[ جريدة المدينة ، العدد (13214) الصادرة في يوم الخميس الموافق 10/3/1420هـ.
ملحق (الاقتصادية) الصفحة الأخيرة ].
المقدمة
الحمد لله ، والصلاة والسلام الأتمان والأكملان على خير خلق الله ،
نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه .
أما بعد :
فقد جعل الله تعالى حجاب المسلمة سمةً بارزة ، وشعاراً ظاهراً ، من خلاله تبرز
شخصيتُها المستقلة ، وكيانُها الشريف ، ومقامُها العفيف ، وهي مؤشر صريح يبيّن حال
مجتمعها ، ومن خلاله تُعرف كرامته ، وحرصُه على شرفه وعفافه ، ومدى تقيدِه بشرع
ربِّه الحكيم ، ودينِه القويم ، وكتابِه الكريم ، وبقدر تمسكه به تتجلى مجانبتُه
صراط المغضوب عليهم والضالين .
وقد ظلَّ أمر التمسك بالحجاب على الجادة ، مذ فُرض إلى منتصف القرن الماضي ، لا يشك
في وجوبه أحد ، ولا يراه أحدٌ من المسلمين سبباً لتأخر ، أو إيذاءً للنساء ، بل
يرونه سبباً لصون المرأة عن كلِّ متعرضٍ لها بفساد ، وحمايةً لجماعة المسلمين من
الفساد .
ولكن لما وفد من الغرب ما وفد ، من عاداتٍ قبيحة ، وتقاليد مشينة ، وانحلالٍ خُلقي
، وشذوذٍ سلوكي ، صادف في كثير من المسلمين ضعفاً ، وعن الدين بعداً ، وللقوي
المتجبر خضوعاً ، وبالوافد المسيطر انبهاراً ؛ فخرجت على المسلمين صيحاتٌ ينادي بها
أناسٌ من أبناءِ جلدتنا ، ينطقون بألسنتنا ، قلوبهم قلوب ذئاب ، قلوبٌ ملأها الوافد
بحبِّه ، وخربها بفساده ، وعاث فيها بانحلاله ؛ استلم قيادها ، فأطاعته خاضعة ذليلة
؛ وصارت تنادي بكلِّ ما يريد ، وتخطب ودَّه وإن كان باتباع كلّ شيطان مريد .
فأصبح المسلمون وصيحاتُ التغريب تناديهم من هنا وهناك ، متزلزلة في نفوس جمهورهم
كثير من ثوابتها ، حتى تبع من تبع منهم تلك الصيحات ، وَصَدَّق بعضهم أنَّ الدين
تقاليد وعادات ، وبعضهم لم يبق له إلا محيط يستحي من مخالفته ، وجماعةٌ لا يجرؤ على
الخروج عن نطاقها ، وبعضهم لم تعد لديه أدلة يطمئن إليها ، وبعضهم عاجز عن مقارعة
الحجَّة بالحجّة !
الدّعوة إلى التبرج والسفور
إنَّ من أكثر الصيحات رواجاً ، وأشدّها على أعراض النساء المسلمات خطورة : الدعوة
إلى التبرج والسفور ، هذه الدعوة التي تلبس للنساء في كلِّ بلد ما يكون تأثيره أشدّ
، وزعزعته للثوابت أقوى ، فمرة يروجون لها باسم الحرية ، ومرة باسم مواكبة المدنية
الغربية ، ومرة باسم ما شذَّ من آراء فقهية ، ومرة بلي أعناق نصوص شرعية ، أو
بوضعها في غير موضعها ، أو بإطلاقها دون قيود ، أو إنَّ القيود والضوابط من وضع
فقهاء عفا الزمن آثارهم.
وإنَّ هذه الصيحات لا تقف أمام البحث العلمي ، بل تولي هاربة بأصحابها ، تجر ثياب
الخيبة ، ولا يملك أهلوها إلا وصم الطرف الآخر بالرجعية، وضيق العطن، وفقه الصحراء
البدوي.
ومالنا ولذاك ، فإنَّ الحقَّ أبلج ، والباطل لجلج ، والصبحَ لا يظهر إلا لذي عينين
؛ وقد قيل في ذلك شعراً :
وليس يصح في الأذهان شيءٌ *** إذا احتاج النَّهارُ إلى دليلِ
ودعاة السفور أمرُهم بيّن ، وحالُهم ظاهر ، وتلبيسُهم ، عند أهل الحقّ ، جلي ، لا
يخفى على صاحب بصيرة ؛ كيف ، وقد بيّن الله لنا أمرهم ، وأظهر لنا حالهم ، وجلى لنا
فعالهم ؟ وهو القائل سبحانه : [ وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّـهَوَاتِ أَن تَمِلُواْ مَيْلاً عَظِيماً ] (سورة
النساء ، الآية 27).
