابٍ، وَمَنْعِ
اخْتِلاَطٍ، وَقَرَارٍ فِي البَيْتِ، وَكَفَالَةٍ لَهَا مُنْذُ أَنْ تَكُونَ جَنِيناً فِي بَطنِ أُمِّهَا إِلَى أَنْ تَدْخُلَ قَبْرَهَا، وَأَعْفَاهَا
مِنَ الْجُمَعِ وَالْجَمَاعَاتِ وَالْجِهَادِ وَالضَّربِ فِي الأَرضِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ، وَكَفَل لَهَا النَّفَقَةَ وَالرِّعَايَةَ
وَالْحِمَايَةَ، وَخَصَّهَا بِمَيْدَانِ عَمَلٍ لاَ تَسْتَطِيْعُ العُصبَةُ مِنَ الرِّجَالِ الأَشِدَّاءَ القِيَامَ بِهِ؛ مِنْ رِعَايَةِ بَيْتِهَا،
وَتَربِيَةِ أَبْنَائِهَا، ثُمَّ وَعَدَهَا -إِنْ هِيَ قَامَتْ بِذَلِكَ، مَعَ حِفْظِ عِرضِهَا، وَأَدَاءِ فَرضِهَا- أَنْ تَتَخَيَّرَ أَيَّ
أَبْوَابِ الْجَنَّةِ لِتَدخُلَ مِنهُ.

فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ :
((أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ،
وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ
عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)).
[متفق عليه: صحيح البخاري: كتاب الجمعة/باب الجمعة في القرى والمدن، ومسلم: كتاب الإمارة/باب فضيلة الإمام العادل].

وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :
((إِذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، قِيلَ لَهَا:
ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْت)). [رواه الإمام أحمد].

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ رضي الله عنه ، أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَّرَ وَوَعَظَ، ثُمَّ قَالَ: ((أَلاَ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْراً فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ، لَيْسَ
تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئاً غَيْرَ ذَلِكَ، ...إِنَّ لَكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ حَقّاً، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقّاً، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى
نِسَائِكُمْ: فَلاَ يُوَطِّئَنَّ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلاَ يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، أَلاَ وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ:
أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي رِزْقِهِنَّ وَكِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ
فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ عز وجل ، وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلْيُؤَدِّهَا إِلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟ أَلاَ
هَلْ بَلَّغْتُ؟ أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟ لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلَّغٍ أَسْعَدُ مِنْ سَامِعٍ)).
[رواه الإمام أحمد، وابن ماجه: كتاب النكاح/باب حق المرأة على الزوج، الرضاع/
باب ما جاء في حق المرأة على زوجها، وقال: حديث حسن صحيح].

فَنَادَتْ الأَلْسِنَةُ الغَربِيَّةُ بِإِخْرَاجِ الْمَرأَةِ الْمُسْلِمَةِ مِنْ مَمْلَكَتِهَا لِيُفسِدُوهَا تَحتَ شِعَارِ إِعطَاءِ الْمَرأَةِ حُقُوقَهَا
الاجْتِمَاعِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ.

أَقُولُ –أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَالأَخَوَاتُ-:
إِنَّنَا إِذَا أَرَدنَا أَنْ نَتَعَرَّفَ عَلَى مَكَانَةِ الْمَرأَةِ عِنْدَ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ، فَإِنَّ أَوَّلَ مَا نَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ شَأْنِهَا؛ هُوَ:
مَا جَعَلَتْ لَهَا تَشْرِيْعَاتُ أُمَّتِهَا مِنْ حُقُوقٍ مُنْطَلِقَةٍ مِنْ إِيْمَانِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِأَهْلِيَّةِ الْمَرأَةِ، أَدَاءً وَوُجُوباً
وَتَصَرُّفاً؛ لأَنَّ الأَهْلِيَّةَ فِيْهَا هِيَ صَلاَحِيَّتُهَا لأَنْ تُوجِبَ عَلَيْهَا الأُمَّةُ الوَاجِبَاتِ الَّتِي تَلِيْقُ بِهَا، وَتَدخُلُ
فِي دَائِرَةِ قُدرَةِ جِنْسِهَا، وَأَنْ تُعطِيْهَا الْحُقُوقَ الَّتِي تَسْتَحِقُّهَا.

وَإِقْرَارُ تِلْكَ التَّشْرِيْعَاتِ بِأَهْلِيَّةِ الْمَرأَةِ هُوَ الْمُوَجِّهُ الْجَوهَرِيُّ فِي إِعطَاءِ الْمَرأَةِ حُقُوقَهَا كَامِلَةً غَيْرَ مَنْقُوصَةٍ.
[المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقاء 2/739-798].

فَمَتَى رَأَيْنَا هَذِهِ التَّشْرِيْعَاتِ تُؤْمِنُ بِأَنَّ لِلرَّجُلِ وَلِلْمَرأَةِ هَذِهِ الأَهْلِيَّةَ، ثُمَّ تُعطِيْهِمَا حُريَّتَهُمَا فِي مُمَارَسَتِهَا،
وَلاَ تُنْقِصهُمَا هَذِهِ الأَهْلِيَّةَ لِكَونِهِ رَجُلاً وَلِكَونِهَا امْرَأَةً، وَلاَ تُمَكِّنُ الرَّجُلَ مِنْ اسْتِعمَالِ حَقِّهِ الْمَشْرُوعِ
لِيُضِرَّ بِالْمَرأَةِ، وَلاَ تُمَكِّنُ الْمَرأَةَ مِنْ اسْتِعمَالِ حَقِّهَا الْمَشْرُوعِ لِتُضِرَّ بِالرَّجُلِ، أَوْ لِيُضِرَّ أَحَدُهُمَا، أَوْ
كِلاَهُمَا بِالْحَقِّ العَامِ، أَوْ لِيُضِرَّ الْحَقُّ العَامُ بِهِمَا، أَوْ بِأَحَدِهِمَا.

مَتَى رَأَيْنَا هَذِهِ التَّشْرِيْعَاتِ تُقَرِّرُ هَذَا وَتُلْزِمُ بِهِ، عَلِمْنَا أَنَّهَا بَلَغَتْ دَرَجَةَ السُّمُوِ الَّتِي تُعطِي كُلَّ ذِي
حَقٍّ حَقَّهُ، وَالَّذِي تَعْيِشُ مَعَهُ الأُمَّةُ فِي تَوَازُنٍ وَاقِعِيٍّ عَادِلٍ بَيْنَ حُقُوقِ الأَفْرَادِ، وَبَيْنَ حُقُوقِ الأُمَّةِ.

وَلَنْ نَجِدَ مَهْمَا بَحَثْنَا فِي تَشْرِيْعَاتِ الأُمَمِ السَّالِفَةِ وَالْحَاضِرَةِ تَشْرِيعاً يَحْفَظُ لأَصْحَابِ الْحُقُوقِ حُقُوقَهُمْ،
وَيُوَازِنُ بَيْنَهَا، وَيَضَعُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ الضَّمَانَاتِ اللاَّزِمَةَ غَيْرَ ((التَّشْرِيْعَاتِ الإِسْلاَمِيَّةِ)).

إِنَّ ((التَّشْرِيْعَاتِ الإِسْلاَمِيَّةَ)) تَفَرَّدَتْ بِوَضْعِ ضَمَانَاتٍ لِحُقُوقِ الْمَرأَةِ لاَ تُوجَدُ فِي تَشْرِيْعَاتٍ أُخَرَ، فَإِلَى
جَانِبِ مُطَالَبَةِ الرَّجُلِ قَضَاءً بِأَدَاءِ حَقِّ الْمَرأَةِ، جَعَلَتْ الشَّرِيْعَةُ حُقُوقَهَا دِيْناً يَجِبُ عَلَى الرَّجُلٍ أَباً كَانَ،
أَوْ زَوْجاً، أَوْ ابْناً، أَوْ أَخاً، أَوْ قَرِيْباً، أَوْ بَعيْداً، أَوْ حَاكِماً، أَوْ مَحكُوماً، أَنْ يُؤَدِّيْهَا، بِقَدْرِ الْوَاجِبِ الَّذِي
عَلَيْهِ، فَيَظَلُّ هَذَا الْحَقُّ هَاجِساً فِي نَفْسِ الرَّجُلِ، وَدَيْناً شَرعِيَّاً فِي ذِمَّتِهِ يَحرِصُ عَلَى أَدَائِهِ لِلْمَرأَةِ
بِإِخْلاَصٍ وَإِحْسَانٍ حَتَّى لاَ يَسْأَلهُ اللهُ عَنْهَ، وَلاَ يُعَاقِبُهُ إِنْ قَصَّرَ فِيْهِ، وَيُثِيْبُهُ الْجَنَّةَ إِذَا أَدَّاهُ إِلَى الْمَرأَةِ،
قَالَ تَعَالَى:[ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ] . [سورة النساء، الآية 58].
وَقَالَ تَعَالَى:[ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ] .[سورة البقرة، الآية 229].

وَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى مِنْ حُقُوقِ الْمَرأَةِ مَا لاَ يَجُوزَ لَهَا وَلاَ لِغَيْرِهَا إِسْقَاطَهُ؛ كَالْمَهْرِ، وَانْتِسَابِ وَلَدِهَا
إِلَى أَبِيْهِ، وَمُكْثِهَا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَقْتَ عِدَّتِهَا.
وَأَبْطَلَ اللهُ تَعَالَى تَنَازُلَ الْمَرأَةِ عَنْ حُقُوقِهَا إِذَا كَانَ التَّنَازُلُ عَنْ إِكْرَاهٍ، أَوْ فِيهِ غَرَرٌ،
وَجَعَلَهَا غَيْرَ مُلْزَمَةٍ بِهَذَا التَّنَازُلِ.

وَأَبْطَلَ اللهُ تَعَالَى تَنَازُلَ الْمَرأَةِ عَنْ حُقُوقِهَا إِذَا كَانَ التَّنَازُلُ عَنِ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ، أَوْ قَبْلَ وُجُودِهِ؛ لأَنَّ
هَذَا التَّنَازُلَ فِي الغَالِبِ لاَ يَكُونُ عَنْ تَرَوٍّ وَتَأَنٍّ وَبَصِيْرَةٍ، فَتُضِرُّ بِمَصَالِحِهَا وَهِيَ لاَ تَشْعُرُ، فَأَبْطَلَ اللهُ
تَنَازُلَهَا هَذَا، وَضَمِنَ لَهَا حَقَّهَا الَّذِي أَسْقَطَتْهُ؛ كَأَنْ تَتَنَازَلَ عَنْ حَقِّ النَّفَقَةِ، أَوْ الْمَبِيْتِ قَبْلَ عَقْدِ النِّكَاحِ،
فَهَذَا تَنَازُلٌ لَهَا أَنْ تَرجِعَ عَنْهُ.

وَحَرَّمَ اللهُ كُلَّ نِكَاحٍ يَقَعُ بِهِ إِضْرَارٌ بِالْمَرأَةِ؛ كَالْمُتْعَةِ، وَالشِّغَارِ، وَالتَّحْلِيْلِ.

وَحَرَّمَ كُلَّ تَصَرُّفٍ يُضِرُّ بِالْمَرأَةِ؛ كَالظِّهَارِ، وَالإِيْلاَءِ، وَعَاقَبَ الرَّجُلَ عَلَيْهِ، وَحَرَّمَ العَضْلَ، وَنَقَلَ
الوِلاَيَةَ بِسَبَبِهِ مِنْ العَاضِلِ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ الأَقَارِبِ، أَوْ الْحَاكِمِ، وأَذِنَ اللهُ لِلْمَرأَةِ أَنْ تَشْتَرِطَ عَلَى مَنْ
تَقَدَّمَ لِنِكَاحِهَا مَا تَضْمَنُ بِهِ حُقُوقَهَا، وَأَنَّهَا إِنْ زُوِّجَتْ ثَيّباً بِغَيْرِ إِذْنِهَا فَلَهَا طَلَبُ فَسْخِ نِكَاحِهَا، وَجَعَلَ
لَهَا حَقَّ التَّخَلُّصِ مِنَ الزَّوْجِ الَّذِي أَضَرَّ بِهَا حَتَّى مَا عَادَتْ تُطِيْقُ العَيْشَ مَعَهُ بِالْمُخَالَعَةِ، وَشَرَعَ لَهَا
تَنْصِيْبَ حَكَمٍ مِنْ حَكَمَينِ لِلإِصْلاَحِ، أَوْ الْمُفَارَقَةِ، وَأَنَّهَا إِذَا طُلِّقَتْ طَلاَقاً بَائِناً يُرَادُ مِنْهُ الإِضْرَارُ بِهَا
فَحَقُّهَا فِي الْمِيْرَاثِ مِنْ مُطَلِّقِهَا لاَ يَسْقُطُ بِتَطْلِيْقِهِ.
[انظر رسالة ضمانات حقوق المرأة الزوجية للدكتور محمد يعقوب الدهلوي، وإتحاف الإخوان
بحقوق الزوجين في الإسلام للدكتور فيحان المطيري، وحقوق المرأة في الزواج للدكتور محمد عتين].

أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَالأَخَوَاتُ!
لَقَدْ أَعْطَى الإِسْلاَمُ الْمَرأَةَ حَقَّهَا عَلَى أَنَّهَا إِنْسَانٌ كَرِيْمٌ كَالرَّجُلِ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُعتَدَي عَلَى حَيَاتِهَا،
وَلاَ تُنْتَقَصُ كَرَامَتُهَا.

وَضَمِنَ لَهَا جَزَاءَ أَعْمَالِهَا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِنْ خَيْراً فَخَيْر، وَإِنْ شَرَّاً فَشَرّ، وَهِيَ فِي هَذَا كَالرَّجُلِ:
[ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ
مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ] .[سورة النحل، الآية 97].

وَهِيَ كَالرَّجُلِ فِي حَقِّ إِبْدَاءِ رَأْيِّهَا، وَرَفَعِ شَكْوَاهَا:
[ قَدْ سِمَعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَدِلُكَ فِي زَوجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ] .[سورة المجادلة، الآية 1].

وَهِيَ كَالرَّجُلِ فِي أَهْلِيَّتِهَا لِلتَّدَيُّنِ وَأَدَاءِ العِبَادَةِ، وَالتِزَامِ الأَخْلاَقِ الْحَسَنَةِ، وَتَحَمُّلِ مَسْؤُولِيَّةِ الدَّعوَةِ
الإِصلاَحِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جَزَاءٍ.

وَهِيَ كَالرَّجُلِ فِي أَهْلِيَّةِ التَّمَلُّكِ وَالتَّصَرُّفِ الاقْتِصَادِيِّ كَمَا سَيَأْتِي، إِنْ شَاءَ اللهُ.

وَهِيَ كَالرَّجُلِ فِي أَنَّ لَهَا حَقّاً فِي حُسْنِ العِشْرَةِ أُمّاً وَزَوجَاً وَبِنْتاً وَقَريْبَةً وَامرَأَةً مِنْ عُمُومِ الْمُسْلِمِيْنَ،
وَلَهَا حَقُّ التَّعَلُّمِ، وَإِبْدَاءِ الرَّأْي فِي مَنْ سَيَتَزَوَّجُهَا، وَلَهَا حَقُّ النَّفَقَةِ مُنْذُ أَنْ تَسْتَقِرَّ نُطفَةً فِي بَطنِ أُمِّهَا
إِلَى أَنْ تَدخُلَ قَبْرَهَا، وَلاَ تُلْزَمُ بِالكَسْبِ، وَلاَ تُلْزَمُ بِالإِنْفَاقِ، وَمَعَ أَنَّهَا غَيْرُ مُلْزَمَةٍ بِالنَّفَقَةِ عَلَى أَحَدٍ

حَتَّى عَلَى نَفْسِهَا فَإِنَّ لَهَا حَقّاً فِي الْمِيْرَاثِ مَعَ مَنْ هُوَ مُلْزَمٌ بِالإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَلَهَا مَهْرُهَا، وَلَهَا نَفَقَتُهَا،
وَلَهَا مُتْعَتُهَا بَعدَ طَلاَقِهَا، وَكَذَا حَقُّ الرَّضَاعَةِ وَالْحَضَانَةِ وَنَفَقَةِ الْمُعتَدَّةِ، وَلَهَا حَقٌّ فِي الاكْتِسَابِ
بِضَوَابِطِهِ الشَّرعِيَّةِ الَّتِي تَحمِيْهَا مِنْ أَنْ تَلْعَبَ بِهَا أَيْدِي الذِّئَابِ البَشَرِيَّةِ، وَلَهَاَ حَقُّهَا فِي مُقَاضَاةِ مَنْ
سَلَبَهَا حَقّاً مِنْ حُقُوقِهَا كَالرَّجُلِ تَمَاماً.

كُلُّ هَذِهِ الْحُقُوقِ –وَغَيْرِهَا الَّتِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَردِهَا ضِيْقُ الْمَقَامِ- تُظْهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرأَةِ الْمُسْلِمَةِ
((مُشْكِلَةُ حُقُوقٍ)) كَمَا هُوَ حَالُ الْمَرأَةِ الغَربِيَّةِ.

وَإِنْ وُجِدَتْ مُشْكِلَةٌ حُقُوقِيَّةٌ لْمْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ فَإِنَّ سَبَبَهَا جَهْلُهَا بِهَا، أَوْ ظُلْمُ ظَالِمٍ لَهَا، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي
كُلِّ مُجْتَمَعٍ، وَيَتَعَرَّضُ لَهُ الأَفْرَادُ رِجَالاً وَنِسَاءً عَلَى دَرَجَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ بَيْنَهُم.
[انظر المرأة والحقوق السياسية في الإسلام لمجيد أبي حجير، وحقوق المرأة المسلمة للدكتورة
فاطمة نصيف].

أَمَّا الْمَرأَةُ الغَربِيَّةُ فَمُشْكِلَتُهَا، بَلْ مُشْكِلاَتُهَا عَوِيْصَةٌ جِدّاً، حَيْثُ تَبْدَأُ مِنَ النَّظْرَةِ اليَهُودِيَّةِ وَالنَّصرَانِيَّةِ
وَالوَثَنِيَّةِ الإِغْرِيْقِيَّةِ وَالرُّوْمَانِيَّةِ إِلَيْهَا، وَهَذِهِ النَّظَرَاتُ هِيَ الْمَورُوثَاتُ العَقَدِيَّةُ لِلأُمَمِ الغَربِيَّةِ اليَومَ بِعَامَّةٍ،
فَالْمَرأَةُ –فِي عَقَائِدِهِمُ الْمَورُوثَةِ- لاَ تَتَمَتَّعُ بِإِنْسَانِيَّةِ الرَّجُلِ، بَلْ هِيَ رِجْسٌ وَنَجَسٌ، وَلاَ تَسْتَحِقُّ دُخُولَ
الْجَنَّةِ إِلاَّ لِكُونِهَا مُتْعَةً، وَهِي ذِرَاعُ إِبْلِيْسَ فِي كُلِّ مُصِيْبَةٍ تَقَعَ عَلَى الرَّجُلِ، وَهِيَ الَّتِي أَخْرَجَتْهُ مِنَ
الْجَنَّةِ فِي عَقِيْدَتِهِمْ، وَهِي الَّتِي مَا خُلِقَتْ إِلاَّ لِلْمُتْعَةِ، وَلَيْسَ فِي شَرعِهِمْ وَلاَ عُرفِهِمْ وَلاَ نِظَامِهِمْ أَنَّ لَهَا
حَقّاً عَلَى الرَّجُلِ فِي نَفَقَةٍ، أَوْ رِعَايَةٍ، أَوْ حِمَايَةٍ، وَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَكْتَسِبَ الْمَالَ وَلَوْ كَانَتْ ذَاتَ زَوجٍ،
وَتَنْتَهِي هَذِهِ النَّظْرَةُ بِاضْطِرَارِهَا –فِي الْحَاضِرِ- إِلَى الْخُرُوجِ لِلْكَسْبِ وَالْمُطَالَبَةِ بِحُقُوقِهَا الْمَسْلُوبَةِ،
وَهِيَ مُحِقَّةٌ فِي مَطَالِبِهَا وَتَأْسِيْسِهَا ((مُنَظَّمَاتِ حُقُوقِ الْمَرأَةِ)) حَيْثُ خَرَجَتْ تُطَالِبُ بِإِنْسَانِيَّتِهَا،وَحُقُوقِهَا
الاقْتِصَادِيَّةِ وَالأَدَبِيَّةِ الَّتِي لاَ يُؤْمِنُ بِهَا الرَّجُلُ الغَربِيُّ إِلاَّ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ بِالقُوَّةِ؛ لِذَلِكَ قَامَتْ
هَذِهِ الْمُنَظَّمَاتُ لِتُطَالِبَ بِحُقُوقِ الْمَرأَة.
[انظر الحجاب لأبي الأعلى المودودي، والمؤامرة على المرأة المسلمة لأحمد فرج السيد،
وواقعنا المعاصر لمحمد قطب].

وَلِلْعِلْمِ، فَإِنَّهُ فِي مُؤْتَمَرِ مُنَظَمَاتِ حُقُوقِ الْمَرأَةِ العَالَمِيِّ الَّذِي عُقِدَ فِي أُورُبَا عَامَ 1991م. ذَكَرُوا فِي
تَوصِيَّاتِهِ أَنَّ الْمَرأَةَ الأَمْرِيْكِيَّةَ وَالأُورُبِيَّةَ لاَ تَمْلِكُ إِلَى الآنَ إِلاَ 2% مِنْ إِجْمَالِي تِجَارَةِ الرَّجُلِ الغَربِيِّ،
بَيْنَمَا عَدَدُ السِّجِلاَّتِ التِّجَارِيَّةِ لِلنِّسَاء فِي الغُرفَةِ التِّجَارِيَّةِ بِجِدةَ يَتَجَاوَزُ 26% مِنْ عَدَدِهَا عِنْدَ الرِّجَالِ،
و90% مِنْ الأَمْوَالِ الْمُدَّخَرَةِ غَيرِ الْمُتَحَرِّكَةِ فِي البُنُوكِ تَمْلِكُهَا النِّسَاءُ، وَالْمَرأَةُ الأَمَارَاتِيَّةُ تَمْلِكُ 32%
مِنْ الأَصُولِ الثَّابِتَةِ.[جريدة المسلمون ربيع الآخر1411هـ. ودليل الغرفة التجارية والصناعية
بمحافظة جدة عام1422هـ. وجريدة الوطن 22/4/1421هـ.].

وَالْمَرأَةُ عِنْدَنَا مَكْفُولَةٌ، وَعِنْدَهُمْ غَيْرُ مَكْفُولَةٍ!!!
لِذَلِكَ لَمْ تَكُنِ الْمَرأَةُ الْمُسْلِمَةُ تُعَانِي –فِي يَومٍ مِنَ الأَيَّامِ- هَضْماً وَظُلْماً لَهَا فِي الإِسْلاَمِ، وَلَمْ تَكُنْ
–فِي يَومٍ مِنَ الأَيَّامِ- بِحَاجَةٍ إِلَى مُنَظَّمَاتٍ تُطَالِبُ بِسَنِّ حُقُوقٍ لَهَا، بِخِلاَفِ الغَربِيَّةِ الَّتِي عَانَتْ وَمَا
زَالَتْ تُعَانِي مِنَ الظُّلْمِ الْمَعنَوِيِّ وَالْمَادِيِّ.

وَلَكِنْ لَمَّا ضَعُفَ تَمَسُّكُ الْمُسْلِمِيْنَ بِدِيْنِهِمْ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ أَعْدَاءَهُمْ، وَغَزَاهُمُ الغَربِيُّونَ بِأَسْلِحَتِهِمُ
الْحَربِيَّةِ وَالفِكْرِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ، وَظَهَرَتْ عَلَى السَّطحِ قَضِيَّةُ حُقُوقِ الْمَرأَةِ، وَظَنَّ بَعضُ
النَّاسِ أَنَّ الْمُسْلِمَةَ تُعَانِي مِمَّا تُعَانِي مِنْهُ الْمَرأَةُ الغَربِيَّةُ، وَخَرَجَتْ أَبْوَاقٌ مِنْ هَا هُنَا وَهُنَاكَ تُنَادِي
بِتَغرِيْبٍ الْمُسْلِمَةِ، وَإِنْزَالِهَا مِنْ عَرشِهَا؛ لِتَدخُلَ فِي مَيَادِيْنَ لَمْ تُخْلَقْ لَهَا، وَتَقْتَحِمَ حَرباً وَهْمِيَّةً لاَ عَدُوَّ
لَهَا فِيْهَا، بِاسْمِ الْمُطَالَبَةِ بِحُقُوقٍ قَدْ كَفِلَهَا الإِسْلاَمُ لَهَا مُنْذُ أَربَعَةَ عَشَرَ قَرناً.

وَمِنْ هَذِهِ الْحُقُوقِ الْمَزْعُومَةِ: ((حُقُوقُ الْمَرأَةِ فِي الوِلاَيَاتِ العَامَّةِ)).

وَهَذَهِ أَعظَمُ الْحُقُوقِ الَّتِي حَرَصَتْ عَلَيْهَا الْمَرأَةُ الغَربِيَّةُ؛ لأَنَّهَا طَرِيْقُ إِيْصَالِ صَوتِهَا وَمُطَالَبَاتِهَا
بِحُقُوقِهَا الَّتِي لاَ يَعتَرِفُ بِهَا الغَربُ أَصلاً، وَهِيَ بَابُ الْحُصُولِ عَلَى النُّفُوذِ الَّذِي مِنْ خِلاَلِهِ تَسْتَطِيْعُ
تَحْوِيرَ القَوَانِينِ لِصَالِحِهَا، خَاصَّةً قَضِيَّةُ دُخُولِهَا الْمَجَالِسِ البَرلَمَانِيَّةَ التَّشْرِيْعِيَّة.

وَمَعَ أَنَّ الْمَرأَةَ الغَربِيَّةَ قَدْ مَضَتْ عَلَيْهَا سَبْعَةُ عُقُودٍ مُنْذُ دَخَلَتْ ((دَهَالِيْزَ البَرلَمَانَاتِ))، إِلاَّ أَنَّهَا إِلَى
هَذَا اليَومِ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَحصُلَ عَلَى كَامِلِ حُقُوقِهَا الَّتِي لاَ يَعتَرِفُ بِهَا الغَربِيُّ، وَلَمْ تَعُدِ الأُمَّ الَّتِي
تُحتَرَمُ وَتُبَجَّلُ، وَلاَ الزَّوجَةَ الَّتِي تُحْمَى وَيُحنَى وَيُغَارُ عَلَيْهَا، وَلاَ البِنْتَ الَّتِي تُرعَى وَتُكْلأُ وَيُحَافَظُ عَلَيْهَا.

لَقَدْ فَقَدَتِ الْمَرأَةُ الغَربِيَّةُ جُلَّ احْتِرَامِهَا، وَأُنْزِلَتْ مِنْ عَلِيّ مَقَامِهَا وَتَسَبَّبَتْ فِي إِفْسَادِ الْمُجْتَمَعِ حِينَ
ظَنَّتْ أَنْ إِصْلاَحَ حَالِهَا يَبدَأُ بِتَركِ بَيْتِهَا وَمُزَاحَمَةِ الرِّجَالِ فِي مَيَادِينِ أَعْمَالِهِمْ وَالْحُصُولِ عَلَى أَكْبَرِ
قَدرٍ مِنْ وَظَائِفِهِمْ.

تَقُولُ ((سيمون دي بوفار)) :
إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا أَلاَّ نَعتَقِدَ أَنَّ مُجَرَّدَ حُصُولِ الْمَرأَةِ عَلَى حَقٍّ مَعنَوِيٍّ، وَمُزَاوَلَتِهَا مِهْنَةً مِنَ الْمِهَنِ يُشَكِّلُ
تَحَرُّراً كَامِلاً لِشَخْصِيَّةِ الْمَرأَةِ. إِنَّ العَمَلَ فِي يَومِنَا هَذَا لاَ يَعنِي مُطلَقاً الْحُرِّيَّةَ.
[المرأة والحقوق السياسية لمجيد أبي حجيرة ص 79].

وَهَذِهِ القَاضِيَةُ السُّوِيْدِيَّةُ ((بِرِيْجِيْدَا أُولْف هَامَر)) الَّتِي طَافَتْ عَوَاصِمَ الشَّرقِ الأَوْسَطِ لِدِرَاسَةِ أَحَوَالِ
الْمَرأَةِ العَرَبِيَّةِ مِنْ قِبَلِ ((هَيْئَةِ الأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ))، دَاعِيَةً إِلَى الْحُرِّيَّةِ، وَإِذَا بِهَا تَكْتَشِفُ حُرِّيَّةً حَقِيْقِيَّةً لاَ
تَتَمَتَّعُ بِهَا، بَلْ لاَ تَعرِفُهَا الْمَرأَةُ الغَربِيَّةُ؛ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ لِلنِّسَاءِ عَالَمُهُنَّ الْخَاصُّ بِهِنَّ لاَ يُشَارِكُهُنَّ فِيهِ الرِّجَالُ.

فَقَالَتْ بَعدَ تِلْكَ الْجَولَةِ: إِنَّ حُرِّيَّةَ الْمَرأَةِ الغَربِيَّةِ حُرِّيَّةٌ وَهْمِيَّةٌ؛ لأَنَّهَا لَمْ تَمْنَحِ الْمَرأَةَ -فِي الْحَقِيْقَةِ-
الْمُسَاوَةَ بِالرَّجُلِ إِلاَّ بَعدَ أَنْ جَرَّدَتْهَا مِنْ صِفَاتِ الأُنُوثِيَّةِ وَحُرِّيَّتِهَا الأُنُوثِيَّةِ وَحُقُوقِهَا الأُنُوثِيَّةِ، لِتَجْعَلَ
مِنْهَا كَائِناً أَقْرَبَ إِلَى الرَّجُلِ.[المرأة والولاية د.طه الدسوقي، عام 1998م. ص265].

أَمَّا الْمَرأَةُ الْمُسْلِمَةُ فَالأَمْرُ لَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَهَا؛ لأَنَّ حُقُوقَهَا مَكْفُولَةٌ كَالرَّجُلِ فَلاَ حَاجَةَ إِلَى مُطَالَبَةٍ
بِحَقٍّ مَكْفُولٍ شَرعاً.

إِنَّ الْمَرأَةَ الْمُسْلِمَةَ مُضْغَةُ الْمُجْتَمَعِ الَّتِي إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْمُجْتَمَعُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْمُجْتَمَعُ، وَإِنَّ
إِصلاَحَ أَوضَاعِهَا لَيْسَ بِإِخْرَاجِهَا مِنْ مَمْلَكَتِهَا، بَلْ بِإِصلاَحِ أَوْضَاعِ مَمْلَكَتِهَا مِنْ خِلاَلِِ إِصلاَحِ الْمَرأَةِ
نَفْسِهَا، الْمَرأَةُ لاَبُدَّ أَنْ تُصلَحَ فِي اهْتِمَامَتِهَا وَمَبَادِئِهَا وَقُدُرَاتِهَا، فَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ كَانَتْ كُلَّ الْمُجْتَمَعِ الْمُصلِحِ،
وَإِلاَّ فَلَنْ تَكُونَ حَتَّى نِصفَ الْمُجْتَمَعِ بَلْ سَتَكُونَ نَسفاً لِلْمُجْتَمَعِ.
وَلِبَيَانِ الأَحْكَامِ الشَّرعِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِـ((مَعرَكَةِ وَلاَيَاتِ الْمَرأَةِ العَامَّةِ))
اليَومَ كَانَ هَذِا البَحثُ ((وِلاَيَاتُ الْمَرأَةِ العَامَّةِ فِي الفِقْهِ الإِسْلاَمِيِّ)).


** العُنْصُرُ الثَّانِي : التَّعرِيْفَاتُ ذَاتُ العِلاَقَةِ :-
- الوَِلاَيَةُ: مَصدَرٌ يَدُلُّ عَلَى القُربِ، وَالإِمَارَةِ، وَالسُّلْطَانِ، وَهَذِهِ الكَلِمَاتُ تُشْعِرُ بِالتَّدْبِيْرِ،
وَالقُدرَةِ، وَالفِعلِ، وَمَا لاَ يَجْتَمِعُ كُلُّ ذَلِكَ فِيْهِ لاَ يُسَمَّى وَالِياً.
[لسان العرب: باب الياء فصل الواو ثم اللام].

- وَالوِلاَيَةُ العَامَّةُ شَرعاً: سُلْطَةٌ شَرعِيَّةٌ عَامَّةٌ تَجْعَلُ لِمَنْ ثَبَتَتْ لَهُ -بِبَيْعَةٍ، أَوْ تَرشِيْحٍ، أَوْ تَعيّينٍ،
َوْ غَلَبَةٍ- حَقَّ التَّصَرُّفِ القَولِيِّ وَالفِعْلِيِّ الْمُتَعَدِّي جَبْراً، أَوْ اخْتِيَاراً، فِي ضَوءِ اخْتِصَاصِهِ.

[ولايات المرأة العامة للدكتور حافظ محمد، والمرأة والحقوق السياسية للدكتور مجيد أبو حجير،
والمرأة والولاية لطه الدسوقي].

وَتَعْتَمِدُ الوِلاَيَاتُ العَامَّةُ عَلَى أُسْلُوبِ الاتِصَالِ الإِنْسَانِيِّ الوَاسِعِ العَمِيْقِ بَيْنَ السَّاسَةِ وَالْجُمْهُورِ
بِمَا يَكْفَلُ وِحدَتَهُمُ الاجْتِمَاعِيَّة، وَحِمَايَتِهِمْ مِنَ التَّأْثِيْرَاتِ الْخَارِجِيَّةِ.

[جوانب التعارض بين عنصر الأنوثة في المرأة والعمل السياسي من المنظور التربوي د.باحارث ص19].

- فَالوِلاَيَاتُ العَامَّةُ: عِلاَقَاتٌ مَفْتُوحَةٌ مِعَ الْجُمْهُورِ، تَخْضَعَ بِصُورَةٍ أَسَاسِيَّةٍ لِلْخِبْرَةِ التَّرَاكُمِيَّةِ الَّتِي تَبْنِيْهَا
الْمُمَارَسَاتُ الوَاقِعِيَّةُ، وَتُمَحِّصَهَا التَّجْرِبَةُ العَمَلِيَّةُ، وَأَمَّا الْمَعرِفَةُ النَّظَرِيَّةُ فَلاَ تَكْفِي فِيْهَا، مَهْمَا كَانَتْ
مُتَفَوِّقَةً، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الوِلاَيَاتِ لَيْسَتْ عُلُوماً مُشَاعَةً، بَلْ هِيَ مُمَارَسَاتٌ عَمَلِيَّةٌ، وَخِبرَاتٌ مُتَرَاكِمَةٌ،
تُكْسِبُهَا العُلُومُ قُوَّةً.

لِذَلِكَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُتَصَوَّرَ الوِلاَيَةُ العَامَّةُ النَّاجِحَةُ بِدِونِ بُرُوزٍ وَمُخَالَطَةٍ لِلْجُمْهُورِ؛ لأَنَّ نَجَاحَ الوِلاَيَةِ،
وَفَلاَحَ أَهْلِهَا مَنُوطٌ بِالْمُخَالَطَةِ وَالبُرُوزِ وَالْجُرأَةِ، وَالْمُسْلِمَةُ مَصُونَةٌ عَنْ هَذِهِ الوَقَاحَةِ وَهَذَا الابْتِذَالِ،
مَحْفُوظَةٌ بِالسَّتْرِ وَأَسْبَابِ العَفَافِ الَّتِي حَفِظَهَا بِهَا الشَّرعُ الْحَنِيْفُ.

- وَالوِلاَيَةُ العَامَّةُ: تَحتَاجُ إِلَى شَخْصِيَّةٍ قِيَادِيَّةٍ، وَزَعَامَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ لاَ تَتَوافَرُ إِلاَّ لِلنُّخْبَةٍ مِنْ الرِّجَالِ.
وَعِنْدَ وَضْعِ صِفَاتِ الشَّخْصِيَّةِ القِيَادِيَّةِ عَلَى النِّسَاءِ، نَجِدُ بَوناً شَاسِعاً بَيْنَ الصِّفَاتِ القِيَادِيَّةِ وَبَيْنَ
ضُغُوطِ الْخَلْقِ الأُنْثَويِّ، الْمُتَمَثِّلِ فِي قِلَّةِ الضَّبْطِ وَغَلَبَةِ النِّسْيَانِ، وَعَدَمِ الاهْتِمَامِ بِالأَحْدَاثِ الدَّقِيْقَةِ،
وَالإِغْرَاقِ فِي الْمِثَالِيَّةِ، وَعَدَمِ التَّركِيْزِ عَلَى الْمُسَبِّبَاتِ وَالعِلَلِ، وَتَأْثِيْرِ العَاطِفَةِ الْجَيَّاشَةِ عِنْدَ الْمَرأَةِ عَلَى
قَرَارَاتِهَا، خَاصَّةً عِنْدَ الأَزَمَاتِ الْمُهَيّجَةِ لِلعَوَاطِفِ الَّتِي تُحيْلُهَا إِلَى الْحِدَّةِ وَالانْفِعَالِ، وَنَعلَمُ أَنَّ الْمَرأَةَ
فِي زَمَنِ النَّزِيفِ الدَّمَوِيِّ تَكُونُ سَريْعَةَ الانْقِيَادِ لِلإِيْحَاءِ وَالتَّقْلِيْدِ وَأَضْعَفَ فِي اتِّخَاذِ القَرَارِ، بَلْ إِنَّهَا فِي
أَيَّامِ حَمْلِهَا يَكُونَ حَالُهَا النَّفْسِيُّ وَتَركِيْبُهَا الكِيْمَاوِيُّ يُلِحَّانِ عَلَيْهَا بِالنُّفْرَةِ مِنَ الْبُرُوزِ لِلْحَيَاةِ العَامَّةِ.

وَكُلُّ هَذِهِ الصِّفَاتِ العَقْلِيَّةِ وَالعَاطِفِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ ضَرُورِيَّةٌ لِلْمَرأَةِ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ صِفَاتِ نَقْصٍ فِي
الرَّجُلِ، فَهِيَ صِفَاتُ كَمَالٍ فِي الْمَرأَةِ لاَ صِفَاتُ نَقْصٍ؛ لأَنَّهَا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ تَسْتَطِيْعُ القِيَامَ بِالْمَهَمَّةِ
الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ عز وجل لَهَا، أمَّا الرَّجُلُ فَلاَ يَسْتَطِيْعُ أَنْ يَقُومَ بِعَمَلِ الْمَرأَةِ؛ لأَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ هَذِهِ الصِّفَاتِ،
وَالْمَرأَةُ غَنِيَّةٌ بِهَذِهِ الْمَشَاعِرِ؛ لِذَلِكَ تُجِيْدُ الاعْتِنَاءَ بِالبَيْتِ، وَرِعَايَةَ الأَبْنَاءِ، وَالفَيْضَ عَلَيْهِمْ مِنْ حَنَانِهَا
الَّذِي لَوْ اجْتَمَعَ رِجَالُ الأَرضِ لِيُعطُوهُ الأَبْنَاءَ لَوَقَفُوا أَمَامَ قُوَّةِ وَمَلَكَاتِ الْمَرأَةِ عَاجِزِينَ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ
الَّتِي تَتَمَتَّعُ بِهَا الْمَرأَةُ دُونَ الرَّجُلِ تُصَادِمُ مُتَطَلَّبَاتِ الوِلاَيَاتِ العَامَّةِ.

لِذَلِكَ لاَ يُعرَفُ فِي التَّأْرِيْخِ البَشْرِيِّ –قَدِيْمِهِ وَحَدِيْثِهِ- أَنْ نِسَاءً اجْتَمَعنَ وَاسْتَلَمْنَ حُكْمَ بَلَدٍ، وَلاَ يُعرَفُ
أَنَّ نِسَاءً قُمْنَ بِانْقِلاَبٍ، وَلاَ يُعرَفُ أَنَّ نِسَاءً قُدنَ جَيْشاً لِلْقِتَالِ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ امْرَأَةٌ تَتَقَلَّدُ وِلاَيَةً عَامَّةً مِنْ
خِلاَلِ سُلطَةٍ مُبَاشَرَةٍ، أَوْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ مِنَ الرِّجَالِ.

وَهَذِهِ الصِّفَاتُ العَقْلِيَّةُ وَالعَاطِفِيَّةُ وَالنَّفْسِيَّةُ ضَرُورِيَّةٌ لِلْمَرأَةِ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ صِفَاتِ نَقْصٍ فِي الرَّجُلِ،
فَهِيَ صِفَاتُ كَمَالٍ فِي الْمَرأَةِ لاَ صِفَاتُ نَقْصٍ؛ لأَنَّهَا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ تَسْتَطِيْعُ القِيَامَ بِالْمَهَمَّةِ الَّتِي خَلَقَهَا
اللهُ عز وجل لَهَا، أمَّا الرَّجُلُ فَلاَ يَسْتَطِيْعُ أَنْ يَقُومَ بِعَمَلِ الْمَرأَةِ؛ لأَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَالْمَرأَةُ
غَنِيَّةٌ بِهَذِهِ الْمَشَاعِرِ؛ لِذَلِكَ تُجِيْدُ الاعْتِنَاءَ بِالبَيْتِ، وَرِعَايَةَ الأَبْنَاءِ، وَالفَيْضَ عَلَيْهِمْ مِنْ حَنَانِهَا الَّذِي لَوْ
اجْتَمَعَ رِجَالُ الأَرضِ لَوَقَفُوا أَمَامَ قُوَّةِ وَمَلَكَاتِ الْمَرأَةِ عَاجِزِينَ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ الَّتِي تَتَمَتَّعُ بِهَا الْمَرأَةُ
دُونَ الرَّجُلِ تُصَادِمُ مُتَطَلَّبَاتِ الوِلاَيَاتِ العَامَّةِ.

قَالَ العَلاَّمَةُ مُصطَفَى الزَّرقَا –رَحِمَهُ اللهُ-: إِنَّ مَسِيْرَةَ الْمَرأَةِ إِلَى جَنْبِ الرَّجُلِ لاَ يَتَنَافَى مَعَ أَنْ يَكُونَ
لَهَا قِسْطٌ مُتَمَيّزٌ عَنِ الرَّجُلِ فِي وَظِيْفَتِهَا وَلِلرَّجُلِ قِسْطٌ آخَرُ، فَهُنَاكَ مَهَمَّاتٌ وَأُمُورٌ يَصلُحُ لَهَا الرَّجُلُ،
وَهُنَاكَ أُمُورٌ وَمَهَمَّاتٌ تُعتَبَرُ الْمَرأَةُ أَصلَحَ لَهَا مِنَ الرَّجُلِ، كُلٌّ فِي اتِّجَاهِهِ الَّذِي يَتَنَاسَبُ مَعَ طَبِيعَتِهِ
وَفِطرَتِهِ الَّتِي فَطَرَهُ اللهُ عَلَيْهَا، فَهِيَ تَسِيرُ فِيْهَا جَنْباً إِلَى جَنْبٍ مَعَ الرَّجُلِ فِي بِنَاءِ الْحَيَاةِ الأُسْرِيَّةِ،
وَلَكِنْ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي نِطَاقِ مَهَمَّتِهِ وَخَصَائِصِهِ وَطَبِيعَتِهِ الَّتِي جَهَّزَهُ اللهُ بِهَا.
[الولاية العامة للمرأة لمحمد القضاة ص136و137، عن جريدة الدستور عدد 2022، وتاريخ 14/3/1973م].

وَتَقُولُ د.فَاطِمَةُ نَصِيف: هَذِهِ الوَظَائِفُ تَتَطَلَّبُ مُعَايَنَاتٍ خَارِجِيَّةً مُتَتَالِيَةً، وَتَقْتَضِي الظُّهُورَ أَمَامَ
النَّاسِ... وَالْمَرأَةُ بِحُكْمِ الشَّرِيعَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ لاَ يَجُوزُ لَهَا الظُّهُورُ أَمَامَ الرِّجَالِ وَالاخْتِلاَطُ بِهِمْ، كَمَا أَنَّ
تَكْوِيْنَهَا الْجِسْمِيَّ الضَّعِيفَ، وَتَكْوِيْنَهَا النَّفْسِيَّ العَاطِفِيَّ الرَّقِيقَ، وَمَا يَعتَرِيْهَا مِنْ عَوَارِضَ جِسْمِيَّةٍ
خَاصَّةٍ تَمْنَعُهَا مِنْ مُمَارَسَةِ هَذِهِ الأَعْمَالِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى القُوَّةِ وَالْخُشُونَةِ، وَإِلَى صَلاَبَةٍ فِي الإِرَادَةِ
وَالعَاطِفَةِ عِنْدَ الْحُكْمِ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ لاَ تَتَوَفَّرُ إِلاَّ فِي الرَّجُلِ بِحُكْمِ خِلْقَتِهِ وَتَكْوِيْنِهِ، وَلَوْ أَنَّ فِي تَقَلُّدِ
الْمَرأَةِ مِثْلَ هَذِهِ الوَظَائِفِ مَصلَحَةً عَامَّةً لَمَا أَغْفَلَهَا الإِسْلاَمُ، إِلاَّ أَنَّ الإِسْلاَمَ أَبْقَى الْمَرأَةَ لِوَظِيْفَةٍ أَهَمّ،
أَلاَ وَهِيَ ((وَظِيْفَةُ الأُمُومَةِ)) حَيْثُ إِنَّ الرَّجُلَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُؤَدِيهَا مَهْمَا تَفَرَّغَ لَهَا.
[حقوق المرأة وواجباتها في ضوء الكتاب والسنة للدكتورة فاطمة نصيف ص187].

وَفِي بَحْثٍ مَيْدَانِيٍّ قَامَتْ بِهِ الدُّكْتُورَه تُمَاضِرُ حَسُّونُ عَامَ 1414هـ. وَهِيَ مِنْ أَنْصَارِ خُرُوجِ الْمَرأَةِ
لِلعَمَلِ خَارِجَ بَيْتِهَا إِلَى حَدِّ التَّهَوُّرِ، أَظْهَرَتْ فِي بَحْثِهَا أَنَّ الْمَرأَةَ العَرَبِيَّةَ بَعدَ سِنِّ الْخَامِسَةِ وَالأَربَعِينَ
تَمِيْلُ إِلَى تَركِ العَمَلِ وَالعَودَةِ إِلَى مَنْزِلِهَا بَعيداً عَنْ كَثْرَةِ الْحَرَكَةِ وَالبُرُوزِ.[تأثير عمل المرأة على
تماسك الأسرة في المجتمع العربي د.تماضر حسون، المركز العربي للدراسات الأمنية ص 174].

وَتَقُولُ عَالِمَةُ التَّحْلِيْلِ النَّفْسِيِّ الدُّكْتُورَه ((هِيْلِين دُويْتش))، فِي كِتَابِهَا الْمَوسُوعِيِّ الْمَرجِعِيِّ ((سِيْكُلُوجِيَّةِ النِّسَاءِ)) :
إِنَّ الْمَرأَةَ بِحُكْمِ تَكْوِيْنِهَا البِيُولُوجِيِّ وَالفِسْيُلُوجِيِّ ... يَفْرِضُ عَلَيْهَا كَثِيراً مِنَ الْمَتَاعِبِ وَالآلاَمِ
وَالتَّضْحِيَاتِ، وَمُشِيْرَةٌ –فِي نَفْسِ الآنِ- أَنَّ الْمَرأَةَ هِيَ ((مُسْتَودَعُ الأُمُومَةِ)) وَالأُمُومَةُ نَوَاةٌ مَركَزِيَّةٌ
تَتَأَلَّفُ مِنْ عَنَاصِرَ بِيُولُوجِيَّةَ وَفِسْيُولُوجِيَّةَ وَتَشْرِيْحِيَّةَ وَسِيْكُلُوجِيَّةَ تُمْلِي عَلَى الْمَرأَةِ مَشَاعِرَ وَسُلُوكِيَّاتٍ
تَنْفَرِدَ بِهَا.[المرأة والولاية د.طه الدسوقي، عام 1998م. ص218].

وَتَقُولُ الأَدِيْبَةُ الفَرَنْسَاوِيَّةُ ((سِيْمُون دِي بُوفُوار)) فِي كِتَابِهَا ((الْجِنْسِ الثَّانِي)):
إِنَّ الْمَرأَةَ تَنْفَرِدُ بِعَوَاطِفِهَا الْمُتَقَلِّبَةِ وَالْجَيَّاشَةِ الَّتِي تَجْعَلُهَا أَسْرَعَ مِنَ الرَّجُلِ اسْتِجَابَةً لِلْمُؤَثِّرَاتِ
الوِجْدَانِيَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ فَهِيَ لاَ تَسْتَطِيْعُ ضَبْطَ نَفْسِهَا، وَإِنَّ حَيَاةَ الْمَرأَةِ أَقَلَّ خِصباً وَأَدنَى ثَرَاءً مِنَ حَيَاةِ
الرَّجُلِ.[المرأة والولاية د.طه الدسوقي، عام 1998م. ص218].

وَأَخِيْراً، الوِلاَيَةُ العَامَّةُ تَكْلِيْفٌ لاَ تَشْرِيْفٌ، وَوَاجِبَاتٌ لاَ امْتِيَازَاتٌ، وَالْمَنْعُ مِنْهَا رَحْمَةٌ بِالْمَمْنُوعِ
لاَ حِرمَانٌ، وَتَكْرِيْمٌ لاَ مَهَانَةٌ.

** العُنْصُرُ الثَّالِثُ : أَقْسَامُ الوِلاَيَةِ :-
- تَنْقَسِمُ الوِلاَيَةُ إِلَى وِلاَيَةٍ قَاصِرَةٍ وَوِلاَيَةٍ مُتَعَدِّيَةٍ :
- فَالوِلاَيَةُ القَاصِرَةُ: هِيَ وِلاَيَةُ الإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ فِي العُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ، دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى إِجَازَةِ
أَحَدٍ؛ كَالنِّكَاحِ وَالبَيْعِ، وَهَذِهِ الوِلاَيَةُ تَثْبُتُ لِلإِنْسَانِ إِذَا تَوَافَرَتْ فِيْهِ شُرُوطُ الأَهْلِيَةِ؛ مِنْ حُرِّيَةٍ وَبُلُوغٍ
وَعَقْلٍ،وَأَنْ لاَ يَكُونَ مَحجُوراً عَلَيْهِ فِي مَالِه.

- وَالوِلاَيَةُ الْمُتَعَدِّيَةُ: هِيَ وِلاَيَةُ الإِنْسَانِ عَلَى غَيْرِهِ، وَمِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهَا: ثُبُوتُ وِلاَيَةُ الإِنْسَانِ
عَلَى نَفْسِهِ أَوَّلاً، ثُمَّ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِذَلِكَ كَانَتْ الوِلاَيَةُ الْمُتَعَدِّيَةُ فَرعاً عَنِ الوِلاَيَةِ القَاصِرَة.

- وَالوِلاَيَةُ الْمُتَعَدِّيَةُ قِسْمَانِ: عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ، فَالعَامَّةُ: الَّتِي لِصَاحِبِهَا حَقُّ التَّصَرُّفِ العَامِّ عَلَى شَأَنٍ،
أَوْ شُؤُونٍ مِنْ شُؤُونِ النَّاسِ العَامَّةِ؛ كَإِمَامِ الْمُسْلِمِيْنَ، وَالأَمِيْرِ، وَالوَزِيْرِ، وَالقَاضِي.

وَالوِلاَيَةُ الْمُتَعَدِّيَةُ الْخَاصَّةُ الَّتِي يَمْلِكُ بِهَا صَاحِبُهَا التَّصَرُّفَ فِي شَأَنٍ، أَوْ شُؤُونٍ مِنْ شُؤُونِ النَّاسِ
الْخَاصَّةِ؛ كَالوَالِدِ عَلَى زَوْجِهِ وَأَوْلاَدِهِ، وَكَالوَصِيِّ، وَمُتَوَلِّي الوَقْفِ، وَالوَكِيْل.

وَالوِلاَيَةُ الْخَاصَّةُ تُقَدَّمُ عَلَى العَامَّةِ إِذَا تَعَارَضَتَا؛ كَوِلاَيَةِ الْمُسْلِمِيْنَ عِنْدَ الأَمِيْرِ وَوِلاَيَةِ الأَبِ عَلَى ابْنَتِهِ،
فَإِنَّهُ تُقَدَّمُ وِلاَيَةُ الأَبِ عَلَى وِلاَيَةِ الأَمِيْرِ، وَهَكَذَا. [ولاية المرأة ص 29-32].

** العُنْصُرُ الرَّابِعُ : وِلاَيَةُ الْمَرأَةِ الإِمَامَةَ الكُبْرَى :-
- الإِمَامُ: هُوَ الرَّئِيْسُ وَالقَائِدُ، وَمَنْ اقْتَدَى بِهِ غَيْرُهُ وَقَصَدَ إِلَيْهِ.
[الصحاح للجوهري، ولسان العرب لابن منظور 12/22].

وَإِذَا أُطْلِقَ اسْمُ الإِمَامِ فَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ تَقَلَّدَ مَنْصِبَ إِمَامَةِ الْمُسْلِمِيْنَ؛ وَهِيَ الإِمَامَةُ العُظْمَى، وَيُلَقَّبُ بِإِمَامِ الْمُسْلِمِيْنَ، وَأَمِيْرِ الْمُؤْمِنِيْنَ، وَبِالْخَلِيْفَةِ، وَكُلُّهَا أَلْقَابٌ لِمُسَمّى وَاحِدٍ؛ وَهُوَ القَائِمُ بِأُمُورِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِيْنَ.

وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ أَنْوَاعِ الإِمَامَةِ فَتَكُونُ مُقَيَّدَةٌ، فَيُقَالُ: إِمَامَةُ الْصَّلاَةِ؛ وَهِيَ الإِمَامَةُ الصُّغْرَى،
وَإِمَامَةٌ فِي الدِّيْنِ، وَإِمَامَةٌ فِي الفِقْهِ، وَهَكَذَا.

- وَالإِمَامَةُ العُظْمَى شَرعاً: هِيَ خِلاَفَةُ النُّبُوَّةِ الْمُتَمَثِّلَةُ فِي الزَّعَامَةِ العُظْمَى عَلَى كَافَّةِ النَّاسِ لِحِرَاسَةِ
الدِّيْنِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيا بِهِ.[الأحكام السلطانية للماوردي ص5، ومقدمة ابن خلدون ص191، ومآثر الأناقة للقلقشندي 1/8].

- وَلِلإِمَامَةِ العُظْمَى شُرُوطٌ؛ هِيَ: الإِسْلاَمُ، وَالنَّسَبُ، وَالعِلْمُ، وَالعَدَالَةُ، وَالكِفَايَةُ، (وَالكِفَايَةُ: هِيَ
الشَّجَاعَةُ وَالنَّجْدَةُ وَالرَّأْيُ وَالبَصِيْرَةُ)، وَسَلاَمَةُ الْحَوَاسِّ وَالأَعْضَاءِ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِي قِيَامِهِ بِأَعْبَاءِ
الإِمَامَةِ، عَلَى تَفْصِيْلٍ فِيْهَا، وَالْحُرِّيَةُ، وَالبُلُوغُ، وَالعَقْلُ، وَالذُّكُورَةُ.
وَشَرطُ الذُّكُورَةِ هِيَ مَدَارُ حَدِيْثِنَا فِي هَذَا العُنْصُرِ.

وَقَدْ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ الذُّكُورَةِ فِي الإِمَامَةِ العُظْمَى، فَلاَ تَجُوزُ إِمَامَةُ الْمَرأَةِ، وَهِيَ إِمَامَةٌ بَاطِلَةٌ.[حاشية ابن عابدين 1/548، وشرح منح الجليل على مختصر خليل 4/138،
والشربيني على مغني المحتاج 4/130، والإنصاف للمرداوي 10/310].

قَالَ الْجُوَيْنِيُّ –رَحِمَهُ اللهُ-: أَجْمَعُوا أَنَّ الْمَرأَةَ لاَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إِمَاماً.

وَقَالَ القُرطُبِيُّ –رَحِمَهُ اللهُ-: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَرأَةَ لاَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إِمَاماً.
[الفصل لابن حزم 4/179، والإرشاد ص427، والجامع لأحكام القرآن 1/270].
وَالإِجْمَاعُ حُجَّةٌ لاَ تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى:[ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيْلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ
مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآتْ مَصِيراً ] .[سورة النساء، الآية 115].

وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه ، قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:
((إِنَّ أُمَّتِي لاَ تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلاَلَةٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ اخْتِلاَفاً فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الأَعْظَمِ)).
[رواه ابن ماجه: كتاب الفتن/باب السواد الأعظم].

وَمِنْ أَدِلَّةِ هَذَا الإِجْمَاعِ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:
1- قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: [ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُواْ
مِنْ أَمْوَالِهِمْ ] .[سورة النساء، الآية 34].

فَحَصَرَ اللهُ عز وجل القَوَامَةَ بِيَدِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ دُونَ عَكْسِهِ، فَالرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ
فِي شُؤُونِهِنَّ، وَحِفْظِهِنَّ، وَالذَّبِّ عَنْهُنَّ، وَالإِنْفَاقِ عَلَيْهِنَّ، وَأَمْرُهُمْ نَافِذٌ عَلَيْهِنَّ.

وَ(القَوَّامُ) فِي اللُّغَةِ القَائِمُ بِانْتِظَامِ الأُمُورِ وَتَدبِيْرُ الشؤُونِ، وَهَذِهِ مَهَمَّةُ الإِمَامِ، وَالقَوَامَةُ هِيَ وِلاَيَةُ

الأَمْرِ؛ لِذَلِكَ كَانَ الرِّجَالُ هُمُ الأَئِمَّةُ وَالْحُكَّامُ، وَتَوَلِي الْمَرأَةِ الإِمَامَةَ يُخَالِفُ إِرَادَةَ اللهِ تَعَالَى الشَّرعِيَّةِ
فِي جَعلِ الرِّجَالِ هُمُ القَوَّامُونَ، فَلَو جَازَ تَوَلِي الْمَرأَةِ الإِمَامَةَ لَكَانَ لَهَا القَوَامَةُ عَلَى الرِّجَالِ، وَهُوَ
خِلاَفُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ، وَمَا أَرَادَهُ اللهُ تَعَالَى.

وَفِي الآيَةِ دَلِيْلٌ عَلَى فَضْلِ الرَّجُلِ عَلَى الْمَرأَةِ فِي صِفَاتِهِ الْخَلْقِيَّةِ وَالعَقْلِيَّةِ، وَهَذَا أَمْرٌ وَهْبِيٌ مِنَ اللهِ
تَعَالَى، لاَ يَدُلُّ عَلَى إِذْلاَلِ الْمَرأَةِ، وَلاَ هَضْمِ حُقُوقِهَا، وَلَكِنَّهُ دَلِيْلٌ عَلَى حِكْمَةِ الْخَبِيرِ سبحانه وتعالى
حِينَ أَعطَى الرَّجُلَ مَا يُنَاسِبُهُ وَيُنَاسِبُ مَهَمَّتَهُ فِي الْحَيَاةِ مِنْ صِفَاتٍ يَتَمَكَّنُ بِهَا مِنَ القِيَامِ بِوَاجِبَاتِهِ،
وَأَعطَى سبحانه وتعالى الْمَرأَةَ مَا يُنَاسِبُهَا وَيُنَاسِبُ مَهَمَّتَهَا فِي الْحَيَاةِ مِنْ صِفَاتٍ تَتَمَكَّنُ بِهَا مِنْ القِيَامِ بِوَاجِبَاتِهَا.

قَالَ تَعَالَى: [ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ] .

وَقَالَ تَعَالَى:[ وَلاَ تَتَمَنَّواْ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيْبٌ مِمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ
نَصِيْبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ] .[سورة النساء، الآية 32].

وَقَالَ تَعَالَى:[ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ] .
[سورة القصص، الآية 68].

وَقَالَ تَعَالَى:
[ وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ] .
[سورة الكهف، الآية 49].
وَقَدْ اعْتَرَضَ بَعضُ الْمُحْدَثِيْنَ عَلَى العُلَمَاءِ اسْتِدْلاَلَهُمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، وَقَالَ:
إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي تَأْدِيْبِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ فِي البَيْتِ لاَ فِي مَسْأَلَةِ الإِمَامَةِ.

وَيُرَدُّ عَلَيْهِ: بِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ الأُصُولِييّنَ أَنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لاَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَلَفْظُ الآيَةِ عَامٌّ
فِي القِيَامِ عَلَى النِّسَاءِ فِي كُلِّ أُمُورِهِنَّ إِلاَّ مَا قَامَ الدَّلِيْلُ عَلَى إِخْرَاجِهِ مِنْ هَذَا العُمُومِ، وَتَوَلِّي الإِمَامَةِ
لَمْ يَأْتِ دَلِيْلٌ عَلَى إِخْرَاجِهِ مِنْ هَذَا العُمُومِ الوَارِدِ فِي الآيَةِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا:[ قَوَّامُونَ ] يَعْنِي أُمَرَاءَ، عَلَيْهَا أَنْ تُطِيْعَهُ فِيْمَا أَمَرَهَا اللهُ بِهِ مِنْ
طَاعَتِهِ.[جامع البيان عن تأويل آي القرآن لابن جرير].

وَقَالَ الشُّوكَانِيُّ –رَحِمَهُ اللهُ-: جَاءَ بِصِيْغَةِ الْمُبَالَغَةِ [ قَوَّامُونَ ] لِيَدُلَّ عَلَى أَصَالَتِهِمْ فِي هَذَا الأَمْرِ.
[فتح القدير للشوكاني].

ثُمَّ يُقَالُ لِهَؤُلاَءِ: أَيْنَ عُقُولُكُم؟ إِذْ كَيْفَ لاَ يَجْعَلُ اللهُ القَوَامَةَ فِي بَيْتِ الْمَرأَةِ لَهَا، بَلْ يَجْعَلُهَا لِزَوْجِهَا،
وَلاَ يَجْعَلُ الْمَرأَةَ قَائِمَةً عَلَى الرَّجُلِ، ثُمَّ تُرِيدُونَ أَنْتُمْ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا أَنْ تَكُونَ قَائِمَةً عَلَى عُمُومِ الرِّجَالِ
خَارِجَ بَيْتِهَا؟ أَيُّهُمَا أَخْطَرُ شَأْناً وَأَكْثَرُ مَسْؤُولِيَّةً، قَوَامَةُ البَيْتِ أِمْ قَوَامَةُ الدَّوْلَة؟
قال تعالى: [ فَإِنَّهَا لاَ تَعمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ] .[سورة الحج، الآية 46].

2- وَمِنْ أَدِلَّةِ الإِجْمَاعِ عَلَى بُطْلاَنِ تَوَلِّي الْمَرأَةِ الإِمَامَةَ العُظْمَى:
قَوْلُ اللهِ تَعَالَى
[ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيْمٌ ] .[سورة البقرة، الآية 228].

فَفِي الآيَةِ رَدٌّ عَلَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِيْنَ لَمْ يَكُونُوا يُبَالُونَ بِالْمَرأَةِ، وَيَرَونَهَا مِنْ سَقَطِ الْمَتَاعِ، وَلاَ يَرَونَ
لَهَا حَقّاً فِي مِيْرَاثٍ وَلاَ غَيْرِهِ، فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الْمَرأَةَ إِنْسَانٌ لَهَا كَرَامَتُهَا وَحُقُوقُهَا، وَيَجِبُ إِحْسَانُ
مُعَاشَرَتِهَا كَالرَّجُلِ، وَهَذا مِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلاَمِ العَظِيْمَةِ، وَالإِسْلاَمُ كُلُّهُ مَحَاسِن!

وَالْمُمَاثَلَةُ فِي قَولِهِ تَعَالَى [ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ ] مُمَاثَلَةُ جِنْسِ الوَاجِبِ بِوَاجِبِ، لاَ جِنْسِ الفِعْلِ
نَفْسِهِ، وَيَزِيْدُ الرِّجَالُ عَلَى النِّسَاءِ بِدَرَجَةِ القَوَامَةِ؛ وَهِيَ الإِمرَةُ وَوُجُوبُ الطَّاعَةِ.

3- وَمِنَ الأَدِلَّةِ: قَولُ اللهِ تَعَالَى:[ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكِاً قَالُوآ أَنَّا يَكُونُ لَهُ
الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً
فِي العِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَآءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيْمٌ ] .[سورة البقرة، الآية 247].

فَفِي الآيَةِ يَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى الَّذِيْنَ جَادَلُواْ فِي اسْتِحْقَاقِ طَالُوتَ الْمُلْكَ بِبَيَانِ سَبَبِ ذَلِكَ الاسْتِحْقَاقِ؛
وَهُوَ: البَسْطَةُ فِي العِلْمِ وَالْجِسْمِ، وَمَعلُومٌ أَنَّ قُوَّةَ الْجِسْمِ الَّتِي بِهَا يَتَحَمَّلُ الْمَلِكُ أَعْبَاءَ الْمُلْكِ هِيَ صِفَةٌ
ذُكُورِيَّةٌ، وَهَذَا أَمْرٌ فِطرِيّ.

4- وَقَالَ اللهُ تَعَالَى:[ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ] .[سورة الأحزاب، الآية 33].

فَهَذَا أَمْرٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى لِلنِّسَاءِ بِالقَرَارِ فِي البُيُوتِ وَعَدَمِ الْخُرُوجِ مِنْهَا إِلاَّ لِحَاجَة.

قَالَ القُرطُبِيُّ –رَحِمَهُ اللهُ- مُفَسِّراً هَذِهِ الآيَةَ:
الشَّرِيْعَةُ طَافِحَةٌ بِلُزُومِ النِّسَاءِ بُيُوتِهِنَّ، وَالانْكِفَافِ عَنِ الْخُرُوجِ مِنْهَا إِلاَّ لِضَرُورَةٍ.

وَمَعلُومٌ أَنَّ القِيَامَ بِأَعْبَاءِ الْمُلْكِ يَسْتَلزِمُ البُرُوزَ لِلنَّاسِ، وَالاخْتِلاَطَ وَالْخُلوَةَ بِالأَجَانِبِ، وَالسَّفَرَ الَّذِي
لاَ يَحتَمِلُ التَّقَيُّدَ بِالْمَحرَمِ، وَإِهْمَالَ حَقِّ الزَّوجِ وَالأَبْنَاءِ وَالبَيْتِ، إِضَافَةً إِلَى مُنَافَاتِهِ لِمَا خَلَقَ اللهُ الْمَرأَةَ
عَلَيْهِ مِنْ الْخُلُودِ إِلَى تَركِ كَثْرَةِ التَّنَقُلِ، وَالاسْتِحْيَاءِ مِنْ مُوَاجَهَةِ الرِّجَالِ، وَلُوْ افْتُرِضَ خِلاَفُ ذَلِكَ فَهُوَ
مِنَ الشُّذُذِ بِمَكَانٍ، وَالشَّاذُّ لاَ حُكْمَ لَهُ، وَلاَ يُمْكِنُ لِمُنْصِفٍ بِحَالٍ أَنْ يَدَّعِي إِمْكَانَ قِيَامَ الْمَرأَةِ بِأَعْبَاءِ
الْحُكْمِ مَعَ السَّلاَمَةِ مِنْ هَذِهِ الْمَحَاذِيْرِ الَّتِي أَورَدنَا.
[حاشية ابن عابدين 1/548، الغياثي للجويني ص91، وإعلام الموقعين لابن القيم 2/149،
والفروق للقرافي 2/158، ومآثر الإنافة للقلقشندي 1/32، وشرح المقاصد للتفتازاني 5/244].

5- وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :
((مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ)) قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ
دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟)) قُلْنَ: بَلَى. قَالَ:
((فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟)) قُلْنَ: بَلَى. قَالَ:
((فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا)).[متفق عليه: صحيح البخاري: كتاب الحيض/باب ترك الحائض الصوم،
ومسلم: كتاب الإيمان/باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات].

6- وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه ، قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:
((لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً)).[رواه البخاري: كتاب المغازي/باب كتاب النبي صلى الله عليه
وسلم إلى كسرى، كتاب الفتن/باب الفتنة التي تموج كموج البحر].
وَفِي لَفْظٍ: ((لَنْ يُفْلِحَ قَومٌ أَسْنَدُوا أَمْرَهُمْ إِلَى امْرَأَةٍ)).[رواه الإمام أحمد 5/38، والطيالسي 3/118].

وَهَذَا إِخْبَارٌ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الْخُسْرَانَ وَعَدَمَ الفَلاَحِ سَيَكُونُ مُلاَزِماً لِمَنْ يَجْعَلُ وِلاَيَتَهُ بِيَدِ
الْمَرأَةِ؛ لأَنَّهَا تَضِلُّ وَتَنْسَى، وَتُغَلِّبُ عَوَاطِفَهَا، وَهَذَا إِضْرَارٌ بِهَا وَبِالنَّاسِ، بَلْ هُوَ مِنْ أَشَدِّ الضَّرَرِ،
وَالضَّرَرُ يُجْتَنَبُ وَيُجْتَنَبُ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ، وَإِنْ قُدِّرَ وُجُودُهُ فَإِنَّهُ يُزَالُ؛ لِذَا فَإِنَّ فِي الْحَدِيْثِ أَمْرٌ بِعَدَمِ
إِسْنَادِ وِلاَيَةٍ مِنْ الوِلاَيَاتِ العَامَّةِ لِلنِّسَاءِ.

ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْحَدِيْثَ خَبَرٌ بِمَعنَى النَّهْيِّ، فَفِيْهِ نَهْيٌ عَنْ تَوْلِيَتِهَا جَمِيْعِ شُؤُونِ النَّاسِ؛ لأَنَّ كَلِمَةَ ((أَمْرَهُمْ))
تَشْمَلُ جَمِيْعَ الأُمُورِ بِاعْتِبَارِهَا صِفَةً عَامَّةً.

وَالنَّهْيُ يَشْمَلُ كُلَّ قَومٍ فِي الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَفِي أَي مَكَانٍ يَكُونُونَ فِيْهِ؛ لأَنَّ قَوْلَهُ صلى
الله عليه وسلم : ((قَومٌ)) نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِّ، وَالنَكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِّ تُفِيْدُ العُمُومَ، فَتَشْمَلُ كُلَّ قَومٍ،
وَكَذَلِكَ قَولُهُ صلى الله عليه وسلم : ((امْرَأَةً)) نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفِيِّ، فَتَشْمَلُ كُلَّ امْرَأَةٍ، فَيَكُوُنُ مَعْنَى
الْحَدِيْثِ: لَنْ يُفْلِحَ أَيُّ قَومٍ وَلُّوا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً مَهْمَا كَانَتْ وَمَنْ كَانَتْ؛ لأَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِّ مِنْ
صِيَغِ العُمُومِ الَّتِي تَسْتَغْرِقُ جَمِيْعَ أَفْرَادِهَا، حَتَّى الكَفَرَةُ إِذَا وَلُّوا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً فَإِنَّهُمْ لَنْ يُفْلِحُوا، لِعُمُومِ
اللَّفْظِ، ثُمَّ إِنَّ هَذَا خَبَرُ الصَّادِقِ الْمَصدُوقِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي لاَ يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، [ إِنْ هُوَ
إِلاَّ وَحيٌ يُوحَى ] لِمَّا وَلَّى أَهْلُ فَارِسَ بِنْتَ كِسْرَى عَلَيْهِمْ وَهُمْ كُفَّارٌ.

وَعَدَمُ الفَلاَحِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيْثِ يَشْمَلُ عَدَمَ الفَلاَحِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَلاَ يَغْتَرَّ مُغْتَرٌّ بِبَعضِ
مَظَاهِرِ النَّجَاحِ الَّتِي قَدْ تَظْهَرُ لِمَنْ وَلُّوا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً، فَإِنَّهُ إِمْهَالٌ، أَوْ اسْتِدرَاجٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى:
[ إِنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِيْنَ ] . [سورة الأعراف، الآية 128].

قَالَ الْخَطَّابِيُّ –رَحِمَهُ اللهُ-: فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تَلِي الإِمَارَةَ وَلاَ الْقَضَاءَ, وَفِيهِ أَنَّهَا لاَ تُزَوِّجُ
نَفْسَهَا, وَلاَ تَلِي الْعَقْدَ عَلَى غَيْرِهَا.

7- وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ)).[رواه البخاري: كتاب الأذان/باب إمامة العبد والمولى].

فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ للأَئِمَّةِ مَهْمَا كَانُوا فِي ضَعفِ الأَهْلِيَّةِ مَا أَقَامُوا
الصَّلاَةَ، وَإِنْ قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ عَبْداً حَبَشِيّاً مَمْلُوكاً، أَمَّا الْمَرأَةُ فَلَمْ يَذْكُرهَا؛ لِكَونِهَا لَيْسَتْ مَحَلاًّ لِلْمُلْكِ.

8- وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:
((أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ،
وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ
عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)).
[متفق عليه: صحيح البخاري: كتاب الجمعة/باب الجمعة في القرى والمدن، ومسلم: كتاب
الإمارة/باب فضيلة الإمام العادل].

فَفِي الْحَدِيْثِ حَدَّدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الوِلاَيَةَ العَامَّةَ وَالْخَاصَّةَ، وَبَيَّنَ أَنَّ الوِلاَيَةَ العَامَّةَ مِنْ
شَأْنِ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَجَعَلَ مَسْؤُولِيَّةَ الْمَرأَةِ الْمُنَاطَةَ بِهَا مَحصُورَةً فِي بَيْتِ بَعلِهَا، وَلاَ مَسْؤُولِيَّةَ
عَلَيْهَا خَارِجَهُ، فَلاَ مَجَالَ بَعدَ كُلِّ هَذَا البَيَانِ أَنْ تَتَطَلَّعَ الْمَرأَةُ الْمُسْلِمَةُ الْمُسْتَسْلِمَةُ للهِ بِالتَّوحِيْدِ، الْمُنْقَادَةُ
لِهُ بِالطَّاعَةِ إِلَى وِلاَيَةٍ خَارِجَ دَارِهَا.

9- وَجَاءَ فِي قَرَارِ لُجْنَةِ الفَتْوَى بِالأَزْهَرِ: قَدْ سَاقَ (النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْحَدِيْثَ) بِأُسْلُوبٍ
مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَبْعَثَ الْحَرِيْصِيْنَ عَلَى فَلاَحِهِمْ عَلَى الامْتِثَالِ، وَهُوَ أُسْلُوبُ القَطْعِ بِأَنَّ عَدَمَ الفَلاَحِ مُلاَزِمٌ
لِتَوْلِيَةِ الْمَرأَةِ أَمْراً مِنْ أُمُورِهِم. وَلاَ شَكَّ أَنَّ النَّهيَ الْمُسْتَفَادَ مِنَ الْحَدِيْثِ يَمْنَعُ كُلَّ امْرَأَةٍ فِي أَيِّ عَصرٍ
مِنَ العُصُورِ أَنْ تَتَوَلَّى أَيَّ شَيْءٍ مِنَ الوِلاَيَاتِ العَامَّةِ، وَهَذَا العُمُومُ تُفِيْدُهُ صِيْغَةُ الْحَدِيْثِ وَأُسْلُوبُهُ كَمَا
يُفِيْدُهُ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ كَانَ هَذَا الْمَنْعُ. وَهَذَا مَا فَهِمَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
وَجَمِيْعُ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، لَمْ يَسْتَثْنُوا مِنْ ذَلِكَ امْرَأَةً، وَلاَ قَوماً، وَلاَ شَأْناً مِنَ الشُّؤُونِ العَامَّةِ، فَهُمْ جَمِيْعاً
يَسْتَدِلُّونَ بِهَذَا الْحَدِيْثِ عَلَى حُرمَةِ تَوَلِّي الْمَرأَةِ الإِمَامَةَ الكُبْرَى، وَالقَضَاءَ، وَقِيَادَةَ الْجُيُوشِ، وَمَا إِلَيْهَا
مِنْ سَائِرِ الوِلاَيَاتِ العَامَّةِ. وَالْحُكْمُ فِي الْحَدِيْثِ لَمْ يُنَطْ بِشَيءٍ وَرَاءَ (الأُنُوثَةِ) الَّتِي جَاءَتْ كَلِمَةُ امْرَأَةٍ
فِي الْحَدِيْثِ عُنْوَاناً لَهَا. وَإِذَاً فَالأُنُوثَةُ وَحدَهَا هِيَ العِلَّةُ فِيْهِ...

إِنَّ الْمَرأَةَ بِمُقْتَضَى الْخَلْقِ وَالتَّكْوِيْنِ مَطبُوعَةٌ عَلَى غَرَائِزَ تُنَاسِبُ الْمَهَمَّةَ الَّتِي خُلِقَتْ لأَجْلِهَا، وَهِيَ
مَهَمَّةُ الأُمُومَةِ وَحضَانَةِ النَّشْءِ وَتَربِيَتِهِ، وَهَذِهِ قَدْ جَعَلَتْهَا ذَاتَ تَأَثُّرٍ خَاصٍّ بِدَوَاعِي العَاطِفَةِ، وَهِيَ
مَعَ هَذَا تَعرِضُ لِهَا عَوَارِضُ طَبِيعِيَّةٌ تَتَكَرَّرُ عَلَيْهَا فِي الأَشْهُرِ وَالأَعوَامِ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُضْعِفَ قُوَّتَهَا
الْمَعنَوِيَّةَ، وَتُوهِنَ مِنْ عَزِيْمَتِهَا فِي تَكْوِينِ الرَّأْي وَالتَّمَسُّكِ بِهِ، وَالقُدْرَةِ عَلَى الكِفَاحِ وَالْمُقَاوَمَةِ فِي
سَبِيْلِهِ، وَهَذَا شَأْنٌ لاَ تُنْكِرُهُ الْمَرأَةُ نَفْسُهَا.ا.هـ.
[حكم الإسلام في ترشيح وانتخاب المرأة لمجلس الأمّة للحصين ص 23-25].

10- وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ بَاكِسْتَانَ وَبَنْغَلادِشْ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَوَلِّي الْمَرأَةِ الوِلاَيَاتِ العَامَّةِ فِي الدَّولَةِ، فَفِي
دُسْتُورِ بَاكِسْتَانَ الَّذِي أَصدَرَهُ وَاحِدٌ وَثَلاَثُونَ عَالِماً بَاكِسْتَانِيّاً يُمَثِّلُونَ جَمِيْعَ الْمَذَاهِبِ وَالطَّوَائِفِ، قَالُوا:
يَجِبُ أَنْ يَكُونَ رَئِيْسُ الدَّوْلَةِ مُسْلِماً ذَكَراً. وكَذَلِكَ الْحَالُ فِي بْغَلاَدِشْ.
[ولاية المرأة في الفقه الإسلامي لحافظ محمد نور ص 131-139].

وَمَعَ وَضُوحِ هَذِهِ النُّصُوصِ وَظُوهُورِهَا عَلَى بُطلاَنِ تَوَلِّي الْمَرأَةِ للإِمَامَةِ العُظْمَى إِلاَّ أَنَّنَا فِي عَصرِنَا
هَذَا عَصرِ الفِتَنِ، وَالْحِرصِ عَلَى تَقْلِيْدِ الغَربِ الكَافِرِ وَلَوْ بِمُخَالَفَةِ النُّصُوصِ الشَّرعِيَّةِ، وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ
الْمُحَمَّدِيَّةِ،مِصدَاقاً لِقَولِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيْثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه:
((لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ، شِبْراً بِشِبْرٍ، وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ))
قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: ((فَمَنْ؟)).
[متفق عليه: صحيح البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء/باب ما ذكر عن بني إسرائيل،
ومسلم: كتاب العلم/باب اتباع سنن اليهود والنصارى].

ظَهَرَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُسْلِمِيْنَ مَنْ يَخْرِقُ الإِجْمَاعَ –بَعدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرناً- وَيُنَادِي بِأَنْ تَلِي الْمَرأَةُ الإِمَامَةَ
العُظْمَى؛ لأَنَّ هَذَا طَرِيْقُ نَيْلِهَا حُقُوقَهَا، وَفِي مَنْعِهَا أَنْ تَلِي هَذَا الْمَنْصِبَ ظُلْمٌ لَهَا، ثُمَّ إِنَّ الوَاقِعَ يَدُلُّ
عَلَى وُقُوعِ ذَلِكَ فِي بَعضِ الدُّوَلِ، فَلِمَاذَا لاَ يَكُونُ عِنْدَ الْمُسْلِمِيْنَ؟
وَلاَ شَكَّ أَنَّ هَذِهِ طَرِيْقَةُ الغَوغَاءِ لاَ العُلَمَاء، وَإِلاَّ لَوْ صَحَّ أَنْ نُسَمِّي كُلَّ مَنْعٍ لأَمرٍ مِنَ الأُمُورِ ظُلماً
لِمَنْ مَنَعنَاهُ مِنْهُ، وَإِلْزَامُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ أَدَاءَ الْحَقِّ إِلَى أَهْلِهِ ظُلماً لَهُ، لَكَانَ إِلْزَامُ الرَّجُلِ الإِنْفَاقَ عَلَى
أَهْلِهِ ظُلماً لَهُ، وَإِيْجَابُ حُضُورِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالأَذَانِ وَالْجِهَادِ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ ظُلماً لَهُمْ!
وَتَحَيُّزاً مَعَ النِّسَاءِ ضِدَّ الرِّجَالِ، وَهَذَا لاَ يَقُولُهُ عَاقِلٌ فَضلاً عَنْ عَالِم!

وَقَدْ حَاوَلَ بَعْضُ الْمَحدَثِينَ أَنْ يُنَقِّبَ عَنْ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَيَرُدَّ بِهِ عَلَى النُصُوصِ الَّتِي أَورَدنَا،
وَالإِجْمَاعِ الْمُنْعَقِدِ مُنْذُ أَربَعَةَ عَشَرَ قَرناً، فَقَالَ:
1- عُمُومُ الآيَاتِ الوَارِدَةِ فِي اسْتِخْلاَفِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الأَرضِ لَمْ تُمَيّزِ الذَّكَرَ عَنِ الأُنْثَى.
[ولاية المرأة في الفقه الإسلامي حافظ محمد أنور ص 140-159].
وَهَذَا الاسْتِدلاَلُ يُرَدُّ عَلَيْهِ: بِأَنَّهَا آيَاتٌ جَاءَتْ لِبَيَانِ أَنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ، لاَ لِبَيَانِ شُرُوطِ الإِمَامَةِ كَمَا مَرَّ مَعَنَا.

2- أَنَّ مَلِكَةَ سَبَأٍ كَانَتْ امْرَأَةً وَرَدَ ذِكْرُهَا فِي القُرْءَانِ.
وَهَذَا يُرَدُّ عَلَيْهِ: بِأَنَّهَا امْرَأَةٌ كَافِرَةٌ كَانَتْ تَسْجُدُ وَقَومُهَا لِلشَّمْسِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى [ وَجَدْتُهَا وَقَومَهَا
يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ ] وَمَعلُومٌ أَنَّ شَرعَ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ قَبْلَنَا -عِنْدَ القَائِلِينَ بِهِ- لاَ
يَكُونُ شَرعاً لَنَا إِذَا خَالَفَ نَصّاً مِنْ نُصُوصِ شَرعِنَا، وَهُوَ شَرعُ أَنْبِيَاءَ، فَكَيْفَ بِفْعِلِ عُبَّادِ الشَّمْسِ؟
ثُمَّ إِنَّ سُلَيْمَانَ عليه السلام لَمْ يُسَلِّمْ لَهَا بِمُلْكِهَا، بَلْ أَبْطَلَ ذَلِكَ الْمُلكِ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَأْتِي إِلَيْهِ طَائِعَةً [
وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ] .

قَالَ الآلُوسِيُّ الْحَنَفِيُّ –رَحِمَهُ اللهُ-:
لَيْسَ فِي الآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ أَنْ تَكُونَ الْمَرأَةُ مَلِكَةً، وَلاَ حُجَّةَ فِي عَمَلِ قَومٍ كَفَرَةٍ عَلَى مِثْلِ هَذَا
الْمَطلَبِ.[روح المعاني للآلوسي 19/189، سورة النمل، الآيات 24-31].

3- وَاسْتَدَلُّوا –وَهُوَ أَقْبَحُ اسْتِدْلاَلٍ لَهُمْ- بِخُرُوجِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا يَومَ الْجَمَلِ.
وَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ: بِأَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا لَمْ تَخْرُجْ تَطلُبُ إِمَارَةً فَضلاً عَنْ إِمْرَةِ
الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ تَتَدَخَلْ فِي شُؤُونِ الْخِلاَفَةِ يَوماً مَا، وَلَمْ تَخْرُجْ مُحَارِبَةً، وَلاَ قَائِدَةً لِجَيْشٍ، وَإِنَّمَا خَرَجَتْ
دَاعِيَةً لإِصْلاَحٍ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ بِسَبَبِ أَهْلِ الفِتْنَةِ مِنْ أَوْبَاشِ أَهْلِ العِرَاقِ وَغَيرِهِمْ؛ لِذَلِكَ كَانَتْ رَضِيَ اللهُ
عَنْهَا إِذَا ذَكَرَتْ خُرُوجَهَا تَبْكِي حَتَّى تَبُلَّ خِمَارَهَا.
فَمَا دَخْلُ هَذِهِ الْحَادِثَةِ بِقَضِيَّةِ وِلاَيَةِ الْمَرأَةِ إِمَامَةَ النَّاسِ؟

4- وَاسْتَدَلُّوا بِبَعضِ الوَقَائِعِ فِي الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ؛ كَقِصَّةِ الْجَارِيَةِ شَجَرَةِ الدُّرِّ، وَالبَاطِنِيَّةِ
الإِسْمَاعِيْلِيَّةِ أَروَى الصُّلَيْحِيَّةِ، وَبَعضِ أَمِيْرَاتِ الْمَغُولِ فِي الهِنْدِ، بَلْ وَاليَهُودِيَّةِ الصُّهْيُونِيَّةِ جُولْدَا
مَائِيْر، وَنَحْوِهِنَّ مِمَّنْ تَولَّى الرِّئَاسَةِ فِي بَعضِ الدُّوَلِ.

وَيُرَدُّ عَلَى هَذَا: بِأَنَّ هَذَا مِنْ أَعْجَبِ الاسْتِدلاَلِ، إِذْ مَتَى كَانَتْ الوَقَائِعُ التَأْرِيْخِيَّةُ حُجَّةً شَرعِيَّةً يُحْتَجُّ بِهَا
فِي تَقرِيرِ الأَحكامِ؟

ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الوَقَائِعَ لَمْ تَقَعْ فِي عَصرِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، وأَقَرُّوهَا، حَتَّى نَقُولَ: إِنَّ إِقْرَارَهُمْ
إِجْمَاعٌ سُكُوتِي.

وَبِذَا ظَهَرَ لَنَا أَنَّ الْمَرأَةَ لاَ يَصِحُّ بِحَالٍ أَنْ تَكُونَ إِمَامَةً لِلْمُسْلِمِيْنَ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ. وَاللهُ الْمُوفِق.


** العُنْصُرُ الْخَامِسُ : وِلاَيَةُ الْمَرأَةِ الإِمَارَةَ :-
- وِلاَيَةُ الْمَرأَةِ الإِمَارَةَ: هِيَ وِلاَيَتُهَا حُكْمَ مَنْطِقَةٍ، أَوْ إِقْلِيْمٍ، أَوْ مَدِيْنَةٍ، وَالعُلَمَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى عَدَمِ
جَوَازِ ذَلِكَ؛ لأَنَّ الإِمَارَةَ مُلْحَقَةٌ بِالإِمَامَةِ العُظْمَى مِنْ حَيْثُ الْمَعنَى، فَهِيَ وِلاَيَةٌ عَامَّةٌ، وَهِيَ صُورَةٌ
مُصَغَّرَةٌ لإِمَارَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمُتَطَلَّبَتُهَا، وَالْمَحَاذِيرُ فِيْهَا هِيَ نَفْسُ الْمَحَاذِيرِ وَالْمُتَطَلَّبَاتُ فِي الإِمَامَةِ
العُظْمَى؛ لِذَلِكَ كَانَتْ أَدِلَّتُهُمْ هِيَ نَفْسُ الأَدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرُوهَا فِي عَدَمِ جَوَازِ الإِمَامَةِ العُظْمَى لِلْمَرأَةِ فَلاَ
حَاجَةَ بِنَا إِلَى تِكْرَارِ ذَلِك.

** العُنْصُرُ السَّادِسُ : وِلاَيَةُ الْمَرأَةِ الوِزَارَةَ :-
- الوِزَارَةُ: إِحدَى مَنَاصِبِ الدَّوْلَةِ العَامَّةِ، وَسُمِّيَ الوَزِيْرُ وَزِيْراً؛ لأَنَّهُ يَتَحَمَّلُ جُزْءً مِنْ أَعبَاءِ الدَّوْلَةِ
عَنْ رَئِيْسِهَا، وَيُعِيْنُهُ فِيْهَا، وَيَكُونَ وَاسِطَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَعبِهِ فِيْمَا يَخُصُّ وِزَارَتَهُ مِنْ أَعْمَالٍ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: [ وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ] . [سورة طه، الآية 29].

وَلأَنَّ الوِزَارَةَ مِنَ الوِلاَيَاتِ العَامَّةِ، وَلأَنَّ الوَزِيْرَ يُنَفِّذُ أَوَامِرَ الرَّئِيْسِ، وَيُمْضِي آرَاءَهُ، فَقَدْ اشْتَرَطَ
العُلَمَاءُ فِيْهِ شُرُوطَ الرَّئِيْسِ إِلاَّ النَّسَبَ وَحدَهُ؛ لِعَدَمِ حَاجَةِ الوَزِيرِ إِلَى عَصَبِيَّةِ الْمُلك.
[الأحكام السلطانية للماوردي ص22].

قَالَ الْمَاوَردِيُّ: لاَ يَجُوزُ أَنْ تَقُومَ بِذَلِكَ امْرَأَةٌ وَإِنْ كَانَ خَبَرُهَا مَقْبُولاً؛ لِمَا تَضَمَّنَهُ مَعنَى الوِلاَيَاتِ
العَامَّةِ الْمَصرُوفَةِ عَنِ النِّسَاءِ؛ لِقَولِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : ((مَا أَفْلَحَ قَومٌ أَسْنَدُوا أَمْرَهُمْ إِلَى
امْرَأَةٍ))؛ وَلأَنَّ فِيْهَا مِنْ طَلَبِ الرَّأْي وَثَبَاتِ العَزْمِ مَا تَضْعُفُ عَنْهُ النِّسَاءُ، وَمِنَ الظُّهُورِ فِي مُبَاشَرَةِ
الأُمُورِ مَا هُوَ عَلَيْهِنَّ مَحْظُورٌ.[الأحكام السلطانية للماوردي ص27].

وَلَوْ وَقَعَ أَنَّ الْمَرأَةَ عَيَّنَهَا السُّلْطَانُ مَسْؤُولَةً عَنْ إِدَارَةٍ، أَوْ مَدْرَسَةٍ، أَوْ مُسْتَشْفَى، أَوْ جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ
الْخَاصَّةِ بِالنِّسَاءِ؛ كَأَسْوَاقِ النِّسَاءِ، وَمَصرِفِ النِّسَاءِ، وَمَا يَحتَاجُهُ النِّسَاءُ لِقَضَاءِ حَاجِيَّاتِهِنَّ بَعيداً عَنِ
الرِّجَالِ بِحَيْثُ لاَ تَخْتَلِطُ بِالرِّجَالِ، وَلاَ تَبْرُزُ أَمَامَهُمْ، وَلاَ تَخْلُو بِهِمْ، وَلاَ تَحتَاجُ إِلَى التَّنَقُّلِ وَالسَّفَرِ كَمَا
يَقَعُ لِلرِّجَالِ فَهَذَا لاَ تَظْهَرُ فِيهِ الْمُخَالَفُةُ الْمَوجُودَةُ فِي الوِلاَيَاتِ العَامَّةِ. وَاللهُ أَعْلَم.

** العُنْصُرُ السَّابِعُ : وِلاَيَةُ الْمَرأَةِ الإِمَامَةَ الصُّغْرَى :-
- الإِمَامَةُ الصُّغْرَى: هِيَ إِمَامَةُ الصَّلاَةِ وَمَا يَلْحَقُ بِهَا مِنْ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ.
*أَمَّا الأَذَانُ وَالإِقَامَةُ: فَجَمَاهِيرُ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفَ، وَمِنْهُمُ الأَئِمَّةُ الأَربَعَةُ عَلَى عَدَمِ
مَشْرُوعِيَّةِ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ لِلنِّسَاءِ.

- أَمَّا إِذَا أَذَّنَتِ الْمَرأَةُ وَأَقَامَتْ للرِّجَالِ، أَوْ لِجَمْعٍ فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ فَأَذَانُهَا وَإِقَامَتُهَا بَاطِلاَنِ، وَتَجِبُ
الإِعَادَةُ، هَذَا لاَ خِلاَفَ فِيْهِ.[الإفصاح لابن هبيرة 1/108، وروضة الطالبين للنووي 1/203،
والمغني 1/422].

وَإِذَا أَذَّنَتِ الْمَرأَةُ لِنَفْسِهَا، أَوْ لِجَمَاعَةِ النِّسَاءِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى اشْتِرَاطِ الذُّكُورِيَّةِ لِلأَذَانِ وَالإِقَامَةِ،
وَأَنَّ أَذَانَ الْمَرأَةِ وَإِقَامَتَهَا غَيْرُ مَشْرُوعَينِ، وَلَوْ أَذَّنَتْ لِلنِّسَاءِ كَانَتْ مُسِيْئَةً.
[الأصل للشيباني 1/132، والمبسوط 1/133، والدر المختار 1/391، وحاشية ابن عابدين
1/384، وبدائع الصنائع 1/411].

وَمِثْلُهُ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ لاَ يَرَونَ أَذَانَهَا لِلنِّسَاءِ إِسَاءةً، وَلَكِنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ خَفْضَ
الصَّوْتِ، وَإِلاَّ كَانَتْ مُسِيْئَةً.[مواهب الجليل 1/434، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1/184،
والتفريع 1/221].

وَمِثْلُهُمُ الشَّافِعِيَّةُ، إِلاَّ أَنَّهُمْ يَرَونَ أَذَانَ الْمَرأَةِ لِلنِّسَاءِ غَيْرَ مُسْتَحَبٍّ، أَمَّا الإِقَامَةُ إِذَا لَمْ يَسْمَعْ صَوْتَهَا
رَجُلٌ فَمُسْتَحَبَّةٌ، وَإِذَا سَمِعَ صَوتَهَا أَجْنَبِيٌّ حَرُمَ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَنْصُوصُ مِنْ مَذْهَبِهِم.
[الأم 1/84، وروضة الطالبين 1/203، والمجموع 3/100، والشربيني على الخطيب 1/135،
ونهاية المحتاج 1/288].

وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمُعتَمَدِ مِنْ مَذْهَبِهِمْ يَرَونَ الأَذَانَ وَالإِقَامَةَ مَمْنُوعَيْنِ حَتَّى بَيْنَهُنَّ، وَلاَ يَصِحَّانِ مِنْهُنَّ مُطلَقاً.

وَمِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّهُ لاَ أَذَانَ وَلاَ إِقَامَةَ عَلَى النِّسَاءِ:
1- أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ الْمُبَيّنُ عَنْ رَبِّهِ أَمَرَ الرِّجَالَ بِالأَذَانِ، وَلَمْ يَأْمُرِ النِّسَاءَ.
[متفق عليه: صحيح البخاري: كتاب الأذان/باب بدء الأذان، ومسلم: كتاب الصلاة/باب بدء الأذان].

2- أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ رَجُلاً شَيْخاً كَبِيْراً يُؤَذِنُ لِلصَّلاَةِ لأُمِّ وَرَقَةَ الأَنْصَارِيَّةِ وَيُقِيْمُ لَهَا
فِي دَارِهَا، وَلَمْ يَأْمُرْهَا، أَوْ غَيْرَهَا مِنْ نِسَائِهَا، مَعَ أَنَّهَا هِيَ الَّتِي سَتُصَلِّي بِهِمْ.[رواه الإمام أحمد
6/405، وأبو داود: كتاب الصلاة/باب 60، وابن خزيمة 3/89، والحاكم 1/203].

3- قَولُ أَمِّ الْمُؤْمِنِيْنَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: كُنَّا نُصَلِّي بِغَيْرِ إِقَامَةٍ. [رواه البيهقي 1/408، وإسناده جيد].

4- الإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ لاَ أَذَانَ وَلاَ إِقَامَةَ عَلَيْهِنَّ، وَلَمْ يَرِدْ أَنَّ امْرَأَةً أَذَّنَتْ أَوْ أَقَامَتْ لِلرِّجَالِ
فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالصَّحَابَةِ رضي الله عنهم وَالقُرُونِ الثَّلاَثَةِ الْمُفَضَّلَةِ.

- أَمَّا إِمَامَةُ الْمَرأَةِ لِلرِّجَالِ فَلاَ تَصِحُّ، هَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيْرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ
الأَئِمَّةِ الأَربَعَة.[بدائع الصنائع 1/426، والخرشي على مختصر خليل 2/22، وروضة الطالبين
للنووي 1/35، والإنصاف 2/263].

وَالنُّصَوصُ مُتَظَاهِرَةٌ فِي وُجُوبِ تَأْخِيْرِ النِّسَاءِ عَنِ الرِّجَالِ، وَعَدَمِ جَوَازِ تَقَدُّمِهِنَّ عَلَى الرِّجَالِ فِي
صُفُوفِ الصَّلاَةِ، فَكَيْفَ بِإِمَامَتِهِنَّ لِرِّجَالِ؟

مِنْ ذَلِكَ: قَوْلُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم : ((خَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا)).
[رواه مسلم: كتاب الصلاة/باب تسوية الصفوف].

وَمَعلُومٌ أَنَّ إِمَامَةَ الْمَرأَةِ لِلرِّجَالِ تَقْتَضِي رَفْعَ صَوتِهَا، وَبُرُوزَهَا، وَاخْتِلاَطَهَا، وَرُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا،

وَهُمَا مِظِنَّةُ تَحْجِيْمِ أَعْضَائِهَا أَمَامَهُمْ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُ بِتَخْصِيْصِ بَابٍ
لِلنِّسَاءِ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَأْمُرُهُنَّ بِالْخُرُوجِ إِلَيْهِ وَهُنَّ تَفِلاَتٍ، وَكُنَّ يَخْرُجْنَ وَهُنَّ مُتَلَفِّفَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ لاَ
يَعرِفُهُنَّ أَحَدٌ، وَلاَ يَعرِفُ بَعضُهُنَّ بَعْضاً، وَيَنْهَاهُنَّ عَنِ الْمَشْي فِي وَسَطِ الطَّريْقِ، وَيَنْهَاهُنَّ عَنْ رَفْعِ
رُؤُوسِهِنَّ مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَتَّى يَرفَعَ الرِّجَالُ حَتَّى لاَ يَرَيْنَ شَيْئاً مِنَ الرِّجَالِ، وَيَأْمُرَ الرِّجَالَ –
إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلاَةِ- إِنْ يَثْبُتُوا فِي أَمَاكِنِهِمْ حَتَّى يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ، فَكَيْفَ -بَعدَ كُلِّ هَذِهِ الاحتِيَاطَاتِ-
يَأْذَنُ لامْرَأَةٍ أَنْ تُصَلِّي بِالرِّجَال؟

ثُمَّ إِنَّ إِمَامَةَ الصَّلاَةِ وِلاَيَةٌ عَامَّةٌ، وَالْمَرأَةُ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الوِلاَيَاتِ العَامَّةِ.
وَالإِجْمَاعُ العَمَلِيُّ قَائِمٌ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِ إِمَامَةِ الْمَرأَةِ لِلرَّجَال.

أَمَّا إِمَامَةُ الْمَرأَةِ لِلنِّسَاءِ، فَلِلعُلَمَاءِ فِيْهَا ثَلاَثَةُ مَذَاهِبَ؛ وَهِيَ:
1- الْحَنَفِيَّةُ: قَالُوا بِتَحرِيْمِ إِمَامَةِ الْمَرأَةِ لِلنِّسَاءِ، وَلَكِنْ لَوْ وَقَعَ مِنْهُنَّ فَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِنَّ.
[الاختيار للموصلي 1/77، والبحر الرائق لابن نجيم 1/352].

2- وَالْمَالِكِيَّةُ: قَالُوا بِتَحرِيْمِ إِمَامَةِ الْمَرأَةِ لِلنِّسَاءِ، وَأَنَّ صَلاَتَهُنَّ بَاطِلَةٌ، وَأَنَّ عَلَيْهِنَّ الإِعَادَةُ.
[الكافي لابن عبد البر 1/210، والشرح الصغير للدردير 1/156].

3- الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: قَالُوا بِاسْتِحْبَابِ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ لِلنِّسَاءِ، وَأَنَّ مَنْ أَمَّتْهُنَّ تَقِفُ وَسَطَهُنَّ، وَلاَ تَرفَعُ صَوتَهَا إِذَا كَانَ يَسْمَعُهَا رِجَال.[الأم 164، وروضة الطالبين 1/350، والمغني 2/202،
والمبدع 2/94].

وَاسْتَدَلَّ القَائِلُونَ بِالاسْتِحْبَابِ بِقِصَّةِ أُمِّ وَرَقَةَ الأَنْصَارِيَّةَ، وَبِفِعْلِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَبِأَمْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهم نِسَاءَ بِيْتِهِمَا بِذَلِك.


** العُنْصُرُ الثَّامِنُ : وِلاَيَةُ الْمَرأَةِ القَضَاءَ :-
الإِسْلاَمُ دِيْنٌ وَدَوْلَةٌ، عَقِيْدَةٌ وَشَرِيْعَةٌ، وَمِنْ جَوَانِبِ ظُهُورِ ذَلِكَ:
جَعْلُ القَضَاءِ أَسَاساً من أُسُسِ بِنَاءِ الدَّوْلَةِ، إِذْ بِهِ يُبَيَّنُ الْحُكْمُ الشَّرعِيُّ، وَيُحْكَمُ بِالْحَقِّ لأَهْلِهِ، وَيُلْزَمُ بِهِ،
وَيُردَعُ الظَّالِمُ عَنْ تَعَدِّيْهِ، وَيُفْصَلُ فِي الْخُصُومَاتِ، وَتُحْمَى أَعْرَاضُ وَأَنْفُسُ وَأَمْوَالُ أَفْرَادِ جَمَاعَةِ
الْمُسْلِمِيْنَ وَمَنْ يَعِيْشُ بَيْنَهُمْ، وَبِدُونِ ذَلِكَ لاَ تَكُونُ الدَّوْلَةُ قَدْ أَقَامَتْ لِنَفْسِهَا أُسُسَ الاسْتِقْرَارِ وَالثَّبَات.
لِذَلِكَ كَانَتْ شُرُوطُ مَنْ يَتَوَلَّى القَضَاءَ قَضِيَّةً اهْتَمَّ بِهَا العُلَمَاءُ –رَحِمَهُمُ اللهُ- وَبَحَثُوا فِي فُرُوعِهَا
وَأَدِلَّتِهَا؛ وَمِنْ ذَلِكَ: حُكُمُ تَوَلِّي الْمَرأَةِ القَضَاءَ.

وَقَدْ ذَهَبُوا فِيْهَا مَذْهَبَيْنِ:
- الأَوَّلُ: مَذْهَبُ الْجَمَاهِيْرِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ؛ وَمِنْهُمْ: الْصَّحَابَةُ رضي الله عنهم ، وَالأَئِمَّةُ الأَربَعَةُ،
وَعَلَيْهِ عَمَلٌ الْمُسْلِمِيْنَ فِي جَمِيعِ عُصُورِهِمْ وَبُلْدَانِهِمْ: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَوَلِّيْهَا القَضَاءَ، وَيَأْثَمُ مَنْ وَلاَّهَا.
[فتح القدير لابن الهمام 7/253، والاختيار للموصلي 2/84، وابن فرحون في تبصرة الحكام
1/18، ومواهب الجليل لحطاب 6/87، وحاشية الدسوقي 4/115، والمهذب للشيرازي 2/203،
وتحفة المحتاج 10/106، والمغني 11/380، وكشاف القناع للبهوتي 4/368].

ثُمَّ -بَعدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَوَلِّيْهَا القَضَاءَ، وَيَأْثَمُ مَنْ وَلاَّهَا- اخْتَلَفُوا فِيْمَا لَوْ قَضَتْ بِتَعيينِ
حَاكِمٍ لَهَا، أَوْ بِتَحْكِيمِ خَصمَينِ لَهَا، هَلْ يَمْضِي حُكْمُهَا أَمْ لاَ؟

قَالَ الْجُمْهُورُ: وِلاَيَتُهَا بَاطِلَةٌ، وَقَضَاؤُهَا غَيْرُ نَافِذٍ مُطْلَقاً.

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَعِنْدَهُمْ فِيْهِ تَفْصِيْلٌ؛ وَهُوَ:
1- إِنْ كَانَ حُكْمُهَا فِيْمَا لاَ تَصِحُّ شَهَادَتُهَا فِيْهِ؛ وَهُوَ الْحُدُودُ وَالقِصَاصُ، فَوِلاَيَتُهَا بَاطِلَةٌ، وَقَضَاؤُهَا
غَيْرُ نَافِذٍ، كَمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ.

2- وَإِنْ كَانَ حُكْمُهَا فِيْمَا تَصِحُّ شَهَادَتُهَا فِيْهِ؛ كَالْمُعَامَلاَتِ وَالْمُنَاكَحَاتِ، فَإِنَّ قَضَاءَهَا نَافِذٌ بِشَرِطِ
مُوَافَقَتِهِ لِلْحَقِّ، مَعَ إِثْمِ مَنْ وَلاَّهَا، وَهَذَا قَولُ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ.
[فتح المعين لأبي السعود 3/34، ومجمع الأنهر 2/168، وفتح القدير 7/253].

وَبِهَذَا يَتَضِحُ أَنَّ نِسْبَةَ القَولِ بِجَوَازِ تَوَلِّي الْمَرأَةِ القَضَاءَ إِلَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ بِإِطْلاَقٍ قَولٌ لاَ صِحَّةَ لَهُ.
بَلْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الإِجْمَاعَ قَدْ انْعَقَدَ عَلَى إِثْمِ مَنْ يُوَلِّي الْمَرأَةَ القَضَاءَ.

لِذَلِكَ يُخْطِىءُ مِنْ يَظُنُّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يُجِيْزُونَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُوَلِّي امْرَأَةً القَضَاء.[مجلة لواء الإسلام عدد1
سنة 15، ص54، رمضان 1380هـ. فتوى لأبي زهرة، ومجلة الأزهر: المرأة والقضاء لمحمد
رأفت عثمان 2/2/1392هـ.].

قَالَ الْحَصْكَفِيُّ الْحَنَفِيُّ: وَالْمَرأَةُ تَقْضِي فِي غَيْرِ حَدٍّ وَقَوَدٍ، وَإِنْ أَثِمَ الْمُوَلِّي لَهَا؛ لِخَبَرِ:
((لَنْ يُفْلِحَ قَومٌ وَلُّوا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً)). [الدر المختار 5/440].

وَقَالَ دَامَادْ أَفَنْدِي الْحَنَفِيُّ: أَثِمَ الْمُوَلِّي لِلْمَرأَةِ؛ لِلْحَدِيْثِ.[مجمع الأنهر 2/168].

وَقَالَ ابْنُ نُجَيْمٍ الْحَنَفِيُّ: لَكِنْ يَأْثَمُ الْمُوَلِّي لَهَا.[البحر الرائق لابن نجيم 7/5].

فَأَقْوَالُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ –رَحِمَهُمُ اللهُ- تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَرأَةَ لاَ تَلِي القَضَاءَ عِنْدَهُمْ، وَلاَ يَصدُرُ لَهَا بِهِ مِنَ
الإِمَامِ مُنْشُورٌ –أَيْ قَرَارٌ- (كَمَا قَالَ ابْنُ العَرَبِيِّ)، وَأَنَّ مَنْ تَعَدَّى وَوَلاَّهَا يَأْثَمُ، وَالإِثْمُ دَلِيْلٌ عَلَى عَدَمِ
الْمَشْرُوعِيَّةِ.

وَقَدْ رَدَّ الْمُسْتَشَارُ جَمَالُ الْمَرصَفَاوِيُّ عَلَى مَنْ نَسَبَ إِلَى الْحَنَفِيَّةِ القَولَ بِجَوَزِ أَنْ تَلِي الْمَرأَةُ القَضَاءَ،
فَقَالَ: هَذَا خَطَأٌ، وَالدَلِيْلُ عَلَى ذَلِكَ أَمْرَانِ: الأَوَّلُ: نَصُّ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى تَأْثِيْمِ مُوَلِّي الْمَرأَةِ
القَضَاءَ... وَنَقَلَ كَلاَمَ العَلاَّمَةِ ابْنِ الْهُمَامِ الْحَنَفِيِّ فِي أَنَّ حَدِيْثَ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه يُفِيْدُ مَنْعَ
أَنْ تَسْتَقْضِي وَعَدَمَ حِلِّهِ، وَالآخَرُ: أَنَّ رَئِيْسَ القُضَاةِ كَانَ فِي أَكْثَرِ العُصُورِ حَنَفِيَّاً... وَلَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُ
تَقْلِيْدُ امْرَأَةٍ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ جَائِزاً لاَ إِثْمَ فِيهِ لَوَقَعَ وَلَوْ مَرَّةً فِي تِلْكَ العُصُورِ الْمُتَطَاوِلَةِ.
[نظام القضاء في الإسلام ص25و26].

وَقَالَ العَلاَّمَةُ مُصطَفَى الزَّرقَا –رَحِمَهُ اللهُ-: هَذَا العَمَلُ لاَ يَنْبَغِي إِسْنَادُهُ إِلَى الْمَرأَةِ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ
وَظَائِفِهَا الطَّبِيْعِيَّةِ، فَإِنَّهَا إِذَا مَارَسَتْ القَضَاءَ بِجَدَارَتِهَا فَإِنَّهَا سَوفَ تَتَخَلَّى عَنْ مَيْدَانٍ آخَرَ هِيَ أَجْدَرُ
بِهِ؛ وَلِذَلِكَ فَلَيْسَ مُجَرَّدُ كَونِهَا جَدِيرَةً يُسَوِّغُ أَنْ يُجعَلَ الْمَوضُوعُ مِنْ وَظَائِفِهَا وَحُقُوقِهَا العَامَّة.
[الولاية العامة للمرأة لمحمد القضاة ص138، عن جريدة الدستور عدد 2022، وتاريخ 14/3/1973م].

وَقَالَ مُحَمَّدُ أَبُو زُهْرَةَ –رَحِمَهُ اللهُ-: أَخْطَأَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ أَحَداً مِنْ الأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ أَجَازَ أَنْ
تَتَوَلَّى الْمَرأَةُ القَضَاءَ، وَالَّذِينَ يَتَمَسَّحُونَ بِأَبِي حَنِيْفَةَ أَخْطَأُوا فَهْمَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ بِإِجْمَاعِ العُلَمَاءِ يَأْثَمُ مَنْ
وَلاَّهَا القَضَاءَ. [الولاية العامة للمرأة لمحمد القضاة ص139، عن مجلة لواء الإسلام السنة 16/1962، ص774-775].

وَكُلُّ هَؤُلاَءِ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ فِي هَذَا العَصرِ، بَيَّنُوا أَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ كَمَذْهَبِ بَقِيَّةِ العُلَمَاءِ فِي الْمَنْعِ.
الْمَذْهَبُ الآخَرُ: قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ الظَّاهِرِيِّ –رَحِمَهُ اللهُ-: حَيْثُ ذَهَبَ إِلَى جَوَازِ تَوَلِّي الْمَرأَةِ القَضَاءَ،
وَتَبِعَهُ عَلَى قَولِهِ بَعضُ الْمُحدَثِيْنَ.[المحلى لابن حزم 10/632].

أَمَّا أَدِلَّةُ الْجُمْهُورِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَوَلِّي الْمَرأَةِ القَضَاءَ فَكَثِيْرَةٌ؛ فَمِنْهَا مَا أَورَدنَاهُ فِي حُكْمِ تَوَلِّي
الْمَرأَةِ الإِمَامَةَ الكُبْرَى، وَسَبَقَ تَفْصِيْلُهُ؛ وَمِنْهَا:
1- قَوْلُ اللهِ تَعَالَى:
[ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى ] .[سورة البقرة، الآية 282].
فَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى شَهَادَةَ الْمَرأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ، وَبَيَّنَ تَعَالَى الْحِكْمَةَ مِنْ ذَلِكَ؛ وَهِيَ: ضَعفُ الْمَرأَةِ فِي
ضَبْطِ الْحَوَادِثِ وَنَحوِهَا مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَحتَاجُ إِلَى تَغْلِيْبِ العَقْلِ عَلَى العَاطِفَةِ، وَالتَّذَكُّرِ عَلَى النِّسْيَانِ،
وَالاهْتِمَامِ بِتَفَاصِيْلِ الوُقُوعَاتِ الَّتِي عُلِمَ شَرعاً وَعَقْلاً وَوَاقِعاً أَنَّ جِنْسَ الرَّجُلِ يَهْتَمُّ بِهَا أَكْثَرَ مِنَ الْمَرأَةِ،
فَإِذَا كَانَ تَفَرُّدُ الْمَرأَةِ بِالشَّهَادَةِ مَمْنُوعٌ شَرعاً، وَفِي حَالِ مُشَارَكَتِهَا لِلرَّجُلِ فِي الشَّهَادَةِ فَشَهَادَتُهَا عَلَى
النِّصْفِ مِنْ شَهَادَةِ الرَّجُلِ، فَكَيْفَ نَتَجَاوَزُ كُلَّ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ وَنُنَصِّبُ الْمَرأَةَ قَاضِياً بَيْنَ النَّاسِ؟
وَالقَضَاءُ مِنْصِبٌ شَدِيْدَةٌ خُطُورَتُهُ، وَالإِخْلاَلُ بِضَوَابِطِهِ يُؤَدِّي إِلَى تَضْييعِ حُقُوقِ النَّاس.

2- وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :
((مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ)) قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا
وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟)) قُلْنَ: بَلَى. قَالَ:
((فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟)) قُلْنَ: بَلَى. قَالَ:
((فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا)).[متفق عليه: صحيح البخاري: كتاب الحيض/باب ترك الحائض الصوم،
ومسلم: كتاب الإيمان/باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات].

3- وَعَنْ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :
((الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى
بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ)).
[رواه أبو داود: كتاب الأقضية/باب في القاضي يخطىء، والترمذي: كتاب الأحكام/باب ما جاء عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم في القاضي، وابن ماجه: كتاب الأحكام/باب القاضي يجتهد فيصيب
الحق، والحاكم 4/90، وقال: حديث صحيح الإسناد، وله شاهد بإسناد صحيح على شرط مسلم].

فِي مَنْطُوقِ الْحَدِيْثِ دَلاَلَةٌ عَلَى اشْتِرَاطِ الذُّكُورَةِ حَيْثُ كَرَّرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَفْظَ
((الرَّجُلِ)) فِي كُلِّ وَصفٍ مِنْ صِفَاتِ القَاضِي، وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ وِلاَيَةَ الْمَرأَةِ لِلقَضَاءِ لاَ تَجُوزُ
بِدَلاَلَةِ مَفْهُومِ الْحَدِيْثِ، خَاصَّةً وَأَنَّهُ لاَ يُوجَدُ فِي مَنْطُوقِ الْحَدِيْثِ مَا يُعَارِضُهَا، فَتَخْرُجُ الْمَرأَةُ مِنْ هَذَا
الْمَجَالِ.[نيل الأوطار للشوكاني 8/273].

4- الإِجْمَاعُ: حَيْثُ انْعَقَدَ عَلَى مَنْعِ تَوَلِّي الْمَرأَةِ القَضَاءَ، وَلاَ عِبْرَةَ بِمَنْ شَذَّ، وَلَمْ يُؤْثَرْ عَنْ رَسُولِ اللهِ
صلى الله عليه وسلم ، وَلاَ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَلاَ عَنِ الأَئِمَّةِ الْمَتْبُوعِينَ أَنَّهُمْ وَلُّوا القَضَاءَ امْرَأَةً
قَطُّ، فَلَوْ كَانَ جَائِزاً لَمَا خَلَتْ مِنْهُ جَمِيْعُ الأَزْمَانِ.[المغني 11/380، ومواهب الجليل 4/202،
والأحكام السلطانية للماوردي ص65].

قَالَ القَاضِي أَبُو الوَلِيدِ البَاجِيُّ –رَحِمَهُ اللهُ-:
وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، لاَ نَعلَمُ أَنَّهُ قُدِّمَ لِذَلِكَ فِي
عَصرٍ مِنَ العُصُورِ وَلاَ بَلَدٍ مِنَ البِلاَدِ امْرَأَة، كُمَا لَمْ يُقَدَّمُ لِلإِمَامَةِ امْرَأَة.
[المنتقى شرح الموطأ للباجي 5/182].

وَفِي الْمِيْزَانِ الكُبْرَى لِلشَّعرَانِيِّ: القَاضِي نَائِبٌ عَنِ الإِمَامِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى اشْتِرَاطِ ذُكُورَتِهِ.
[الميزان الكبرى للشعراني 2/189].

بَلْ حَتَّى فِي زَمَنِنَا هَذَا، لَوْ نَظَرنَا إِلَى النِّسَاءِ اللاَّتِي تَسَنَّمْنَ هَذَا الْمَنْصِبَ فِي الدُّوَلِ الَّتِي لاَ تُحَكِّمُ شَرَعَ اللهِ تَعَالَى، لَوَجَدنَا الْمَرأَةَ فِي سِلْكِ القَضَاءِ غَيْرَ مَوجُودَةٍ، أَوْ مِنْ النُّدرَةِ بِحَالٍ.

فَفِي العِرَاقِ البَعثِيِّ الْمَاركِسِيِّ خَاضَتِ الْحُكُومَةُ التَّجْرِبَةَ، وَافْتَتَحَتْ وِزَارَةُ العَدلِ الْمَعْهَدَ العَالِي
لِلقَضَاءِ، وَأَذِنَتْ لِنُخْبَةٍ مِنَ النَّابِهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِدُخُولِهِ إِلَى جَنْبِ الرَّجُلِ، ثُمَّ قَلَّدَتْ الْمُبَرِّزَاتِ مِنْهُنَّ
مِنْصِبَ القَضَاءِ، وَبَعدَ خَمْسِ سَنَوَاتٍ مِنَ التَّجْرِبَةِ، ظَهَرَ فَشَلُهَا تَمَاماً، وَعَزَلَتْ جَمِيْعَ القَاضِيَاتِ،
وَأَوْصَدَتْ أَبْوَابَ الْمَعْهَدِ العَالِي لِلقَضَاءِ أَمَامَهُنَّ فِي عَامِ 1984م. مَعَ أَنَّهُنَّ حَصَلْنَ عَلَى قَدرٍ مُسَاوٍ
لِلرِّجَالِ مِنَ التَّعلِيْمِ وَالتَّدرِيْبِ، وَبَعضُهُنَّ حَصَلْنَ عَلَى دَرَجَاتٍ أَعْلَى مِنَ الرِّجَالِ فِي الْجَانِبِ النَّظَرِيِّ،
غَيْرَ أَنَّ الْجَانِبَ العَمَلِيَّ أَثْبَتَ أَنَّ مَنْعَ الْمَرأَةِ مِنْ القَضَاءِ هُوَ الصَّوَابُ.
[المرأة والحقوق السياسية لمجيد أبي حجير ص416].

تَقُولُ مُحَامِيَةُ النَّقْضِ الْمِصرِيَّةُ عَلِيَّةُ عَبْدِ العَزِيْزِ عَامَ 1998م: أَقُولُ وَأَنَا مُحَامِيَّةُ نَقْضٍ، أَقُولُ:
أَنَا أَرفُضُ أَنْ أُعَيَّنُ قَاضِيَةً... أَقُولُ كَامْرَأَةٍ تَعمَلُ بِالْمُحَامَاةِ، وَخَبَرتُ مَنَصَّةَ القَضَاءِ بِطُولِ وُقُوفِهَا
أَمَامَهَا، وَلأَنَّ أُسْرَتَهَا كُلَّهَا قَضَائِيَّةٌ، أَقُولُ: لاَ لِتَوَلِّي الْمَرأَةِ القَضَاءَ.
[المرأة والولاية د.طه الدسوقي، عام 1998م. ص240].

وَيَقُولُ الْمُفَكِّرُ الفِرَنْسَاوِيُّ ((أُوقِسْتْ كُونْت)): إِنَّ هَذِهِ الوِلاَيَاتِ تَتَطَلَّبُ كِفَايَاتٍ خَاصَّةً مِنَ العِلْمِ،
وَالذَّكَاءِ وَالصَّبْرِ، وَالأَنَاةِ، وَالْحِكْمَةِ، وَالرَّجُلُ فِي هَذِهِ الْمَزَايَا كُلِّهَا يَفُوقُ الْمَرأَةَ، فَنَحنُ إِذَا وَلَّيْنَهَا هَذِهِ
الوِلاَيَةَ نَكُونُ قَدْ خَسِرنَا كِفَايَاتِ الرَّجُلِ فِي الْمُجْتَمَعِ، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ نَكُونُ قَدْ خَسِرنَا كِفَايَاتِ الْمَرأَةِ
فِي البَيْتِ، فَالْخَسَارَةُ مُضَاعَفَةٌ.[الولاية العامة للمرأة في الفقه الإسلامي د.محمد القضاة ص138].

ثُمَّ نَنْتَقِلُ إِلَى أَدِلَّةِ ابْنِ حَزْمٍ عَلَى قَوْلِهِ بِجَوَازِ تَوَلِّي الْمَرأَةِ القَضَاءَ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مِنَ الْمُحدَثِيْنَ:
1- الأَصْلُ فِي الأَشْيَاءِ الإِبَاحَةُ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيْلُ الْمَنْعِ، وَلاَ دَلِيْلَ يَمْنَعُ تَوَلِّي الْمَرأَةِ القَضَاءَ.
وَرَدَّ العُلَمَاءُ عَلَى هَذَا الاسْتِدْلاَلِ بِأَنَّ أَدِلَّةَ الْمَنْعِ قَائِمَةٌ، وَقَدْ أَخْرَجَتِ الْمَرأَةَ عَنْ أَصلِ الإِبَاحَةِ،
وَهِيَ الأَدِلَّةُ الَّتِي أَوْرَدنَاهَا سَابِقاً.
2- وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيْثِ: ((الْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ)).
[متفق عليه: سبق تخريجه].
فَقَالُوا: الْحَدِيْثُ أَثْبَتَ لِلْمَرأَةِ وِلاَيَةً فِي بَيْتِ زَوْجِهَا، وَالقَضَاءُ مِثْلُ ذَلِكَ.
وَرَدَّ العُلَمَاءُ عَلَيْهِمُ اسْتِدْلاَلَهُمْ هَذَا بِأَنَّ الوِلاَيَةَ الْمُثْبَتَةَ فِي الْحَدِيْثِ وِلاَيَةُ الْمَرأَةِ فِي بَيْتِ زَوجِهَا،
وَهِيَ وِلاَيَةٌ خَاصَّةٌ، وَالقَضَاءُ وِلاَيَةٌ عَامَّةٌ، وَلاَ يَصِحُّ إِلْحَاقُ الوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ بِالْخَاصَّةِ.

3- الْمَرأَةُ غَيْرُ مَمْنُوعَةٍ مِنَ الإِفْتَاءِ، فَلِمَا لاَ تَكُونُ قَاضِيَةً؟
وَرَدَّ العُلَمَاءُ عَلَيْهِمُ اسْتِدْلاَلَهُمْ هَذَا بِأَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ الفَارِقِ الكَبِيْرِ، فَالقَضَاءُ إِلْزَامٌ، وَفَضٌّ لِلنِّزَاعَاتِ،
وَنَظَرٌ فِي الْخُصُومَاتِ، وَالإِفْتَاءُ مُجَرَّدُ إِخْبَارٍ عَنْ حُكْمٍ شَرعِيٍّ.

4- الْمَرأَةُ غَيْرُ مَمْنُوعَةٍ مِنَ الشَّهَادَةِ؛ فَلِمَا تُمْنَعُ مِنَ القَضَاءِ؟
وَرَدَّ العُلَمَاءُ عَلَيْهِمُ اسْتِدْلاَلَهُمْ هَذَا بِأَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ الفَارِقِ الكَبِيْرِ، فَالقَضَاءُ وِلاَيَةٌ عَامَّةٌ، بِيْنَمَا الشَّهَادَةُ
وِلاَيَةٌ خَاصَّةٌ فِي أَمرٍ جُزْئٍ؛ وَهُوَ ذِكْرُ مَا يَعرِفُهُ الشَّاهِدُ مِنْ الْحَقِّ، أَمَّا القَضَاءُ فَهُوَ إِلْزَامٌ، وَفَضٌّ
لِلنِّزَاعَاتِ، وَنَظَرٌ فِي الْخُصُومَاتِ.

ثُمَّ إِنَّ شَهَادَةَ الْمَرأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ، فَهَلْ يَقُولُ هَؤُلاَءِ بِقَضَاءِ امْرَأَتَينِ مَقَامَ قَاضٍ وَاحِدٍ؟ وَكَيْفَ تَقْضِي
فِي الطَّلاَقِ وَهِيَ لاَ تُطَلِّقُ نَفْسَهَا بِإِجْمَاعٍ؟

5- وَآخِرُ سَهْمٍ فِي كِنَانَتِهِمْ أَنْ قَالُوا: هَذَا القَولُ مَنْسُوبٌ إِلَى الْحَسَنِ البَصرِيِّ وَابْنِ القَاسِمِ مِنَ
الْمَالِكِيَّةِ، وَابْنِ جَرِيْرٍ الطَّبَرِيِّ، وَابْنِ حَزْمٍ –رَحِمَهُمُ اللهُ-.
وَرَدَّ العُلَمَاءُ عَلَيْهِمُ اسْتِدْلاَلَهُمْ هَذَا بِأُمُورٍ:
(1) أَنَّ العِبْرَةَ بِمَا جَاءَ فِي الأَدِلَّةِ لاَ فِيمَا نُسِبَ إِلَى الأَئِمَّةِ.
(2) نِسْبَةُ هَذَا القَولِ إِلَى الْحَسَنِ البَصْرِيِّ –رَحِمَهُ اللهُ- غَيْرُ صَحِيْحَةٍ، بَلْ هُوَ مِمَّنْ يَشْتَرِطُ لِصِحَّةِ
نِكَاحِ الْمَرأَةِ الوَلِيِّ، وَلاَ يَرَاهَا أَهْلاً لِتَزْوِيْجِ نَفْسِهَا، فَكَيْفُ يُجِيْزُ لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ غَيْرَهَا؟
(3) نِسْبَةُ هَذَا القَولِ إِلَى ابْنِ القَاسِمِ الْمَالِكِيِّ –رَحِمَهُ اللهُ- غَيْرُ صَحِيْحَةٍ، وَقَدْ رَدَّهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ
فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ؛ مِنْهُمْ: الْحَطَّابُ فِي مَوَاهِبِ الْجَلِيْلِ.[مواهب الجليل 6/87].
(4) نِسْبَةُ هَذَا القَولِ إِلَى الطَّبَرِيِّ –رَحِمَهُ اللهُ- غَيْرُ صَحِيْحَةٍ، بَلْ هُوَ مِمَّنْ يَشْتَرِطُ لِصِحَّةِ نِكَاحِ
الْمَرأَةِ الوَلِيِّ، فَكَيْفُ يُجِيْزُ لَهَا عَقْدَ النِّكَاحِ لِغَيْرِهَا؟

قَالَ ابْنُ العَرَبِيِّ –رَحِمَهُ اللهُ-: لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنِ الطَّبَرِيّ.[أحكام القرآن 3/1444].

وَبِذَا يَظْهَرُ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِيْنَ القَولُ بِجَوَازِ تَوْلِيَةِ الْمَرأَةِ القَضَاءِ إِلاَّ مَا قَالَهُ ابْنُ
حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ –عَفَا اللهُ عَنْهُ- فِي مُنْتَصَفِ القَرنِ الْخَامِسِ مُخَالِفاً بِقَولِهِ هَذَا إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِيْنَ فِي
القُرُونَ الْمُفَضَّلَةِ الَّتِي سَبَقَتْهُ (ت 456).
وَأَنَّ نِسْبَةَ هَذَا القَولِ إِلَى الْحَنَفِيَّةِ نِسْبَةٌ غَيْرُ صَحِيْحَة.


** العُنْصُرُ التَّاسِعُ : وِلاَيَةُ الْمَرأَةِ الْحِسْبَةَ :-
الْحِسْبَةُ: مِنَ الاحْتِسَابِ، وَهُوَ رَجَاءُ الأَجْرِ بِالإِنْكَارِ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي مَا يَسْتَحِقُّ الإِنْكَارَ عَلَيْهِ.
وَوِلاَيَةُ الْحِسْبَةِ: مِنَ الوِلاَيَاتِ العَامَّةِ الَّتِي تُوجِبُ القِيَامَ عَلَى مُرَاقَبَةِ أَوْضَاعِ النَّاسِ فِي البَلَدِ الَّتِي فِيْهَا الْمُحتَسِبُ، فَيَأْمُرُ بِالْمَعرُوفِ إِذَا رَأَى تَركاً لَهُ؛ كَالتَّهَاونِ فِي أَمرِ التَّوحِيْدِ، وَهُوَ أَعظَمُ مَعرُوفٍ يُؤْمَرُ
بِهِ، وَتَركِ الفَرَائِضِ، وَالوَفَاءِ بِالعُقُودِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ إِذَا رَأَى فِعلاً لَهُ؛
كَالشِّركِ، وَهُوَ أَعظَمُ مُنْكَرٍ يُنْهَى عَنْهُ، وَإِقَامَةِ البِدَعِ، وَقَتلِ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ، وَارتِكَابِ
الفَوَاحِشِ، وَأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، وَالتَّطْفِيْفِ، وَالبَغْي.

وَمَجَالاَتُ عَمَلِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ مِنْ سُوقٍ وَأَبْنِيَةٍ وَطُرُقٍ وَأَحْوَالٍ النَّاسٍ عَامَّةٍ وَمَنْعٍ لِلْمُنْكَرَاتٍ الظَّاهِرَةِ
عِنْدَ الأَطِبَّاءَ وَالْمُهَنْدِسِينَ وَالْمُعَلِّمِيْنَ وَأَهْلِ الْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ وَالنِّسَاءِ.

وَالْحِسْبَةُ قِسْمَانِ: حِسْبَةُ تَطَوُّعٍ، وَحِسْبَةُ تَعْييّن.
أَمَّا الْمُتَطَوِّعُ: فَهُوَ كُلُّ مُسْلِمٍ قَادِرٍ عَلَى الأَمْرِ بِالْمَعرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى أَنْ يُعَيَّنَهُ
السُّلْطَانُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:[ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ ].
[سورة آل عمران، الآية 110].

وَهَذَا خِطَابٌ مُوَجَّهٌ إِلَى جَمِيْعِ أَفْرَادِ الأُمَّةِ رِجَالاً وَنِسَاءً، عُلَمَاءَ وَعَامَّةً.

وَالْمُحْتَسِبُ الْمُعَيَّنُ: هُوَ وَالِي الْحِسْبَةِ الَّذِي يُعَيّنُهُ الإِمَامُ، أَوْ نَائِبُهُ؛ لِيَقُومَ بِأَعْبَاءِ الْحِسْبَةِ فِي الْمُجْتَمَعِ
الإِسْلاَمِيِّ وَيَكُونُ الاحْتِسَابُ فَرضَ عَيْنٍ عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَتَكُونُ بِيَدِهِ سُلْطَةٌ تَنْفِيْذِيَّةٌ، فَيُغَيَّرُ الْمُنْكَرَ
بِيَدِهِ، وَيُعَزِّرُ فِي الْمُنْكَرَاتِ الظَّاهِرَة.

وَهَذِهِ الوِلاَيَةُ وِلاَيَةٌ عَامَّةٌ فِي الْحُكُومَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ، قَامَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَخُلَفَاؤُهُ
الرَّاشِدُونَ رضي الله عنهم وَقَامَتْ عَلَيْهَا الْحُكُومَاتُ الإِسْلاَمِيَّةُ الْمُتَتَابِعَةُ إِلَى يَومِنَا.

وَعَمَلُ وَالِي الْحِسْبَةِ يَتَطَلَّبُ أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَسِبُ: دَائِمَ التَّنَقُّلِ فِي الأَسْوَاقِ وَمَجَامِعِ النَّاسِ فِي اللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ، وَأَنْ يَكُونَ مُطَّلِعاً عَلَى أَحْوَالِهِمْ، عَالِماً بِمُرَاوَغَاتِ أَهْلِ الفَسَادِ، صَاحِبَ رَأْيٍ وَحَزْمٍ، ذَا هَيْبَةٍ،
خَشِنَ التَّعَامُلِ مَعَ أَهْلِ الْمُنْكَرَاتِ، عَالِماً بِمَوَاطِنِ الفِتَنِ، سَاعِياً فِي تَجْنِيْبِ النَّاسِ الوُقُوعَ فِيْهَا.

وَكُلَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لاَ تَتَوَافَرُ إِلاَّ فِي أَفْذَاذِ الرِّجَالِ، أَمَّا الْمَرأَةُ فَمَأْمُورَةٌ بِالقَرَارِ فِي بَيْتِهَا، وَعَدَمِ
الْخُرُوجِ مِنْهُ إِلاَّ لِحَاجَةٍ، وَأَنْ لاَ تَخْتَلِطَ بِالرِّجَالِ، وَأَنْ لاَ تُعَرِّضَ نَفْسَهَا لِمَوَاطِنِ الفِتَنِ، ثُمَّ هِيَ لاَ
تَسْتَطِيْعُ أَنْ تُرهِبَ الْمُفْسِدِينَ، وَلاَ تَمْنَعَ شَرَّهُمْ، بَلْ سَيَتَّخِذُهَا أَهْلُ الفَسَادِ مَطْمَعاً لَهُمْ.

وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الشِّفَاءَ العَدَوِيَّةَ وَلاَّهَا عُمَرُ رضي الله عنه شَيْئاً مِنْ أَمْرِ السُّوقِ، أَثَرٌ لاَ يَصِحُّ، قَالَ
عَنْهُ ابْنُ العَرَبِيِّ –رَحِمَهُ اللهُ-: (هَذَا الْخَبَرُ) لَمْ يَصِحَّ، فَلاَ تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ، فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ دَسَائِسِ الْمُبْتَدِعَةِ
فِي الأَحَادِيْثِ.

وَقَالَ -رَحِمَهُ اللهُ-:
إِنَّ الْمَرأَةَ لاَ يَتَأَتَّى مِنْهَا أَنْ تَبُرُزَ إِلَى الْمَجَالِسِ، وَلاَ تُخَالِطَ الرِّجَالَ، وَلاَ تُفَاوِضَهُمْ مُنَاظَرَةَ النَّظِيْرِ
لِلنَّاظِرِ؛ لأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ فَتَاةً حَرُمَ النَّظَرُ إِلَيْهَا وَكَلاَمُهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً بَرْزَةً لَمْ يَجْمَعْهَا وَالرِّجَالَ
مَجْلِسٌ تَزْدَحِمُ فِيْهِ مَعَهُمْ، وَتَكُونُ مُنَاظِرَةً لَهُمْ، وَلَمْ يُفْلِحْ قَطُّ مَنْ تَصَوَّرَ هَذَا وَلاَ مَنِ اعْتَقَدَهُ.ا.هـ.
[أحكام القرآن 3/1445و1446، وهو هنا يتكلم عنها في مجلس القضاء فكيف بالحسبة].

وَعَلَى افْتِرَاضِ صِحَّتِهِ، فَغَايَةُ مَا فِيْهِ أَنَّهَا تَوَلَّتْ مَجْمَعَ النِّسَاءِ فِي السُّوقِ، لاَ الاحْتِسَابَ عَلَى الرِّجَال.
وَهَذَا التَّوْجِيْهُ قَالَ بِهِ حَتَّى الَّذِيْنَ رَأَوا جَوَازَ تَوَلِّيْهَا الْحِسْبَةَ مِنَ الْمُحدَثِينَ.
[القضاء في عهد عمر لناصر الطريفي 1/555، وأصول الحسبة في الإسلام لمحمد كمال إمام ص67].


** العُنْصُرُ العَاشِرُ : وِلاَيَةُ الْمَرأَةِ الإِفْتَاءَ :-
الإِفْتَاءُ: تَبْيينُ الْحُكمِ الشَّرعِيِّ بِدَلِيْلِهِ.
وَلاَ تُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ فِيمَنْ تَوَلَّتِ الإِفْتَاءَ؛ لأَنَّهَا لاَ تَحْتَاجُ إِلَى البُرُوزِ وَالاخْتِلاَطِ بِالرِّجَالِ،
وَقَدْ كَانَتْ فَقِيْهَاتُ الصَّحَابَةِ يُفْتِينَ وَهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ.[روضة الطالبين للنووي 11/109،
وإعلام الموقعين لابن القيم 1/8و4/169، والقضاء في عهد عمر للطريفي 1/34].
وَمِمَّنْ عُرِفَ بِالإِفْتَاءِ مِنْهُنَّ: عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيْبَةَ وَصَفِيَّةُ وَحَفْصَّةُ وَأُمُّ عَطِيَّةَ
وَأَسْمَاءُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُنَّ. [إعلام الموقعين لابن القيم 2/318].


** العُنْصُرُ الْحَادِي عَشَرَ : الدَّعوَةُ إِلَى اللهِ تَعَالَى :-
الدَّعوَةُ إِلَى اللهِ تَعَالَى مَهَمَّةُ الرُّسُلِ وَالنَّبِيّينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم
خَاتَمُهُمْ، وَرِسَالتُهُ صلى الله عليه وسلم إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، لاَ تَنْقَطِعُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، فَكَانَ لِزَاماً أَنْ
يَحمِلَ مَنْ بَعْدُهُ مَهَمَّةَ الدَّعوَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وأَنْ يُوَفُّهَا حَقَّهَا إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى :
[وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ].
[سورة آل عمران ، الآية 104].

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ :
((مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ
بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ
بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ
الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ)) .[رواه مسلم : كتاب الإيمان/باب بيان أن النهي عن المنكر من الإيمان].

وَبِهَذَا التَّكْلِيفِ مِنَ اللهِ تَعَالَى وَمِنْ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم نَالَتِ الأُمَّةُ أَعظَمَ خَيرِيَّةٍ نَالَتْهَا أُمَّةٌ
مِنَ الأُمَمِ، شَهِدَ لَهُمْ بِذَلِكَ اللهُ تَعَالَى فَقَالَ :[ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ
عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ ] .[سورة آل عمران، الآية 104].

وَالدَّعوَةُ تَبْلِيغُ الإِسْلاَمِ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَتَعلِيمُهُمْ إِيَّاهُ، وَتَربِيَتُهُمْ عَلَيهِ، وَالتِزَامُهُ فِي حَيَاةِ الدَّاعِي وَالْمَدعُو.

قَالَ اللهُ تَعَالَى:[ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَإِنْ كَانُواْ مِنْ قَبْلُ فِي ضَلاَلٍ مُبِين ] .[سورة الجمعة، الآية 2].

وَهَذِهِ النُّصُوصُ وَغَيرُهَا كَثِيْرٌ تَأْمُرُ بِالدَّعوَةِ، وَتَحُثُّ عَلَيهَا، وَتُبَيّنُ مَقَامَهَا العَلِيَّ، لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ رَجُلٍ
وَامْرَأَةٍ، فَالْجَمِيعُ سَوَاءٌ، وَهِيَ -وَإِنْ جَاءَ الْخِطَابُ فِيْهَا بِضَمِيرِ الْمُذَكَّرِ- عَامَّةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ؛ لأَنَّ
أُسْلُوبَ التَّغلِيبِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْخِطَابُ لَيْسَ لِلتَّخْصِيصِ، وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ العَرَبِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ
الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ غُلِّبَ الذُّكُورُ عَلَى الإِنَاثِ.[العدة في أصول الفقه للقاضي أبي يعلى 2/353].

قَالَ تَعَالَى:[ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعرُوفِ وَيَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ
وَيُقِيْمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ] .
[سورة التوبة، الآية 71].

وَقَالَ تَعَالَى:[ وَقُلْنَ قَولاً مَعْرُوفاً ] .[سورة الأحزاب، الآية 32].
وَأَعظَمُ مَعرُوفٍ تَقُولُهُ الْمَرأَةُ –بَعدَ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى- أَنْ تَدعُوا إِلَى اللهِ تَعَالَى.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَمَرَهُنَّ بِالأَمرِ بِالْمَعرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ.
[الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 14/178].

وَكَانَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ خَدِيْجَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا –كَمَا يَقُولُ ابْنُ حَجَرٍ- أَوَّلَ مَنْ أَجَابَ الدَّعوَةَ وَدَعَا إِلَيْهَا،
فَلَهَا مِثْلُ أَجْرِ مَنْ جَاءَ بَعدَهَا، وَلاَ يَقدُرُ قَدرَ ذَلِكَ إِلاَّ الله. [فتح الباري 7/109].
وَسَارَتْ فُضْلَيَاتُ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى نَهْجِهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهَا.

وَلاَ يَشُكُّ عَاقِلٌ فِي أَهَمِّيَّةِ قِيَامِ النِّسَاءِ الصَّالِحَاتِ بِالدَّعوَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ لأَنَّهُنَّ أَقدَرُ عَلَى البَيَانِ فِيمَا
يَخُصُّ النِّسَاءَ فِي نَوَادِيهِنَّ، وَلِكُونِهِنَّ أَكْثَرَ تَأْثِيراً فِي بَنَاتِ جِنْسِهِنَّ، وَلِكُونِهِنَّ أَعلَمَ بِمُشْكِلاَتِ النِّسَاءِ
وَطُرُقِ مَعَالَجَتِهَا مِنَ الرِّجَالِ، وَلِكُونِهِنَّ مِنْ دَاخِلِ الصُّفُوفِ فَإِنَّهُنَّ أَقْدَرُ عَلَى اكْتِشَافِ الأَخْطَاءِ النَّسَوِيَّةِ
مِنَ الرِّجَالِ، وَهُنَّ قَادِرَاتٌ عَلَى القِيَامِ بِالدَّعوَةِ الفَردِيَّةِ بَينَ النِّسَاءِ وَهَذَا مَا لاَ يَحِلُّ لِلدَّاعِيَةِ الرَّجُلِ
الأَجْنَبِيِّ، وَلِتَعَدُّدِ طُرُقِ الغَزوِ الفِكرِيِّ كَانَتْ النِّسَاءُ بِحَاجَةٍ إِلَى النِّسَاءِ لِتَوحِيدِ الْخِطَابِ الدَّعَويِّ النَّسَويِّ.

وَنَعلَمُ أَنَّ قِيَامَ النِّسَاءِ الْمُؤَهَلاَتِ بِالدَّعوَةِ إِلَى اللهِ فِي صُفُوفِ النِّسَاءِ لَهُ فَوَائِدُ كَثِيْرَةٌ؛ مِنْهَا: نَشْرُ العِلْمِ
فِي صُفُوفِ الدَّاعِيَاتِ وَالْمَدعُوَّاتِ، وَتَوفِيرُ القُدُواتِ الصَّالِحَاتِ فِي زَمَنِ غُربَتِهِنَّ، وَالقَضَاءُ عَلَى كَثِيْرٍ
مِنْ مَظَاهِرِ الانْحِرَافِ فِي جَمَاعَةِ النِّسَاءِ، وَمُكَافَحَةُ الغَزوِ الفِكرِيِّ، وَدَحضُ كَثِيرٍ مِنَ الشُّبُهَاتِ الَّتِي
تُثَارُ عَنِ الإِسْلاَمِ، وَهُوَ سَبَبٌ رَئِيْسٌ مِنْ أَسْبَابِ التَّوَازُنِ فِي الطَّرحِ الإِصلاَحِي فِي جَنِبَي الْمُجتَمَعِ
الرِّجَالِي وَالنِّسَائِيِّ.

وَمَعَ كُلِّ هَذَا إِلاِّ أَنَّ الوَاقِعَ الَّذِي تَعِيْشُهُ الدَّاعِيَةُ إِلَى اللهِ تَعَالَى يُعَانِي ضَعفاً شَدِيداً سَبَّبَ شَرخاً وَاسِعاً
فِي جِدَارِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.

فَفِي جَانِبِ عَدَدِ الدَّاعِيَاتِ إِلَى اللهِ تَعَالَى نَجِدُ قِلَّةً فِي عَدَدِهِنَّ خَاصَّةً إِذَا مَا قُورِنَتْ بِالرِّجَالِ.

وَفِي جَانِبِ تَأْهِيْلِهِنَّ، نَجِدَ ضَعفاً شَدِيداً فِي ذَلِكَ حَتَّى أَنَّنَا لاَ نَكَادُ نَجِدُ مَنْ لَدَيْهَا القُدرَةَ عَلَى عَقدِ
الدُّرُوسِ العِلْمِيَّةِ، وَإِنْ وُجِدَتْ فَإِنَّهَا تَتْرُكُ ذَلِكَ مُرَاعَاةً لِلطَّلَبِ الْمَوجُودِ.

وَفِي جَانِبِ أُسْلُوبِ الطَّرحِ نَجِدُ الغَالِبَ عَلَيْهِنَّ اسْتِعمَالُ الْجَانِبِ القَصَصِيِّ وَاللَّهَجَاتِ العَامِّيَّةِ، وَإِيرَادُ
قَصَصِ غَاسِلاَتِ الْمُوتَى وَالنِّسَاءِ العَامِّيَّاتِ، وَهَذَا أَدَّى إِلَى عُزُوفِ شَرَائِحَ كَثِيْرَةٍ عَنْهُنَّ.

وَفِي جَانِبِ التَّعَاوُنِ بَيْنَهُنَّ فَإِنَّهُ ضَعيْفٌ، يَصلُ إِلَى عَدَمِ مَعرِفَتِهِنَّ بِأَسْمَاءِ بَعضِهِنَّ.
وَفِي جَانِبِ مُوَاصَلَةِ العَمَلِ الدَّعَويِّ نَجِدُ قُصُوراً وَانْشِغَالاً ظَاهِراً، وَبُرُوزاً فِي الْمَوَاسِمِ.

مَعَ العِلمِ أَنَّ الْمَرأَةَ تَتَلَقَّى الدُّرُوسَ نَفْسَهَا الَّتِي يَتَلَقَّاهَا الرَّجُلُ فِي الْجَامِعَةِ.

ثُمَّ ظَهَرَ فِي السَّنَوَاتِ الأَخِيْرَةُ القِيْلُ وَالقَالُ فِي صُفُوفِهِنَّ، وَظَهَرَ التَّصنِيفُ بَعدَ أَنْ ضَعُفَ فِي جَانِبِ
الرِّجَالِ، فَأَصبَحَتْ جَمَاعَاتٌ مِنَ النِّسَاءِ لاَ يَحضُرنَ دُرُوسَ بَعضِ الدَّاعِيَاتِ؛ لأَنَّهُنَّ يَنْتَمِينَ إِلَى مَدرَسَةٍ
مُعَيَّنَةٍ، أَوْ لَيْسَ لَدِيْهِنَّ اهْتِمَامٌ بِالعَقِيْدَةِ، أَوْ فِيْهِنَّ تَسَاهُلٌ فِي بَعضِ مَظَاهِرِ حِجَابِهِنَّ، وَنَحوُ ذَلِكَ.

أَمَّا إِذَا نَظَرنَا إِلَى الْجَانِبِ الاجْتِمَاعِيِّ:
فَسَنَجِدُ الْمُجْتَمَعَ يَقِفُ فِي بَعضِ الأَحَيَانِ فِي وَجهِ الرَّجُلِ الْمُسْتَقِيمِ فَكَيْفَ بِالْمَرأَةِ؟ وَإِذَا لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ،
فَإِنَّهَا لاَ تَجِدُ مُعِيناً يُسَهِّلُ لَهَا أَمْرَ دَعوَتِهَا، وَإِنْ وَجَدَتْهُ فَإِنَّهَا لاَ تَجِدُ مُوَجِّهاً وَمُعَلِّماً.

وَالْمُقْتَرَحُ: أَنْ تُشَكَّلَ هَيْئَةٌ تُعنَى بِإِعدَادِ الدَّاعِيَاتِ، وَحَلِّ النِزَاعَاتِ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَ بَعضِهِنَّ، وَأَنْ تُعِينُهُنَّ
فِي حَلِّ الإِشْكَالاَتِ الَّتِي تَعرِضُ لَهُنَّ مَعَ أُسَرِهِنَّ، وَأَنْ تَضَعَ لَهُنَّ بَرَامِجَ دَعَوِيَّةً وَعِلْمِيَّةً تَرتَقِي بِهِنَّ
وَتَشْغَلُ أَوْقَاتَهُنَّ، وَتَسْتَخرِجُ الْخَيرَ مِنْهُنَّ.


** العُنْصُرُ الْثَّانِي عَشَرَ : وِلاَيَةُ الْمَرأَةِ فِي مَجْلِسِ الشُّورَى :-
الشُّورَى: الشِّيْنُ وَالوَاوُ وَالرَّاءُ: أَصْلاَنِ مُطَّرِدَانِ، الأَوَّلُ مِنْهُمَا: إِبْدَاءُ الشَّيْءِ وَإِظْهَارُهُ وَعَرضُهُ،
وَالآخَرُ: أَخْذُ الشَّيْءِ.[معجم مقاييس اللغة لابن فارس 3/226].

وَالشُّورَى شَرْعاً قِسْمَانِ: شُورَى عَامَّةٌ، وَشُورَى خَاصَّةٌ.
فَالشُّورَى العَامَّةُ: الَّتِي يَقُومُ بِهَا كُلُّ مَنِ اسْتَشَارَ غَيْرَهُ فِي أَمْرٍ مِنَ الأُمُورِ؛ كَالشُّورَى بَيْنَ أَفْرَادِ
الأُسْرَةِ، وَالْمَسْجِدِ، وَالْحَيِّ، وَالْمَدرَسَةِ.

وَهَذِهِ الشُّورَى يَدخُلُ النِّسَاءُ فِيهَا، وَلاَسِيَّمَا فِي الأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِنَّ، فَقَدِ أَشَارَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ أُمُّ سَلَمَةَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم -يَومَ الْحُدَيْبِيَّةَ- أَنْ يَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ وَيَنْحَرَ
وَيَحلِقَ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَشُورَتِهَا.

وَهَذِهِ لَيْسَتْ دَاخِلَةً فِي حَدِيْثِنَا؛ لأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الوِلاَيَاتِ العَامَّةِ.

فَحَدِيْثُنَا عَنِ الشُّورَى الْخَاصَّةِ، وَهِيَ مِنَ الوِلاَيَاتِ العَامَّةِ، وَمَعنَاهَا: اسْتِطْلاَعُ الإِمَامِ الرَّأْيَ مِنْ ذَوِي
الْخِبْرَةِ فِيهِ للتَّوَصُّلِ إِلَى أَقْرَبِ الأُمُورِ إِلَى الْحَقِّ فِيْمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ.
وَهِيَ مِنْ نُظُمِ الْحُكْمِ الإِسْلاَمِيِّ الَّتِي ثَبَتَتْ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ.
وَفِي غَيرِ بِلاَدِنَا تَقُومُ البَرلَمَانَاتُ وَنَحوُهَا بِتَمْثِيِلِ الشَّعبِ.

وَالبَرْلَمَانُ: كَلِمَةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ يُقصَدُ بِهَا: مَجَالِسُ نِظَامِيَّةٌ تَهْدِفُ إِلَى إِحْدَاثِ تَوَازُنٍ وَتَعَاوُنٍ بَيْنَ
السُّلْطَتَيْنِ التَّشْرِيْعِيَّةِ وَالتَّنْفِيْذِيَّةِ.

وَمَجَالِسُ البَرلَمَانِ هِيَ: مَجَالِسُ نِيَابِيَّةٌ تَخْتَلِفُ أَنْظِمَتُهَا مِنْ بَلَدٍ إِلَى آَخَرَ، وَتُسَمَّى: مَجْلِسُ النُّوَّابِ،
وَمَجْلِسُ البَرْلَمَانِ، وَمَجْلِسُ الشَّعْبِ، وَمَجْلِسُ الشُّيُوخِ، وَمَجْلِسُ اللُّورْدَاتِ.

وَأَعْضَاءُ هَذِهِ الْمَجَالِسِ نُوَّابٌ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَفْرَادِ الأُمَّةِ الَّذِيْنَ رَشَّحُوهُمْ؛ لِيَتَكَلَّمُوا بِألْسِنَتِهِمْ، وَيُنَادُوا
بِحُقُوقِهِمْ، وَيُغَيّرُوا مَا يَرَونَهُ مِنْ أَنْظِمَةِ البِلاَدِ وَإِنْ كَانَتْ وَحياً مِنْ اللهِ تَعَالَى، بَلْ لَهُمْ حَقٌّ أَنْ يُصَوِّتُوا:
هَلْ يُرِيْدُونَ الإِسْلاَمَ أَمْ لاَ؟

وَالانْتِخَابَاتُ: مُصطَلَحٌ سِيَاسِيٌّ حَادِثٌ، يُقصَدُ بِهِ إِشْرَاكُ الشَّعبِ –بِصُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا،
أَوْ الَّتِي أَقَرَّتْهَا السُّلْطَةُ- فِي الإِدلاَءِ بِأَصوَاتِهِمْ فِي قَبُولِ شَخصِ الْمُنْتَخَبِ.
وَالنَّاخِبُونَ: جَمْعُ نَاخِبٍ؛ وَهُوَ الْمُدلِي بِصَوتِهِ تَرشِيحاً لِشَخصِ الْمُرَشَّحِ.
وَالاسْتِفْتَاءُ: هُوَ الإِدلاَءُ بِالآرَاءِ حِيَالَ القَضِيَّةِ الْمَطرُوحَةِ لِلنِّقَاشِ.
فَالانْتِخَابَاتُ لِلأَشْخَاصِ، وَالاسْتِفْتَاءَاتُ لِلقَضَايَا الْمَطرُوحَةِ لِلنِّقَاشِ.

وَالانْتِخَابَاتُ قَضِيَّةٌ شَدِيدَةُ الْخُطُورَةِ إِذَا أُسِيءَ اسْتِخدَامُهَا، وَفِي مَشْرُوعِيَّتِهَا أَخْذٌ وَرَدٌّ؛ فَمِنْ ذَلِكَ:
1- أَنَّهَا طَلَبٌ لِلوِلاَيَةِ: وَقَد جَاءَ الشَّرعُ بِمَنْعِ ذَلِكَ إِلاَّ حَيثُ يَتَقَدَّمُ لَهَا البَرُّ وَالفَاجِرُ، وَيَخْشَى البَرُّ مِنْ
أَخْذِ الفَاجِرِ لَهَا، فَيَتَقَدَّمُ مِنْ بَابِ مَنْعِ الضَّرَرِ، لاَ مِنْ بَابِ التَّسَابُقِ عَلَى الْمَنْصِبِ.

فَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :
((يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لاَ تَسْأَلْ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا،
وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا)). [متفق عليه: صحيح البخاري: كتاب الأيمان والنذور/باب
قول الله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ومسلم: كتاب الأيمان/باب ندب من حلف على يمين
فرآى غيرها خيراً منها أن يكفر عن يمينه].

وَعَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :
((إِنَّا وَاللهِ لاَ نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَداً سَأَلَهُ، وَلاَ أَحَداً حَرَصَ عَلَيْهِ)).
[متفق عليه: صحيح البخاري: كتاب الأحكام/باب ما يكره من الحرص على الإمارة،
ومسلم: كتاب الإمارة/باب النهي عن طلب الإمارة].

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ –رَحِمَهُ اللهُ-: قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، كَأَنْ يَمُوتَ الْوَالِي وَلاَ
يُوجَدُ بَعْدَهُ مَنْ يَقُومُ بِالأَمْرِ غَيْرُهُ, وَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ يَحْصُلُ الْفَسَادُ بِضَيَاعِ الأَحْوَالِ. قُلْتُ:...
وَقَدْ يُغْتَفَرُ الْحِرْصُ فِي حَقِّ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ يَصِيرُ وَاجِباً عَلَيْهِ.

2- أَنَّ الغَالِبَ، حَتَّى فِي أَعظَمِ الدُّوَلِ ادِّعَاءً لِلدِّيْمُقْرَاطِيَّةِ، وُقُوعُ التَّغرِيْرِ بِالنَّاخِبِينَ، وَأَكْثَرُ الْخُصُومِ
فُجُوراً وَكَذِباً وَتَدلِيْساً، بَلْ وَشِرَاءً لِلذِّمَمِ، وَتَقَرُّباً إِلَى الْمُفْسِدِينَ، فِي الغَالِب، هُوَ الَّذِي يَفُوزُ.

3- عَدَمُ قُدرَةِ النَّاخِبِينَ، فِي الغَالِبِ، عَلَى تَميِيزِ الْمُحِقِّ مِنَ الْمُبْطِلِ، فَتَجِدُهُمْ فِي حَيْرَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ؛
لأَنَّ الوُصُولَ إِلَى طَبَقَةِ الْمُرَشَّحِينَ لاَ يَمْنَعُ مِنْهُ فُجُورُ الفَاجِرِ، وَلاَ خَرَقُ النَّزِقِ، وَلاَ تَدلِيسُ الْمُخَادِعِ.

وَمَعَ ذَلِكَ، لَوْ قُدِّرَ أَنْ اضْطُّرَ الْمُسْلِمُ إِلَى أَنْ يَكُونَ أَحَدَ النَّاخِبِينَ؛ لِدَفْعِ شَرٍّ مُتَوَقَّعٍ مِنْ قِبَلِ مَنْ رَشَّحُوا
أَنْفُسَهُمْ لِوِلاَيَةٍ مِنَ الوِلاَيَاتِ العَامَّةِ، فَهَلْ يَجُوزُ لِلْمَرأَةِ أَنْ تَكُونَ مِنْ النَّاخِبِينَ؟

فِي الْمَسأَلَةِ رَأْيَانِ مَطرُوحَانِ فِي السَّاحَةِ السِّيَاسِيَّةِ؛ وَهُمَا:

الأَوَّلُ: الْمَنْعُ، وَهُوَ رَأْيُ لُجْنَةِ الفَتْوَى بِالأَزْهَرِ، وَفَتْوَى وِزَارَةِ الشُّؤُونِ الإِسْلاَمِيَّةِ بِالْكُوَيتِ، وَالشَّيْخِ
حَسَنَينِ مَخْلُوفٍ، وَعَبدِ الكَريْمِ زَيدَانِ وَغَيْرِهِمْ.[ولاية المرأة في الفقه الإسلامي لحافظ أنور ص446،
ومبادىء نظام الحكم في الإسلام لعبد الحميد متولي ص421، وأصول الدعوة ص116،والديموقراطية في الإسلام لسعيد عبد العظيم ص57، وحقوق المرأة لمحمد عرفة
ص202، ومجلة الفرقان الصادرة في 21/8/1405هـ ص34].

وَاحْتَجُّوا لِقَولِهِمْ بِأَدِلَّةٍ؛ مِنْهَا:
1- انْتِخَابُ عُضُوِ مَجْلِسِ الشُّورَى كَانْتِخَابِ الإِمَامِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِاخْتِيَارِهِ أَهْلُ الْحَلِّ وَالعَقْدِ وَالْمَرأَةُ
لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالعَقْدِ.

2- انْتِخَابُ الْمَرأَةِ لِلْمُرَشَّحِ يَأْتِي، فِي الغَالِبِ، تَبَعاً لِزَوجِهَا، أَوْ أَبِيْهَا، أَوْ مَحرَمٍ لَهَا، وَهَذَا لاَ يُعفِيهَا
فِي بَابِ أَدَاءِ الأَمَانَةِ فِي هَذَا التَّصوِيْتَ الَّذِي قَامَتْ بِهِ.

3- وَسِيْلَةُ الشَّيْءِ تَأْخُذُ حُكْمَهُ، وَالانْتِخَابُ وَسِيْلَةُ الوِلاَيَةِ العَامَّةِ، وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنْهَا.

4- مَا يَحُفُّ عَمَلِيَّاتِ الانْتِخَابِ مِنْ مَحَاذِيرَ شَرعِيَّةٍ لاَ يَجُوزُ لِلْمَرأَةِ تَعَاطِيْهَا؛ مِنْ اخْتِلاَطٍ، وَتَنَقُّلٍ، بَلْ
وَسَفَرٍ، وَتَعرُّضٍ لِمُعتَرَكٍ لاَ يُؤْمَنُ عَلَى النِّسَاءِ دُخُولُهُ.
وَكُلُّ هَذِهِ الاسْتِدلاَلاَتِ يُمْكِنُ أَنْ تُنَاقَشَ، وَالْمَجَالُ لاَ يَتَّسِعُ لِذَلِكَ.

الثَّانِي: الْجَوَازُ، وَهُوَ رَأْيُ د.مُصطَفَى السِّبَاعِيِّ، ود.حَمَدِ الكُبَيْسِيِّ، وَمُحَمَّدِ عِزَّةِ دَروَزَه.
[المرأة بين الفقه والقانون ص155، مجلة الحضارة الإسلامية الأردنية 1407هـ، والمرأة في
القرآن والسنة ص45].

وَاسْتَدَلَّ أَهْلُ هَذَا الرَأْي بِأَدِلَّةٍ؛ فَمِنْهَا:
1- الانْتِخَابُ تَوكِيلٌ، وَالْمَرأَةُ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُوَكِّلَ مَنْ تَرَى مِنَ الرِّجَالِ لِيَنُوبَ عَنْهَا فِي الوِلاَيَاتِ العَامَّةِ.

2- الانْتِخَابُ شَهَادَةُ، وَالْمَرأَةُ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَشْهَدَ بِصَلاَحِ رَجُلٍ لِعَمَلٍ مَا.

3- الانْتِخَابُ اجْتِهَادٌ، وَالْمَرأَةُ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَجْتَهِدَ، بَلْ أَنْ تَكُونَ مُفْتِيَةً.

4- الانْتِخَابُ إِبْدَاءٌ لِلرَّأْي، وَالْمَرأَةُ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُبْدِي رَأْيَهَا.

وَاشْتَرَطَ الْمُجِيزُونَ: اجْتِنَابَ التَّبَرُّجِ وَالاخْتِلاَطِ، وَالابْتِعَادَ عَنْ مَوَاطِنِ الفِتَنِ، وَأَنْ تَلْتَزِمَ الدَّولَةُ بِتَوفِيرِ
أَمَاكِنَ خَاصَّةٍ بِالنِّسَاءِ عِنْدَ الاقْتِرَاعِ، وَأَنْ لاَ يُتَّخَذَ الانْتِخَابُ بَاباً إِلَى تَرشِيْحِهَا لِلوِلاَيَاتِ العَامَّةِ.

وَكُلُّ هَذِهِ الاسْتِدلاَلاَتِ يُمْكِنُ أَنْ تُنَاقَشَ، وَالْمَجَالُ لاَ يَتَّسِعُ لِذَلِكَ. وَاللهُ الْمُوَفِّقُ.

أَمَّا أَهْلُ الشُّورَى: فَهُمُ أَهْلُ الْحَلِّ وَالعَقْدِ؛ مِنَ العُلَمَاءِ وَالفُقَهَاءِ، وَأَهْلُ الْمَكِيْدَةِ وَالْحَربِ، وَأَهْلُ الرَّأْي
وَالفِكْرِ، وَأَهْلُ التَّخَصُّصَاتِ الَّتِي يَحتَاجُهَا وَلِيُّ الأَمْرِ.

قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ –رَحِمَهُ اللهُ-:
وَلاَ يَنْبَغِي (لِوَلِيِّ الأَمْرِ) أَنْ يُشَاوِرَ جَاهِلاً؛ لأَنَّهُ لاَ مَعْنَى لِمُشَاوَرَتِهِ، وَلاَ عَالِماً غَيْرَ أَمِيْنٍ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا
أَضَلَّ مَنْ يُشَاوِرُهُ، لَكِنَّهُ يُشَاوِرُ مَنْ جَمَعَ العِلْمَ وَالأَمَانَةَ.[الأم 7/95].

وَقَدْ تَكَلَّمَ العُلَمَاءُ –رَحِمَهُمُ اللهُ- فِي شُرُوطِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالعَقْدِ الَّذِيْنَ هُمْ أَهْلُ الشُّورَى، فَذَكَرُوا التَّكْلِيْفَ
(وَهُوَ البُلُوغُ وَالعَقْلُ وَالرُّشْدُ)، وَالإِسْلاَمَ، وَالْحُرِّيَّةَ، وَالعِلْمَ، وَالعَدَالَةَ، وَالرَّأْيَ وَالتَّجْرِبَةَ، وَالإِقَامَةَ فِي
بِلاَدِ الْمُسْلِمِيْنَ، وَالذُّكُورَةَ.

وَقَدْ ذَكَرَ العُلَمَاءُ الَّذِيْنَ بَحَثُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي تَأْرِيخِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ كَانَتِ الْمَرأَةُ عُضْواً فِي
مَجْلِسِ الشُّورَى؛ لأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالعَقْدِ.

وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ: لُجْنَةُ الفَتْوَى فِي الأَزْهَرِ، وَعَبْدُ العَزِيْزِ بْنُ بَازٍ، وَحَسَنَينِ مَخْلُوفٌ، وَأَبُو الأَعْلَى
الْمَوْدُودِيُّ، وَسَعدِي أَبُو حَبِيْبٍ، وَعَبدُ الكَرِيْمِ زَيْدَانَ، وَد.مَاجِدٌ الْحُلوُ، وَقَحطَانُ الدُّورِيُّ، وَد.مُحَمَّدٌ أَبُو
فَارِسٍ، وَزَيْنَبُ جَكْلِي، وَفَاطِمَةُ نَصِيف.[ولاية المرأة في الفقه الإسلامي ص370، وأهل الحل والعقد
للطريقي ص48، وانظر: نظرية الإسلام وهديه للمودودي ص316، ودراسة في منهاج الإسلام
السياسي لأبي حبيب ص576، وأصول الدعوة لزيدان ص126، والاستفتاء الشعبي للحلو ص313،
والشورى للدوري ص205، وخطر مشاركة المرأة للرجل لابن باز، والمرأة والولاية لطه الدسوقي،
وحقوق المرأة وواجباتها د.فاطمة نصيف 187].

لَكِنْ لَوْ احْتَاجَ وَلِيُّ الأَمْرِ أَنْ يَسْتَشِيْرَ امْرَأَةً عُرِفَتْ عَنْهَا الأَمَانَةُ وَحَصَافَةُ الرَّاْي فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَو
عَرَضَتْ امْرَأَةٌ رَأْيَهَا وَرَأَى أَنْ يَأْخُذَ بِهِ فَلَهُ ذَلِكَ، لَكِنَّ تَعيينُ الْمَرأَةِ فِي مَجَالِسِ الشُّورَى لَمْ يَقَعْ فِي
عَهدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلاَ عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَلاَ الأَئِمَّةِ الْمَهْدِييّنَ مِنْ أَهْلِ القُرُونِ
الثَّلاَثَةِ الْمُفَضَّلَةِ، بَلْ وَلاَ بَعدَهُمْ.

قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَينِ الْجُوَيْنِيُّ –رَحِمَهُ اللهُ-:
فَمَا نَعلَمُهُ قَطْعاً أَنَّ النِّسوَةَ لاَ مَدْخَلَ لَهُنَّ فِي تَخَيُّرِ الإِمَامِ وَعَقْدِ الإِمَامَةِ، فَإِنَّهُنَّ مَا رُوجِعْنَ قَطُّ، وَلَو
اسْتُشِيْرَ فِي هَذَا الأَمرِ امْرَأَةٌ لِكَانَ أَحْرَى النِّسَاءِ وَأَجْدَرَهُنَّ بِهَذَا الأَمْرِ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، ثُمَّ
نِسْوَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِيْنَ، وَنَحنُ بِابْتِدَاءِ الأَذْهَانِ نَعْلَمُ أَنَّهُ مَا كَانَ لَهُنَّ
فِي هَذَا الْمَجَالِ مَخَاضٌ فِي مُنْقَرَضِ العُصُورِ وَمَكَرِّ الدُّهُورِ. [الغياثي للجويني ص62].

وَحَتَّى بَعضُ الْمُحدَثِيْنَ الَّذِينَ رَأَوا جَوَازَ ذَلِكَ مَنَعُوا مِنْهُ لِمَا رَأَوا فِيهِ مِنْ امْتِهَانٍ لِلْمَرأَةِ، وَتَعرِيْضِهَا لِلْفِتْنَةِ.

يَقُولُ مُصْطَفَى السِّبَاعِيُّ –رَحِمَهُ اللهُ-:
لَكِنَّنَا إِذَا نَظَرنَا إِلَى الأَمْرِ نَجِدُ مَبَادِىءَ الإِسْلاَمِ وَقَوَاعِدَهُ تَحُولُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ؛ لأُمُورٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمَصلَحَةِ
الاجْتِمَاعِيَّةِ.[المرأة بين الفقه والقانون ص156].

حَتَّى زَيْنَبَ الغَزَالِيَّ –رَحِمَهَا اللهُ- الَّتِي كَانَتْ تُنَادِي بِهَذَا الأَمْرِ، تَرَاجَعَتْ فِي آخِرِ حَيَاتِهَا لَمَّا رَأَتْ مَا
جَرَّتْهُ هَذِهِ الدَّعَوَاتُ عَلَى الْمَرأَةِ الْمُسْلِمَةِ مِنَ إِضَاعَةِ مَا اسْتَرعَاهَا اللهُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتٍ وَأَبْنَاءٍ، فَنَادَتْ
بِرُجُوعِ الْمَرأَةِ إِلَى بَيْتِهَا.[هموم المرأة المسلمة والداعية زينب الغزالي لابن الهاشمي ص242].

بَلْ –إِلَى يَومِنَا هَذَا- مَا يَزَالُ تَمْثِيْلُ النِّسَاءِ فِي البَرلَمَانَاتِ الغَربِيَّةِ مَا بَينَ 3 كَفِرَنْسَا إِلَى 13% فِي
الوِلاَيَاتِ الْمُتَّحِدَةِ الأَمْرِيْكِيَّةِ، وَفِي الْمَنَاصِبِ الوِزَارِيَّةِ 6%، وَفِي دَوْلَةِ إِسْرَائِيلَ 3%.

وَفِي هَيْئَةِ الأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ -الَّتِي تُنَادِي بِتَمْكِينِ الْمَرأَةِ السِّيَاسِيِّ وَالاقْتِصَادِيِّ- النِّسَاءُ لاَ يُشَكِّلْنَ إِلاَّ 2%
فِي مَنْصِبِ وِكَالَةِ الأَمِينِ العَامِّ لِلْهَيْئَةِ.

وَفِي دِرَاسَةٍ حَدِيثَةٍ ظَهَرَتْ فِي التَّاسِعِ عَشَرَ مِنْ نِيْسَانَ مِنْ عَامِ 2004م. فِي بِرِيطَانْيَا، أَظْهَرَتْ أَنَّ
الرِّجَالَ فِي الغَربِ مَايَزَالُونَ يُهَيْمِنُونَ عَلَى الوَظَائِفِ الْمُهِمَّةِ فِي الْحَيَاةِ العَامَّةِ، بَيْنَمَا تَحتَلُّ النِّسَاءُ أَقَلَّ
مِنْ 10% فِي بِرِيْطَانْيَا.

وَذَكَرَتْ ((مُنَظَّمَةُ الفُرَصِ الْمُتَسَاوِيَةِ)) أَنَّهُ بَعدَ ثَلاَثِينَ سَنَةً مِنْ إِقْرَارِ ((قَانُونِ مُكَافَحَةِ التَّمْييزِ عَلَى
أَسَاسِ الْجِنْسِ)) لاَ تَزَالُ بِرِيْطَانْيَا أَبْعَدَ مَا تَكُونُ عَنِ الْمُسَاوَةِ.

وَقَالَتْ ((جُولِي مِيلَلر)) رَئِيْسَةُ اللُّجْنَةِ: مَازَالَتْ النِّسَاءُ يُعَانِينَ بِشِدَّةٍ مِنْ ضَعفِ التَّمْثِيلِ فِي الْمَرَاكِزِ
الْهَامَّةِ فِي بِريْطَانْيَا.

وَلَمْ يَعُد مِنَ الْمُمْكِنِ القَولُ: إِنَّ الْمُسْأَلَةَ مَسْأَلَةُ وَقْتٍ، فَقَد ظَهَرَ -بَعدَ كُلِّ هَذِهِ الْمَعَارِكِ، وَجُهُودِ
الْمُنَظَّمَاتِ وَالْهَيْئَاتِ، وَسَنِّ القَوَانِينِ- أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَسْأَلَةُ قُدُرَاتٍ وَإِمْكَانَاتٍ وَقَبلَ ذَلِكَ فِطرَةٌ تَأْبَى أَنْ
تَنْسَلِخَ مِنْ حَقِيقَتِهَا.

لَقَد ظَهَرَ أَنَّ 7% مِنْ قُضَاةِ بِرِيطَانْيَا وَكِبَارِ ضُبَّاطِهَا مِنَ النِّسَاءِ، وَأَنَّ 9% يُشَكِّلْنَ كِبَار الْمَسْؤُولِينَ
وَرُؤَسَاءَ التَّحرِيرِ.

وَظَهَرَ أَنَّهُنَّ لاَ تُسْنَدُ إِلَيْهِنَّ مَنَاصِبُ قِيَادِيَّةٌ خَوفاً عَلَى تَفَكُّكِ الأُسَرِ، وَأَنَّ هُنَاكَ مُنَظَّمَاتٍ تَضَعُ هَذَا
الأَمْرَ بِعَينِ الاعْتِبَارِ عِنْدَ التَّرشِيحِ.[موقع أمان للدراسات/الأردن].

وَلْيُعلَمْ أَنَّ مَنْعَ الْمَرأَةِ مِنْ هَذِهِ الوِلاَيَاتِ العَامَّةِ لَيْسَ فِيهِ تَحقِيْرٌ لَهَا، وَلَكِنَّهُ وَضعٌ لِلأُمُورِ فِي مَوَاضِعِهَا،
وَتَصنِيْفُهَا حَسبَ مَا جَاءَ فِي الشَّرعِ الْحَكِيمِ.


** العُنْصُرُ الثَّالِثَ عَشَرَ : وِلاَيَةُ الْمَرأَةِ النِّكَاحَ :-
اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ –رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى- فِي اشْتِرَاطِ وَلِيِّ الْمَرأَةِ فِي النِّكَاحِ، فَكَانُوا فَرِيْقَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ؛
- وَهُمَا: الفَرِيْقُ الأَوَّلُ: اشْتَرَطَ الوِلاَيَةَ فِي النِّكَاحِ مُطلَقاً، وَهُوَ مَذْهَبُ جَمِيْعِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم ،
وَمَذْهَبُ جَمَاهِيْرِ العُلَمَاءِ –رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى- مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
الْحَسَنِ وَأَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.[الكافي لابن عبد البر 2/527، وكفاية الطالب للشاذلي 2/35،
والمهذب للشيرازي 2/35، والكافي لابن قدامة 3/10].

- الْفَرِيْقُ الآخَرُ: لَمْ يَشْتَرِطْ الوِلاَيَةَ فِي النِّكَاحِ، وَلَكِنَّ نِكَاحَ الْمَرأَةِ مِنْ غَيْرِ وَلِيٍّ عِنْدَهُمْ فِعلٌ غَيْرُ
مُسْتَحَبٍّ، وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ غَيْرَ كُفْءٍ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ الفَتْوَى فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيْفَةَ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْهُمَامِ عَنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ أَبُو يُوسُفَ قَدْ رَجَعَ عَنْهُ، وَقَالَ: ((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ)). وَعَنْ مُحَمَّدِ
بْنِ الْحَسَنِ رِوَايَتَانِ؛ رِوَايَةٌ كَقَولِ الْجُمْهُورِ، وَرِوَايَةٌ وَافَقَ فِيْهَا شَيْخَهُ أَبَا حَنِيْفَةَ، وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ فِي
مَذْهَبِ أَبِي حَنِيْفَةَ –رَحِمَهًُ اللهُ- أَنَّهُ نِكَاحٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، أَيْ أَنَّ لِلأَوْلِيَاءِ حَقَّ الاعْتِرَاضِ عَلَيْهَا وَفَسْخَ
نِكَاحِ مِنْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ وَلِيٍّ.[فتح القدير 3/255، وشرح معاني الآثار 3/113].

وَقَدْ احْتَجَّ كِلاَ الفَرِيْقَيْنِ بِأَدِلَّةٍ تُؤَيِّدُ قَولَهُ؛ فَمِنْ أَدِلَّةِ الْمَذْهَبِ الأَوَّلِ:
1- قَوْلُ اللهِ تَعَالَى:[ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَواْ
بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ] .[سورة البقرة، الآية 232].

فَفِي الآيَةِ نَهَى اللهُ عز وجل أَوْلِيَاءَ الْمَرأَةِ عَنِ العَضْلِ؛ وَهُوَ مَنْعُ الْمَرأَةِ مِنْ نِكَاحِ زَوْجِهَا الَّذِي طَلَّقَهَا،
وَلاَ يَنْهَاهُمْ اللهُ عَنْ أَمرٍ إِلاَّ وَهُوَ تَحتَ تَدْبِيْرِهِمْ، وَلَهُمْ فِيْهِ حَقٌّ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ الوَلِيِّ
فِي النِّكَاح.

فَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رضي الله عنه :
أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ، قَالَ: زَوَّجْتُ أُخْتاً لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ
لَهُ: زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا، لاَ وَاللهِ لاَ تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَداً، وَكَانَ رَجُلاً لاَ
بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ [ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ] فَقُلْتُ: الآنَ أَفْعَلُ يَا
رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَزَوَّجَهَا إِيَّاه.[رواه البخاري: كتاب النكاح/باب من قال لا نكاح إلا بولي].

قَالَ ابْنُ جَرِيْرٍ الطَّبَرِيُّ –رَحِمَهُ اللهُ-: اتَّفَقَ أَهْلُ التَّفْسِيْرِ عَلَى أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِالآيَةِ الأَوْلِيَاء.
[جامع البيان لابن جرير، سورة البقرة، الآية 232].

وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ –رَحِمَهُ اللهُ-:
وَلاَ أَعْلَمُ الآيَةَ تَحْتَمِلُ غَيْرَهُ،... وَهَذَا أَبْيَنُ مَا فِي القُرآنِ مِنْ أَنَّ لِلوَلِيِّ مَعَ الْمَرأَةِ فِي نَفْسِهَا حَقّاً، وَأَنَّ
عَلَى الوَلِيِّ أَنْ لاَ يَعْضُلَهَا إِذَا رَضِيَتْ أَنْ تُنْكَحَ بِالْمَعرُوفِ، وَجَاءَتِ السُّنَّةُ بِمِثْلِ مَعْنَى كِتَابِ اللهِ
تَعَالَى.[الأم 5/12، سنن البيهقي 7/104].

وَقَالَ البُخَارِيُّ –رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: بَابُ مَنْ قَالَ لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى [فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ]
فَدَخَلَ فِيهِ الثَّيِّبُ وَكَذَلِكَ الْبِكْرُ، وَقَالَ [ وَلاَ تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ ] وَقَالَ [وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى
مِنْكُمْ ] .[رواه البخاري: كتاب النكاح/باب من قال لا نكاح إلا بولي].

وَقَالَ التِّرمِذِيُّ –رَحِمَهُ اللهُ-:
فِي هَذَا الْحَدِيْثِ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ النِّكَاحُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ؛ لأَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ كَانَتْ ثَيّباً، فَلَوْ
كَانَ الأَمْرُ إِلَيْهَا دُونَ وَلِيّهَا لَزَوَّجَتْ نَفْسَهَا وَلَمْ تَحْتَجْ إِلَى وَلِيّهَا، وَإِنَّمَا خَاطَبَ اللهُ تَعَالَى فِي الآيَةِ
الأَوْلِيَاءَ، فَقَالَ [ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ] فَفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ الأَمْرَ إِلَى الأَوْلِيَاءِ
فِي التَّزْوِيْجِ مَعَ رِضَاهُنَّ.

وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ –رَحِمَهُ اللهُ-:
قَوْلُهُ: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ) كَلِمَةُ اسْتِيْفَاءٍ وَاسْتِيْعَابٍ، وَفِيْهِ إِثْبَاتُ الوِلاَيَةِ عَلَى النِّسَاءِ كُلِّهِنَّ، وَيَدْخُلُ فِيْهَا البِكْرُ
وَالثَّيّبُ وَالشَّرِيْفَةُ وَالوَضِيْعَةُ، وَفِيْهِ أَنَّ الْمَرأَةَ لاَ تَكُونُ وَلِيَّةَ نَفْسِهَا، وَأَنَّ العَقْدَ إِذَا وَقَعَ بِلاَ إِذْنِ الأَوْلِيَاءِ
كَانَ بَاطِلاً.[معالم السنن 3/196].

وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ –رَحِمَهُ اللهُ-:
قَوْلُهُ: فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ [ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ] هَذَا صَرِيحٌ فِي نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ.
وَفِي حَدِيثِ مَعْقِلٍ أَنَّ الْوَلِيَّ إِذَا عَضَلَ لاَ يُزَوِّجُ السُّلْطَانُ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَأْمُرهُ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْعَضْلِ, فَإِنْ
أَجَابَ فَذَاكَ, وَإِنْ أَصَرَّ زَوَّجَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ.

وَالآيَةُ أَصْرَحُ دَلِيلٍ عَلَى اِعْتِبَارِ الْوَلِيِّ; وَإِلاَّ لَمَا كَانَ لِعَضْلِهِ مَعْنىً; وَلأَنَّهَا لَوْ كَانَ لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا
لَمْ تَحْتَجْ إِلَى أَخِيهَا. وَمَنْ كَانَ أَمْرُهُ إِلَيْهِ لاَ يُقَالُ: إِنَّ غَيْرَهُ مَنَعَهُ مِنْهُ.

2- َعَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :
((لاَنِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ)). [رواه الإمام أحمد 4/394، وأبو داود: كتاب النكاح/باب في الولي، والترمذي:
كتاب النكاح/باب لا نكاح إلا بولي، وابن ماجه: كتاب النكاح/باب لا نكاح إلا بولي، والدارمي:
كتاب النكاح/باب النهي عن النكاح بغير ولي، وابن الجارود في المنتقى برقم 704، والطحاوي
3/9، وابن حبان / وصححه، والحاكم 2/171، والبيهقي 2/108، وصححه عبد الرحمن بن مهدي
والطيالسي وابن المديني والذهلي والبخاري والترمذي والبيهقي].

رَوَى حَدِيْثَ: ((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ)) عَدَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم ، وَفِي البَابِ عَنْ عِشْرِيْنَ
مِنْهُمْ؛ وَهُمْ: أَمِيْرُ الْمُؤْمِنِيْنَ عَلَيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَمُعَاذٌ وَأَبُو مُوسَى وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَمْرٍو
وَأَبُو ذَرٍّ وَالْمِقْدَادُ وَأَنَسٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعِمْرَانُ وَالْمِسْوَرُ وَأَبُو أُمَامَةَ رضي الله عنهم.
وَأُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِيْنَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُنَّ: عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ وَزَيْنَبُ.

قَالَ الْحَاكِمُ –رَحِمَهُ اللهُ-: أَكْثَرُهَا صَحِيْحَةٌ.[المستدرك 2/172].
وَرُوِيَ مُوْقُوفاً عَنْ أَمِيْرِ الْمُؤْمِنِيْنَ عُمَرَ وَعَنْ أَبِي سَعِيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا.
وَعَنِ الْحَسَنِ البَصْرِيِّ –رَحِمَهُ اللهُ– مُرسَلاً.
وَفِي الْحَدِيْثِ نَفَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم النِّكَاحَ بِدُونِ وَلِيٍّ، وَهُوَ نَفْيٌّ لِلْحَقِيْقَةِ الشَّرعِيَّةِ لِلنِّكَاحِ،
وَهَذَا نَصٌّ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ النِّكَاحِ بِدُونِ وَلِيٍّ.

قَالَ الْمُبَارَكْفُورِيُّ –رَحِمَهُ اللهُ-:
الرَّاجِحُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ, بَلْ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ الآتِي وَغَيْرُهُ.

4- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :
((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ)).[رواه ابن حبان (موارد الظمآن برقم 1246)].

5- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :
((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ، وَخَاطِبٍ، وَشَاهِدَي عَدْلٍ)).[رواه البيهقي 7/125].

6- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : ((لاَ تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ, وَلاَ تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا, فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا)).[رواه ابن ماجه: كتاب
النكاح/باب لا نكاح إلا بولي، والدارقطني 3/227، والبيهقي 7/110، قال ابن حجر: رجاله ثقات، وقال ابن كثير: الصحيح وقفه على أبي هريرة رضي الله عنه ].

قَالَ السِّنْدِيُّ –رَحِمَهُ اللهُ-: قَوْلُهُ (فَإِنَّ الزَّانِيَةَ. إِلَخْ) أَيْ مُبَاشَرَةُ الْمَرْأَةِ لِلْعَقْدِ مِنْ شَأْنِ الزَّانِيَةِ، فَلاَ
يَنْبَغِي أَنْ تَتَحَقَّقَ الْمُبَاشَرَةَ فِي النِّكَاحِ الشَّرْعِيِّ، وَلِمَنْ يَرَى جَوَازَ ذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى
النَّهْي عَنْ مُبَاشَرَةِ الْمَرْأَةِ بِلاَ بَيِّنَةٍ بِقَرِينَةِ التَّعْلِيلِ إِذْ الزَّانِيَةُ لاَ تُبَاشِرُ الْعَقْدَ بِبَيِّنَةٍ وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ اِبْنِ
عَبَّاسٍ: الْبَغَايَا اللاَّتِي يَنْكِحْنَ أَنْفُسهنَّ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعاً وَمَوْقُوفاً، وَرَجَّحَ الْوَقْفَ، أَوْ
يَحْمِلُ النَّهْيَ عَلَى الْكَرَاهَة.

وَفِي الزَّوَائِدِ: فِي إِسْنَادِهِ جَمِيلُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعَت