|
الحمد لله أعز من أطاعه وأذل من عصاه، وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه
أجمعين ..
أما بعد ..
فيقول الله تعالى [ لتجدن أشد الناس عداوة ً للذين ءامنوا اليهود والذين أشركوا ].
ويقول تعالى ( إنْ يَثْقَفُوكُم يكونوا لكم أعداءً ويَبْسُطُوا إليكم أيديَهم
وألسنتَهم بالسوء وودُّوا لو تكفرون ) .
ويقول تعالى ( لا ينهاكم اللهُ عن الذين لم يقاتِلُوكُم في الدينِ ولم يُخْرِجُوكم
من ديارِكم أن تبروهم وتقسطوا
إليهم إنَّ اللهَ يُحبُّ المقسطين . إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدينِ
وأخرجوكم من دياركم وظاهروا
على إخراجكم أن تَوَلَّوهُم ومن يتولَّهُم فأُولئك همُ الظالمون ) .
ويقول تعالى ( لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمّة وأولئك هم المعتدون ) .
ويقول تعالى ( يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهودَ والنصارى أولياء بعضُهم
أولياء بعض ومن يتولهم
منكم فإنه منهم إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين ) .
أيها الإخوة والأخوات، لقد واجه اليهود الإسلام بالعداء منذ اللحظة الأولى التي
قامت فيها دولة الإسلام
بالمدينة النبوية وكادوا للأمة المسلمة منذ اليوم الأول، وقد تضمن القرآن الكريم من
التقريرات عن هذا العداء
وذلك الكيد ما يكفي وحده لتصوير تلك الحرب المريرة التي شنها اليهود على الإسلام
وعلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم وسوء أدبهم معه حتى في الألفاظ والمخاطبة الملتوية التي فيها
التورية.
ولا يزال اليهود وأذنابهم يتربصون بالمسلمين ولن يرضوا عنهم أبداً إلا باتباع
ملتهم، ولنتأمل قول الله
عز وجل الذي بدأه بلن التأبيدية التي تفيد عدم رضي اليهود والنصارى عن الرسول محمد
صلى الله عليه وسلم
وأتباعِه إلى يوم الدين ما داموا متمسكين بالإسلام، قال تعالى[ ولن ترضى عنك اليهود
ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ].
وقال تعالى [ ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم
عن دينه فيمت
وهو كافر فأؤلئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وألئك أصحاب النار هم فيها خالدون
].
ولقد انتهى المطاف باليهود في هذا العصر الأخير إلى أن يكونوا هم الذين يقودون
الحرب والمعركة
مع الإسلام والمسلمين في كلِّ مكان، وهم الذين يستخدمون الصليبية والوثنية في هذه
الحرب الشاملة.
ويسمع كل شخص ويرى ويقرأ عنهم شيئاً كثيراً من خلال الوسائل الإعلامية المتعددة،
والمسلمُ يعتبر بما
يجري على الساحة من خيانة اليهود وغدرهم ونقضهم للعهود والمواثيق وعدم التزامهم بما
يتفقون عليه،
بل يحصل منهم التلاعب بمشاعر الناس والاستفزاز، فهذه التصرفات القبيحة والأفعال
المشينة والأخلاق الدنيئة
في الجيل الجديد مرتبطة بأخلاق أجدادهم الذين ساروا على نهجهم واقتفوا أثرهم ولم
يتخلوا عن عقائدهم الباطلة وأخلاقهم الخبيثة.
والمسلم لا يستغرب أي تصرف أو خلق من يهود الحاضر لأن لديه الحصيلة الكافية عن
آبائهم الأولين، قتلة
الأنبياء، وناقضي العهود والمواثيق، ولكن استغرابه من العرب أو المنتسبين إلى
الإسلام الذين يغفلون عن
تعاليم إسلامهم، ويعجب للتخاذل والغفلة والذلة المسيطرة على هذه الأجواء حيث اتبع
اليهود عليهم لعائن الله
سياسات عدة لتنفيذ أطماعهم الحالية التي يريدون بعدها الوصول إلى مطامعهم
الصهيونية، فإلى جانب ضرب
الدول المجاورة وإشعال نار الفتنة في ديار المسلمين، وإشغالهم بها لتحويل أفكار
الناس عنهم وصرف
أنظارهم عن تنفيذ مخططاتهم فلا زالت معاول الصهاينة تهدم المدن والقرى وتدنس
المساجد بكل ما
يستطيعون.
وأخيراً في هذه الأيام هذا الإجرام الذي يشاهده العالم وتنقل صوره وأخباره عن قتل
العشرات وجرح المئات
بل الألوف من المسلمين الممنوعين من حمل السلاح دفاعاً عن المسجد الأقصى، وليس
لديهم إلا الحجارة،
وإخوان القردة والخنازير يملكون من السلاح وأنواعه المتعددة ما لا يحصى ومن تقنيات
العصر ما لا تملكه
دول المنطقة، بل ما هو محظور وممنوع على معظم دول العالم، فاستفزازاتهم تلك ولجوؤهم
إلى كل فعل
مشين هي من ضمن تنفيذ خطتهم التخريبية التي رسموها منذ استتب لهم الأمر منتهجين
سياسة المراحل.
قال تعالى:
[ يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن
يتولهم
منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ].
وقال تعالى : [ يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً
ودوا من عنتم قد بدت
البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الأيات إن كنتم تعقلون ، ها
أنتم أولاء تحبونهم
ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا ءامنا وإذا خلوا عضوا عليكم
الأنامل من الغيظ قل موتوا
بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور].
والواجب على المسلمين الحذر من من كل من خالف دينهم، والبراءة منهم وعدم التعاطف
معهم إلا فيما حدده
الإسلام من حيث التعامل الدنيوي الحسن مع غير المحاربين للمسلمين والذين لهم عندنا
عهد وميثاق، والتفريق
بين الفريقين حسب ما ورد في القرآن والسنة.
ولم يكن مستغرباً ما تقول به إسرائيلُ وأعوانها وأنصارها، فقضية فلسطين قضية
إسلامية، وإن أعظم نجاح
يمكن أن تحققه يهود هو إبعاد القضية عن الإسلام، وإن تحرير فلسطين لن يكون بدون
العودة إلى الإسلام كما
بيّن ذلك نبينا محمّد صلى الله عليه وسلم ، وأعداؤنا لا يرعبهم إلا الإسلام وأهل
الإسلام، وهم يعلمون أنّ
القضية قضية إسلامية، ولن ينجح في دحرهم إلا من تمسك بدينه؛ لذلك يسعون جاهدين لصرف
المسلمين عن
إسلامية القضية، وضرب كل مسلم يطالب بها، وهذا ما طنطنت حوله كثير من وسائل إعلامهم
منذ قيام
دولتهم، فقد كتبت صحيفة الديلي ميرور: تحذر الغرب من المسلمين الذين يسعود جاهدين
لإقناع العرب أن
قضية فلسطين إسلامية، وأن العرب لو اقتنعوا بإسلامية قضية فلسطين فستفشل كلُّ
مخططات إسرائيل والدولِ الغربية.
ويقول إيريل برغر: إن العرب لا بد أن يأتي اليوم الذي يتعاونون فيه معنا، وهذا
التعاون لن يتحقق إلا بعد
القضاء على المسلمين المتعصبين الذين يغذون الشعب بنظرة العداء ضدنا.
وفي صحيفة يدعوت إحرانوت في مقالها الرئيسي: يجب أن يبقى الإسلام بعيداً عن معركتنا
مع العرب،
ولو اقتضى الأمر إلى الاستعانة بأصدقائنا لاستعمال العنف والبطش لإخماد أي يقظة
للروح الإسلامية.
وكتب يبرغين ودرستورن يقول: إن الاكتفاء بمراقبة الانتفاضة الإسلامية لن يفيدنا
بشيء، وإذا لم نبادر إلى
مقابلتها بعنف عسكري يفوق عنفها الديني، فإننا نكون قد حكمنا على العالم النصراني
بمصير مهين يجلبه
على نفسه إذا استمر تهاوننا في مواجهة المسلمين المتطرفين.
وكتب ليندون لاروش يناشد الحكومة الأمريكية بإصدار إعلان رسمي بمطاردة الإسلاميين،
واعتبارهم خارجين
عن القانون الدولي حتى يتم القضاء عليهم.
وقال البرفسور يوشواح بورات: إنّ المساجد هي دائماً منبع دعوة الجماهير العربية إلى
التمرد على الوجود اليهودي.
وكتب المستشار الدكتور ريتشارد ميتشل إلى الحكومة الأمريكية في توصية له يقول: انصح
بإجراءات القمع
الجزئية ضد القيادات الإسلامية.
ومن هنا كان مقتل الشيخ أحمد ياسين –رحمه الله- أمراً متوقعاً، وهذه المحاولة
الثالثة، وتمت كما أراد العدو
بتقدير الله تعالى، وفرغوا من تصفية جسده لتبقى قصته عبرةً لمن يعتبر.
لقد وجه الشيخ أحمد ياسين - قبيل استشهاده – رسالة إلى القمة العربية القادمة قال
فيها: الجهاد في
فلسطين حقٌّ مشروع للشعب الفلسطيني، وهو فرض عين على كل مسلم ومسلمة، وإنّ وصفهم
بالإرهاب
من قِبل أعداء الله لَظلم عظيم يرفضه شعبنا المرابط في فلسطين وترفضه كذلك شعوبنا
العربية والإسلامية.
وقال: إن شعبنا وهو يخوض ببسالة معركة فرضت عليه لهو جدير أن يلقى كل أشكال الدعم
والتأييد من الأمة.
وزاد: المسجد الأقصى يناشدكم، وقد أعد الصهاينة العدة بدكّ أركانه وهدم بنيانه، فمن
له بعد الله إن لم تكونوا أنتم.
وبعد هذه الرسالة المكتوبة بمداد الأقلام كتب الشيخ رسالته الأبلغ إلى الأمة
وقادتها بمداد دمه.
والذي تابع ما وقع للشيخ أحمد ياسين –رحمه الله- يرى حرباً إسرائيلية هائلة، مزودةً
بكل أدواتِ التقنية
الحديثة، تواجه شيخاً كبيراً مقعداً، لم يكن متخفياً، بل يعيش كالناسِ في بيته،
وتغيرُ عليه طائرة بصاروخ
وهو خرج من صلاة الفجر على كرسيه.
إنّه انتصارٌ كبيرٌ للشعب الفلسطيني، ودفعٌ معنوي كبير لكل مسلم، طفلاً كان أو
بالغاً، رجلاً أو امرأة، مريضاً
أو معافى، إذ كيف تقف دولةٌ هي الأقوى عسكرياً في المنطقة، تدعمها قوى البغي
العالمية في مواجهة شيخ
مشلول؟ لا شك أنّ هذه الغارة أظهرت إسرائيل ومن وراءها في موقف الضعيف المهزوم
الجبان.
وقتلُ الشيخِ ياسين أظهر أنّ شعبنا الفلسطيني هو الأقوى في هذه المعركة، لأنَّ صاحب
الحقِّ مهما كان ضعفُه
الحسي يكتسب قوته في الحق، وأنّ الباطل هو الضعيف، ويبدو واضحاً أن الشعب الفلسطيني
يمتلك من الإرادة
والقدرة ما يجعل التفكير في المستقبل لا يعطي مجالاً لاحتمال الهزيمة، ويجعل القبول
بالهزيمة أمراً غير مقبول واقعاً.
كيف استطاع مثل هذا الشيخ بضعفه الجسدي أن يلحق بأعتى احتلال وأبشعه في التاريخ
والجغرافيا خسائر
وهزائم بالغة الأثر؟ بل وكيف يستطيع رجل مقعد كبير في السن يحتاج إلى مساعدة من
الناس ليؤدي أبسط
حاجاته أن يقهر مثل هذا الاحتلال ويقود مثل هذه المقاومة، وينجز مثل هذه المؤسسات
والحركات والشبكة
الإسلامية والوطنية القوية والمؤثرة؟
لقد أدرك اليهود والنصارى أنّ قوة هذا الشيخ وخطره يكمنان في تمسكه بدينه، وكلُّ
مسلم متمسكٍ بدينه فهو
أحمد ياسين عندهم، وكلُّ مسلم ليس بمغفل ولا ينسى قضيته فهو أحمد ياسين عندهم،
وكلُّ مسلم يسعى جاهداً
لنصرة إخوانه في فلسطين بدعائه لهم، وإعداده نفسه للجهاد، ودعمه المالي لهم، وفضحه
لمخططاتهم،
وتعريف المسلمين بإسلامية قضية فلسطين هو أحمد ياسين عندهم.
هذه دروس عظيمة مستفادة من من مقتل هذا الشيخ المريض المقعد، وفضله على الأمة حياً،
وفضل مقتله
علينا عظيم، إذا استطعنا الاستفادة من هذا الدرس بعيداً عن التميع وبعيداً عن
الصراخِ الذي لا يتعدى العواطف
التي سرعان ما تخبو نيرانها.
والله الموفق.
بقلم فضيلة الشيخ / أحمد بن عبد العزيز الحمدان
|