*قال ابن جرير الطبري ، رحمه الله : ويريد الذين يتبعون شهوات أنفسهم … (( أن
تميلوا )) عن الحق ، وعمَّا أَذن الله لكم فيه ، فتجوروا عن طاعته إلى معصيته ،
وتكونوا أمثالهم في اتِّباع شهوات أنفسكم فيما حرَّم الله ، وترك طاعته (جامع
البيان عن تأويل آي القرآن 8/214 ).
فضائل الحجاب ومثالب التبرج
ويكفي المسلمة أن تعلم أنَّها بلبسها حجابها الشرعي تطيع الله جل جلاله ، وتطيع
رسولَه صلى الله عليه وسلم ، وفي ذلك سعادة الدارين ، والفوزُ العظيم الذي لا يعدله
فوز ؛ قال الله تعالى [ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَد فَازَ فَوزاً
عَظِيماً ] (سورة الأحزاب ، الآية 71).
والمسلمة بلبسها حجابها الشرعي تبتعد عن معصية التبرج ، وهي معصية تسخط الله تعالى
ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وفي معصية الله ورسوله خسارة الدارين ، والضلال المبين
الذي يفقد بسببه الإنسان الهدى ، ويُسلك به طريق الردى ؛ قال تعالى :[وَمَن يَعْصِ
اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَد ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً ]
(سورة الأحزاب ، الآية 36).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى )) قالوا
: يا رسول الله ، ومن يأبى ؟ قال : (( من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى ))
(متفق عليه : رواه البخاري/كتاب الاعتصام/باب الاقتداء بسنن النبي صلى الله عليه
وسلم ، ومسلم/كتاب الإمارة/باب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم).
وقال صلى الله عليه وسلم : (( كل أمتي معافى إلا المجاهرين )) (متفق عليه : رواه
البخاري/كتاب الأدب/باب ستر المؤمن نفسه ، ومسلم/كتاب الزهد والرقائق/باب النهي عن
هتك الإنسان ستر نفسه).
ومن تبرجت وأظهرت مفاتنها ، وعصت الله تعالى بهذه المعصية الظاهرة فهي من المجاهرين
، بل ما أعظم مجاهرة من تخرج متبرجة أمام الرجال الأجانب ، ينظر إليها الغادي
والرائح ، ويكون جسدها نهباً لنظراتهم ! قال تعالى [ ولا تبرجن تبرج الجاهلية
الأولى ] (سورة الأحزاب الآية 33).
والمسلمة بلبسها حجابها الشرعي تقف سدّاً منيعاً أمام الفتنة حتى لا تجد لها مقاماً
وسط جماعة المسلمين ، الذين لا تتبرج نساؤهم ، وَتَرْكُهَا حجابها ، وتبرجها أمام
الرجال الأجانب سبب ظهور الفتنة ، لأنَّها بتبرجها تدعو إلى النظرة المسمومة ، وهي
أول خطوة من خطوات إبليس في طريق الفساد ، الذي يسبب فساد المسلمين وهلاكهم .
قال الله تعالى [ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُواْ مِن أَبْصَارِهِم وَيَحْفَظُواْ
فُرُوجَهُم ] (سورة النور ، الآية 30).
وقال تعالى [ وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغضُضْن مِن أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظنَ
فُرُوجَهُنَّ ] (سورة النور ، الآية 31).
بدأ تعالى الأمر بالغضِّ من البصر قبل الأمر بحفظ الفرج لأنَّ البصر رائد القلب ؛
كما أنَّ الحمى رائد الموت .
قال الشاعر :
ألم تر أنَّ العينَ للقلبِ رائدٌ *** فما تألف العينانِ فالقلبُ آلفُ
والمسلمة بلبسها حجابها الشرعي وإخفائها الزينة التي أمر الله بإخفائها عن الرجال
الأجانب تكون حرةً ، كما أرادها الله ، ولا تكون نهباً لكلِّ ذئبٍ بشري ، يغرز
أنيابَ نظراتِه في جسدها العاري طولاً وعرضاً، وإن سنحت له فرصةٌ صنع أكثرَ من ذلك
، وهذه خطوات الشيطان ، التي يستزلّ بها من أطاعه ، وذلك أنَّ نظرة الرجل تُنشيء في
قلبه الميل إلى من أُعجب بها ، ثم يتحول ذلك الميلُ إلى حبّ ، والحبُّ يجر إلى
إدامة التفكير ، وانشغال القلب بمن أحبّ حتّى يورثه ذلك عزماً على الوصال بمن تعلق
قلبُه بها ، وقد قيل شعراً :
نظرةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ *** فكلامٌ فموعدٌ فلقاء
وهذا تسلسلٌ لخطوات الشيطان ، من أطاعه في أولها ، هوّن عليه التي تليها، وهكذا حتى
يصل منتهى تلك الخطوات الشيطانية، وفي كتاب الله تعالى ذكر لأولها ، وتخويفٌ من
الوقوع في آخرها ، وهو ، والله أعلم ، بيانٌ لحتمية الوقوع في آخرها متى تساهل
العبد وأطاع إبليس في أولها .
قال الشاعر :
وَمُسْتَفْتِحٍ بَابَ البَلاءِ بِنَظْرَةٍ *** تَزَوَّدَ مِنْهَا قَلْبُهُ حَسْرَةَ
الدَّهْرِ
وقرأ طاووس ، رحمه الله ، قول الله تعالى [وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً ] فقال :
في أمور النِّساء . ليس يكون الإنسان في شيء أضعفَ منه في النِّساء (تفسير عبد
الرزاق 1/154 ، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن 8/216 . والآية في سورة النساء
برقم 28).
وسـئل سفيان الثوري ، رحمه الله، عن قوله [ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً ] : ما
ضعفه ؟ قال : المرأة تمر بالرجل فلا يملك نفسه عن النظر إليها ، وهو لا ينتفع بها ،
فأيّ شيء أضعفُ من هذا ؟
وكنتَ متى أرسلتَ طرفَكَ رائداً *** لقلبِكَ يومـا ً أتعبتكَ المناظرُ
رأيـتَ الـذي لا أنتَ قـادرٌ *** عليه ولا عن بعضِه أنتَ صابرُ
وقال آخر :
كم نظرةٍ فَتَكَتْ في قلبِ صاحبِها *** فَتْكَ السِّهامِ بلا قوسٍ ولا وترِ
يســرُّ مقـلتَه ما ضرَّ مهجَتَه *** لا مرحباً بسـرورٍ عاد بالضررِ
ومن المعلوم أنَّ أنوثة المرأة رأسُ مالها ، وهي قيمتها التي تكمن فيها قوتها ،
وكلما صانت المرأةُ أُنوثَتَها عن الابتذال كلما زادت أنوثتُها قوة، وأنوثة المرأة
لها مثلُ رجولة الرجل له، فهو يعتزّ بهذه ، وهي تفخر بتلك ، وكلما ابتذلت المرأةُ
نفسها كلما نقصت أنوثتها، وقلَّ قدرها، وكلما نقصت رجولة الرجل كلما قلَّ قدره ،
فهذه بهذه ، وتلك بتلك ، الكلُّ بالكلّ ، والحصةُ بالحصة !
والمسلمة بلبسها حجابها الشرعي وإخفائها زينتها ، لسان حالها يقول لكل رجل أجنبي :
غضَّ الطرف ، فلستُ لك ، ولستَ لي . إنِّي حرّة مستقلة ، لا أستجدي عيناً نظرة ؛
فأنا أعلى من ذلك قدراً ، وأرفع مقاماً ، لكوني قد سلكت سواءَ السبيل ، وأعلنت
للجميع طهري وعفافي ، وحريتي واستقلالي بلبسي لحجابي .
أما المتبرجة ، التي تبذلت بإظهار محاسنها للرجال الأجانب ، فمسكينة مسكينة ، لسان
حالها يستجدي كلَّ ذئبٍ بشري ، ويترجاه قائلاً : هل من نظرة ؟ هل … وهل … ؟
تستجدي هذا وذاك ، وتتهالك على عتباتِ نظراتهم ، علَّ أحدهم يجود عليها بنظرة !
فقولي لي ـ بربِّك ـ أي المرأتين حرّة مستقلة ؟ التي رفعت نفسها ، وتعالت بها عن
هذا الإسفاف المقيت ، أم تلك التي ارتمت على أعتاب نظرات الرجال ؟
لا يشك عاقلٌ أنَّها المسلمةُ المتحجبة ، التي فرضت احترامها على كلِّ من يراها ،
حيث علم من حالها أنَّها طاهرة عفيفة ، بعيدةٌ عن الخنا والفجور ، فبادَرَ إلى غض
الطرف عنها ؛ وصدق تعالى إذ يقول : [ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا
يُؤْذَيْنَ ](سورة الأحزاب ، الآية 59).
أما المتبرجة فهي شحاذ يتكفف نظرات الرجال ، تردها النظرة والنظرتان ؛ أهانت نفسها
، فضاعت كرامتها ، وفقدت عزتها ، وظنها من يراها سلعةً رخيصة، عَرَّضَتْ نفسها
للمهانة والازدراء .
وإنَّ الإنسان ليعجب ، من امرأة جَبَلَهَا الله تعالى على الاهتمام بكلِّ ما يرفع
قدرها أمام الآخرين ، ويشتد ضيقُ نفسها إذا علمت أنَّها في مرتبة دون ذلك ، ترضى
لنفسها أن تكون سلعة رخيصة ، مبتذلة خسيسة ، يُشْبِعُ كلُّ ذئب نهمته منها ثم يقذف
بها ، بعد أن تعافها نفسه ، وهو في كلِّ ذلك ، من قبل ومن بعد ، يراها دمية يُلعب
بها، ثم تُقذف في سبيل من قُذف بهن في قمامة الذُّل والمهانة !
ولو رأى مجتمعٌ أن يأذن لنسائه بالخروج سافراتٍ متبرجات ، وأصبح كلُّ رجل يسرح طرفه
في أجساد النساء الغاديات والرائحات ، فقولي لي بربِّك : هل ترضين أن يكون زوجك ذلك
الرجل الذي يدخل البيت وقد تعلق قلبه امرأة متبرجة ؟ ملكت عليه فكره ، وَأَصْبَحَتْ
أمام ناظريه وهو ينظر إليكِ ، ويقارن بينكِ وبينها ، وأنت تتعاملين معه بعفوية ،
وتجاذبينه الحديث ، والشيطانُ يعمل في تزيين تلك المتبرجة في نفسه ، ويُجَمِّلها
أكثر منك ؟
إنَّ كل عاقل ، من ذكر وأنثى ، سيقول : إنَّكِ لو علمت بما في نفسه لتحولت بركاناً
من الغيرة ، وَلأَحْرَقَتْ نارُك مقوماتِ الحياة الزوجية القائمة ، ولظلت تلك
الحالةُ مصيبةً لا تنسينها ، ولظللتِ طـول عمرك تخافين أن يكون زوجـك على تلك
الحـال الـتي أغضبتك، ولما استطعت التخلص من ذلك الهمّ مهما طالت الأيام، وتعاقبت
السنوات . والرجل كذلك ، بل أشدَّ .
واعلمي ، بارك الله فيك ، أنَّ الرجل عُرضة للافتتان بالمتبرجات ، ولو كانت زوجته
جميلة،
فكيف إذا لم تكن كذلك ؟
والحديث في هذا يطول ،وفي هذا الذي ذكرناه كفاية لمن كان له قلب ،أو ألقى السمع وهو
شهيد .
وفي هذه الرسالة المختصرة بيان لصفات الحجاب الذي أمر الله تعالى به ، وأمر به
رسوله صلى الله عليه وسلم ، وكلُّ صفة من صفاته قرنتها بأدلتها من الكتاب والسنة ،
وأقوال وأفعال الصحابة رضوان الله عليهم ، وأقوال العلماء من بعدهم ، وذلك لتعلم
المسلمة حقيقة الحجاب الذي أراد الله عز وجل منها أن ترتديه، وليكون ارتداؤها له عن
قناعة، وتمسكها به تمسك مطمئنة إلى صحة ما تمسكت به ، وحـتّى لا تكون عرضة للشك من
فعلها كلما عرضت لها شبهة ، وبذا يكون حجابها طاعة لربِّها ، ومصدر فخر واعتزاز لها
بين بنات جنسها ، وليكون حقّاً رمز طهر وعفاف، وتكون المتمسكة به قدوة لغيرها ،
بعيدة عن مراوغات من جعلت الحجاب عادة لا عبادة .
سائلاً الله للجميع التوفيق والسداد ، وأن يكون هذا الجهد خالصاً لوجهه الكريم ،
مقرباً عنده ،
إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه .
وصلى الله وسلَّم على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه .